غير مصنف

معضلة المعرفة ووحدة العقل عند كانط

مارك شوفاني

إنّ المقصود بمعضلة المعرفة هو مسألة صحّة الأفكار أو تطابقها مع الواقع. هذه المسألة تقوم على العلاقة بين طرفين وهما الموضوع أو الذات (subject)، والشيء (object)، والمعضلة تكمن في تحديد هذه العلاقة. الذات هي الإنسان ككائنٍ معرفيٍّ ذي وعيٍ يختبر الشيء الذي يمكن أن يكون شيئًا يُختبَر من خلال التجربة الحسّيّة أو لا. إنّ الشّك بوجود الشيء أو القول باستحالة معرفة الذات للشيء بطريقةٍ موضوعيةٍ يعود إلى الفصل بين الذات والشيء، ممّا جعل إيمانويل كانط (١٧٢٤ – ١٨٠٤)، كما غيره من الفلاسفة مثل جورج فيلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠ – ١٨٣١)، هنري برغسون (١٨٥٩ – ١٩٤١)، ومارتن هايدغر (١٨٨٩ – ١٩٧٦)، بأن يقوم بتأسيس الوحدة بين الذات والشيء. في هذا المقال أجادل بأنّ الوحدة بين الذات والشيء عند كانط لا تتوقّف عند إنتاج الذات للشيء على مستوى فهم الاختبار الحسيّ، بل تشترط وحدة العقل، أي وحدة العقل العملي والعقل النظري. بالإضافة إلى تقديم النقد بأنّ كانط لم يحقّق الوحدة المنشودة.

وحدة الذات والشيء

إنّ الحلّ الذي يقدّمه كانط لمشكلة الفصل بين الذات والشيء يعتبر الحلّ المعاكس لما يقدّمه برغسون. إنّ كانط يضع الأولويّة للذات، أما برغسون يضعها للشيء. فبالنسبة لبرغسون، تذهب الذات لتندمج مع الشيء، أو الواقع الخارجي، وذلك عبر الحدس. إنّ حقيقة الواقع هي التغيُّر المستمر، لذلك على الذات أن تندمج مع هذا التغيُّر لكي تفهم الواقع الذي يتمثّل بالشيء المعرفيّ. لكن بالنسبة لكانط، كما يناقش في كتاب «نقد العقل الخالص» (Critique of Pure Reason)، الأولويّة تُعطى للذات التي تقوم بإنتاج الشيء، وهذا ما يُعرَف بـ «ثورة كانط الكوبرنيكيّة». الذات هي مصدر الواقع والشيء، فالزمان والمكان شكلان[1]، في الملَكة الحسّيّة للذات، أي أنها داخل الإنسان وليست خارجه. تتلقّى الذات في هذين الشكلين مجموعةً من المعطيات المبعثرة عن الأشياء[2]، ثم تقوم بفهم هذه المعطيات كظواهرٍ بتوحيدها وتنظيمها من خلال أشكال الفهم (أو المقولات) الإثني عشر الخاصّة بها كالسببية مثلًا التي تُنتج فهم الظواهر المتلاحقة كأسبابٍ تتبعها نتائجها. ما تتلقّاه الذات هو المضمون (content)، الذي يستخدمه لملء فراغ الأشكال وإنتاج المعرفة. إذن، الذات تستقبل المعطيات الحسيّة غير المفهومة وتوحّدها عبر الأشكال المعرفية لتُنتج الشيء. الظاهرة تنتج عن دمج الأشكال القبليّة (a priori forms)، التي في الذات مع ما تستقبله من الخارج، أي المضمون، والشيء ينتج عن دمج الظاهرة مع مفهوم الشيء الفارغ المنفصل عن الاختبار الحسيّ، أي ما يسميه كانط «الشيء بحدّ ذاته».

