• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الأحد, يوليو 5, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

من النبوة إلى النبوءة: عَرَفة.. إنسان محفوظ الأخير وفاوِسْت الإسلامِ | كريم الصياد

بواسطة معنى
17 مايو، 2026
من مقالات
A A
من النبوة إلى النبوءة: عَرَفة.. إنسان محفوظ الأخير وفاوِسْت الإسلامِ | كريم الصياد

معرفة المستقبل بين الوحي والعلم

سمح العلم التجريبي الحديث بتعيين توقُّعات محددة ودقيقة بصدد الطبيعة، فصارت لدى الإنسان للمرة الأولى القدرة على معرفة جانب من المستقبَل بدرجة كافية للاستفادة من هذه المعرفة، حتى لو لم تكن يقينية. وقبل “إعادة تشغيل” التاريخِ الإنساني فيما سبقَ العصرَ الحديث (الممتد منذ القرن السابع عشر إلى اليوم)، كان المصدر الوحيد الذي يمكن أن يطمئن إليه المرء بصدد أحداث المستقبَل هو الوحي الإلهي بمستوياته المتفاوتة والمختلفة، والتي تتضمن أيضًا الرؤيا والإلهام وغيرهما. وقد قال أرسطو في “تقابُل المستقبَلات الممكنة” من الأورجانون (مجموع كتاباته المنطقية) إن المعرفة اليقينية بالأحداث التي لم تقع بعد مستحيلة، وكل ما يمكن للعقل والحواس أن تعرفه بصدد المستقبل هو مجرد فكرة الإمكانية؛ فمن حيث المبدأ كل شيء ممكن ما عدا أن يكُون الشيءُ نفسَه وغيرَ نفسِه في اللحظة نفسها. وهو من النصوص المنطقية الأساسية، التي تعرضت لنقد بعض رجال الدين المسيحيين والمسلمين؛ فإن بعض أحداث المستقبل بالنسبة لهم يقينية كالبعث والحساب. ولكنها كذلك في نظرهم لأن مصدرها هو الوحي، وليس لأنهم “اكتشفوا” حتمية وقوعها بناء على منهج ذي قواعد محددة.

مع العلم الحديث تغيرت قواعدُ اللعبة على نحو درامي، وتبدَّل تصورُ الإنسان عن دوره في الكون إلى الأبد. صحيح أن العلم الحديث في أعلى مراحل تقدمه لم يمنح الإنسان يقينًا بشأن المستقبل، ولكنه عوضه عن نقص معرفته بالطبيعة بمزيد من قدرته على تسخيرها، وذلك عن طريق التقانة الحديثة. وبينما رأَى هيدجر في تلك التقانة تهديدًا لماهية الإنسان بتحويله هو نفسه من سيّد إلى مَورِد،[1] فإننا نعتقد في المقابل أن خطرها الأساسي هو تهديدها لكل خصوصيةٍ كيفيةٍ للإنسان، وبالذات مع التقدم المتسارع حاليًا لكل من خدمات التواصل الاجتماعي، التي سمحت بتراكم البيانات الضخمة عن مليارات البشر، ومجال الذكاء الاصطناعي (تعلُّم الآلةِ)، الذي سلب الإنسان ربما آخر ورقة توت، آخر ما كان يبقِي على تصوره عن نفسه ككائن مميز بالوعي الذاتي، وفريد من نوعه على مستوى كل فرد من نوعه. وهو التهديد الذي سيتصاعد غالبًا في المستقبل القريب، خاصة مع استغلال كل من البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في تطوير مجال أخطر، ألا وهو مجال الذكاء الطبيعي البيولوجي، وفي القلب منه مشروعات فَكّ شفرة الدماغ Decoding Brain في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية، تلك المشروعات متنوعة الاستراتيجيات وذات التمويل الهائل، والتي لا تحظى – مع القفزات شبه اليومية في مجال الذكاء الاصطناعي – بالاهتمام الإعلامي المناسب، وهي التي تهدف بشكل عام إلى رسم خريطة تفصيلية متكاملة لتفاعلات الدماغ البشري الكيميائية ووصلاته العصبية المسئولة عن أبسط الأفكار والمشاعر، وبالتالي تفتح الطريق أمام إمكانية للتجسس على الدماغ، والتلاعب بالوعي، أو عمل نُسَخ مطابقة للأصل منه. وإذا صار القرن الحادي والعشرون بحق قرن ذكاء الآلة، فإن الثاني والعشرين سيكون غالبًا قرن ذكاء الإنسان. والمشكلة أن التقدم في المجالات التقنية يجري بمعدل أسرع بكثير من التأقلم البيولوجي والاجتماعي المطلوبين لحسن استغلاله وتقدير خَطره؛ حيث سبق عِلمُ الإنسانِ حكمتَه بمعدل لا سابقَ له في التاريخ المعروف. [2]

عرفة وفاوست

وفي العصر الحديث، وبعد مراحل انسلاخ مريرة امتدت لآلاف السنين، وعندما استعاض الإنسان لأول مرة بالعلم بدلاً من الدين لمعرفة المستقبل، وبالتنبؤ العلمي بدلاً من وحي النبوة، وبعمل الفريق بدلاً من مركزية الفرد الملهَم، اشتعلت في مجرى التاريخ شرارة مفاجئة غَشَى نورُها كل القرون السابقة، رغم أنها لم تفتقر هي الأخرى إلى العقول المضيئة. إنه العصر الذي صارت فيها كلمة “العصر” نفسها ذات أهميةٍ ومعدَّلٍ أكبر بكثير في التداوُل، والذي بلغت فيه البشرية مبلغًا من الترقّي المعرفي والتحول الاجتماعي لم يتخيله أهم العلماء والفلاسفة في آلافٍ خلت من السنين، والذي هو عصر الإنسان بحق مع اتساع قدراته التقنية، الإنسان الحديث الذي لن يصدق القارئ غير المتخصص في العلوم الاجتماعية مقدار ما يفصل بينه وبين إنسان العصور القديمة والوسطى من حيث المفهوم ومن حيث التجليات التاريخية لهذا المفهوم وما صاحبه من تحولات اجتماعية هائلة، يظل من أهم عواملها من جهة عمق التأثير على النسيج التاريخي الشامل هو التقانة الحديثة وكيفية استغلالها. لهذا اضطر نجيب محفوظ إلى هذه الخاتمة الإجبارية لدراما “أولاد حارتنا” إحدى أهم الروايات العربية من جهة المبنى والمعنى، وحيث الخاتمة بمعنى موت الجبلاوي، أعظم حدَث منفرد ربما في سياق أهم حبكات محفوظ الغزيرة العبقرية، وأكثرها إثارة للجدل، والذي يحركه شخص واحد بالأساس هو عرفة. إن عرفة هو – في سياق أبطال الرواية – أول بطل للحارة عالِم بالمعنى الحديث الذي نتداوله لمصطلح “العلم الدقيق” (وقد كان كيميائيًّا بشكل ما)، وهو خاتم العظماء كما أنه الأول من نوعه، وذلك في ملحمة بدأت بالخصومة بين الله والشيطان، نتجت عنها خصومةٌ بين الشيطان والإنسان، أي إدريس وأدهم، وانتهت بمواجهة بلا خصومة بين الله والإنسان، يتوفى الجبلاوي إثرها. لا يمكن وصف المواجهة بين عرفة والجبلاوي بالخصومة؛ إذ تسلل الأول إلى بيت الأخير بهدف الاطلاع على الكتاب، “سر قوة الجبلاوي الذي ضنّ به حتى على ابنه” بتعبير عرفة. إنها خطيئة آدَم، ولم يكن آدمُ كافرًا.

