مراجعات

فلم «Dune»: هل ينتصر العقل البشري في المستقبل بعد أن هزمته التكنولوجيا؟

آية طنطاوي

يعيدنا فيلم  Dune (كثيب) -أحدث أفلام المخرج ديني فيلنوف والمقتبس من سلسلة روايات «كثيب»، للكاتب الأمريكي فرانك هربرت- إلى التفكير من جديد في مفهوم «الاقتباس السينمائي»، وهو ما يطرح أمامنا سؤالاً جليًا: هل الفيلم يقدم معالجة درامية مختلفة عن الرواية، أم أنه يتكامل معها؟ نحن أمام رواية من أهم روايات الخيال العلمي الصادرة في النصف الثاني من القرن العشرين، إنها تجربة خيالية كاملة يغزل فيها فرانك هربرت خيوط خياله ويكتب تصوراته لشكل البشرية بعد ما يقرب من 20 ألف سنة، حيث يبدأ سرد الرواية والفيلم بعد أن نشبت ثورة كبرى بين البشر والآلات أرادت فيها الأخيرة السيطرة على البشرية، فتمرد البشر وقرروا هجر التكنولوجيا والآلات التي تسحق العقول واتجهوا إلى كواكب بعيدة ليعيشوا عليها ويبدأوا ثقافة وحياة جديدة، وخلقت نمط حياة متأثرًا بالثقافات القديمة ودياناتها المقدسة، بل إنها تسيرها النبوءات كما العصور الوسطى. وعلى كوكب أراكس تبدأ الرواية الكشف عن الصراعات السلطوية ورحلة البطل في آن.

من النص إلى الشاشة

أمام كل عمل سينمائي جديد مقتبس عن نصّ أدبي، تعود أسئلة الاقتباس لتتجلى أمامنا، ما الذي يعنيه الاقتباس تحديدًا؟ وما هي حدوده؟ في كتابها «النص والصورة: السينما والأدب في ملتقى الطرق»، تفرد د. سلمى مبارك البساط وتفكك مفهوم الاقتباس، وسأقف الآن، عند جملة وردت بين سطور الكتاب تقول: «الاقتباس الحُرّ المبدع الذي يستلهم من الأصل الأدبي رؤى خاصة يصوغها السينمائي من جديد في فيلمه». وهذا يعيدنا إلى ما يمكن اعتباره الفضاء الثالث الذي يقع فيه النصّ والصورة معًا، حيث الصورة تستلهم من الكلمة وتتشكل وفق رؤى إبداعية للفنان صانع الفيلم امتثالاً لأدواته السينمائية. فإذا وصف الأديب فرانك هربرت نور شمس كوكب أراكس بأنه «الأبيض الحليبي، يصبغ المشهد بصبغةٍ فضية»، فإن المخرج ديني فيلنوف، سيفكر كيف يوظف أدواته ومصادر الضوء وتصحيح الألوان ليعكس لنا سماء أراكس المصبوغة بهذا الأبيض الفضي؛ بالأحرى سيجيب بصريًا على تساؤل كيف يمزج بين مخيلته البصرية والوصف الأدبي لكوكب أراكس.

قبل الدخول والتعمق في نسخة ديني فيلنوف السينمائية، علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً، حيث نسخة المخرج ديفيد لينش من فيلم Dune -إنتاج 1984- ورغم أنها لم تلقَ النجاح المتوقع منها إلا أنها تضعنا أمام طبيعة الاختيارات الفنية للمخرج الذي اعتمد على التصوير داخل استوديوهات، ليقدم نسخة معلبة من عالم «كثيب»، الذي رسمه هربرت. وإن كنا الآن، في حِل من المقارنة بين الفيلمين، إلا أن هذه اللمحة تعيدنا أمام اختيارات المخرج في إعادة بناء عالمه السينمائي الذي سينتمي له «كثيب»، بصريًا ودراميًا. والأهم هو النقطة التي يرتكز عليها المخرج قبل البدء في مشروع الاقتباس، وهذه النقطة حتمًا تبدأ بسؤال هام: لماذا كثيب؟ وما الذي يريد أن يقوله هذا العمل الملحمي؟