لكن هذا لا يكفي للوصول إلى وحدة الذات مع الشيء لأنّها مشروطة بوحدة جميع الأشياء وبوحدة الذات. إنّ العقل النظري يقوم بتوحيد الذات وجميع الأشياء في ثلاثة «أشياءٍ بحدّ ذاتها» وهي: الله، النفس، والعالم. لكن هذه الأشياء بحدّ ذاتها هي مجرّد أفكارٍ بالنسبة للعقل النظري، تمثّل الكليّة، كليّة الأشياء. ما يقصده كانط من أنها أفكار هو أنّه لا يجدر بالعقل أن يتعامل معها كأشياءٍ معرفيةٍ كما فعل الكثير من الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين سبقوه. لكن ما وصل إليه العقل النظري ليس وحدة الأشياء لأنّه لم يصل إلى فكرةٍ واحدةٍ، بل إلى ثلاث أفكارٍ، ليس إلى شيءٍ بحدّ ذاته إنما ثلاثة أشياءٍ بحدّ ذاتها. لذلك السبب، أكمل كانط عمله في كتاب النقد الثاني، «نقد العقل العملي» (Critique of Practical Reason)، حيث قام ببناء وحدة العقل، أي الوحدة بين العقل النظري والعقل العملي، ممّا يضمن وحدة الذات مع ذاتها ومع الشيء. في كتابه الأول، يناقش كانط عمل العقل النظري، أما في الثاني فيناقش عمل العقل العملي الذي يسعى للوحدة مع العقل النظري. إذن، ما تبقّى لكانط أن يثبته هو وحدة الأفكار الثلاث من خلال توحيد العقل النظري مع العملي. وبذلك، يكون قد أثبت أنّ العقل واحدٌ، أي أنّ الذات التي تُنتج الشيء هي واحدةٌ، ممّا يضمن وحدة الذات والشيء. فإذا كان العقل العملي منفصلًا عن العقل النظري، لا تكون الذات في وحدةٍ مع ذاتها، وبالتالي، لا يمكننا أن نحقّق وحدة الذات مع الشيء بسبب انفصال الذات عن ذاتها.

علاقة العقل النظري مع العقل العملي

يتعلّق نقد كانط الأول، نقد العقل الخالص، أساسًا بالعقل النظري الذي يبني معرفة العالم، بينما يتعلق نقده الثاني، نقد العقل العملي، بتحديد الإرادة التي تُحدِث التغييرات في العالم. يمكن الكشف عن العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي من خلال مفهومي الوحدة والأسبقية (primacy): وحدة العقل العملي والنظري من جهة، وأسبقية العقل العملي على العقل النظري من جهة أخرى. في البداية، يفترض كانط مسبقًا وحدة العقل ليقول إنّ العقل العملي له الأسبقية على العقل النظري (Kant 2015: 98). إلى جانب ذلك، يستخدم كانط مفهوم الخير الأسمى، وضمنيًّا مسلّمات العقل العملي الثلاث التي هي خلود النفس ووجود الله والحريّة، والتي تمثّل أسبقية العقل العملي على العقل النظري، لاستنتاج وحدة العقل. أعني أنّ كانط يستخدم الأسبقية لاستنتاج الوحدة ويستخدم الوحدة لإثبات الأسبقية؛ يبدو أنّ الحجّة دائريةٌ. يقول كانط في نقده الثاني: «إننا بذلك لا ندرك طبيعة أنفسنا، ولا العالم بكلّيّته، ولا الكائن الأسمى (الله)، كما هم في ذواتهم، ولكننا نكون قد وحّدنا مفاهيمهم في المفهوم العمليّ للخير الأسمى من خلال السّعي إليه بالإرادة» (Kant 2015: 107). في هذه الجملة يستنتج كانط وحدة العقل المتمثّلة بوحدة مفاهيم الأفكار الثلاث للعقل النظري من خلال إرادة الخير الأسمى، دليلًا على أنه يفترض مسبقًا أسبقية العقل العملي على العقل النظري لأنّ السّعي للخير الأسمى في العقل العملي هو الذي يوحّد الأفكار الثلاث للعقل النظري. فالأسبقية تعني أنّ واحدًا من الطرفين يقود الآخر إلى وحدتهما. كما سنرى أيضًا، أنّ هناك ثلاثة طرقٍ لشرح وتحقيق وحدة العقل في كتابات كانط، أو ثلاثة معانٍ للوحدة: أولًا، من خلال إيجاد مبدأ لمفهوم الخير الأسمى. ثانيًا، من خلال المسلّمات الثلاث للعقل العملي بأن تكون شروطًا للقانون الأخلاقي والخير الأسمى. ثالثًا، الاعتقاد العقلاني (rational belief)، بمسلّمات العقل العملي، على الرغم من اختلاف الاعتقاد عن المعرفة (knowledge).