هكذا تطور مسار الأحداث المتعالية-التاريخية، التي توشَّج فيها القَصص النبوي الإبراهيمي من حيث الرمز مع الحكايات الشعبية من حيث الدراما في تمثيل طبيعة الصراع متعدد المراحل والجبهات بين النبوَّة والنَّبُّوت، ذلك المسار الذي انعطف بحدة قاسية مع وفاة الجبلاوي إلى درجة أن ما يلي جيل عرفة (مدشِّن عصر العلم) من تاريخ الحارة، الذي ينتظِر القارئُ أن تشير إليه الروايةُ، وبعد ما تسبب فيه عرفة عن غير قصد من كارثة وفاة الجبلاوي تأثرًا بمقتل خادمه المخلص قنديل، هذا التاريخ لم يعد “له علاقة” بتاريخ أسلافنا كما نعرفه، لم يعد يتحدث عن الإنسان نفسه، الذي كف مؤخَّرًا عن بقائه كما كان، وبالتالي لم يعد التاريخُ يروي فصلاً آخَرَ من الحكاية نفسها. لهذا خُتمت روايةُ النبوة بالنبوءة.

مع العلم الحديث اختلف جوهريًّا مفهوم الإنسان عن نفسه، وعن كل شيء تقريبًا في فترة وجيزة جدًا، تبشّر بمزيد من تصاعد معدلات تقدم العلوم والتقانة، لكنها أيضًا لا تبشر إلا حين تنذر بأن هذا التفوق من جهتَي القدرة على الفعل أي التقانة، والقدرة على المعرفة أي العلوم بفروعها المختلفة، لا تتوافق عادة مع المزيد من الحرية في الإرادة الفردية (الحرية بمعناها الاجتماعي وليس الميتافيزيقي اللاهوتي كما في مسألة “الجبر والاختيار” في لاهوت المعتزلة والأشاعرة، أو كما في عقيدة اللطف الإلهي في لاهوت أوغسطين)، كما لا تتوافق مع قدرة الفرد على معرفة حدود إرادته وحريته في المجتمع، مما يوفر دائمًا الفرصة لتوجيهها أو استغلال إنجازاتها لقهر الأفراد والطبقات في ظل حكومات بعد-استعمارية انتهازية، ومجالس إدارة شركات كبرى تملك جل الثروة والنفوذ في العالم.

وكما هو معروف لم تكن ولادة العلم الحديث سريعة أو سهلة، فقد اصطدم حتى قبل تمام ولادته بالسلطات الدينية، وهو ما أدى إلى تبلور نموذج (فاوِسْت) في الأدب الغربي، حتى حظيت شخصية فاوست بمعالجات عدد من أهم أدباء الغرب مثل كرستوفر مارلو (منافس شكسبير اللدود) في بريطانيا وجوته وتوماس مان في ألمانيا وكثيرين غيرهم. وقد نشأت – مثلها في ذلك مثل دراكيولا – بسبب أَسْطَرَة شخصية تاريخية، سرعان ما تحولت إلى موضوع للحكايات شعبية فاندمجت بالتالي في التراث الشعبي والعقل الجمعي، حتى التقطها بعض الأدباء ووجدوا فيها ترميزًا لقصة الصراع بين العلم والمؤسسة الدينية قبيل مطلع العصر الحديث، وربما كان دور مارلو (ت 1593) جوهريًّا في ترسيخ هذا النموذج الأدبي؛ إذ كتب أول معالجة رصينة ذات بُعد رمزي “الدكتور فاوست” مستثمرًا إياها في ترميز الصراع المذكور في شكل المسرحية، وذلك إبّان حبس جيُورْدانو برُونُو القائل بمركزية الشمس، الذي حُكم عليه بالسجن تحت التعذيب ثم الإعدام حرقًا. تتحدث أسطورة فاوست باختصار عن رجل وقّع عقدًا بدمه مع الشيطان يضمن لهذا الرجل معرفة تتجاوز القدرات البشرية (بخصوص هيئة الفلك بالذات في معالجة مارلو)، ويضمن للشيطان في المقابل الفوز بروحه بعد موته. وهي مرة أخرى خطيئة آدم: المغامرة بالمصير الأبدي من أجل المعرفة شبه الإلهية. وهنا لا نجد صراعًا مباشرًا بين الإنسان والإله، بل بين الإنسان ومن يحاول لعب دور الإله، أو بعبارة أخرى: نجد صراعًا اجتماعيًّا. أما عرفة – المقابل الإسلامي أو العربي لفاوست – فكانت مواجهته مع بيت الجبلاوي أشد خطورة؛ فهي ترمز للصراع الوجودي-الميتافيزيقي لا الاجتماعي أولاً، وقد ترتب عليها موت الجبلاوي ثانيًا. غير أن الملحوظة الأهم في السياق الحالي للمقارنة بين فاوست مارلو وعرفة محفوظ هو مصير البطل وأثره على التاريخ. فبينما فاوست رمز لإنسان نهاية عصر النهضة وفجر العصر الحديث، فإن عرفة (إنسان) بين قوسين، أول من نوعه؛ إذ بدأ بسبب ما ترتب على مواجهته للجبلاوي تاريخًا جديدًا للنوع البشري، اضمحلّ فيه تدريجيًا الفعلُ التاريخي للأنبياء، في مقابل صعود دور العلماء والتقنيين. لقد انتهى التاريخ – وانتهت الرواية – مع هذه المواجهة، بينما لم يؤثر فاوست مارلو أو فاوست جوته أو فاوست توماس مان على التاريخ ككل إلى هذا الحد. فاوست دراما شخص، أما عرفة فدراما تاريخ، أو دراما الإنسان عمومًا.

