• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الخميس, يونيو 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

تزييف الأمر | من «نيويورك تايمز»

بواسطة معنى
1 مايو، 2025
من نيويورك تايمز
A A
تزييف الأمر | من «نيويورك تايمز»

ميخائيل لويس

عندما بدأت أسهم الإنترنت بالانهيار الحر في مارس 2000م، وُضعت شبكة الإنترنت أخيرًا في مكانها الصحيح. لم تكن أكثر من خدمة توصيل سريعة للمعلومات؛ هذا ما بدأ الناس الجادون الذين فقدوا كثيرًا من المال في المراحل المتأخرة من طفرة الإنترنت أو -على الأرجح- فشلوا في كسب المال، يقولونه الآن. كانت الإمكانية الربحية للإنترنت قد قُدّرت على نحو مبالغ فيه، وبذلك كانت الآثار الاجتماعية للإنترنت يُفترض أنها مبالغ فيها أيضًا، لكنها لم تكن كذلك؛ فلم يكن تسريع المعلومات هو الشيء الوحيد الذي فعله الإنترنت، فلقد جعل الإنترنت من الممكن للناس التحايل على أنواع القواعد والأعراف جميعها، ولم يكن النظام التجاري وحده في حالة تغير، فقد كانت أشكال عدّة من السلطة مؤمنة بأقفال تنتظر من يفتحها، وكانت التكنولوجيا وإمكانية كسب المال من الإنترنت أقل إثارة بكثير من الآثار التي سمح الناس لها بأن تحدث في حياتهم وما قالته هذه -بدورها- عن تلك الحياة.

ما كان يحدث على الإنترنت دعم مدرسة فكرية في علم الاجتماع تُعرف بنظرية الأدوار. يجادل نظراؤنا في الأدوار بأنه ليس لدينا “ذات” كما هي، فإن ذواتنا ليست سوى الأقنعة التي نرتديها استجابةً للمواقف الاجتماعية التي نجد أنفسنا فيها، وقد قدم الإنترنت مجموعة جديدة من المواقف الاجتماعية التي استجاب لها الناس بالتقاط مجموعة جديدة من الأقنعة، إذ يأخذ الناس الأدوات الجديدة التي هم مستعدون لها ويستخدمون ما يحتاجون إليه فقط، وكيف يحتاجون إليه، إذا كانوا يستخدمون الإنترنت للتجريب بهوياتهم، فمن المحتمل أنهم وجدوا هوياتهم القديمة غير كافية، وإذا كان الإنترنت يدفع العالم في اتجاه معين، فمن المحتمل أن العالم كان يشعر فعلًا بالميل للتحرك في ذلك الاتجاه. كان الإنترنت يخبرنا بما أردنا أن نصبح عليه.

لقد كتبت هنا فعلًا عن جوناثان ليبد، الفتى البالغ من العمر 15 عامًا في ضواحي نيوجيرسي الذي استخدم الإنترنت لتحويل نفسه إلى متلاعب في سوق الأسهم، اقترحت قصة جوناثان أنه لا يمكنك حقًّا فهم ما يحدث على الإنترنت ما لم تفهم الظروف في العالم الحقيقي التي أدت إلى ما يحدث على الإنترنت، ولا يمكنك فهم تلك الظروف ما لم تذهب إلى هناك شخصيًّا وتنظر حولك، وبمجرد أن تفعل ذلك، ستبدأ تقدير أنواع الحقائق الجديدة جميعها، فعلى سبيل المثال، كان الإنترنت صخبًا من جديد، ليس صخبًا الآن، لكن في الخمسينيات والستينيات عندما كان يخيف البالغين فعليًّا، إذ كان الإنترنت يمكّن من ثورة كبيرة في الوضع الاجتماعي وتقويض أنواع الأعراف الاجتماعية جميعها، وكان الأشخاص الأسرع في الاستفادة من قواه هم الشباب.

اكتشفت شركة فنلندية -نوكيا- هذا قبل أن أفعل، فقد أصبحت نوكيا تهيمن على سوق الهواتف المحمولة إلى درجة أن الجميع الآن يتفق تقريبًا على أن الفنلنديين سيكونون الأوائل في ربط الهواتف المحمولة بالإنترنت بطريقة سيجدها بقية الناس ضرورية، فقد كان الفنلنديون ناجحين لأنهم كانوا بارعين خصوصًا في تخمين ما يريده الآخرون من هواتفهم المحمولة، وأحد الأسباب الكبيرة لذلك -أو هكذا يعتقد الناس في نوكيا- أنهم قضوا كثيرًا من الوقت في دراسة الأطفال، كان الأطفال يواجهون كل تقنية جديدة ببراءة من دون أفكار سابقة، وكانوا يتبنونها بسرعة أكبر. كانوا يتخيلون استخدامات لهواتفهم لم تخطر في بال الكبار لأسباب لا يفهمها أحد تمامًا، مثل الرسالة النصية الفورية، على سبيل المثال. 

لإرسال رسالة فورية، كنت تكتبها يدويًا على هاتفك ، كنت تستخدم لوحة المفاتيح كما لو كانت آلة كاتبة. من الوهلة الأولى، لا يبدو أن هذا هو الاستخدام المعتاد للهاتف. إذ إنّ الفرق بين عدد الحروف في الأبجدية وعدد المفاتيح على اللوحة يعني أنك ستنتهي بكتابة نوع من شفرة مورس، وقد تم ترويج هذه التقنية من قبل الأولاد الفنلنديين الذين كانوا متوترين بشأن دعوة الفتيات للخروج في مواعيد أمامهن والفتيات الفنلنديات اللواتي أردن إخبار بعضهن بما حدث في تلك المواعيد بمجرد حدوثه، لقد أثبتوا أنه إذا كانت الحاجة إلى التواصل غير المباشر ملحة بما فيه الكفاية، فيمكن كتابة الكلمات على لوحة مفاتيح الهاتف بسرعة مذهلة، وبذلك أرسل خمسة ملايين فنلندي أكثر من مليار رسالة فورية لبعضهم عام 2000م.

سرعان ما أصبحت الرسالة الفورية عنصرًا أساسيًّا في التواصل المؤسسي الأوروبي. انتشرت التقنية من الأطفال الفنلنديين إلى رجال الأعمال لأن الأطفال علّموا آباءهم. استخدمت نوكيا علماء الأنثروبولوجيا ليخبروهم بذلك، وبذلك أصبحت فنلندا أول دولة على الأرض تعترف رسميًّا بالنموذج الاقتصادي المتمركز حول الطفل: إذا كنت تريد اقتصادًا سريع النمو، فستحتاج إلى تعزيز التغيير التكنولوجي السريع، وإذا كنت تنوي تعزيز التغيير التكنولوجي السريع، فستحتاج إلى منح الأطفال قدرًا غريبًا من السلطة.

عندما تشجع الرأسمالية التغيير السريع على نحو متزايد، يتمتع الأطفال بمزية كبيرة على البالغين: لم يقرروا من هم. لم يستثمروا كثيرًا من رأس المال النفسي في ذات معينة، وعندما تأتي تقنية تكافئ الأشخاص الذين هم على استعداد للتخلي عن ذواتهم القديمة من أجل جديدة، فإن الأشخاص الذين ليس لديهم استثمار كبير في ذواتهم القديمة لديهم مزية؛ الأشياء التي يتم التخلص منها مع ذات تبلغ من العمر 12 عامًا لا تبدو كثيرة لتفقدها في ذلك الوقت.