أسبقية العقل العملي على العقل النظري

يشرح كانط في هذا المرجع (Kant 2015: 97-98)، ويناقش ثلاثة احتمالاتٍ وهي ألّا يكون هناك أسبقيةٌ لأيّ عقلٍ على الآخر، أو أن يكون لدينا أسبقية العقل النظري على العقل العملي، أو العكس، وذلك ليستنتج في النهاية أنّ العقل العملي لديه الأسبقية على العقل النظري. لكن لنرى أولًا، ماذا يقصد كانط بمفهوم الأسبقية بكلماته:

«أفهم أسبقية شيءٍ بين شيئين أو أكثر مرتبطين بالعقل كامتياز الشيء بأن يكون أوّل أساسٍ محدّدٍ للعلاقة مع بقية الأشياء. بالمعنى العمليّ الضيّق، فإنه يشير إلى امتياز فائدة الواحد بقدر ما تكون فائدة الآخرين تابعةً له (ولا يمكن أن تكون فائدته أدنى من أيّ فائدةٍ أخرى)».  (Kant 2015: 97).

الاحتمال الأول الذي لدينا هنا هو الحالة التي لا يكون فيها للعقل العملي أيّ افتراضاتٍ أو مبادئ مسبقة قبليّة[3] (a priori)، خاصةٍ به، في حين أنّ العقل النظري يوحّد تنوُّع المعطيات التي نتلقّاها في أشكال المكان والزمان في ثلاث أفكارٍ: الله، النفس، والعالم. لذلك، في هذه الحالة، لا يقدّم العقل العملي أيّ شيءٍ يتجاوز به ما يقدّمه العقل النظري. «إذا كان العقل العملي قد لا يفترض ويفكّر على أنه يقدّم أيّ شيءٍ أبعد ممّا يمكن أن يقدّمه العقل النظري من منظاره، فإن الأخير له الأسبقية» (Kant 2015: 97). وبالتالي، فإنّ العقل النظري له الأسبقية على العقل العملي إذا لم تكن هناك افتراضاتٌ مقدّمةٌ من قبَل العقل العملي لتوحيد الأفكار الثلاث. يتمّ رفض هذا الاحتمال من قبَل كانط لأنه، حتى لو لم يكن هناك مبادئٌ مسبقةٌ للعقل العملي، فإنّ فائدة العقل النظري هي نفسها عمليّة. لكن يشير كانط بأنه «لا يمكننا أن نطلب عقلًا عمليًا خالصًا ليكون خاضعًا للعقل النظري وبالتالي عكس الترتيب، نظرًا لأنّ كلّ الفوائد والاهتمامات عمليّة في نهاية المطاف وحتى فوائد العقل النظري مشروطة وتكتمل في الاستخدام العملي وحده» (Kant 2015: 98). وبالتالي، فإنّ إدراك الشيء وفهمه الذي يقوم به العقل النظري ليس غايةً في حدّ ذاته، ولكنه مجرّد وسيلةٍ لاستخدام هذه المعرفة لفائدةٍ عمليةٍ. لذلك، لا يمكن أن يكون للعقل النظري أسبقيةً على العقل العملي لأن مصلحة العقل العملي أو فائدته تعطي الأسبقية على فائدة العقل النظري.