في نبوءته الأدبية لمصير البشرية بعد آلاف السنين، ينحي فرانك هربرت التطورات التكنولوجية جانبًا؛ فقد قرر البشر أن الآلات ألغت عقولهم، فاستبدلوها. تقول الأم الموقرة في الرواية: «قديمًا ترك الناس مهمة التفكير للآلات، على أمل أن يحرِّر ذلك البشرية، لكن هذا سمح لأناس آخرين يملكون الآلات باستعبادهم»، ويرد عليها البطل بول قائلاً: «لا تصنعوا آلات، تحاكي العقل البشري». يقف هربرت على مسافة من الحاضر ويحاكمه بلسان المستقبل البعيد، يستشرف ما تفعله الآلة بالعقل البشري ويعيده إلى معادلة حساسة وشائكة كأنه اخترع سلاحًا ليدافع به عن نفسه فقتله ذلك السلاح بحركة مباغتة. وهو ما يفسر شكل المستقبل الذي يتخيله هربرت، يفتقر لحضور الذكاء الاصطناعي -بعكس أغلب كتابات الخيال العلمي- ولا يضعنا أمام كائنات فضائية خرافية وحروب فضائية، بل يقترب أكثر من البشر، الصراعات البشرية تغذيها نزعة البقاء على قيد الحياة، إنه مستقبل بوجه واحد حيث البشرية في صراع محتد مع نفسها، صراع البقاء ممتد ولا يتغير بتغير الزمن. والصراع هنا على كوكب غني بالثروة «كوكب أراكس»، الذي انتزعت سلطته من آل هاركونن، وأعطيت للدوق ليتو بعد أن اكتشف فساد الهراكنة في استغلالهم لثروات أراكس ونهبها. إنه استغلال ينطوي على رغبة في السيطرة والتملك، ومن هنا تلتفت الأنظار إلى الخلاص من زاوية أخرى، انتظار ظهور المخلص، أو المختار الذي سينجي البشرية من هلاكها في صراع السلطات الكبير على كوكب أراكس.

ولأن الإنسان يتوق دائمًا إلى التفكير في طرق الخلاص والبقاء، يمكننا النظر إلى «كثيب»، بأنها مادة درامية ثرية تصلح للاقتباس في كل الأزمان، ورواية ترسم عالمها على مهلِ وتورطنا أكثر في خيالات مؤلفها المثيرة للتأمل.

فلسفة الخوف

تقرر جيسيكا أم البطل «بول/ تيموثي شالاماي» -وزوجة الدوق ليتو- أن تضعه في اختبار قاسٍ وعنيف على يد الأم الموقرة لتعرف إن كان ابنها حقًا هو البطل المختار أم لا، وأثناء الاختبار تقف بالخارج وتتلو صلاةً عن الخوف، تقصيه عنها وتدعو آلهتها لأن ينجو ابنها من هلاك الاختبار. بينما ظلّ بول بالداخل يواجه اختبار الألم، لا يعرف لماذا تصنع به أمه ذلك، لكن الأم الموقرة تريد أن تختبر هل ما يحرك بول نزعته الإنسانية أم الحيوانية؟

في تفسيرها للألم تقول الأم الموقرة إن الحيوان إذا تعرض للألم في جزء من جسده سوف يبتره، لكن تحمّل الألم هو صفة إنسانية لا شك فيها. وفي صلاة الأم تقول: «يجب ألا أخاف.. الخوف يقتل العقل». لا ينطوي الأمر على مجرد صلاة مقدسة في ديانة متخيلة، بل إنه يعكس فلسفة خاصة يبني بها فرانك هربرت عالم «كثيب»، حيث العقل فيها أداة بشرية تتحكم وتسيطر وتمنح صاحبها القوة والوعي، وتميز نزعات الإنسان عن نزعات الحيوان، «إنها فلسفة تعيدنا إلى الحكمة في ثوبها البكر، حيث الخوف عدو لها، إذا حضر الخوف غاب العقل واستوحشت النزعة الحيوانية»، وهو أمر لا يفترض أن يكون في سلالة بشرية تسعى للتحكم وتحارب من أجل بقائها. وفي عالم يتخلص من كل سطوة خارجية غير سطوة العقل البشري يبدو منطقيًا أن تحوم في سماواته كل ما يعيدنا إلى قوة العقل ورجاحته، حتى الصلوات المقدسية فيه لا تخلو من التذكير بأهمية العقل.

لكن ماذا عن شخصية «بول»؟ وهل هو المختار المنتظر حقًا؟

بطل بوجه واحد

يحمل البطل «بول»، في «كثيب» كل سمات المسيح في المسيحية، والمهدي المنتظر في الإسلام، المخلّص الذي تجري السنوات ولا تخلو العقائد من أمل قدومه الذي سيخلص البشرية من هلاكها، ينصر العدل ويبطل سيوف الشر. لكن المعالجة السينمائية لم تتبع مسيرة البطل بداية من نداء الرحلة مرورًا بكل محطاتها الدرامية، بل اعتمد أن يكون الفيلم في جزئه الأول رحلة بحث المختار «بول»، عن هويته، وهي رحلة خاصة جدًا لا تقل في أهميتها عن الصراعات اللاحقة في الرواية، بل إن فرانك هربرت يفرد لها ما يزيد عن المئتي صفحة الأولى من سلسلة الروايات، فأتى الفيلم وكأنه إحماء درامي وتمهيد للأجزاء التالية. ربما يكون هذا الأمر أزعج عددًا من الجمهور الذي انتظر المزيد من الفيلم لكن الأمر لم يمنع من وجود متعة درامية وبصرية آسرة على مدار أحداث الفيلم.