قضيت طفولتي في نيو أورلينز، وأود الآن أن أعتبر هذه الحقيقة، التي قد تبدو غير مثيرة للاهتمام، جزءًا أساسيًا من اهتمامي العميق بالهوية والتغيير. كانت نيو أورلينز دائمًا مكانًا ممتازًا لمراقبة التقدم. لمعرفة التقدم، تحتاج إلى معرفة ما الذي تخطاه أو تركه وراءه، وعندما يتحرك التقدم بسرعة كما هو الحال الآن، يصبح من الصعب تذكر ضحاياه. تحافظ نيو أورلينز على وجود تناقضاتها مدة كافية لتبرز العالم الخارجي بوضوح، فعلى سبيل المثال، حتى منتصف التسعينيات، كان بإمكانك العثور على محامين من النبلاء في نيو أورلينز الذين اعتبروا أنفسهم أساسًا جزءًا من مهنة نبيلة وذات كرامة، وكان والدي من بين هؤلاء الذين ينتمون إلى جيل قديم.

حتى اللحظة التي انهارت فيها، تمسكت شركة المحاماة العائلية القديمة التي كان والدي يديرها بعاداتها الساحرة؛ فقد كان المحامون النبلاء يكتبون ملحوظات لبعضهم ويتجادلون فيها بشأن النطق الصحيح لبعض العبارات باللغة اليونانية القديمة، وكانوا يجمعون قطعًا غريبة من ثقافات ميتة، وكانوا يرَون التعليم فرعًا من فروع الدين، ويرتدون رباطات عنق ، ويشعرون براحة غريبة مع أنفسهم، لكنهم لم يدركوا معنى “الجمعة غير الرسمية”. وكانت حياتهم مبنية على فكرة نخبويّة بوضوح؛ فقد كان المحامي فوق الصراع، وكان يمتلك معرفة خاصة، ويلتزم بقواعد سلوك صارمة من دون الحاجة إلى قول ما هي. كان ينظر إلى جميع طلبات التغيير بشك، وكانت أهم شيء في العالم بالنسبة له هي مكانته في المجتمع. ومع ذلك، وكما يمكن أن يلاحظ أي شخص آخر، لم يخصص أي جزء من طاقته العقلية للقلق بشأن ذلك. فلم تكن المكانة سببًا، بل كانت نتيجة للطريقة التي عاش بها حياته. كانت أول إشارة حصلت عليها على أن هذه لم تعد وضعية قابلة للاستمرار -وأنها لن تكون وضعية قابلة للاستمرار بالنسبة إلي- جاءت من رجل لم ألتقِ به من قبل يُدعى مورس بارت، كنت في ذلك الوقت مراهقًا من نوع ما، وكنت أنا ووالدي نقود على الطريق السريع الذي يمر عبر المدينة عندما صادفتنا لوحة إعلانات عملاقة، كانت تقول شيئًا مثل: “هل أنت ضحية؟ هل تعرضت للإصابة؟ لا أحد يمثل مصالحك؟ اتصل بمورس بارت، المحامي”، وكانت هناك صورة كبيرة لمورس بارت، وكانت ابتسامته واسعة وسهلة.

سألت والدي: “هل تفعل الشيء نفسه مثل مورس بارت؟”.

“ليس بالضبط”.

“لكن لوحته تقول إنه مُحامٍ”.

“لدينا نوع مختلف من مكتب المحاماة”.

“كيف؟”.

“ليست لدينا لوحات إعلانات”.

“لِمَ لا؟”.

“إنه ببساطة ليس شيئًا يفعله المحامي”.

كان ذلك صحيحًا، كان صحيحًا حتى اللحظة التي لصق فيها مورس بارت صورته بجانب الطريق السريع، فظل والدي وزملاؤه غير متأثرين، لكن ممارسة القانون كانت تستسلم لقوة عامة؛ الغريزتين الأمريكيتين لتعميم الأمور وتجارتها. (غالبًا ما تكون هذه الغرائز هي الشيء نفسه)، هاتان هما القوتان اللتان تشغلان الإنترنت واللتان بدورهما تُشغلان به.

كان مورس بارت قطعة صغيرة داخل الآلة الأمريكية الرائعة للتدمير نفسها التي قام الإنترنت بتحديثها بشكل على نحو بليغ، بعد بضع سنوات من وضع بارت لوحته، بدأ المحامون في مكتب والدي يتلقون مكالمات من “استشاريين” يريدون مساعدتهم في تعلم كيفية سرقة العملاء والمحامين من مكاتب أخرى -وهي فكرة كانت ستكون غير قابلة للتصديق قبل بضع سنوات وما تزال غير قابلة للتصديق للبعض، وبعد بضع سنوات من ذلك، أصر العملاء على أن يقوم المحامون بالفوترة بالساعة- ثم تساءلوا عن الفواتير! انتهت اللعبة القديمة. في اللحظة التي اقتحم فيها السوق على نحوٍ صريح جدًّا، بدأت الهيبة القديمة تتسرب من القانون. بالنسبة للمحامين النبلاء، انتهى الأمر بأفضل شكل ممكن، لكن ما يزال قد انتهى، وللناس الذين كانت هويتهم مرتبطة بهذه الفكرة، أعطت النهاية لقصة حياتهم شكلَ المأساة. أتذكر الشعور عندما أدركت أول مرة أن الأرض تحت قدميْ المراهقين تتحرك، فلم أستمتع بنذير الهلاك في عالم والدي، لكن ما أزعجني أكثر هو أن جزءًا مني أراد أن يكون لدى والدي لوحته الخاصة بجانب الطريق السريع التي بالتأكيد لن يفعلها أبدًا. كانت ردة فعلي هي مغادرة المنزل وابتكار ذات جديدة لنفسي. لو كان الإنترنت متاحًا، لربما كنت سأذهب ببساطة إلى الإنترنت.

هذا ما فعله جوناثان ليبد، وهذا ما بدأ مراهق آخر يحمل حساب AOL يُدعى ماركوس أرنولد في فعله الصيف الماضي؛ ارتداء قناع من شأنه أن يجعل مورس بارت يرتعد، وتقديم إهانة أخرى للنظام الاجتماعي ومفاهيمه السائدة عن المكانة والخبرة.

تأسست شركة Askme عام 1999م من قبل موظفين سابقين في مايكروسوفت، وكان البرنامج الذي باعته يمكّن الشركات الكبرى التي اشترته- 3M، بروكتر وغامبل من إنشاء شبكة خاصة لعمالها، وكانت هذه الشبكة الخاصة تُعرف باسم “مشاركة المعرفة” تُبادِل المعرفةَ شاشةٌ على الكمبيوتر يمكن للموظفين من خلالها طرح أسئلة على الشركة كاملة، وكانت جاذبية ذلك واضحة. بمجرد أن كان تبادل المعرفة على طراز AskMe يعمل، لم يكن يهم أين كانت أي خبرة معينة داخل الشركة ما دامت الخبرة لم تغادر الشركة، وكانت دائمًا متاحة لمن يحتاج إليها.

سرعان ما اكتشفت “اسألني” أنها قادرة على استنباط كثير عن شركة ما من خلال نهجها تجاه البرمجيات الجديدة، ففي المنظمات الهرمية على شكل هرم، كان الرؤساء يميلون إلى تعيين أنفسهم أو بعض المرؤوسين المختارين بوصفهم “خبراء”، وكانت الأسئلة تخرج من قاع المنظمة، في حين كانت الإجابات تتدفق من القمة، وهو ما حافظ على الهيكل الأصلي، بل عززه، وفي الشركات الأقل هرميّة التي تشبه الفطائر، استخدم الرؤساء البرمجيات لإنشاء شبكة تضم موظفي الشركة جميعهم وللاستفادة من المعرفة أينما كانت في تلك الشبكة، وبهذه الطريقة، كان بإمكان أي شخص في الشركة أن يجيب عن أسئلة الآخرين. يمكن لأي شخص أن يكون خبيرًا. بالتأكيد، لم يكن ذلك مصدر إلهام للرهبة في الصفوف لرؤية المتدرب يجيب عن سؤال طرحه نائب الرئيس للتخطيط الاستراتيجي، ولكن العديد من الشركات رأت أن القليل من التبسيط كان ثمنًا زهيدًا للاستفادة من مخزون المعرفة الجماعية.