الاحتمالان الثاني والثالث، ينبعان من الحالة التي يكون فيها للعقل العملي مبادئ قبليّة خاصة به، وبالتالي، يقدّم شيئًا أبعد ممّا يقدّمه العقل النظري. لذلك، وفي هذه الحالة، يكون للعقل العملي الأسبقية على العقل النظري، أو يتمّ وضعهما جنبًا إلى جنبٍ حيث لا يتمتّع الواحد منهم بالأولوية على الآخر. لكن في هذا الاحتمال الثالث، إذا افترضنا أنّ العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي علاقة مساواةٍ من دون أيّ أسبقيةٍ، فسوف يكون لدينا صراعٌ بينهما. «سيغلق الأول (العقل النظري)، حدوده على ذاته بشكلٍ صارمٍ ولا يقبل أيّ شيءٍ من الأخير (العقل العملي)، للدخول إلى مجاله، في حين أنّ الأخير سيمدّ حدوده ليشمل كل شيء، وعند الحاجة، سيحاول شمل الأول (العقل النظري)، بداخل هذه الحدود» (Kant 2015: 98). لكن كانط يرفض مثل هذا الصراع لأنّ العقل واحدٌ، أي وحدة متّسقة مع نفسها دون تعارض بين مبادئها وتأكيداتها (Kant 2015: 97). وهنا، كما ذكرنا سابقًا، يستعمل كانط وحدة العقل كأنها من البديهيات ليصل إلى الأسبقية، في حين أنه يحاول برهنة هذه الوحدة في أماكن أخرى من كتاب النقد الثاني. لذلك، من خلال الافتراض المسبق لوحدة العقل، يرفض كانط الصراع بين العقل النظري والعقل العملي. لذلك، في ظلّ فرضيّة وحدة العقل، يجب أن يكون هناك أسبقيّة لأحدهما على الآخر، ولأنّ العقل النظري لا يمكن أن يكون له أسبقيّة على العقل العملي بما أنّ كل الاهتمامات والفوائد والمصالح عمليّة، فإنّ العقل العملي يكون له الأسبقيّة. على حدّ تعبير كانط، «وهكذا، في اتحاد العقل الخالص النظري مع العقل الخالص العملي في إدراكٍ واحد، يكون للأخير الأسبقيّة» (Kant 2015: 98).

إنّ معنى قبول المبادئ العملية من قبَل العقل النظري هو امتدادٌ للإدراك عمليًا وليس نظريًا. لفهم معنى الامتداد، هنا يأخذ كانط مثال فكرة الله الخاصة بالعقل النظري، الممتدّة من قبَل العقل العملي الذي يأخذ له وجود الله كمُسلَّمةٍ:

«هناك نوع من المعرفة بالله، ولكن فقط بمرجعٍ عمليٍّ، وإذا حاولنا توسيعه ليشمل المعرفة النظرية، فإننا نجد فهمًا لا يفكّر، ولكنه مجرد حدسٍ، ونجد إرادةً موجهةً إلى أشياءٍ لا تقوم بإشباعها […]. كلّ هذه سماتٌ لا يمكننا أن نشكّل مفهومًا مناسبًا لها لإدراك الشيء، ونتعلّم من هذا أنه لا يمكن استخدامها أبدًا في نظريةٍ عن كائناتٍ تتخطى الاختبار الحسيّ، لذلك السبب هكذا أشياء غير قادرةٍ تمامًا على تأسيس معرفةٍ للعقل النظري وبدلاً من ذلك، فإنّ المعرفة واستخدامها يقتصران فقط على ممارسة القانون الأخلاقي». (Kant 2015: 110).

القانون الأخلاقي وفقًا لكانط هو التزام الإرادة بالعمل بشكلٍ أخلاقيٍّ أو أن تكون الإرادة فاضلةً. إنه كالضمير عندما يكون موضوعيًا ومستقلًا عن الملذّات كأن نكون سعداء على سبيل المثال. لذا، فإنّ قبول المبدأ العملي من قبَل العقل النظري لا يعني التنظير والتأمل في الشيء في حدّ ذاته الذي يمثله المفهوم الذي يتوافق مع المبدأ. على سبيل المثال، فإن وجود الله الذي يقدّمه العقل العملي كامتدادٍ للعقل النظري يقتصر على الاستخدام العملي لفكرة الله ولا يعني التكهّن حول الشيء في حدّ ذاته الذي من المفترض أن تمثّله فكرة الله. وهكذا، وبهذا المعنى، عندما يكون للمفهوم حقيقةً عمليةً من دون أن يكون مفهومًا لشيءٍ معقولٍ، فإنّ ما هو متسامٍ في العقل النظري يصبح جوهريًا في العقل العملي (Kant 2015: 107). هذا ما يقبلهُ العقل النظري من العقل العملي.