العلم والعِلموية

عن طريق الكلمة (الوحي) اتصل الإله بالإنسان، وعن طريق الكلمة أيضًا (العِلم) اتصل الإنسان بالطبيعة. الفرق أن الأولى كانت كلمة إلهية، تربط بين الله والإنسان، أما الثانية فهي كلمة إنسانية تربط بين الإنسان والطبيعة. وكان كل من يسوع ومحمد حاملاً للكلمة بمعنى الوحي، لكن الأول كان تجسيدها، بينما كان الثاني تفعيلاً عمليًّا تاريخيًّا لها.

يعتقد هيدجر في “السؤال عن التقانة”-1954 ما مفاده أن الطبيعيات الوثنية تتفق من حيث المبدأ مع الطبيعيات الرومانسية، أي فلسفة الطبيعة عند المفكرين الرومانسيين من أمثال شوبنهور وهيجل وسواهما ممن عارضوا عقلية القرن الثامن عشر التنويرية، التي اهتمت بالعلم والعقل على حساب الخبرات الروحية والشعورية، وذلك من جهة أن كلاً من الطبيعيات الوثنية والطبيعيات الرومانسية تنظر إلى الطبيعة ككائن حيّ متكامل لا بد من فهمه والتأقلم معه باعتبار أن الإنسان ليس سيدًا متعاليًا على الطبيعة، بل جزءًا منها. وبهذا فقد أعلنتا الحربَ على الطبيعيات الوضعية من الجبهة نفسها. ويمكن فهم الفرق بين الطبيعيات الوثنية والرومانسية في مقابل الطبيعيات الوضعية أن الأولى نظرة كيفية للطبيعة، بينما الثانية نظرة تكميمية. ترى الأولى أن الطبيعة مؤلَّفة من موجودات ذات خصائص وآثار مختلفة كيفيًّا من موجود لآخَر، بينما ترى الثانية أن أساس الاختلاف الكيفي الظاهر هو التفاوت الكمّي، أي أن الفرق مثلاً بين لونين هو الاختلاف في التردد والطول الموجي للضوء المنعكس من سطح الجسم إلى العين. وهو ما يمكن حسابه بدقة. وقد قامت مجموعة من المذاهب والنظريات الفلسفية على أساس تعميم هذا المنهج التكميمي المستند إلى معادلة الكيف والكم السابقة، بحيث تشكل هذه المجموعة حزمة الفلسفات العلمية. وتختلف الفلسفة العلمية عن فلسفة العلم في أن الأولى مجموعة مذاهب ونظريات تنطلق من موقف محدد لأصحابها يعكس انحيازاتهم “العِلموية” (سيلي حالاً تعريفها)، في حين أن فلسفة العلم مجال دراسة يتصل في أغلبه بالإشكالات الأساسية لنظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) ويدرس الأثر المتبادل بين العلم الحديث والفلسفة والمجتمع، ولا يعبر بذاته كمصطلح عن موقف أو انحياز معين.

تشترك الفلسفات العلمية -ومن أشهرها المذهب الوضعي- في النزعة العِلْمَوِية Scientism، التي هي محاولة لإخضاع ظواهر الوعي، أي الظواهر الإنسانية التي تدرسها العلوم الإنسانية والاجتماعية، لمنهج العلم التجريبي، الذي يقوم على مبدأ تكميم الظواهر. وما أدى إلى تلك الحماسة غير المبررة والتي لم تحقق نتائج واعدة غالبًا هو أن مبدأ تكميم الظواهر في العلوم التجريبية (الفيزياء والكيمياء والأحياء وما يتفرع عنها) قد أهّلنا فعلاً، وعلى نحو غير مسبوق، إلى فهم الظواهر الطبيعية بصورة مطّرِدة في الاتساع والدقة، ومكّننا من إنجاز قفزات تقنية ومعرفية لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية؛ ذلك أنه يمكّن العلماءَ من التنبؤ بوقائع الطبيعة. ومع ذلك، ورغم كل ذلك التفاؤل في الفترة الممتدة من القرن السابع عشر حتى التاسع عشر، والثقة شبه المطلقة آنذاك في العلم كحَلّ لأغلب مشكلات البشرية، فقد بقيت معضلة إبستمولوجية جوهرية، هي أننا لا نفهم تلك الظواهر الطبيعية أولاً وأخيرًا إلا في حدود معرفتنا بها. ولذلك فإن أهم إنجازات العلم التجريبي النظرية حتى الآن هي نظريتا الكمّ والنسبية في القرن العشرين، رغم التاريخ الطويل المعقد المتعرج لتطوُّر المعرفة العلمية، وتعدد مراحل هذا التاريخ، واعتماد كل مرحلة على ما سبقها؛ إذ استطعنا عن طريقهما معًا استبصار أبعد الحدود لما يمكن لنا من حيث المبدأ معرفته بشأن الطبيعة، بحيث لا تتجاوز تلك الحدود كميات فيزيائية معينة، أدناها تحددها نظرية الكم، وأقصاها تعيّنها نظرية النسبية، فلا يمكن لنا من حيث المبدأ رصد خصائص معينة في اللحظة نفسها لِمَا يصغر حجمه عن حد معين (مثل استحالة تعيين موضع الجسيمات تحت الذرية كالإلكترونات ومعرفة كمية تحركها في الوقت نفسه)، كما لا يمكن لمعرفتنا أن تتجاوز حدًا أقصى معينًا بصدد ما يبتعد عن موقع الراصد بسرعة أكبر من سرعة الضوء (نتيجة للتمدد الكوني Expansion of the Universe) حيث يمكن للزمكان نفسه، أو الفضاء تبسيطًا، أن يتمدد وأن يتحرك نحو مراكز الثقوب السوداء بسرعات تتجاوز سرعة الضوء بما فيه من مادة وطاقة، مكوِّنًا ما يعرَف بأفْق الحدَث Event Horizon، وهو آخر مدى يمكن لنا معه رصد أي أحداث، لأن المعلومات في مجال الطبيعة الكبير، وبحسبة نظرية النسبية، لا تنتقل بسرعة أكبر من سرعة الضوء. وبناءً عليه أمكن لنا عن طريق هاتين النظريتين، اللتين تمثلانِ أعزّ ما يملك البشر من معرفة بصدد الطبيعة، أن نرسم أقصى حدود المعرفة التجريبية من جهة، مع إمدادنا في الوقت نفسه بمعرفة أدقّ بكثير عما يمكن لنا معرفته عن الطبيعة من جهة أخرى.

