بقلم مارينا كورين
يتمتع القمر بسمعة “الفراغ الرائع”، كما قال باز ألدرين عندما صعد إلى السطح قبل أكثر من 50 عامًا. وليس للقمر غلاف جوي يُذكر، ولا حماية من تيار مستمر من الإشعاعات، سواء من الشمس أم من الفضاء الواسع. خلال اليوم القمري، أي حوالي 15 يومًا من أيام كوكب الأرض، يجعل ضوء الشمس المستمر السطح ساخنًا بما يكفي لغلي الماء فوقه. تدوم الليلة القمرية بالطول نفسه، لكنها باردة بشكل يصعب وصفه.
ومع ذلك، تختبئ في هذه الصورة القاتمة بعض الأماكن المختارة التي قد توفر بعض الراحة من تلك الظروف غير المرحب بها كلها، وهناك بقعة معينة تبدو نوعًا ما … مريحة؟
باستخدام بيانات من مركبة فضائية في مدار حول القمر، درس العلماء كهفًا على سطح القمر واكتشفوا أن جزءًا منه يتمتع بدرجة حرارة باردة تبلغ 63 درجة فهرنهايت (حوالي 17 درجة مئوية). يتشكل هذا الكهف على شكل أسطوانة، ويمتد حوالي 328 قدمًا (100 متر) من السطح – أي بارتفاع مبنى مكون من 30 طابقًا تقريبًا. ينير ضوء الشمس جزءًا فقط من قاع الكهف، أما الباقي فهو بعيد عن وصول أشعة الشمس، ويظل مظللًا بشكل دائم.
يمنع هذا الظل ارتفاع درجة حرارة المنطقة أكثر من اللازم خلال النهار ويمنع تسرب الحرارة أثناء الليل؛ مما يؤدي إلى درجة حرارة الغرفة المعتدلة تقريبًا. علاوة على ذلك، يتمتع هذا الكهف أيضًا بميزة نادرة، وهي وجود ثقب صغير في الجدار، بالقرب من القاع، والذي يعتقد العلماء أنه يمكن أن يكون مدخلًا إلى كهف مخفي تحت السطح. سيكون الوضع جيدًا هناك أيضًا، لن يتمتع الكهف بدرجات حرارة مستقرة فحسب، بل سيوفر أيضًا بعض المأوى من الأشعة الكونية، والجسيمات، وحتى النيازك الدقيقة التي تصطدم دائمًا بالقمر. قال لي تايلر هورفاث، عالم الكواكب في جامعة كاليفورنيا الذي قاد البحث الجديد، أن الكهف بالمقارنة مع سطح القمر في الأعلى، “مريح للغاية”.
يشير العلماء إلى هذه الكهوف الأسطوانية على أنها حفر أو ثقوب أو منخفضات قمرية. ولكن بالنظر إلى الراحة النسبية التي اكتشفها هورفاث وزملاؤه هناك، فإن هذه التسميات تبدو قاسية للغاية. دعونا نسميها زوايا القمر بدلًا من ذلك.
للقمر بضع مئات من هذه الزوايا، بعضها من بقايا ماضيه القديم كعالم منصهر، حيث تناثرت البراكين على سطح القمر قبل مليارات من السنين، وقذفت الحمم البركانية التي تدفقت مثل الأنهار عبر السطح. وعندما بردت الطبقات العليا وتصلبت، استمرت الحمم البركانية الموجودة تحتها في التدفق في أنابيب تحت السطح. اليوم، القمر عبارة عن صخور صلبة، لكن الهندسة المعمارية المتعرجة التي شكلتها هذه التدفقات القديمة لا تزال تحت سطحه. قد تظهر زاوية بعد أن يضرب الحطام الصخري القمر بقوة كافية لانهيار سقف أنبوب الحمم البركانية، ليُكشف الفراغ المخفي تحتها.
تحمل زاويتان على الأقل من زوايا القمر علامات مميزة تدل على وجود كهف محتمل، بما في ذلك الكهف الذي درسه هورفاث، والذي يقع في بحار القمر المعروفة باسم بحر السكون، في نصف الكرة الشمالي للقمر. استخدم هورفاث بيانات من كاميرا حرارية على متن مستكشف القمر المداري التابع لناسا، والذي لم يقدم الكثير من المعلومات. وقال هورفاث: “الحفرة أصغر من بكسل واحد في تلك الكاميرا،” لكن هذا الجزء من البكسل “كان يظهر بشكل واضح للغاية في البيانات”، ويمكن لفريقه استخدام النمذجة الحاسوبية لاستقراء ظروف درجة الحرارة داخل المناطق المظللة من الزاوية. يشير تحليلهم إلى أن درجة الحرارة تتقلب قليلًا من النهار القمري إلى الليل. قال هورفاث: “سيكون الكهف، إذا كان هناك كهف موجود في تلك الحفرة، مريحًا حقًّا”.
إذا لم تكن درجة الحرارة وحدها كافية، فيجب أن يُقنعك المنظر: من الداخل، يمكن للزائر رؤية القمر بطريقة مختلفة تمامًا. أخبرتني أماندا ستاديرمان، عالمة الكواكب في جامعة أريزونا والتي تدرس الصخور القمرية، أن “سطح القمر مغطى بالحطام الصخري، وهو مجرد صخور متكسرة من عصور من الاصطدامات التي ضربت القمر”، وأن السطح ذا المنظر المتناثر بعيد كل البعد عن الصخور الجيولوجية الملساء. وقالت ستاديرمان: “إن فكرة الهبوط على جانب إحدى هذه الحفر هي فكرة مثيرة للغاية”. سوف ينكشف ماضي القمر أمامك عندما تنزل إلى الظل، وتصبح درجات الحرارة مناسبة بشكل أكثر كلما ذهبت إلى الأسفل، طبقة بعد طبقة من الحمم البركانية المتصلبة، والأشكال المألوفة من الفقاعات التي تعلق في التدفق وتتجمد في الوقت المناسب. وربما تصادف كهفًا على طول الطريق في الأسفل، كالمكان الجذاب الذي يدفعك لاتخاذه مأوى مؤقتًا، أو حتى منزل.
درس هورفاث هذه الزاوية بالذات بناءً على طلب ناسا؛ إذ كانت الوكالة تدرس إرسال مركبة فضائية إلى إحدى هذه المواقع المريحة، وكانت بحاجة إلى معرفة نوع الظروف الحرارية التي قد تواجه المركبة. لم تتابع وكالة ناسا هذا المشروع بشكل أكبر، لكن زوايا القمر تظل هدفًا محيرًا للمهام القمرية المستقبلية. وقد قامت وكالة الفضاء الأوروبية مؤخرًا بجمع عشرات العلماء والمهندسين لتبادل الأفكار حول تصميم مركبة فضائية من شأنها أن تستكشف زاوية يمكن أن تؤدي إلى كهف. هبط رواد أبولو الأوائل في بحر السكون في عام 1969م، لكنهم لم يستكشفوا أي حفر غامضة، بل قاموا بالمشي على طول السطح المغطى بالثرى القمري بدلًا من ذلك. ربما تستطيع الأجيال القادمة من رواد الفضاء، المكلفين ببناء منازل دائمة على القمر، الذهاب تحت الأرض بعيدًا عن العناصر القمرية. تبدو زاوية القمر وكأنها المكان المثالي للاستمتاع بكتاب جيد عن أنظمة دعم الحياة.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