 

وحدة العقل

إنّ وحدة الإدراك هي وحدة الأفكار الثلاث للعقل النظري. يكتب كانط عن الحاجة إلى وحدة الإدراك على أمل أن نكتشف يومًا ما مبدأً خفيًا يوحّد إدراكنا:

«أن يكون لدينا القدرة يومًا ما على الوصول إلى نظرةٍ ثاقبةٍ في وحدة القوة العقلانية الخالصة بأكملها (النظرية والعملية على حدٍّ سواء)، واشتقاق كل شيء من مبدأٍ واحدٍ ؛ الحاجة التي لا يمكن إنكارها للعقل البشري، والتي لا تجد الرضا الكامل إلّا في الوحدة المنهجية لإدراكاتها». (Kant 2015: 74).

هذا هو المعنى الأوّل للوحدة بين العقل العملي والعقل النظري، وهو أن يكون لدينا المبدأ الذي يوحّد الأفكار الثلاث التي بدورها تقوم بتوحيد الاختبار الإنساني، أي اختبار الذات للشيء. بالحديث عن هذا، يؤكّد كانط ما يلي:

«لأننا بذلك لا ندرك طبيعة أنفسنا، ولا العالم بكلّيّته، ولا الكائن الأسمى (الله)، كما هم في ذواتهم، ولكننا نكون قد وحّدنا مفاهيمهم في المفهوم العمليّ للخير الأسمى من خلال السّعي إليه بالإرادة، وقمنا بذلك بشكلٍ قبليٍّ (a priori)، من خلال العقل الخالص ولكن فقط عن طريق القانون الأخلاقي، وعلاوةً على ذلك، فقط بالاستناد إليه وبما يأمرنا به». (Kant 2015: 107).

إنّ أفكار النفس، العالم، والله، هي مفاهيم تمثل الأشياء بحدّ ذاتها، أي طبيعة النفس، والعالم بكلّيّته التي تشمل أشياء العالم كما هي بحدّ ذاتها، وجوهر الله. هذه الأشياء بحدّ ذاتها تفوق فهمنا النظري، أي أنّ الذات لا يمكنها معرفة الأشياء بحدّ ذاتها، لذلك يؤكّد كانط في الاقتباس الأخير أنّ العقل العملي لا يغيّر هذه المحدودية للإدراك. بدلًا من ذلك، فإنّ ما يقوم به العقل العملي هو توحيد المفاهيم الثلاثة: لله، والنفس، والعالم، عبر المفهوم العملي للخير الأسمى.

يصف كانط ويعرّف الخير الأسمى بأنه ملكوت الله (Kant 2015: 103 , 105)، ويقدّم ملكوت الله على أنه يمثّل العالم بكلّيّته (Kant 2015: 110). لذلك، قد يكون المبدأ الموحّد الذي يبحث عنه كانط مخفيٌّ وراء ملكوت الله والعالم الكلّيّ. وربما كان لدى كانط مبدأً في ذهنه لكنه لم يقله صراحةً، أو أنه فشل في إيجاده مما أجبره أن يبحث عن معانٍ أخرى للوحدة أو أن يقوم بإثبات الوحدة بطريقةٍ أخرى. على سبيل المثال، استنادًا إلى أنّ كانط استعان بالمفهوم المسيحي لملكوت الله، قد يفكّر كانط في مبدأ الحبّ الذي تقدّمه المراجع المسيحية على أنه القاعدة الرئيسية في ملكوت الله حيث يمكن للبشر أن يعيشوا إلى الأبد.