في خضم رحلة البطل تتجلى صراعات خارجية هي المحور الرئيس الذي يرتكز حوله شكل المستقبل في عالم «كثيب»: استغلال الموارد الطبيعية واحتكارها، سطوة الرأسمالية، وقوة تأثير الدين والنبوءات على المصائر، كل هذه العناصر تتموضع في قالب من الصراعات الكبرى في معادلة «البقاء للأقوى»، وهي صراعات خارجية يحاول البطل بول أن يطردها من صوته الداخلي ومن أفكاره، إنه يريد أن ينفض عنه كل هذه الموروثات ويلتحق بنزعته وأفكاره الأكثر إنسانية.

كوكب آراكس هو محور نزاع، فبعد أن قررت الإمبراطورية الحاكمة أن ينزع عن آل هاركونن سطوتهم على الكوكب -بعد ممارساتهم الإقطاعية وفسادهم، وتكوين ثروات هائلة من التنقيب عن الاسبايس- قرر أن يمنح الدوق ليتو  -من آل اتريدس- حكم آراكس، وعليه ارتحل ليتو من كوكب كلادان إلى آراكس مع زوجته جيسيكا وابنه بول وحاشيته. إنه صراع سياسي بالأساس حول من يحكم الكوكب الذي ينطوي على الثروة ومصادر الطاقة، هذا الكوكب عامر بالاسبايس -أو التوابل- لكنه عامر أيضًا بالقوى الاستعمارية التي يتواطىئ الجميع للإمساك بها، بينما أهل أراكس، الشعب البسيط، يقف في الأطراف لا المركز، غارق في استسلامه، وفي عقائده الإيمانية انتظارًا للمختار.

نحن إذن، أمام معادلة من طرفين لا تختلف كثيرًا عن الواقع، الدين والسياسة، وهي المعادلة التي تفرض سطوتها في الواقع والخيال، فلا فكاك من حقيقتها، بل من شراسة حضورها والتعامل معها كأمر مسلّم به، حيث يضعنا «كثيب»، أمام فيض من الأسئلة من سينتصر إذن، في نهاية المطاف؟ الدهاة السياسيين، أم المهدي المنتظر؟

يمكننا القول إن «القوة هي التي تمنح المنتصر عصا النصر. قوة الإيمان، أو قوة السلاح، أو قوة الدهاء السياسي». عندما طرد آل هاركونن من آراكس استخدموا المكر والدهاء ليعودوا إليه من جديد، بالتحايل والتخلص من الدوق ليتو بقتله غدرًا، ورغم الهزيمة التي تمتد من منتصف الفيلم إلى نهايته إلا أن يقين بول من أنه المختار جعل قوة النصر في الضفة المقابلة حيث الإيمان بقوة النبوءات تزيد من فرصه في النصر والبقاء.

أساطير ونبوءات

تحمل شخصية «بول»، أو المختار كل صفات الرسل المختارين: الوحدة والعزلة، الذكاء البادي، الملامح الهادئة التي لا تخلو من النقاء، والهجرة من بلاده إلى بلاد جديدة، ومن جهة أخرى خفية تطارد الأحلام بول، أحلامًا تشبه علامات الوحي، يحلم دومًا بصحراء أراكس وكأنها أرض الميعاد، وفتاة جميلة تغويه للسير بين دوربها الوعرة، يجري خلفها، يلمس رمالها اللامعة بيديه، يشعر أنها ليست مجرد أحلام بل نداءات روحانية لا يجد لها تفسيرًا، نداءات لأرض آراكس التي تنتظره. ربما هي علامات الوحي، مجرد شكوك تراوده وترسم أمامنا ملامح المخلص الجديد الذي لا يختلف كثيرًا عن سمات الأنبياء القدامى -بل ويمكنني إضافة وصف المنقذ ذي العرق الأبيض- وكأن المستقبل لا يخلو من سِمات الماضي وصفحات التاريخ المعهود.