كان الأشخاص الذين أنشؤوا برمجيات “اسألني” يعتقدون أنها تمنح الشركات التي كان رؤساؤها مستعدين للمخاطرة بسمعتهم وسلطتهم مزية على الشركات الهرمية التي لم يكن رؤساؤها كذلك، ولم يذكروا ذلك علنًا؛ لأنهم أرادوا بيع برمجياتهم أيضًا للمنظمات الهرمية، لكنهم كانوا يعرفون أنه بمجرد نشر البرمجيات، فإن الشركات التي قامت بتسطيح مخططات تنظيمها لتشجيع تدفق المعرفة بحرية في الاتجاهات كلها ستتفوق على الشركات التي لم تفعل ذلك، كانت المعرفة تأتي من أغرب الأماكن، وكان الموظفون يعرفون أكثر بكثير مما كانوا يعتقدون، وكانت المكاسب في الحكمة الجماعية تفوق أي خسائر في سلطة الرئيس.

باختصار، غيّرت البرمجيات البيئة الاقتصادية على نحو خفي؛ فقد منحت مكافآت جديدة للروح المتساوية، و جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للأقوياء وأسهل بالنسبة للآخرين.

في الميدان، وجد مندوبو مبيعات “اسألني”، مثل مندوبي المبيعات في كل مكان، كانوا يواجهون خمسة أو ستة اعتراضات متكررة من المشترين المحتملين، حتى عندما كان المشترون في وضع مثالي، وكان أحدها: “كيف تعرف أن برمجياتك لن تتعطل عندما يستخدمها موظفونا جميعهم البالغ عددهم 200,000 على نحو مكثف؟”، ولإثبات أنها لن تتعطل، أنشأت “اسألني” موقعًا إلكترونيًّا وعرضت نسخة من برمجياتها للجمهور الأوسع. تم إطلاق الموقع، الذي يُسمَّى AskMe.com، على الويب في فبراير 2000م وسرعان ما أصبح الأكثر استخدامًا من بين مجموعة من تبادل المعرفة على الإنترنت؛ فقد استقبل الموقع أكثر من 10 ملايين زائر في عامه الأول.

كان هذا لافتًا للنظر نظرًا إلى مدى هامشية الموقع بالنسبة إلى طموحات شركة “اسألني”، فلم تحقق الشركة أي أرباح من الموقع ولم تتعهد بمراقبة ما يحدث هناك أو حتى الإعلان عن وجوده، وكان الملايين من الأشخاص الذين يستخدمون الموقع مدفوعين من خلال الكلام الشفهي، وكانت النصائح المقدمة على الموقع مجانية، وكان الخبراء مُعيَّنين بأنفسهم وتم تصنيفهم من قبل الأشخاص الذين طلبوا النصيحة، وقد حصل الخبراء ذوو التصنيفات العالية على جوائز نقدية صغيرة من AskMe.com. جذبت الجوائز -والدعاية المجانية- كثيرًا من الأشخاص الذين لا يعملون عادةً بلا مقابل، واختلط المحاسبون والمحامون والمستشارون الماليون بمعرفتهم المتخصصة مع خبراء في الرياضيات، والتنبؤات، ودراسة الثقوب السوداء

لم تفكر شركة “اسألني” في الأمر بهذه الطريقة، لكن موقعها الإلكتروني العام أثار عددًا من الأسئلة، فما الموقف الغريزي للمجتمع تجاه المعرفة؟ هل نحن مستعدون للبحث عنها أينما وجدت أم فقط من الأشخاص الذين من المفترض أن يمتلكوها؟ هل يريد العالم أن يكون منظمًا ، أم أنه يفضل أن يكون أكثر توازنًا ومرونة ؟

في صيف عام 2000م، في مدينة صحراوية تُدعى “بيريس”، الواقعة في منتصف الطريق بين لوس أنجلوس وبالم سبرينغز، قدَّم ماركوس أرنولد، الذي يبلغ من العمر 15 عامًا، رده على تلك الأسئلة، وما يقرب من ألف سؤال آخر. كان والدا ماركوس قد هاجرا إلى “بيريس” من بليز عبر جنوب وسط لوس أنجلوس، ولم يكن من الواضح فورًا لماذا قد ينتقل أي شخص إلى “بيريس” من أي مكان، وكانت “بيريس” واحدة من تلك الأماكن التي تتخصص أمريكا في إنشائها، وفي يوم من الأيام، كانت تمتد بوصفها مساحة مسطحة ومبهمة من الرمال والصخور البيضاء تحت سماء زرقاء لا نهاية لها إذ كان القافزون بالمظلات يقفزون بانتظام، وفي اليوم التالي، قسم بعض المطورين قطعة أرض تضم 10,000 منزل متطابق، وفي اليوم الذي يليه كانت تعج بالناس الذين كانوا هناك على نحو رئيس لأنها لم تكن مكانًا آخر. كان قرار البشر بجعلها موطنًا له تأثير ضئيل في هوية “بيريس”، حتى بعد أن تم وضع منازل التقسيم في الصحراء، وكانت “بيريس” معروفة أساسًا بوصفها مكانًا للقفز من الطائرة.

عاش ماركوس مع والديه وتوأمه في منزل صغير من الطوب الذي يبعد قرابة ميل عن منطقة القفز الكبيرة. فوق مرآب الأسرة الذي يتسع لسيارتين، من الصباح حتى المساء، كان الناس يقفزون من الطائرات ويسقطون على الأرض، وكانت السماء الزرقاء فوق ماركوس مشوهة على نحو دائم بالمظلات. كان ماركوس نفسه ثابتًا على الأرض؛ صبيًّا ضخمًا وكبيرًا، وكان طوله ستة أقدام ويزن قرابة 200 رطل، ولم يكن يمشي بل يتخبط من الكمبيوتر إلى الباب الأمامي، ثم يعود مرة أخرى. كان الكمبيوتر موجودًا على مكتب مُزيَّف قديم في الزاوية بين غرفة الطعام وغرفة المعيشة اللتين كانتا نظيفتين كما لو كانتا صالة عرض في منزل نموذجي. كان الكمبيوتر هو الوحيد في المنزل. نظريًّا، كانت الأسرة تشاركه، لكن عمليًّا كان ملكًا له. كان يحتاج الآن إلى أكبر قدر ممكن من الوقت عليه؛ لأنه كان خبيرًا رائدًا في AskMe.com. كان مجاله هو القانون، وعندما زرت ماركوس أوّل مرة، كانت الشاشة الزرقاء تعرض بداية إجابة عن سؤال في AskMe.com كان قد كتبها قبل وصولي:

“يجب ألا يكون ابنك في السجن أو في المحاكمة، وفقًا لقضية ميراندا على أريزونا، وتجب قراءة حقوق الشخص الذي سيتم اعتقاله قبل طرح أي أسئلة عليه، وإذا تم طرح أي أسئلة على ابنك قبل قراءة حقوقه، فلا ينبغي أن يكون في السجن، وإذا كنت تريد مني مساعدتك أكثر، فاكتب لي مرة أخرى على هذا اللوح خاصة”.

تلاشت لوحة المفاتيح تحت يدي ماركوس الضخمتين، وظهرت صفحة أخرى على موقع AskMe.com على الشاشة، فأراد ماركوس أن يُظهر لي الإجابة الضعيفة على نحو مثير للقلق عن سؤال قدّمه أحد المحامين الحقيقيين في الموقع. “يمكنني دائمًا اكتشاف المحامي الرديء”، قال: “هناك أشخاص على الموقع ليست لديهم أدنى فكرة عما يتحدثون عنه؛ هم هناك للحصول على التقييمات وبيع خدماتهم والحصول على أجر فقط”. انخفضت يداه، واختفت لوحة المفاتيح عن الأنظار وظهرت واحدة من المواقع المفضّلة لدى ماركوس، كان هذا الموقع يسرد قوائم الطعام في صفوف الإعدام في تكساس، وقد ظهرت صور للرجال الذين أُعدموا من قبل الدولة بجانب قوائم مُروّعة من الوجبات السريعة التي طلبوها لوجباتهم الأخيرة. تصفح ماركوس هذه الصور دقيقة أو دقيقتين، باحثًا عن أخبار، ثم انتقل من دون تعليق.