المعنى الثاني لوحدة العقل، تكمن في العلاقة بين المسّلّمات الثلاث، أي خلود النفس، ووجود الله، والحرية، من جهة ومفهوم الخير الأسمى، والقانون الأخلاقي من جهة أخرى. يتكوّن الخير الأسمى من جزأين رئيسيّين: الأخلاق، والسعادة، ويمكن السّعي وراءه من خلال الإرادة في توزيع السعادة بالتناسب الدقيق مع الأخلاق (Kant 2015: 90 , 98-100)، أي التوافق التام بين الإرادة والقانون الأخلاقي. على وجه التحديد في (Kant 2015: 98)، يجادل كانط بأنّ «إنتاج الخير الأسمى في العالم هو الهدف الضروري للإرادة التي يمكن تحديدها بواسطة القانون الأخلاقي».  لذلك، تنبع إمكانية تحقيق الخير الأسمى من القانون الأخلاقي، إذن، «[…]، تعزيز الخير الأسمى، وبالتالي، افتراض إمكانية وجوده، ضروريٌّ بشكلٍ موضوعيٍّ […]»، (Kant 2015: 116 – 117).

يسمّي كانط التوافق التام بين الإرادة والقانون الأخلاقي على أنه «قداسة»، وهي الشرط الأعلى للخير الأسمى، وفي الفقرة ذاتها (Kant 2015: 99)، يؤكّد على أنه «[…]، كمالٌ لا يستطيع الإنسان العقلاني في هذا العالم الحسّيّ على الوصول إليه في أيّ لحظةٍ من وجوده». الكمال مطلوبٌ بموجب القانون الأخلاقي، لذلك يجب أن يكون موضوع الإرادة. وبما أنّ ما يأمرنا به القانون الأخلاقي يتجاوز القدرات البشرية، يجب السّعي إليه من خلال تقدّمٍ لا نهاية له (Kant 2015: 99). يفترض كانط أنّ هذا التقدّم اللامتناهي يستلزم حياة لا نهاية لها للنفس البشرية، ولذلك يفترض خلود النفس كشرطٍ لإمكانية تحقيق الخير الأسمى والسّعي اليه.

«هذا التقدّم اللامتناهي، مع ذلك، يصبح ممكنًا فقط على افتراض الوجود المستمر لشخصية الكائن العقلاني إلى ما لا نهاية (وهو ما يسمى خلود النفس). ومن ثم، فإنّ الخير الأسمى يصبح ممكنًا عمليًا فقط على افتراض خلود النفس، بحيث يكون هذا، باعتباره مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقانون الأخلاقي، كمسلّمةٍ (postulate)، للعقل العملي الخالص». (Kant 2015: 99).

بالطبع، القانون الأخلاقي العملي الذي ترتبط به الفرضية هو القانون الأخلاقي. لذا، فإنّ المسلّمة هي اقتراحٌ نظريٌّ يأخذ موضوعيّته وضرورته من القانون العملي وليس من العقل النظري. من دون خلود النفس ووجود الله الذي يساعدنا على السّعي وراء تحقيق الخير الأسمى الذي يأمرنا به القانون الأخلاقي، لا يمكننا فعل ما يتخطى قدراتنا. بهذا المعنى، المسلّمات هي شروطٌ للسّعي لتحقيق إرادتنا للخير الأسمى.

ترتبط المسلّمات الثلاث للعقل العملي بالمفاهيم والأفكار النظرية من جانبٍ، وترتبط بالقانون الأخلاقي من الجانب الآخر. القانون الأخلاقي هو مصدرٌ لواقعٍ موضوعيٍّ. يفترض كانط أنّ هذه الموضوعية هي يقينٌ مؤكَّدٌ بقوله التالي: «علاوةً على ذلك، يُعطى القانون الأخلاقي كما لو كان شيئًا واقعيًّا بالنسبة للعقل الخالص الذي يدركه قبليًّا كيقينٍ مؤكدٍ، على الرغم من أنه لا يمكن العثور على أيّ مثالٍ دقيقٍ على التقيّد به في التجربة الحسّيّة». (Kant 2015: 41).

يرتبط الجزء الذاتي من القانون الأخلاقي بإرادتنا، سواءً كنا نطيع القانون أم لا. بهذا المعنى، تختلف الحرية عن المسلّمات الأخرى بكونها شرطًا للقانون الأخلاقي. يتّضح هذا الاختلاف في (Kant 2015: 4)، حيث يجادل كانط بأن مسلّمات «الله والخلود»، مع ذلك، ليست شروطًا للقانون الأخلاقي، ولكنها فقط شروطٌ للموضوع الضروري للإرادة التي يحدّدها هذا القانون […]». ممّا يعني أنها شروطٌ للخير الأسمى وليس للقانون الأخلاقي. إذن، المسلّمات الثلاث للعقل العملي التي تأخذ كموضوعٍ لها الأفكار الثلاث للعقل النظري هي شروطٌ للقانون الأخلاقي والخير الأسمى، وهذا ما يفسّر وحدة العقل العملي والعقل النظري.