ومن أهم النتائج الفلسفية لهاتين النظريتين تفكيك أصول الفلسفات العلمية وبيان مدى سذاجتها، وسذاجة الطرح العِلْمَوِي عمومًا. وربما كانت آخر صورة مذهبية متكاملة للفلسفات العلمية هي الاشتراكية العلمية، وباصطلاح آخَر الماركسية، التي آلت أسباب انتشارها واستمرار عدد من أهم فروضها الأساسية، وبرغم سقوط النزعة العلموية، إلى عوامل سياسية واجتماعية تتعلق بمصالح طبقات معينة، أو الأيديولوجيا إجمالاً، كما آلت أيضًا إلى وجاهة ما قدمته من نقدٍ ومن تفسيرٍ لتجاهل دور العوامل الاقتصادية في التطور الاجتماعي. ومع ذلك، ورغم أن السائدَ لدى مؤرّخي الفلسفة اعتبارُ الماركسيةِ كما قلنا مذهبًا فلسفيًّا-علميًّا، فإن ملحوظة مهمة جدًا ربما غابت عنهم أو غيَّبوها، هي أنّ الماركسية فلسفة جدلية (ديالكتيكية)، وأنّ من أصول الديالكتيك نفسه مبدأ أنَّ التحولات الكمية تصل إلى مرحلة ينكسر معها التوازن القائم، ومن ثم يقع التحول الكيفي، وذلك بقطع النظر عن طبيعة الديالكتيك المثالية (كما عند هيجل والهيجليين الشبان وبخاصة اليمين الهيجلي) أو طبيعته المادية كما لدى ماركس الناضج وفردرِك إنجلز. والفرق بين هيجل وماركس من هذه الزاوية أن هيجل، وبوصفه فيلسوف الرومانسية الأول، قد استعاض عن المقولة المباشرة للتحول الكمي (المفضِي إلى الاختلاف الكيفي) بالإيقاع الثلاثي للقضية ونقيضها والقضية المركَّبة؛ فإن هذا الإيقاع نفسه يقوم على الصيغة العامة لمبدأ التكميم؛ وإن الإيقاع بما هو إيقاع هو تَردُّدٌ معين منتظم أو شبه منتظم. أما ماركس فقد أقر الصيغة المباشرة للتحول الكمي بالإضافة إلى الإيقاع الثلاثي ليحقق التمفصُل المفقود بين الطبيعيات والإنسانيات. لهذا السبب كانت الماركسية فعلاً التجاوُزَ المذهبي الحقيقي لثنائية الوضعية والرومانسية نحو قضية مركبة جديدة هي الواقعية، أو “المادية الجدلية والمادية التاريخية”. وقد تعرضنا للماركسية بتفصيل أكبر من هذه الزوايا في مقال بعنوان “لماذا أهدى ماركس رأسمالَه إلى دارون؟ في ميتافيزيقا التطوُّر”.[3]    

الشرط الأساسي لتقدم العلم

هكذا مُفعَمٌ هو تاريخ تطور الفلسفات العلمية على اختلافها طيلة الوقت، وبما هي فلسفات النخب المثقفة المميزة، بصدامات سياسية وثورات معرفية-اجتماعية. وهي الظاهرة اللافتة للانتباه حقًا فيما نرى بشأن تطور العلوم الطبيعية في الغرب الحديث بدءًا من القرن السابع عشر، حين مر المجتمع الأوروبي من عنق الزجاجة بين الجهود الفردية لعلماء وفلاسفة عظام إلى استيفاء شروط تكوين مجتمع علمي احترافي منظَّم يعتمد على عمل الفريق وعلى بنية فوقية من أخلاقيات المهنة وقواعد البحث العلمي وقوانين للترقيات ومنح الدرجات. هذا الوسط الأكاديمي البازغ في القرن السابع عشر هو الذي سمح لكل اسمٍ بارز في تاريخ العلوم الغربي أن يُعتبَر مجردُ وجودِه في حد ذاته ثورةً معرفية، وانعطافًا تاريخيًا في مجالات شتى، كما هي أسماء مثل كوبرنيقوس وكبلر ونيوتن وفاراداي وماكسويل ودارون وهيزنبرج وماكس بلانك وآينشتين ونيلز بور، هذا بينما ظل أغلب عباقرة العلوم والفلسفة في العصور القديمة والوسطى إما عبقريات فردية لا تشكل مدرسة ممتدة، هي شرط ضروري لضمان استمرار التراكم المعرفي السريع واتصال الحوار النقدي بين الأجيال، ولهذا ضعف كثيرًا بالمقارنة تأثيرُ أغلب تلك العبقريات على الأجيال التالية لهم، أو انقطعت تعاليمُهم تمامًا في بعض الحالات، وضعفت الأخبار عنهم، أو ضاعت كتبهم أو أتلفت،[4] وإما كانوا – وهو غالبًا لم يكن يحدث في تلك العصور – ذوي بصمات عالمية ممتدة عميقة على المعرفة الإنسانية وعلى مفهوم الأكاديمية ذاته، الذي كان في أغلب الأحيان ولآلاف السنين صفة تدل على النخبة المميزة في مجتمعها، أكثر من دلالتها اليوم على الطبقة الوسطى، التي تتكون من حملة الشهادات العليا وأُسرهم، والذين كانوا في كثير من المجتمعات ولفترات طويلة في التاريخ من الأجانب أصحاب الامتيازات الضمنية والصريحة. وهو من عوامل الظاهرة التي من المفروض أن تلفت بدورها الانتباه: لماذا كان العلم عنصريًّا وتمييزيًّا في أغلب مراحل تطوره؟ وما علاقة هذا بالداروِنية الحيوية والدارونية الاجتماعية والاستعمار الحديث؟ وإن مثالًا لتلك النماذج القديمة عميقة البصمة متصلة الأثر هو ما نجده في نموذج أرسطو بالذات، الذي عاش مذهبه بصورة أو بأخرى شرقًا وغربًا لألفَي عام تقريبًا، غير أن نموذج أرسطو فريد جدًا إلى درجة أنه كذلك أكثر من اللازم، مفرط التأهُّل Overqualified على مستوى التاريخ كله تقريبًا بلا مبالغة، هذه هي مؤهلات أرسطو نفسه، وعلى أساس هذه المؤهلات وحدها يمكنه أن يكون أعلى الناس في المؤهلات الأكاديمية الفعلية على مستوى التاريخ؛ فسوى أرسطو لا نجد، وربما لن نجد عالِمًا تنوعت اهتماماته وتعمّقَت إلى أن بلغت حدًا صارت بعده هذه الاهتماماتُ نفسُها المجالاتِ الأساسيةَ في العلوم الاجتماعية والطبيعية حتى اليوم! وعلى يديه صار شكل المقال هو المعتمَد للكتابة العلمية في شتى فروع العلم إلى اليوم، بعد أن ظل شكل الكتابة النظرية لقرون خلت من قبله هو الشعر أو المحاورة. وإذا قسنا أهمية أرسطو بمعيار أثره هذا على التاريخ، فسنجده “المُعلِّم الوحيد”، أو “الفريد”، أو “المعلم” بلا مزيد من الحاجة إلى التعريف، لا مجرد “المعلم الأول”. ولأنه نموذج مفرط التفردِ، فلا يمكن القياس عليه كمثال لامتداد الأثر العلمي من دون وسط أكاديمي مؤسسي ومعايير عالمية للبحث.