من الامتيازات في مرحلة المراهقة أنك تستطيع أن تعُدّ كل شيء من حولك طبيعيًّا؛ لأنه ليس لديك ما تقارنه به، وبدا على ماركوس أنه يستفيد تمامًا من ذلك. بالنسبة لماركوس، كان من الطبيعي أن تضغط على بعض الأزرار في آلة وتقرأ ما تناوله الرجل الذي أعدمته الدولة في صباح اليوم السابق، وكان من الطبيعي أن تكون العلامات الوحيدة للحياة خارج منزله هي الأشخاص الذين ينزلون من السماء نحو الحقل في الخلف، وكان من الطبيعي أن والديه قد سَمَّيا شقيقه التوأم المتطابق مارك؛ مارك وماركوس، وكان من الطبيعي أنه يقضي الآن معظم الوقت الذي لا يكون فيه في المدرسة على الإنترنت، يقدم المشورة القانونية للبالغين.

صادف ماركوس موقع AskMe.com في أواخر ربيع عام 2000م، فقد كان يدرس لامتحان علم الأحياء ويبحث عن إجابة لسؤال، ولحظ أن شخصًا ما طرح سؤالًا عن القانون كان يعرف إجابته، ثم آخر، خطرت له فكرة: لماذا لا يجيب عن الأسئلة بنفسه؟ ليصبح خبيرًا رسميًّا، كان يحتاج إلى ملء نموذج فقط. فعل ذلك في 5 يونيو 2000م؛ يوم قد تم تخليده فعلًا في ذهن ماركوس. “لطالما أردت أن أكون محاميًا منذ أن كنت ابن 12 عامًا”، قال: “لكن لم أستطع فعل ذلك لأن الجميع سيقولون: “ماذا؟ طفل في الثانية عشرة من عمره سيقدم لي مشورة قانونية؟””، وأضاف: “هل سيكونون أكثر سعادة مع شخص في الخامسة عشرة؟”.

أخذ نفسًا عميقًا وصنع وجهًا يشير إلى أنه يعدّ هذا سؤالًا معقدًا. “لذا عندما ذهبت إلى AskMe أول مرة”، قال: “أخبرت الجميع أنني في العشرين من عمري، تقريبًا 20، وصدقني الجميع”. في الواقع، ادّعى أنه في الخامسة والعشرين، وهو ما يعُدُّه صبيًّا في الخامسة عشرة، تقريبًا 20. ولتعزيز هذا الانطباع، اعتمد الاسم المستعار LawGuy1975. والأشخاص الذين ضغطوا على صفحته وجدوه موصوفًا بأنه “LawGuy1975 المعروف أيضًا باسم بيلي شيريدان”. كان بيلي شيريدان هو الاسم المستعار لماركوس على أمريكا أونلاين.

بعد بضعة أيام من تعيين نفسه خبيرًا قانونيًّا، روى ماركوس أنه كان يتصل بالإنترنت للذهاب إلى AskMe.com والتعامل مع مشكلات البالغين القانونية فقط.

ما نوع المشكلات القانونية؟ سألته.

“مشكلات بسيطة”، قال: “بعضها مثل: “زوجي في السجن بتهمة القتل، ولم يفعل ذلك، وأحتاج إلى تقديم طلب للإلغاء، كيف أفعل ذلك؟” لقد تلقيت أسئلة من أشخاص يقولون، مثل: “سأُسجن فجأة، هل يمكن لأحد مساعدتي في الترافع قبل أن يأتوا لأخذي؟” وهذا، مثل “حسنًا، تعال، هذا نداء للمساعدة. “لن تظل جالسًا هناك فقط”، لكن معظم الأسئلة كانت بسيطة: “ما هي الجريمة؟، أو “كم سنة سأسجن إذا ارتكبت هذه الجريمة؟”، أو “ماذا يحدث إذا تمت مقاضاتي؟” أسئلة بسيطة”، قال هذا كله بأسلوب سريع وواعٍ مثل مُحامٍ تلفزيوني.

بمجرد أن أصبح خبيرًا، أخذت مهنة ماركوس حياة خاصة بها، كانت تصنيفات AskMe مدفوعة بعدد من الأسئلة التي أجاب عنها الخبير، وسرعة ردوده وجودة تلك الردود، كما حكم بها المستلمون الذين منحوا لها تقييمًا من نجمة إلى خمسة نجوم، وبحلول 1 يوليو، كان ماركوس يحتل المرتبة العاشرة من بين قرابة 150 خبيرًا في قسم القانون الجنائي في AskMe.com، وكان كثير منهم محامين حقيقيين. كما يروي، هذا هو الوقت الذي قرر فيه السعي نحو القمة. “عندما وصلت إلى المراكز العشرة الأولى، حصلت على بعض الأشخاص الذين قالوا: “تهانينا، بله بله بله”؛ لذا كان الأدرينالين يتدفق للإجابة عن مزيد من الأسئلة، كنت فقط مثل: تعرف ماذا؟ دعني أظهر لهؤلاء الأشخاص أنني أعلم ما أفعله”. كان يحتاج إلى إلهام مزيد من الأشخاص لطرح الأسئلة عليه، والرد عليها بسرعة، وبطريقة تدفعهم لمكافأته بكثير من النجوم، ولتحقيق ذلك، قام بتحديث الصفحة التي تُروّج لخدماته. عندما انتهى، كانت تقول:

أنا خبير قانوني مع عامين من التدريب الرسمي في القانون، سأساعد أي شخص أستطيع! لقد شاركت في المحاكمات والدراسات القانونية وبعض أشكال الفقه، أنا غير معتمد من جمعية المحامين الحكومية بعد لممارسة القانون… بإخلاص، جاستن أنطوني ويرك الابن.

“كان جاستن هو الاسم الذي أردته دائمًا بخلاف اسمي”، قال ماركوس. جاستن أنطوني ويرك الابن اسم مستعار فوق اسم مستعار فوق اسم مستعار، كان لجاستن أنطوني ويرك الابن نغمة أكثر سلطة، في رأي ماركوس، وفي رأي كثير من الآخرين أيضًا، وفي يوم واحد، تلقى ماركوس وأجاب عن 110 أسئلة، ربما جاء ثلثها من الفضوليين، وثلث من الأشخاص الذين كانوا فعلًا في نوع من المشكلات القانونية، والثلث الأخير من الأشخاص الذين بدا أنهم مشغولون في نوع من التحليل الغريب للتكلفة والفائدة.

س: ما مقدار المال الذي يجب على الشخص سرقته أو الحصول عليه من خلال الاحتيال قبل أن يُعد ذلك جناية في إلينوي؟

ج: في إلينوي، يجب أن تكون قد حصلت على 5001 دولار أو أكثر بطريقة غير قانونية لتشكيل الاحتيال، إذا كنت بحاجة إلى أي شيء آخر، يرجى الكتابة مرة أخرى! بإخلاص، جاستن أنطوني ويرك الابن.

س: هل يمكن لموظف الإفراج المشروط منع شخص مشروط عليه من الزواج؟

ج: مرحبًا! ما لم يكن لدى الشخص المشروط عليه “لا زواج” ضمن الشروط الخاصة التي أُطلق سراحه بموجبها، فيمكنه الزواج، إذا كانت لديك أي أسئلة، يرجى الكتابة مرة أخرى. بإخلاص، جاستن أنطوني ويرك الابن.