المعنى الثالث للوحدة، يكمن في قبول العقل النظري بمسلّمات العقل العملي كاعتقاداتٍ، كالاعتقاد بوجود الله. يوضح كانط أنّ الاعتقاد ليس ملزمًا أخلاقيًا، بمعنى أنه طوعيٌّ، وليس أمرًا يجب على العقل النظري قبوله مرغمًا. بدلاً من ذلك، يجب أن يتنازل العقل النظري عن ذلك دون أن يُسأَل (Kant 2015: 116). هذا لأنّ العقل لا يمكنه أن يقبل أنّ السعادة المتناسبة مع الأخلاق مستحيلةٌ ويريدها أن تكون ممكنةً، ولهذا السبب يحتاج العقل النظري إلى الاعتقاد بوجود الله ولكن لا يمكنه الوصول إليه من دون هدفٍ عمليٍّ. لذلك، في قبول المسلّمات تكمن وحدة العقل حيث الاتّساق بين أفكار العقل ومسلّماته.

نقد النقد الكانطيّ

يمكن أن نفسّر جدال كانط الدائري ما بين الوحدة والأسبقية بأنه يفترض وحدة العقل كحقيقةٍ بديهيّةٍ، لكن يجب تفسيرها من خلال علاقتها بالأسبقية المعطاة للعقل العملي على العقل النظري. لكن حتى وإن سلّمنا جدلًا بأنّ الأمر كذلك، هناك فصلٌ بين العقل النظري والعقل العملي يُترجَم بالفصل ما بين الاعتقاد (belief) والمعرفة (knowledge).

 في الفصل الثاني من القسم «حول قانون العقل الخالص»، (Kant 1998: 672-690) من النقد الأول «نقد العقل الخالص»، يعرّف كانط الاعتقاد بأنه كافٍ ذاتيًا، ولكنه غير كافٍ من الناحية الموضوعية. «إذا كان اعتبار شيءٍ ما صحيحًا هو فقط كافٍ ذاتيًا وفي الوقت نفسه يُعتبَر غير كافٍ من الناحية الموضوعية، فإنه يُسمّى بالاعتقاد»، (Kant 1998: 686). الكفاية الذاتية هي كيفية اقتناع المرء بصحّة شيءٍ ما، في حين أنّ الكفاية الموضوعية هي اليقين من أن يكون الشيء صحيحًا بناءً على أسبابٍ أو أسسٍ موضوعيةٍ، والتي يجب أن تؤخذ على أنها صحيحةٌ لكلّ إنسانٍ عاقلٍ (Kant 1998: 685).

إذن، في النقد الثاني «نقد العقل العملي»، يكون الاعتقاد بالمسلّمات كافيًا ذاتيًا، ولكن هناك موضوعية للمسلّمات تأتي من ضرورة الاستخدام العملي لموضوع الاعتقاد الذي ينبع من موضوعية القانون الأخلاقي. ممّا يعني أنّ الاعتقاد بمسلّمات العقل العملي سوف تبقى غير كافيةٍ موضوعيًا لأنّ كانط يقدّمها كاعتقاداتٍ، والاعتقاد ليس معرفةً ولا يتمتّع بالكفاية الموضوعية. فلو كانت الموضوعية المعطاة للمسلّمات من القانون الأخلاقي كافيةً لتصنيفها كمعرفةٍ، لكان كانط صنّفها كذلك ولم يصرّ على وصفها بالاعتقادات. فبحسب كانط أن يقبل العقل النظري مسلّمات العقل العملي كاعتقاداتٍ. وبالتالي، كيف يمكن للعقل النظري أن يقبل بتوحيد كلّ ما يصنّفهُ «معرفةً»، من خلال مجرّد «اعتقادٍ»؟، إنّ ما يجب أن يوحّد الأفكار الثلاث للعقل النظري الخالص يشبه المبدأ الذي لم يكشف عنه كانط، ولكن يجب أن يكون مقبولًا من العقل النظري بغضّ النظر عن فوائده العمليّة. فالفائدة العمليّة لفكرةٍ ما أو لنظريةٍ ما، لا تضمن توحيد ما هو نظريٌّ بما هو عمليٌّ. ما يوحّد النظري والعملي هو مصدرٌ مشتركٌ[4] وليس الفائدة العملية لما هو نظريٌّ.