الوسط الأكاديمي والمجتمع العلمي المستقلّ هو أساس تقدم البحث العلمي، وله في ذلك الأولوية حتى لو قورنت أهميته بأهمية المنهج العلمي التجريبي، أو حتى أهمية المنهج عمومًا؛ فهذا الوسط هو الذي يسمح بكشف الخطأ وتقويم المسار على نحو ذاتي دون اللجوء إلى سلطة خارجية، وحيث تتوافق مصالح الأفراد فيه مع الصالح العام لهم ومع الهدف الأساسي للأكاديمية وهو إنتاج المعرفة، وذلك بنقدهم المتبادل فيما بينهم ومع قيَم التواضع العلمي في الإنتاج الأصيل وفي العمل النقدي. وقبل القرن السابع عشر لم تبلغ مجموعة من المجتمعات متقاربة الثقافة حد استكمال الشروط الأساسية لنشأة مثل هذا الوسط العلمي المهني، وهي الشروط المتعلقة بحد أدنى (عتَبة) من التعقيد الكيفي والتضخم الكمي، ليتهيَّأ في بنية شبه ثابتة من القواعد والأعراف لا تسمح له بأنْ يَتَواطَأَ أعضاؤه متضاربو المصالح والتوجهات والانتماءات ومُتَنَوِّعو الثقافات واللغات على الكذب أو المجاملة المجانية أو أنْ تمكن رشوتهم أو الضغط عليهم، بل إن من صميم عملهم إثبات خطأ الزملاء، فضلاً عن نقد الأساتذة والطلاب، بعقلية نقدية، هي الشرط الأساسي لتقدم أي علم من العلوم، بالأحرى لكي يتحول من “معرفة” إلى “علم”، أيْ معرفة مقننة بشروط متفق عليها فيما بين أعضاء المجمع العلمي، وهو ما يتضمن المعنى الدقيق للموضوعية، فالعلم معرفة موضوعية حتى لو تكن يقينية.

معنَى الموضوعية وسؤال الحقيقة

لهذا يمكن للقاضي أن يكون موضوعيًا ومهنيًا للغاية في أحكامه، ومع ذلك يمكن في الوقت نفسه أن يكون حكمه أحيانًا منافيًا لواقع ما حدث بالفعل برغم دقته في تقييم الأدلة والشهادات ومعرفته بالقانون واستماعه لآراء من وجبت استشارتهم من مختصين وحرصه على سلامة الإجراءات. معنى الموضوعية واحد في حالة القاضي وحالة العالِم.  ليست الموضوعية “درجة” من الاعتقاد باعتبارها أدنى من اليقين كما قد يعتقد البعض، واليقين لا يقبل التجزئة على كل حال، بل هي “شكل للمعرفة”، يقوم على ضرورة الوفاء بشروط منهجية وإجرائية متفق عليها فيما بيننا، وبالتالي تصير لها استقلالية في وجودها عن ذواتنا. هنا تتدخل الإرادة في فعل الإجماع على تلك الشروط لتتحقق الموضوعيةُ، لكنّ هذه الخطوة لفعل الإرادة لا تؤدي إلى ذاتية الأحكام؛ فالعبرة بمدى مطابقة البحث لشروط الموضوعية، ومدى ما نراه ضروريًا من تعديلات على لوائح البحث القائمة العتيقة أحيانًا. وبناءً على كل ذلك لا يُسأَل العالِمُ عن “حقيقة” زعمه، مهما اجتاز هذا الزعمُ من اختباراتٍ مُحْكَمة وانتقادات ثاقبة. سؤال الحقيقة سؤال للفلسفة لا للعلم، وهو يتعلق أساسًا -وإلا فقد معناه- باليقين، ومَهمة العالِم في مجالات العلوم التجريبية تقتصر في الحالتين على رصد نتائج تطبيق هذا المنهج وتلك الإجراءات تحديدًا على مادة محددة من البيانات أو ظاهرة من الظواهر الطبيعية، مع تقديم نقدٍ وافٍ للجهود السابقة والحالية، واستشراف مستقبل المبحث، أما السؤال عن “الحقيقة” بما هي معرفة يقينية فهو سؤال لا يمكن معه استعمال المنهج التجريبي ببساطة؛ إذ لا فائدة لمعرفة متعلقة بما يجدر بنا توقعه بعد حدوثه، لو كنا نطلب من العلم الطبيعي اليقينَ كحد أدنَى وكواجب أساسي. نحن “نكتفي” بالتوقعات المشكوك فيها، لأننا نستهدف بعمل المؤسسات العلمية بكل تعقيدها التقنيةَ في الواقع، وليس الحقيقة. ولأن العلم الطبيعي مفيد لنا فقط في حالة تأسيسه لتنبؤات/توقعات معينة بصدد أحداث طبيعية لم تقع بعد، فإن موضوع دراستنا ليس حاضرًا هنا والآن، وهو ما يجعل القول باليقين العلمي قولاً متناقضًا في ذاته.

كيف لمحدود الإدراك، بل الذي صار يعرف أكثر بكثير مما عرف أسلافُه عن حدود إدراكه ذاتها كما قلنا أعلاه، أنْ يخترق حدود الزمان والمكان، ويستحضر عرَضًا لجوهرٍ غير حاضر، أي – عمليًّا – “غير موجود بالنسبة له حاليًا”؟! ومن ثَم نتيجة مهمة أخرى من نتائج الطرح الحالي، هي أن العِلْمويين من العلمانيين العرب يحمّلون المنهجَ العلمي التجريبي ما يفوق طاقته بكثير، بل ما لا يختص أصلاً به، حين يفترضون مثلاً أن التطور الحيوي “وقع فعلاً” كما تصفه نظرية التطور (النظرية التركيبية حاليًا)، أو أن الانفجار العظيم قد حدث فعلاً بتفاصيله الموصوفة في النظرية كما يعتقد المختصون في فيزياء الفلك. وهو ما يعني صراحةً أحيانًا وضمنًا أحيانًا أنّ غير “المؤمن” بحتمية هذه الفرضيات المركَّبة مع كل ما قد يدعمها من أدلةٍ مُعزِّزَة وتجاربَ ناجحةٍ، إنما هو جاهل معادٍ للعلم، بينما الأقرب إلى الموقف النقدي أن يكون العالِم لا أدريًّا agnostic – على حد تعبير بعض كبار العلماء في مجالات العلوم التجريبية حاليًا – طالما لم يوجد دليل يبلغ حدًا أدنى من القوة، وسياق تفسيري أكثر شمولاً واتساقًا في داخله، وأقدر على الاتساق مع المشاهدات الدقيقة الموضوعية خارجه. وظيفة الباحث بما هو باحث عمومًا لا تتعدى بأي حال حدود نتائج البحث، التي هي محدودة مسبقًا بحدود قدرتنا على الرصد وعلى الاختبار. ومن البديهي أن تلك الحدود لا تترك لنا عادة مساحة كبيرة للحركة، وإلا كان لمسار تطور معارفنا عبر آلاف السنين أن يختلف جوهريًّا عما نعرفه. ونعيد التأكيد على قضية أنّ أعز ما نملك من معرفة بصدد الطبيعة، المعرفة الأكثر دقة ربما على الإطلاق بصدد العالَم الخارجي اليوم، هي نفسُها معرفتنا بأقصى الحدود الممكنة لمعرفتنا بما “ليس مستحيلاً من حيث المبدأ” حيث إن ما هو “مستحيل من حيث المبدأ”، هو الفرض المتناقض منطقيًا بسبب مغالطة صورية (ككون الشيءِ نفسَه وغيرَ نفسِه في اللحظة الواحدة).

هذه التناقضات الصورية يمكن -من دون الاستعانة بالمنهج التجريبي- تفسيرها واستبعادها مع الانتخاب الأكاديمي، الذي يمر به البحث بعد نشره، ثم تفاعله مع الباحثين والأبحاث الأخرى المتقاطعة معه في المجال عينه وفي مجالات أخرى. ولهذا ستظل للنشر الدولي قيمة أكبر دائمًا من النشر القطري والإقليمي مهما كانت قواعد الترقيات الأكاديمية في الجامعات؛ إذ يُختبَر البحثُ عن طريقه وبطبيعة الحال على أيدي مختصين أكثر عددًا وتنوعًا، ويعتمد إلى أقصى حد متاح من حرية الرأي على قواعد عامة تحكم البحث العلمي منهجيًّا وإجرائيًّا، مع أُطر مفتوحة ومستقرة إلى حد ما في الآن نفسه لكل من البنية العامة لعمارة العِلم المعنيّ وتاريخه المُجمَع عليه بين المختصين به. وفي مجال العلم ستبقى أيضًا قيمة أكبر في كل الحالات لتقييم النظير peer-reviewing الأفقي-الحر مقارنةً مع تقييم الأستاذ الرأسي-السلطوي. وإن من أهم أسباب تأخر البحث العلمي بفروعه المختلفة في البلاد العربية أن كثيرًا من المجلات الدولية رفيعة المستوى تُبخَس قيمتُها في مقابل مجلات محلية، حتى ليصير المؤهَّل – المؤهَّل لا أكثر – طبقًا للمعايير الدولية والمتبعة على كل حال في أغلب دول العالم حاليًا “مفرِطَ التأهُّل” Overqualified في وطنه، وهو ما تستتبعه صعوبةُ نيل وظيفة أو منصب، أو صعوبة الاحتفاظ بهما مع حالة عدم الرضا العامة عن العالَمين الخارجي والداخلي. ولهذا ينتهي مصير عدد من أهم العقول في الكليات المختلفة إلى حالة من العدمية السلبية اللا مبالية الباردة المتعالية كعبد الرحمن بدوي، أو الاكتئاب كجمال حمدان.

نقد للعلمانيين العرب

ولأنها ممارسة نظرية “تلقائية” عند العلمانيين العرب: أنْ يرموا الطرف الآخَر في النقاش بالجهل وعداء العلم والتقدم لمجرد أنه يقر بحدود المعرفة البشرية من وجهة نظر العلم نفسه، فهكذا – وكما هي حال كل نزعة علموية في الواقع – تتحول نتائج البحث العلمي ونظرياته إلى “عقائد”، ويتحول الموقف النقدي، الذي لا يقطع بشيء بلا دليل كافٍ، إلى موقف إيماني يقوم ضمنيًّا على قاعدة “أُومِن ثُم أتعقّل ما آمنتُ به” الأوغسطينية الشهيرة، وذلك كله في مسار وَعِرٍ وغير مباشر وخَطِر فضلاً عن كونه غير ضروري من الأصل، يبدأ من الشعارات العلمانية وينتهي إلى العقل الأصولي عينه؛ فكل منهما يشبه الآخَر في الواقع من حيث كونه غير مخلِص للموقف النقدي! أو لعلها نبوءةٌ ذاتية التحقق self-fulfilled prophecy، تلك التي يشهرها في وجوههم أغلب الوقت خصومُهم من الأصوليين، بأنهم من الذين حبط عملهم في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا. وبالطبع يترتب على كل قاعدة استثناءات انتهازية ممن يسيئون استخدام القواعد؛ فيُرمَى المتعلمُ من الطبقة الوسطَى عادة، حين يراد له أن يَرمَى باتهام بلا دليل يدحض فرضيةَ البراءة الأصلية، بالغرور، في الوقت نفسه والمجتمع عينه، حيث يرمَى الجاهلُ في المقابل بالفقر، والفقيرُ بالرذيلة.

لذلك حاز مركَّب الجهل والفقر بالذات اهتمام أحد أكبر الأدباء الإنجليز ذوي الميول الاشتراكية، ريتشارد ديكنز، في روايته القصيرة الحكيمة المخيفة “أغنية عيد الميلاد” Christmas Carol، تلك التي يرى فيها بطلُها المرابي الأناني البخيل قبيل نهاية الأحداث المدهشة المفزعة، وفيما يشبه الهلوسة الحيّة السوداوية، لمحةً من المستقبل الذي ينتظر كلَّ مجتمعٍ توطن فيه الجهل وعمَّتْ فيه معاداةُ الحق والحقيقة، ليستمر الاقتصاد الربوي في إفقار ما تبقى من الطبقات الوسطى لصالح أقلية محدودة جدًا، ولأنها أقلية محدودة فهي متماسكة ومتشابكة المصالح في الغالب، وقادرة على اتخاذ القرار من جهة ما يكفي من معلومات تنبني عليها خيارات ممكنة، ومن جهة ما يكفي من القدرة على تنفيذه. وقارن مثلاً حال حديثي التخرج من الجامعات من الذكور في أغلب الحالات بحال قلة نادرة منهم، جمعت بين نيل المؤهِّل الجامعي، ولديها بالفعل وظائف مضمونة يتحركون من خلالها من أعلى المجتمع إلى أي اتجاه يريدون، ولكنها تظل غالبًا حركة سطحية، وحيث هنا تحديدًا مكمن الخطر غير المتوقع بالنسبة لكل أقلية تكسب معاشها باستنزاف الطبقة الوسطى لمجتمعاتٍ بأكملها، وبإهدار مواردها من جهة أخرى. وهي المساهَمة السلبية لكل مِن العِلموية والأصولية في قهر مَن يمكن لهم من حيث المبدأ جَمْع العِلم بالطبيعة والإنسان مع الحلم بمجتمع أفضل ومختلف: شباب الطبقة الوسطى من الجامعيين بالذات، وبتحديد أكبر الشريحة الممتدة بين طلاب السنوات النهائية بالكليات والمعاهد العليا وبين الحاصلين على درجة المدرس الجامعي وأحيانًا الأستاذ المساعد، أو بتعبير آخَر ممكن “الرُّتَب الأكاديمية المتوسطة”. تلك الطبقة الوسطى من المتعلمين هي محرِّك التغيير كما أجمعت عليه اتجاهات اليسار السياسي-الاقتصادي في العالم.