كلما أجاب ماركوس عن مزيد من الأسئلة، زاد عدد الأشخاص الذين سجلوا دخولهم إلى المنتديات بحثًا عن نصيحة قانونية والذين أرادوا التحدث إليه وحده، وفي مدة أسبوعين، تلقى 943 سؤالًا قانونيًّا وأجاب عن 939 منها، وعندما سألته لماذا لم يجِب عن الأربعة الأخرى، عبرت ملامح وجهه العريض عن إحباط عميق، “قانون المرور”، وقال: “أنا آسف، لا أعرف قانون المرور”. وبحلول منتصف يوليو، كان هو الخبير الثالث الأعلى تقييمًا في القانون الجنائي على AskMe.com، وتحت اسمه في الترتيب كان هناك 125 محاميًا مرخصًا ومجموعة متنوعة من رجال الشرطة السابقين والسجناء السابقين، وكان أصغر شخص على المنتدى يبلغ من العمر 31 عامًا.

في أسابيع قليلة، أنشأ ماركوس هوية جديدة لنفسه؛ ساحرًا قانونيًّا. لم يعد ينظر إلى المدرسة على أنها إعداد لمهنة قانونية مستقبلية، بل مادة لمهنة نشطة، وقد حقق في مشروع ضخم قامت به لجنة المدرسة المحلية واكتشف أنها قد فرضت على دافعي الضرائب ما بدا له أنها نفقات لحفلة خاصة. طرح ذلك، وكثيرًا غيره في جلسة استماع عامة. لماذا كان الناس البالغون الذين لديهم مشكلات قانونية جدية يأخذونه على محمل الجد؟ كان اللغز الكبير الذي لم يتعمق فيه ماركوس كثيرًا، باستثناء اعترافه بأنه لم تكن له علاقة بتدريبه القانوني، فلم يكن لديه أي تدريب قانوني، سواء أكان رسميًّا أم غير رسمي.

على سطح مكتب عائلة أرنولد كان هناك قاموس رقيق، إضافةً إلى كميات كبيرة من قضايا المحكمة التي قام الناس من AskMe الذين اعتمدوا على نصائح ماركوس بتصويرها وإرسالها له لمراجعته. (كان العملاء يرسلون إليه الأوراق وهو يكتب الطلبات التي كان العملاء يمررونها بعد ذلك إلى المحامين المرخصين لتقديمها إلى المحكمة)، لكن لم يكن هناك شيء على المكتب أو في المنزل يشبه حتى من بعيد كتابًا عن القانون. كانت المصادر المحتملة الوحيدة للمعلومات القانونية هي الكمبيوتر العائلي والتلفاز ذا الشاشة الكبيرة.

“أين تجد كتبًا عن القانون؟” سألت.

“لا أجد”، قال وهو يضغط على لوحة المفاتيح: “الكتب مملة، لا أحب القراءة”.

“إذن، هل تذهب إلى مواقع قانونية على الإنترنت؟”.

“لا”.

“حسنًا، عندما حصلت على أحد هذه الأسئلة، فهل بحثت عن إجابتك؟”.

“لا، أبدًا. أنا أعرفها فقط”.

“تعرفها فقط”.

“بالضبط”.

كانت هناك رائحة مميزة من واقع بديل تملأ الجو، وفي تلك اللحظة، دخلت والدة ماركوس، بريسلا، من الباب الأمامي؛ كانت سيدة كبيرة، تتأرجح وتتنفس بصعوبة تحت أكياس ضخمة من البقالة، وكان هناك صندوق طويل من الكعك يبرز من أعلى أحد الأكياس.

“مرحبًا ماركوس، ماذا تفعل؟”، قالت وهي تلهث.

“فقط أجيب عن بعض الأسئلة” قال.

“ماذا كنت تجيب؟”، سألت بسرور. كانت radiating pride

قال: “حصلت على سؤال عن كفالة الاستئناف؛ كيفية الحصول عليها”، وأضاف: “وسؤال آخر عن المحكمة العليا؛ التماس لرفض شيء ما”.

“لدينا بعض الهوت دوج مع الجبنة هنا”.

“هذا رائع”.

دخلت بريسلا إلى المطبخ إذ إنّها وضعت الكعك على طبق ورمت الكلاب في ماء مغلي، كانت روائح غريبة جديدة تتصاعد فوق الكمبيوتر.

“من أين حصلت على خبرتك؟” سألت.

“ماركوس وُلِد بها!”، صاحت بريسلا ولم يكن لدي أي فكرة عن كيفية الرد، فتجاهلتها.

“ماذا تعني؟” سألني ماركوس، كان حقًّا متفاجئًا من سؤالي.

“من أين تأتي معلوماتك؟”.

قال: “لا أعرف، أنا حقًّا لا أعرف”. 

“كيف لا يمكنك أن تعرف من أين تأتي المعرفة؟”، سألت.

“بعد مشاهدة عدد من البرامج التلفزيونية عن القانون” قال، “إنه مثل أنك تعرف ما تحتاج إلى معرفته كلّه” أعطى قشعريرة مزيفة: “إنه مخيف. أنا أعرف هذه الأشياء فقط”.

مرة أخرى صاحت بريسلا من المطبخ: “ماركوس لديه موهبة!”.

استند ماركوس إلى الوراء في كرسيه -كل بوصة منه كانت تمثل الشاب العبقري- سعيدًا بأن والدته كانت توفر عليه عناء شرح الواضح لأحمق، كان من الممكن تمييز خطوط معينة في شخصية ماركوس، لكن الصورة العامة كانت ما تزال غير واضحة، فقد كانت لديه شخصيات متنوعة: عبقري قانوني، مساعد متواضع على الإنترنت، وسيط نزيه، طفل عادي يحب الإنترنت، والآن كان يمثل شخصية مألوفة لأي شخص جلس بالقرب من الصف الأول في المدرسة؛ وهي الشخص المتململ، ذو الطبيعة الطيبة الذي يعرف كل شيء.

ما الذي كان يعرفه بالضبط غير واضح، على الإنترنت، بدا لكثيرين مصدرًا للخبرة القانونية، وفي الواقع، قدم أداءً أكثر تنوعًا؛ وهو ما كان بلا شك أحد الأسباب التي جعلته يجد الإنترنت جذابًا كما فعل، مثل جوناثان ليبيد، كان نوع الشخص الذي صُمّمت المدرسة الثانوية لقمعه، ومثل جوناثان ليبيد، رفض قبول وضعه المعين عندما فشل العالم الحقيقي في تشخيص مواهبه، ذهب بحثًا عن رأي ثانٍ، فقد قدم له الإنترنت عددًا من الآراء التي يحتاج إليها ليجد رأيًا يعجبه، وخلق الفرصة لأنماط جديدة من الإدراك الذاتي، التي أخذت بعد ذلك واقعًا خاصًّا بها.

كان هناك شيء آخر مألوف بشأن اللعبة التي كان ماركوس يلعبها، لكن استغرق الأمر بعض الوقت ليدرك ذلك. كان يستخدم الإنترنت كما يستخدم البالغون غالبًا ماضيهم. يسمح مرور الوقت للناس الأكبر سنًّا بتذكر من كانوا كما كانوا يرغبون أن يكونوا، ولا يتمتع الشباب بالوصول إلى هذا الطريق الخاص للهروب من ذواتهم -ماضيهم ما يزال حاضرًا على نحو غير مريح- لذا يميلون إلى الاتجاه الآخر وتخيل أنفسهم في عالم بالغ مستقبلي. فالمشاعر التي تحرك خيالاتهم تحمل أسماء مختلفة -الأمل، الطموح، المثالية- لكن في الأساس هي الحنين؛ الحنين إلى المستقبل. في هذه الأيام، أصبح الحنين إلى المستقبل أكثر أناقة من النوع التقليدي، وقد جعلت شبكة الإنترنت من الممكن التصرف بناءً على الخيال بطرائق جديدة تمامًا.

صاحت بريسلا من المطبخ: “كانت لدى ماركوس موهبته في الرحم، شعرت بذلك”.

الآن كان ماركوس يبتسم ابتسامة عريضة وقال: “ها أنت ذا في عقلي الآن”، قال.

“ماذا؟”.

“مرحبًا بك في عقلي”.

قال ذلك بطريقة تشبه المضيف الودود الذي يقدم لضيوفه الكرسي المريح، لدرجة أنني كدت أقول: “شكرًا”. خلفه كانت هناك نافذة كبيرة تطل على صحراء كاليفورنيا، وكان المنظر هو السبب الذي جعل بريسيلا تحب منزلها، وراء ذلك، جبال بنية. في المسافة المتوسطة بين الصحراء البيضاء والجبل البني، تمزقت المظلة وارتفع الجسم في الهواء

“لنحاول هذا مرة أخرى”، قلت.

“حسنًا”، قال بمرح.

” أساسًا، استندت معرفتك إلى ما تعلمته من مشاهدة برامج “المحاكم التلفزيونية”، قلت.

“أساسًا”، قال.

صرخت بريسيلا من المطبخ: “كم عدد الهوت دوج التي تريدها ماركوس؟”.

“اثنين وبعض الكعك”، صرخ ماركوس.

“ماذا تعتقد أن هؤلاء الناس كانوا سيفعلون لو لم تكن هناك لتجيب عن أسئلتهم؟”، سألت.

قال: “كانوا سيستأجرون محاميًا”، لكن عندما قال ذلك، اختفت ابتسامته الواسعة وحل مكانها ظل من الجدية على وجهه المنفتح، وفجأة، أصبح أكثر حذرًا.

ربما كان يتذكر الفضيحة الإعلامية التي تلت اكتشاف قرابة مئة محامٍ مرخصين على AskMe.com الهوية الحقيقية للخبير الجديد الذي يرتقي في صفوفهم. على أي حال، رفع كفيه العملاقتين نحوي وقال: “انظر، أنا لست هنا لأخذ الأعمال من الآخرين، فهذه ليست وظيفتي”.

“لكن هل تعتقد أن الخبرة القانونية مبالغ فيها؟”.

“تمامًا”.

بمجرد أن حقق ماركوس تصنيفات عالية على AskMe.com، بدأ عدد كبير من الناس الذين لم يعرفهم حقًّا يطلبون رقم هاتفه وهيكل رسومه. لأول مرة، لسبب لم يكن قادرًا على شرحه كاملًا، بدأ ضميره يزعجه. قرر أنه حان الوقت ليكون صريحًا بشأن عمره، وللقيام بذلك، غيَّر ملفه الشخصي بوصفه خبيرًا؛ إذ كان مكتوبًا “خبير قانوني”، وأصبح الآن: “خبير محامٍ متدرب يبلغ من العمر 15 عامًا”.

بعد بضع ساعات من نشر اعترافه، بدأت الرسائل العدائية تتهاوى نحوه، وقد جاء بعضها من “عملائه”، لكن معظمها جاء من المحامين وآخرين تنافسوا معه على التصنيفات والدعاية، فاندلعت حرب صغيرة على لوحات الرسائل؛ إذ اتهم ماركوس المحامين بالتآمر عليه لتقويض تصنيفه رقم 3، واتهم المحامون ماركوس بعدم معرفة ما يتحدث عنه، وبدأ المحامون بسحب إجابات ماركوس القديمة ومنحها تقييمات منخفضة من نجمة واحدة؛ ما أدى إلى خفض متوسطه، ثم فعلوا شيئًا أسوأ؛ سألوا أسئلة مفصلة عن النقاط الدقيقة للقانون، وعندما لم يكن قادرًا على تقديم إجابات مفصلة مماثلة، انقضُّوا عليه.

كانت ردود ماركوس على الضغوط البريدية أشبه بمحاولة إقناع جلّاديه بالإفراج عنه أكثر منها بمرافعة محامي دفاع:

“أنا أبلغ عن ردك المسيء، لأنه يؤذي سمعتي وكرامتي بصفتي خبيرًا في هذه اللوحة”.

“من فضلك، لا ترسل إلي تهديدات بوساطة البريد الإلكتروني”.

“اتركني وشأني! أنا حتى لا أمارس القانون!”.

“أرجوك، أرجوك، توقف عن إرسال رسائل تقول إنك ستراقبني؛ لأنك تخيف والدي”.

“أنا حقًّا أريد أن نكون أصدقاء”.

“دعنا نحاول أن نكون أصدقاء، أو شيئًا من هذا القبيل؟”.

وفي الأثناء، رد أذكى مهاجم لماركوس: “في آخر منشورين لك، انتهيت بطلب أن أكون صديقك، هذا مثل المصارع الجريح الذي يريد أن يكون صديقًا مع الأسد”.

من ناحية، كان هذا الحدث كله عبثيًّا؛ ماركوس أرنولد لم يكن يشكل تهديدًا لأحد سوى نفسه، وربما للأشخاص الذين طلبوا نصيحته، ولممارسة القانون، كنت ما تزال بحاجة إلى ترخيص، ولم يكن من الممكن منح ترخيص لصبي يبلغ من العمر 15 عامًا، وفي الوقت نفسه، كان ماركوس قد دخل ساحة مليئة بالجزئيات القابلة للاشتعال، لقد وصل الإنترنت في لحظة محرجة للقانون.

كانت الفجوة المعرفية بين المحامين وغير المحامين تتقلص منذ بعض الوقت، وكان الإنترنت يغلقها أكثر، وكانت النصائح القانونية تُقدم عبر الإنترنت، وغالبًا مجانًا، ولم يكن المحامون هم من يقدمون هذه النصائح فقط، بل كان الطلاب، والشرطة، والمحققون، وكذلك المجرمون السابقون يدخلون لوحات الرسائل لمساعدة الناس في أسئلتهم وقضاياهم. وفي قاع هذه الظاهرة كان هناك موقف ديمقراطي تآكلي تجاه المعرفة القانونية، الذي أخذته مهنة القانون الآن بوصفه أمرًا مسلّمًا به. “إذا فكرت في القانون”، قال ريتشارد س. غرانات، رئيس اللجنة المشتركة في رابطة المحامين الأمريكية بشأن “القانون الإلكتروني”، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، في محاولة لشرح الازدهار في خدمات القانون عبر الإنترنت التي يمكن القيام بها بنفسك، “فإن مكونًا كبيرًا هو مجرد المعلومات، المعلومات وحدها يمكن أن تذهب بعيدًا في حل المشكلات القانونية”.

في تلك الجملة البسيطة، يمكنك سماع ما تبقى من الغموض المهني القديم يتبخر. كانت مكانة المحاماة في حالة تغير، وكانت كذلك منذ بعض الوقت. سيتم جمع مختارات من العبارات التي ستجعل النخبة تبكي يومًا ما، على الرف الطويل من التصريحات التي تتعلق بانحدار المحامي الأمريكي إلى الثقافة الشعبية في نهاية القرن العشرين. وستفصل فصول منفصلة ظهور الساعة القابلة للفوترة، وقرار المحكمة العليا عام 1977م الذي سمح للمحامين بالإعلان عن خدماتهم، ومجلة تُدعى المحامي الأمريكي، التي بدأت عام 1985م بنشر تقديرات دخول المحامين، وبمجرد أن أصبح القانون عملًا، كان في طريقه ليصبح سلعة. وإذا تم تقليص القانون إلى مجموع معلوماته، فإنه -من حيث المعنى- يمكن لأي شخص توفيره.

كانت تلك الفكرة قد قطعت شوطًا طويلًا فعلًا، وكان الإنترنت يساعدها على السير على نحو أسرع. بعد كل شيء، ماذا تقول عن القانون؟ إن صبيًّا يبلغ من العمر 15 عامًا لم يقرأ كتاب قانون هل يمكن أن يُعَدّ خبيرًا فيه لجمهور كبير؟ كان ذلك يعني أنّ كثيرًا من الناس يشعرون أن المعرفة القانونية متاحة للهواة. من يدري؟ ربما كانوا على حق، وربما كانت الخبرة القانونية مبالغًا فيها. تمامًا.

كان الإنترنت يقوض قدرة أي شخص يعتمد على وصول حصري إلى المعلومات. لكن لم يكن من العدل أن تلوم الإنترنت على ماركوس أرنولد، كذلك لم يكن من العدل أن تلوم الإنترنت على جوناثان ليبد. كان الإنترنت يستخدم ماركوس ليخبرنا شيئًا عن أنفسنا فقط؛ فلقد كنا نشكك في قيمة التدريب الرسمي، وكانت المعرفة القليلة دائمًا شيئًا خطرًا، والآن أصبحت شيئًا محترمًا، وكان الانهيار العام في أهمية التدريب الرسمي عرضًا من أعراض الحياة ما بعد الإنترنت؛ إذ كانت المعرفة مثل الملابس المرتبطة بها، تُصبح غير رسمية، وكانت الأفكار العفوية تتماشى جيدًا مع الملابس العادية.

وهكذا، كانت الحالة التي وجد فيها ماركوس أرنولد نفسه أواخر صيف عام 2000م، على الرغم من غرابتها، تكشف كثيرًا. تعرض ماركوس للإذلال العلني من قبل المحامين الحقيقيين، لكن لم يمنعه ذلك من تقديم مزيد من النصائح، إذ تمسك بمكانته الأدنى بقوته كلها، ثم بدأ العملاء يتحدثون، وبصوت واحد تقريبًا قالوا: “اتركوا الفتى وشأنه!”. بدا أنّ كثيرًا من الناس يعتقدون أن أي مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا قد ارتفع بهذا الشكل في صفوف خبراء القانون في AskMe.com يجب أن يكون نوعًا من السحرة. بدؤوا يبحثون عنه أكثر من أي وقت مضى؛ كانوا يريدون نصيحته، ونصيحته وحده.

مسح ماركوس عرقه وقدم لهم ما يحتاجون إليه، وخلال أيام، استعيدت ثقته كاملة. قال: “دائمًا لديك نُقّادك”. “أعني، مع المحامين الحقيقيين، إنها مسألة فخر، إذ لا يمكنهم السماح لشخص قد يكون ابنهم أن يتفوق عليهم، إضافةً إلى أنهم يمتلكون وقتًا أكثر بكثير مما أملكه، فأنا دائمًا مشغول بالوقت؛ ست ساعات يوميًّا في المدرسة، وأربع ساعات من الواجبات المنزلية، وأحيانًا لا أستطيع الدخول إلى الإنترنت للإجابة عن الأسئلة حتى بعد العشاء”.

على الرغم من هذه العوائق، ارتفعت مرتبة ماركوس، بعد أسبوعين من كشفه عن عمره، بدأ يرتفع، وبعد أسبوعين آخرين وصل إلى المركز الأول. قد لا تكون النصائح القانونية التي قدمها لألف شخص أو نحو ذلك قد صمدت أمام تدقيق أفضل العقول القانونية؛ إذ إنّ بعضها كان من النوع الذي يمكنك استخلاصه مباشرة من القاضي جودي، وأكثرها كان إعادة صياغة بسيطة للواضح بنبرة ودية، لم يكن ماركوس يهتم كثيرًا بالتفاصيل، ولم يكن يتعامل مع التعقيد جيّدًا، لكن هذه كانت النقطة الأساسية فيه؛ لم يكن بحاجة إلى ذلك. كان كثير مما يفعله المحامي الحقيقي هو تقديم معلومات بسيطة بطريقة تجعل العميل يشعر بأنه مُخدَم، وهذا ما فعله ماركوس جيدًا. قد تكون لديه فكرة غامضة عما كان يتحدث عنه وطريقة غريبة لوصف ما يعرفه فقط، لكن هناك في الفراغ، أحبوه.

كان والد ماركوس، ميلفين، يعمل في متجر للأثاث يبعد ساعتين بالسيارة عن المنزل؛ لذا لم يكن عادةً موجودًا عندما كان ابنه يقدم النصائح على الإنترنت، ولم يكن ذلك مهمًّا؛ فلم يكن ليعرف ما كان يفعله ماركوس في أي حال. قال ميلفين عندما وصل إلى المنزل ورأى ماركوس يكتب بشغف لصالحه: “أنا لست من النوع الذي يستخدم الكمبيوتر. في الواقع، أنا لا أستخدم الكمبيوتر إطلاقًا”، وقال ذلك على نحو واقعي، بروح لا تتسم بالتحدي أو الغضب، بل بتقبل لطيف لما هي عليه الأمور. “عندما أحتاج إلى شيء من الكمبيوتر” وأضاف: “أسأل ماركوس”.

“يمنحني مزيدًا من الوقت على الكمبيوتر فقط”، قال ماركوس واستأنف كتابته الغاضبة.

ومع وجود الكمبيوتر في وسط المنزل، لم يسمح لي منزل عائلة أرنولد بالتحدث مع ميلفين من دون إزعاج ماركوس، عندما أدرك ماركوس أنه سيفرض عليه الاستماع إلى ما قد يقوله والده عن شخصيته على الإنترنت، فقد اهتمامه. نادى مارك، وخرج التوأمان البدينان من الباب الأمامي، وفي طريقه للخروج، استدار وسألني إذا كنت أعرف أي شخص في هوليوود يمكنه التحدث إليه. “أعتقد أن ما أريده حقًّا”، قال: “هو أن أكون ممثلًا”. مع هذا الانفصال الأخير، تركني لأستجوب والديه.

كان أول شيء واضح فورًا هو أنهما، على خلاف ابنهما، كانا يدركان أن حياتهما لم تعد كما يسميها أي شخص عادية، لقد أثبتت عائلة ليبد أنه إذا كان طفلك المراهق متصلًا بالإنترنت، لا تحتاج إلى مغادرة منزلك لتشعر بأنك تم طردك، فقد كانت عائلة أرنولد قد تعرضت بالفعل لهذا المصير ؛ لذا لم يثبتوا شيئًا، لقد انتقلوا من بليز إلى وسط لوس أنجلوس، وانتقلوا من هناك إلى بيريس لسبب، وهو ما أوضحه ميلفين لي بهدوء الآن. في منزل العائلة في لوس أنجلوس، تم قتل شقيق ماركوس الأكبر، لقد تم إطلاق النار عليه بدم بارد على يد معارف وسط حفل شواء عائلي. كان الرجل الذي أطلق عليه النار مُؤهَّلًا للإفراج المشروط عام 2013م. “لم يخبرك ماركوس بذلك، أليس كذلك؟”، سأل ميلفين على نحو بلاغي. “في رأيي، هذا هو ما جعل ماركوس مهتمًّا بالقانون، فقد رأى أنه لم يكن عدلًا”.

انتقلت عائلة أرنولد إلى بيريس بعد مدة قصيرة من مقتل ابنهم، وبعد مدّة قصيرة من وصولهم، طلب ماركوس جهاز كمبيوتر. لقد انتظر حتى تصدّر قائمة أفضل 10 في AskMe.com قبل أن يخبر والديه لماذا، فجأة، كان مستيقظًا في الساعات جميعها يكتب على لوحة مفاتيح العائلة. كان لدى والديه ردود فعل مختلفة تمامًا على الخبر، وكانت والدته تكاد تنفجر من الفخر؛ إذ إنّها كانت دائمًا تعرف أن ماركوس مميز، وكان الإنترنت يمنحه فرصة لإثبات ذلك. كان والده متشككًا على نحو معتدل، فلم يستطع فهم كيف يمكن لصبي يبلغ من العمر 15 عامًا أن يعمل محاميًا، الحقيقة أن ميلفين لم يأخذ ماركوس على محمل الجد، على الأقل في البداية، فقد افترض أنه كان يتفاعل مع حزن مقتل شقيقه الأكبر، ثم بدأت الهواتف ترن… وترن.”، هؤلاء كانوا أشخاصًا بالغين”، قال ميلفين، ما يزال غير مصدق للأحداث التي تحدث تحت سقف منزله. “يتصلون بهذا المنزل ويسألون عن ماركوس، هؤلاء الناس في الأربعينيات، والخامسة والأربعين، ويتحدثون مع ماركوس عن مشكلاتهم القانونية، لكنهم لا يشملون الوالدين، هنا أشعر بالخوف؛ لأنه لا ينبغي أن تسير الأمور هكذا”.