يمكنني إضافة وجود علاقة خاصة تربطه بالطبيعة من جهة وبأمه من جهة. تؤدي الأم جيسيكا دورًا  لا يقل أهمية عن البطل، إنها الحامي له والمؤمن الأول به، بل إنها تضعه منذ البداية في اختبارات لتتيقن من أنه المختار المنشود، تسعى دائمًا لشد عضده والإيمان به، كما آمن السابقون بأنبيائهم وقدّيسيهم.

وجود الأم يعيد إلى تفكيري معادلة جديدة تقف فيها الأسطورة في مقابل العقل. تعرَّف الأسطورة في المعاجم الفلسفية بأنها: «تصور شامل عن العالم، وعن مكانة الإنسان في الطبيعة»[1]. وهو ما يعيد البوصلة من جديد إلى سطوة الحضور الأسطوري في عالم «كثيب»، ممثلاً في الأم جيسيكا التي تنتمي إلى بني جيسيرت، إنها الرفيق الذي يكمل مع الابن رحلته بعد مقتل أبيه، وهي الطرف الثاني من المعادلة التي يقف فيها بول كطرف أول، العقل والأسطورة، قوة التحكم وقوة استشراف العالم وفقًا للأساطير المقدسة.

الأسطورة أنثى

«مع انتقال الليدي جيسيكا إلى كوكب أراكس، حقق برنامج البني جيسيرت لزرع الخرافات والأساطير في العوالم البدائية، عن طريق المبشرات الحاميات كامل أهدافه لم ينقص منها شيئًا. لطالما كانت الحكمة من زرع مختلف كواكب الكون المعروف بنبوءات مصممة لحماية نساء البني جيسيرت موضع تقدير».

«من أرشيف البني جيسيرت السري، رواية كثيب، ترجمة نادر أسامة».

يبدو عالم «كثيب»، ذكوري للغاية، حيث الرجال في منتصف حلبة الصراع وعلى أطرافها، بينما تظهر النساء في الفيلم بمظهر متحفظ جدًا، حيث الحجاب يغطي رؤوسهن والفساتين البسيطة تغطيهن بالكامل، لكن الأمر لا يضعهن في موضع الظل بقدر ما يجعلهن في موضع قوة جبارة. يمكننا إعادة النظر إلى «بني جيسيرت»، التي تنتمي لها الأم جيسيكا، إنهم قوم يملك نساؤه قوة لا يستاهن بها، فتوصف الأم الموقرة التي تنتمي لهم بأنها «تجمع بين غواية العشيقات، وشموخ الآلهة العذراوات»، والأم جيسيكا ترفض أن تكون مجرد وعاء ينجب الذرية فحسب، بل تطمح أن تكون أمًا لابن يملك قدرات خاصة، أو المختار الذي ينتظره العالم.

لذا تحمي جيسيكا ابنها وتقوده لطريق الصواب عندما تتعطل به الأفكار، إنها تنتمي إلى قوم لا يملكون قوة الأساطير فحسب، بل يستطيعون التحكم في أجسادهن وحواسهن، لكنهن لا يملكن سطوة كاملة في هذا العالم الخيالي الذكوري، بل يستطعن أن يمارسن تلك القوى الخاصة ليتحكمن في مصائرهن الصغيرة التي تنفذ في النهاية إلى مصالح سياسية أكبر.

في المشهد الذي تختبر فيه الأم الموقرة تحمّل بول للألم، تجلس في وقار عتيد قلنسوة رأس طويلة على رأس تمنحها هيبة وكأنها قطعة مسيطرة في رقعة شطرنج بينما بول أمامها كعسكري ضعيف لا يملك إلا حركة واحدة صوب موته. الأم جيسيكا، والأم الموقرة يحركان كل شيء من مقعديهما، إنهما رمز حقيقي للسيطرة والقوة الناعمة، وهذه الصورة تعكس الرؤية البصرية التي يرى بها فيلنوف بني جيسيرت.

كل هذه الأفكار مجمعة تعيدنا إلى التفكير في المعاني المبطنة خلف عالم «كثيب»، الخيالي كما تعيدنا مرّةً أخرى إلى أدوات المخرج ديني فيلنوف في إعادة خلق «كثيب»، الذي رسمه هربرت. والاقتباس هنا في الفيلم لم يلعب دور الترجمة من نص إلى صورة بقدر ما كان موغلاً في لغته بما يتوافق مع الهدف الدرامي من الفيلم، وهو رحلة بول في اكتشاف نفسه في هذا الكوكب الجديد، إنه اكتشاف داخلي وخارجي، يمتد من الغرف المغلقة إلى فضاءات الصحراء الواسعة، في مزج بين مآلات الخيال وأرض الواقع.


[1] جدلية العقل والأسطورة،  سليمان السلطان، منصة معنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى