ترجمة: نهى الغامدي
التكنولوجيا الأهم هي التي سوف تختفي في المستقبل
عام 1988م، اقترح مارك وايزر، كبير العلماء في مختبر زيروكس بارك، لأول مرة مفهوم “الحوسبة الشاملة”، الذي يصف مجتمع معلومات جديد، حيث يمكن لأي شخص الاتصال بالشبكة من خلال أجهزة طرفية مناسبة في أي وقت وفي أي مكان، والوصول إلى خدمات المعلومات التخصصية. ومقارنةً برؤية وايزر، فإن طموح بيل جيتس بـ “جهاز كمبيوتر على كل سطح مكتب” قد تحطم ببساطة.
تنبأ وايزر قبل ثلاثين عامًا بأن مجال الحوسبة سوف يبشر بموجة ثالثة: “نحن الآن في عصر الحوسبة الشخصية، حيث يحدق البشر والآلات في بعضهم بعضًا بقلق على سطح المكتب. بعد ذلك يأتي عصر الحوسبة الشاملة، أو بدلًا من ذلك، عصر التكنولوجيا الهادئة، حيث تعود التكنولوجيا إلى سياق حياتنا”.
لاحظوا الصفتين “القلق” و”الهدوء” اللتين استخدمهما وايزر في هذا المقطع، حيث يشكلان تناقضًا حادًا تقريبًا. إن القلق “هو لأن الناس يدركون وجود التكنولوجيا عند مواجهة أجهزة الكمبيوتر”، في حين أن” الهدوء هو لأن التكنولوجيا تختفي”. على حد تعبير وايزر، “إن أهم التقنيات هي تلك التي ستختفي. إنها تنسج نفسها في بنية الحياة اليومية حتى لا يمكن تمييزها منها”.
يمكن عدّ مستوى تكامل تكنولوجيا الحوسبة الهدف النهائي لأجهزة الكمبيوتر. في هذه الحالة، لا يحتاج المستخدمون إلى التركيز النشط بالتكنولوجيا، ويمكن إتقان التكنولوجيا واستخدامها بسهولة. إذا تم تحقيق مثل هذا الهدف حقًّا، فستختفي أجهزة الكمبيوتر، ليس لأن التكنولوجيا اختفت حقًّا، ولكن لأن التكنولوجيا اختفت على المستوى النفسي. في الواقع، لن نكون أحرارًا في استخدام التكنولوجيا دون تردد إلَّا عندما تختفي بهذه الطريقة.
في عصر الحوسبة الشاملة، لا يتعلق الأمر بمشاركة العديد من الأشخاص لجهاز كمبيوتر واحد، ولا بامتلاك شخص واحد لجهاز كمبيوتر واحد، بل يتعلق بتفاعل شخص واحد مع أجهزة كمبيوتر متعددة في الوقت ذاته، حيث يبدو كل جهاز كمبيوتر غير مرئي للمستخدم، ولكنه يتواصل لاسلكيًّا مع أجهزة كمبيوتر أخرى في الوقت نفسه. قارن وايزر محركات السيرفو بأجهزة الكمبيوتر: قبل مدة ليست بالبعيدة، كانت المحركات المماثلة لا تزال كبيرة جدًّا وتتطلب صيانة متخصصة، ومع ذلك، وبمرور الوقت، أصبحت هذه الأجهزة أصغر وأكثر شيوعًا، وتجاهلنا وجودها في الأساس. الهدف من الحوسبة الشاملة على وجه التحديد تضمين كثير من أجهزة الكمبيوتر الصغيرة والمتخصصة للغاية في بيئتنا، ويكون هذا التضمين طبيعيًّا إلى درجة تمكننا من القول إنه شفاف.
لقد توصلنا اليوم إلى فهم أن أمثلة الحوسبة في كل مكان تشمل الأجهزة القابلة للارتداء والهواتف الذكية، فضلًا عن الفصول الدراسية الذكية والمنازل والمكاتب التي يمكنها إدراك بيئتها.
تهدئة تكنولوجيا الحوسبة
إن عصر الحوسبة الشاملة هو أيضًا عصر التكنولوجيا الهادئة، مما يعني:
أولًا، يجب أن يركز انتباه المستخدمين للتكنولوجيا في المقام الأول على المحيط، ما يعني أن التكنولوجيا إما يمكنها التنقل بسهولة بين مركز الاهتمام والمحيط، وإما أن معظم المعلومات التي تنقلها التكنولوجيا موجودة في المحيط بدلًا من المركز.
ثانيًا، زادت التكنولوجيا من استخدام المستخدمين للأجهزة الطرفية، مما خلق تجربة مستخدم مريحة دون تحميلهم بمعلومات إضافية.
مرة أخرى، يمكن للتكنولوجيا أن تنقل إحساسًا بالألفة للمستخدمين وتسمح لهم بفهم بيئات المستخدم في الماضي والحاضر والمستقبل.
مثال شائع في الحياة اليومية هو الغلاية البسيطة وسهلة الاستخدام. نملأها بالماء، ونضعها على الموقد، ثم تخرج الغلاية من دائرة انتباهنا. وعندما تصدر صفيرًا، ندرك أن الماء قد غلى. مثال أكثر تعقيدًا هو التقنيات مثل أنظمة المكابح المانعة للانزلاق. يتم تنفيذ العديد من أنظمة الحوسبة بشكل جيد لدرجة أن المستخدمين لا يدركون أنهم قد تفاعلوا بالفعل مع النظام. السيارات هي مثال نموذجي على ذلك، إذ يتم دمج نظام المكابح المانعة للانزلاق (ABS)، وبرنامج الثبات الإلكتروني (ESP) في السيارة، ويؤثران في استخدامها في الحالات القصوى. ومع ذلك، فإن معظم الناس لا يفكرون بوعي في هذه التقنيات عند تشغيل السيارات. هذه التقنيات منتشرة وتختفي من وعي المستخدمين.
من الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها، أصبحت الكومبيوترات والأجهزة المحمولة تزداد مللًا حيث تختفي تدريجيًّا داخل أشياء أخرى: القمصان التي تنظف نفسها، والمركبات ذاتية القيادة، وروبوتات الخدمات، ومقابض الأبواب الذكية، وحتى الحبوب التي يمكن ابتلاعها لإتقان اللغة الإنجليزية. في كلمات العالم نيجروبونتي، سنعيش في الكومبيوترات، وسنرتديها على أجسادنا، وحتى سنتغذى عليها. A computer a day will keep the doctor away (كومبيوتر واحد يوميًّا سيبعد الطبيب)، يشير هذا إلى أن تكنولوجيا الحوسبة تتحرك بشكل شامل نحو الهدوء.
تماشيًا مع رؤية وايزر، يجب أن تكون التكنولوجيا الراقية حقًّا مدمجة بسلاسة في جميع هياكل الحياة اليومية، وهو الاتّجاه المستقبلي للتطوير.
——————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة Aisixiang).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