من النبوّة إلى الذكاء.. الفصل الذي لم يُكتب من “أولاد حارتنا”

هل نحن في لحظة مفصلية، تتجاوز من خلالها البشريةُ العلمَ نفسَه؟ بعد أن انتقلت البشرية من الفعل التاريخي للأنبياء إلى الفعل التاريخي للعلماء والتقنيين، هل هناك أفق أبعد، يحدث فيه تجاوُز لهؤلاء العلماء والتقنيين أنفسهم؟ إذا كان “العلماء ورثة الأنبياء” بعدة معانٍ، منها وراثتهم في قيادة التاريخ، فمن يكون ورثةُ العلماء؟ وإذا كان اختتام النبوة هو الذي اختتم دورَ الأنبياء التاريخي، فما الذي عساه يختم دور العلماء؟ بعبارة أخرى: ماذا – أو مَنْ – بَعد عَرَفة؟

نتخيل الآن أننا نكتب الفصل الأخير، الذي لم يكتَب في الواقع من “أولاد حارتنا”. نتخيل أن عرفة قد تحول إلى أسطورة جديدة تحكيها الأجيال من أساطير الحارة، وأن الحارة نفسها قد تبدلت كثيرًا عما ألفناه بعد أن اعتنق الناس تدريجيًّا مذهب عرفة التقني: انتهى عصر الفتوات ونظَّار الوَقْف، وظهرت على المباني والطرق والساحات مظاهر الحداثة، بل عمارة ما بعد الحداثة التي لا تحمل طرازًا معينًا، وتُقدم الكفاءةَ في استيعاب التضخم السكاني على “كماليات” المظهَر. صارت العمارات شاهقة، والشقق ضيقة، وصار السكانُ معلَّباتٍ بشريةً. وسار المارة في الطرقات ينظرون إلى هواتفهم المحمولة أكثر من وجوه جيرانهم، بل لم يعد هناك “جيران” بالمعنى المعروف سابقًا. ولم تعد هناك بالنسبة لهم طرقاتٌ أيضًا، بل خطوط ملونة على “خرائط جوجل”، ولم يعد الواحد منهم يتموضع في المكان، بل بحسب مؤشر “جي بي إس” على الشاشة. لم يعودوا يسمعون أصوات الطبيعة والبيئة، بل أصواتًا مصطنعة أو مسجلة عبر مسمعة الأذن التي ترتبط بالهاتف. لم يعد الناس يلتقون أشخاصًا، بل “بروفايلات” عبر مواقع للتواصل الاجتماعي. انتهى الفتوة-البطل، انتهى عصر جدعان الحارة، وصار كل فرد من سكانها بطلاً لنفسه بحسب ما يحصده على مواقع التواصل من إعجابات. والأهم من كل ذلك هو ما وقع للوقف والناظر وعلاقته بسكان الحارة.

لم يعد هناك وقف مباشر، لقد صار الناظر مديرًا تنفيذيًّا لشركة، تملك التحكم في معظم أسهم الوقف، بينما اشتغل بيت الناظر الفخم المعزول بنوع من البروباجندا الاقتصادية، فحواها الأساسية هي أن الناس كلهم هم مُلّاك الوقف، غير أنها – في الحقيقة – ملكية موقوفة، ملكية رمزية في هيئة أسهم متغيرة القيمة بحسب توقعات المستثمرين. صارت التوقعات هي القيمة الفعلية. صارت العواطف البدائية كالخوف والرغبة والألم واللذة هي العملة الحقيقية، التي تحدد القيمة الشرائية للعملات المعدنية والورقية وللأسهم وكل الأوراق المالية. إذا استبشر الناس خيرًا بسهم ما، ارتفعت قيمتُه، وإذا تشاءموا هبط إلى القاع. وساد عصر الانفعالات، الذي غذّتْه مواقع التواصل طبقًا لمعادلة بديهية: كلما كنتَ أكثر حرارة في انفعالاتك، ارتفعت قيمة منشورك على الموقع، وازداد معه التفاعل. لا يهم نوع التفاعل، “لا توجد دعاية سيئة”، المهم أنه يستقطب جمهورًا أكبر مما سواه. وهكذا تراجعت سِنّ البشرية كأنهم ينقصون في النضج جيلاً بعد جيل، وكان من الطبيعي لكل ذلك أن تستشري بينهم وتتوطن فيهم الأمراضُ النفسية: الاكتئاب واضطرابات الهوية والاحتراق النفسي، .. إلخ، وصار الكل سيئ الخلُق لأنه صار انفعاليًّا، يغضب لأقل سبب، ويسبّ الناسَ والأشياءَ لأقل غضب.

الناظر/المدير التنفيذي وحده هو الذي ظل ثابت الأعصاب، يعرف أن الكل ابتاع الوَهْم وصدّق الكذب، بينما لم يفعل هو جوهريًّا غير ما كان يفعله النظّارُ السابقون: استغل أسلافُه الفتواتِ في بناء دعاية لتفريق الناس وحشدهم في صراعات طائفية، أما هو فاستغل علوم عَرَفة الحديثة ليحشد الواحد منهم ضد نفسه. وهو ما أدى إلى فتح سوق جديدة رائجة هي سوق المعالج النفسي، الذي يلعب غير الخبراء وغير المتمكنين فيه ومن لا يجدون لأنفسهم عملاً آخَر لعبةً لا تنتهي بحيلة لا تخيب، جوهرها: ليس كل علاج مناسبًا لكل مريض، وأنكَ أنتَ المريض، لا المجتمع. روّج الناظر/المدير التنفيذي – حين لم يكن مشغولاً بعدّ ثروته – لفكرة أن هذا هو العلم، العلم هو الذي يقول ذلك، لا أنا، وأنتم الذين تعملون على بناء شخصياتكم على مواقع التواصل، لا أنا، أنتم الذين تعملون لدى أنفسكم، ولا أحد يعمل لديّ، لذلك ليس لأي منكم الحق في مساءلتي. صحيح أن بعض الأصوات علَت في محاولة لكشف هذا الزيف، لكن الناظر الجديد سرعان ما استعدّ لها بالسلاح المناسب.

قال لنفسه: “ليس العصرُ عصرَ إخراس الأصوات. الأصوات مُهمة لأنها تجلب لي أرباح الإعلانات. الحل هو استبدال أصحاب تلك الأصوات العاقلة بالذات. ليس العصر عصر الفتوات، بل عصر الذكاء”. هكذا راح يربّي هذا الوحش غير المرئي في حديقة القصر، وحش هو برنامج ذاتي التعلم، ذكاء اصطناعي. كلما تكلم الناس وكتبوا، تعلم أكثر، حتى صار في مدة وجيزة جدًا معلِّمًا افتراضيًّا لطلاب الجامعات شرقًا وغربًا، وفي الدول الصناعية المتقدمة قبل المتخلفة. فتضاءل دور المتعلمين والمثقفين، وقل عددهم كلما تخرجت دفعات جديدة من الجامعات، حتى عجزوا عن مقاومة الفيضان. وهنا جاء دور الدعاية الشعبوية، التي صعدت إلى مقاعد السلطة بخطاب لا يختلف في المظهر والفحوى عما يقول خطباء الجماعات المتطرفة: القول وعكسه، الوعد والوعيد ثم التراجع، الكراهية المشهَرة نحو كل نقاط الخارج كالقنفذ. لهذا، وكذلك لأن المعركة تغيرت جوهريًّا، فقد أُلغِي دورُ مئات من مفكري المستقبل ومثقفيه بضربة واحدة؛ إذ لم يعدّوا أنفسَهم لهذا التحول الحادّ، الأكثر حدة حتى من وفاة الجبلاوي، ما يمكننا تسميته بموت الإنسان نفسه. قتل عرفةُ جسد الجبلاوي، أما الناظرُ الجديد فقتل مفهوم الإنسان.

انتشرت الفوضى، وسمحت التقنية المطوَّرة والمعزَّزة بالذكاء الاصطناعي لجماعات محدودة العدد والقدرات والعلم، كانت أقرب إلى الذباب بالنسبة للجيوش المنظمة فيما سلف، بامتلاك مسيَّرات جوية وبحرية فتّاكة، يمكن لطفل أن يقودها، وأن ينسف بها أسطول طائرات من حاملات القنابل الذرية (كما وقع في روسيا مؤخرًا)، وأن تُهرَّب في صناديق مموهة لتعمل عن بعد، وأن تقوم بتصوير أخطر المواقع العسكرية. ساد بين الناس الخوف من الغد، والحزن على الأمس، فصاروا غير قادرين على فهم مشاكلهم الحقيقية، أو اتخاذ قرار، أو حتى تنظيم أنفسهم بصورة فعّالة على مواقع التواصل، التي صارت حثيثًا الموقع الأمثل للتجسس عليهم من قبَل شركات في الدول الديمقراطية، وحكومات في الدول الدكتاتورية. تركزت الثروة والقوة بصورة غير مسبوقة في أيدٍ قليلة، بالمعدل نفسه لتكاثر الأمراض النفسية من جهة، والبيانات الضخمة من جهة أخرى.

الآن.. ليست آفةُ حارتنا النسيان. آفة حارتنا هي أننا تركنا مَن يتذكر نيابة عنا، وحاليًا مَن يفكر بدلاً منا!


[1] Heidegger, Martin, “Die Frage nach der Technik”, in Vorträge und Aufsätze, Gesamtausgabe, Band 7, Vittorio Klostermann, Frankfurt am Main, 2000

[2]  تعرضنا في أكثر من مقام لعلاقة الليبرالية الجديدة بتشوه مفهوم الإنسان عن طريق التكميم الاقتصادي، انظر مثلاً: حضارة الضوء الأحمر: ماذا يخبرنا “الريد لايت” عن “عقلنا” المعاصر؟ – حيز

[3]  لماذا أهدى ماركس رأسماله إلى دارون؟ – تكوين

[4]  انظر للتوسع فيما يتعلق بالفلسفة الإسلامية ودور أبي حامد الغزالي مثلاً:

كَبَرْق، يلمع من الشَّرق.. هل قضَى الغزالي حقًّا على الفلسفة في المشرق؟ – تكوين

انقطاعات الفلسفة العربية: لماذا انقطع نَسَبُ فلاسفةِ الإسلام؟ – منصة معنى الثقافية

————————————–

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

الوسوم: فلسفةمعنىمقالات معنى
ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

رُدْهَةُ «التِّنجستين»، والبحثُ عن خلاصٍ في أُفُقٍ مسدود | سليمان إبراهيم

المقال التالي

في حوار مع الذكاء الاصطناعي وفن السؤال: الإنسان كما تكشفه أسئلته | طامي السميري

إرادة الكينونة | محمد بن ماضي

إرادة الكينونة | محمد بن ماضي

5 يوليو، 2026

يقول سارتر، في معرض حجاجه على أسبقية الوجود على الماهية، وعلى أن الإنسان لا يمتلك طبيعة بشرية أصلية: «إن الإنسان...

فلسفة الاعتراف | بدر مصطفى

فلسفة الاعتراف | بدر مصطفى

3 يوليو، 2026

في رائعة المخرج فرانك كابرا «إنها حياة رائعة» (It’s a Wonderful Life, 1946)، يقف جورج بيلي- بطل العمل- عند الجسر...

رَسّام العقول: الميتافيزيقا الكلاسيكية والجدلية من منظور نظرية النظُم | كريم الصياد

رَسّام العقول: الميتافيزيقا الكلاسيكية والجدلية من منظور نظرية النظُم | كريم الصياد

30 يونيو، 2026

أولاً: تمهيد نظرية النظُم كمنظور لتفكيك الأنساق الميتافيزيقية 1- منظور نظرية النظم العامة نظرية النظم العامة (General Systems Theory -...

الحرب الخفية على الأسرة أو كيف تحوّلت العلاقة بين الرجل والمرأة من السكن إلى الصراع؟ | بدر الحمود

الحرب الخفية على الأسرة أو كيف تحوّلت العلاقة بين الرجل والمرأة من السكن إلى الصراع؟ | بدر الحمود

4 يوليو، 2026

ماذا لو كانت الحرب الأكثر نجاحًا في تاريخ الشيطان هي الحرب على الأسرة، قبل أن تظهر آثارها في الدين والأخلاق...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00