“حسنًا…”، قالت بريسيلا. لقد عبس وجهها الكبير الودود بما كان واضحًا أنه تعبير عن عدم الموافقة. “إنهم لا يعترفون بحقيقة أنه في الخامسة عشرة، إنهم يعترفون بحقيقة أنه يمكنه أن يقدم لهم بعض النصائح القانونية”.

“لكن الهاتف”، قال ميلفين. “إنه يرن دائمًا، هؤلاء الناس يريدون من ماركوس أن يقدم لهم نصائح قانونية، أعني، حقًّا، إنه مثل ما يفعله الناس بوصفه عملًا، وهو يقوم بذلك هنا. أشعر بالإحباط الشديد. أقول دائمًا: “ماركوس، أنت تتحدث كثيرًا، أنت تتحدث كثيرًا””.

“لكن هذا ما يفعله المحامون”، قالت بريسيلا. “إنهم يتحدثون كثيرًا”.

استسلم ميلفين لزوجته وتوجه إلي. “أقول له أن يبتعد عن الهاتف، يبتعد عن الكمبيوتر، هذه هي النقطة التي أكررها عليه، لا أحد آخر في هذا المنزل يمكنه استخدام الهاتف ولا أستطيع إيقافه، لكن مع ذلك…”.

“لكنّ المحامين يتحدثون… هذا ما يفعلونه”، قالت بريسيلا.

“أنا لا أستخدم الهاتف على أي حال، حقًّا”، قال ميلفين. “المكالمات تأتي، وهي ليست لي إطلاقًا، كما تعلم. إنها دائمًا ماركوس، ماركوس، ماركوس. الناس يتصلون به من كل مكان”.

كانوا قد بدؤوا بحديث واضح أنه سباق محادثة مألوف. “لا أفهم”، قلت. “كيف يعرف هؤلاء الناس كلهم رقم هاتفك؟”، لكن لم يكن أيٌّ منهما يستمع. كانت بريسيلا، وقد استحوذت على نقطتها الرئيسة، عازمة الآن على طعن ميلفين بها، و”لكن هذا ما يجب أن يفعله”، قالت. “هذا ما يفعله المحامون! يتحدثون!”.

“نعم، لكنه ليس محاميًا”، قال ميلفين، ثم التفت إلي مرة أخرى في محاولة للتحكيم. “إنه يجننك بكلامه، جنون!”

“كيف يحصلون على رقم هاتفك؟”، سألت مرة أخرى.

“لكنه سيكون كذلك يومًا ما”، قالت بريسيلا. “عنده هذه الموهبة”.

“إنه طفل”، قال ميلفين.

“كيف حصلوا على رقم هاتفك؟”، سألت للمرة الثالثة.

رفعت بريسيلا نظرها. “ماركوس يضعه على الإنترنت”، قالت. بالنسبة إليها، كان هذا الأمر الأكثر طبيعية.

اتخذ ميلفين وجهة نظر مختلفة، ربما كان لديه شعور واضح بأن عددًا من “عملاء” ماركوس كان عليهم الانتظار في طابور عند هاتف عمومي لإجراء مكالماتهم، أو أنهم دائمًا كانوا يفضلون الانتظار على الخط بدلًا من الاتصال لاحقًا، أو نبرات أصواتهم المحمومة. مهما كان السبب، لم يعجبه ذلك. “قلت لماركوس”، وقال بتعب: “إننا لا نعرف حتى من هم هؤلاء الناس. قد يكونون مجرمين في الخارج. ينبغي ألّا تعطهم رقم هاتفنا، أو عنواننا”.

عبست بريسيلا وحاولت إظهار قلقها. “ما أرعبني حقًا في تلك المرة “، قالت، أقل خوفًا من روح التعاون: “كانت هذه السيدة التي كان يساعدها في قضيتها الجنائية، قد أرسلت إليه الكتاب الكامل لقضيتها في المحكمة. قلت: “ماركوس، لماذا تريد أن تتحمل هذا؟ عليك أن تخبر هذه السيدة أنك في الخامسة عشرة فقط”، لكنه لم يستمع لي، وقد جاء الوقت الذي أرادت فيه السيدة فعلًا أن يذهب معها إلى المحكمة، وقلت: “لا، يجب أن نتوقف هنا؛ لأنك لا تملك رخصة لذلك، أنت لا تدرس القانون”، قال: “أمي، عليك أن تقوديني إلى المحكمة، أنا أعرف ما أفعله”، وقلت: “لا يمكن. ليست لديك رخصة لتحديد القانون””.

يمكنني أن أرى أن قلبها لم يكن في هذا الكلام، توقفت وتألقت، كما لو كانت تقول إنها بذلت قصارى جهدها للتوصل إلى حل وسط مع زوجها، ثم قالت: “لكنني أعتقد أن الإنترنت جيد لماركوس”.

“هل تعتقدين أن ماركوس يعرف ما يفعله؟”، سألت.

“أوه! نعم، كثيرًا”، قالت: “لأنه في كثير من الأحيان كنا نشاهد هذه البرامج القضائية، وكان يأتي بالاقتراحات والأجوبة نفسها مثلما يفعل المحامون”.

بدت هذه النقطة كافية لحل المسألة؛ حتى ميلفين لم يستطع الاختلاف. كان ماركوس يعرف “محكمة التلفزيون”.

“هل يمكنك رؤيته يتقاضى ثمن هذه النصائح؟”، سألت.

“في أي عمر؟”، قال ميلفين وقد دخل قلق جديد إلى صوته.

“في عمر الثلاثين”.

“آمل”، قال ميلفين بحذر شديد: “آمل في أن ينجح”.

“من المفترض أن يكون لديه مكتب محاماة خاص به بحلول ذلك الوقت”، قالت بريسيلا.

المصدر 

(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة نيويورك تايمز).

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

الوسوم: ترجمات معنى
ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

دفاعًا عن الواقع: هل الفن أكثر خيالًا؟ | سارة عمري

المقال التالي

لون لغتي | ماريانا ألساندري

عن أوهام الذاكرة وعرَاء الجدران | سليمان إبراهيم

عن أوهام الذاكرة وعرَاء الجدران | سليمان إبراهيم

16 يونيو، 2026

الطلاء المَقشور وبيوت العَنكبوت وفضَلات الطيور المُتراكمة على زُجاج السيارة القديمة المركونة وسط الدار. رائحة ورق اللبلاب المُعترِش حجارة السور...

الدونمة وسوسيولوجيا الهوية المزدوجة | محمد أبو ساق

الدونمة وسوسيولوجيا الهوية المزدوجة | محمد أبو ساق

9 يونيو، 2026

يُحكى أن حاخاماً يهودياً في القرن السابع عشر من الميلاد، كان تحت قبضة الدولة العثمانية لمحاكمته جرّاء عدة تُهم من...

إدغار موران والحداثة الغربية حين تواجه بربريتها | بدر مصطفى

إدغار موران والحداثة الغربية حين تواجه بربريتها | بدر مصطفى

3 يونيو، 2026

رحل إدغار موران عن عالمنا وفي ذاكرته قرن يكاد يختصر عطب الأزمنة الحديثة؛ حربان عالميتان..مقاومة للنازية..شيوعية أغوته ثم خذلته.. استعمار...

في حوار مع الذكاء الاصطناعي وفن السؤال: الإنسان كما تكشفه أسئلته | طامي السميري

في حوار مع الذكاء الاصطناعي وفن السؤال: الإنسان كما تكشفه أسئلته | طامي السميري

22 مايو، 2026

في هذا الحوار حاولتُ استكشاف ملامح أسئلتنا كما يراها الذكاء الاصطناعي؛ كيف نسأل؟ وهل نتقن فن صياغة السؤال؟ وهل يمكن...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00