إنّ الفرق بين المعرفة والاعتقاد أساسي لأنه يصل إلى نقطة ضعف نظرية المعرفة عند كانط، وهي أنّ الشيء بحدّ ذاته لا يمكن أن يكون موضوع معرفةٍ إنما موضوع اعتقادٍ. وهذا ما يجعل الوحدة بين العقل العملي والعقل النظري مهدّدةً وخجولةً، وما يجعل العقل النظري يُنتِج ما لا يعرفه ولا يحقّق وحدة أفكاره. للذات عقل عملي وعقل نظري حسب كانط، وحتى لو افترضنا أسبقية العقل العملي على العقل النظري ووحدة العقل، أي حتى وإن افترضنا وحدة الذات، فكيف لهذه الذات أن تكون بوحدةٍ مع الشيء وهي لا تعرفه بحدّ ذاته. الذات تعرف الظواهر، ولكنها لا تعرف المفاهيم المجرّدة التي هي جوهر الأشياء، وهذا ما يجعل الوحدة مهدّدةً من جديد ويُصدر الشّك بمعرفة الذات للشيء.

الخاتمة

إنّ المعضلة المعرفية لم تصل إلى حلٍّ مقنعٍ مع كانط، وهذا ما دفع هيجل وغيره من الفلاسفة للبحث عن مصدرٍ جديدٍ يوحّد الشيء مع الذات. هذا المصدر يوحّد أيضًا الموضوعية والذاتية، لأنّ الموضوعية تأتي من العلاقة مع الشيء، أمّا الذاتية من العلاقة مع الذات. علاوةً على ذلك، هذه الوحدة تعني وحدة التفكير والوجود، كما الوحدة بين النظري والعملي. إنّ هذا الفصل بين الشيء والذات هو ما دفع رينيه ديكارت (١٥٩٦ – ١٦٥٠)، للشّك بكلّ ما تتلقّاه حواسه، كما ديفيد هيوم (١٧١١ – ١٧٧٦)، للشكوكيّة القائلة بأنّه لا يمكننا التأكّد بأنّ ما نملكه من أفكارٍ وأحكامٍ عن الواقع، تتطابق معه. لذا، فإنّ المعضلة المعرفيّة لا تزال حتى اليوم موضوع نقاشٍ فلسفيٍّ مثمرٍ.


الهوامش:

[1] الأشكال تشمل قوانين الفهم كالسببية التي تسبق معطيات التجربة الحسّيّة وتعمل على استقبالها وتوحيدها وفهمها.

[2]  يشرح كانط في (Kant 1998: 347) أنّ المعطيات التي نتلقّاها حسّيًّا ليست هي الظواهر التي تمثّل الأشياء، بل أنّ الظواهر تأتي نتيجة توحيد المعطيات الحسّيّة عبر قوانين الفهم.

[3] القبليّة تعني ما يسبق التجربة الحسّيّة أو ما هو مستقلّ عنها.

[4]  هذا ما فعله هيجل ومن بعده كارل ماركس في إيجاد مصدرٍ مشتركٍ للذات والشيء، للنظري والعملي، كما سنرى في مقالاتٍ لاحقةٍ.

المراجع:

Kant, Immanuel. 2015. Critique of Practical Reason. Revised Edition. Ed. Mary Gregor. Trans. Mary Gregor. Cambrige: Cambrige University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781316136478​.

—. 1998. Critique of Pure Reason. Ed. Paul Guyer and Allen W. Wood. Cambrige: Cambrige University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511804649.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى