كان الوقتُ غسقًا أزرقًا أبديًّا، ومن الطابق الثاني كانت أذناي تلتقطُ لحنَ الشتاءِ البعيدَ لكمان «فيفالدي».
عبر شقِّ الباب في رُدهة الدخول، كان يتسلّل صفيرُ الريح الباردة المُحمَّلة برذاذ المطر أواسط ديسمبر.
تحت ضوء «التنجستين» الأصفرِ الدافئ، كان معطفُها الأسودُ الطويلُ مُعلّقًا إلى جانب مظلّتها على المشجب خلف الباب، وإلى يمينه حوضُ نبات عطر الليل «كولونيا» الذي غلّفت قاعدته برقائق القصدير.
أذكُر الذئبَ القطبيَّ المُحنَّط نهاية الرُدهة، الشمعَ المُتراكم حول حواف مقبض الشمعدان الجداري والأرجوحة المُفردة التي مازالت تهتزُّ في كاتدرائية النفس كناقوس الأبد. رائحةُ دجاجٍ بالفرن ونبيذٍ مُعتّق، همسَاتُ جموع العائلة وأملٌ طفوليٌّ لذيذٌ خفيٌّ يتلامَح وسط صوت قرع الكؤوس والأطباق الذي يُسمَع في الخلفية ناحية الممر المُفضي إلى مطبخها الواسع.
آه، أكان ذلك الزمنُ حقيقةً مادية؟ أم وَهمًا اختلقه عقلي الباطن في المَنفى؟
أكانت تلك الحقبةُ واقعًا بديهيًّا أم حُلمًا سورياليًّا يستدعيه وعيي الغارق في البيروقراطية الرقمية وسط غابة حضرية من الإسمنت والزجاج في الغربة؟
من سماء النفس هبَط هذا الوميضُ الارتجاعي بعد قرابة ربع قرن لم يمر بها الزمنُ فحسب، بل سَحق كلَّ ما في طريقه من وجوه ألفتها طوال حياتي.
كـ«فكتور فرانكل» أجد نفسي اليومَ باحثًا عن معنى، إنما في مُعتَقل حديث من نوع آخر.
جدتي «نجاة» أتت شتاء العام 1950 وقطعت تذكرة الخلاص ربيع عام 2024.
وحتى في أيامها الأخيرة من الصراع مع المرض، رغم ذبولها وإدراكها للنهاية المَحتومة، كان أناقتها كسيدة جليلة، بوشاح الكشمير المُنسدِل عن كتفيها، رنين أساورها، رائحة عطرها وسجائرها وقهوتها المُرّة. تجسيدًا راسخًا غير معلن لتمرُّد «كامَو».
وسط غمرة حنين طفوليٍّ غامض يجتاحني كرجل، أتساءَل عن معنى هذا كلِّه..
ذلك البريقُ العذبُ للأشياء الذي التمسناه في الطفولة ولم نعد نراه الآن!
هل الحياةُ رداءٌ من اللَّهب، وما السعادةُ فيها إلا لمَحاتٌ خاطفة؟
أم ما نعاني منه الآن ما هو إلا ألمُ الحقيقة؟ حقيقةُ أننا عرفنا طعمَ النقاء والبراءة الخالصة. إحساسُ الكيان الإنساني الموجود بحق، كيانٌ كان امتدادًا للطبيعة والشجر والريح والأسوار، ثم كلُّ هذا سُلب منا فجأة!
صديقي الميت «كولن ولسون» كاتبُ تحفة «اللامُنتمي» رأى أن وعينا المُكثَّف كبالغين، نفَانا من طفولتنا إلى الأبد. أي لم نعد نقضُم التُفاحة كطفل جائع يستلذُّ برائحتها ومذاقها وعُصارتها بين أسنانه، بل لا ننظر إليها حتى إنما نتساءل بعجلة ونحن نفكر بمهام أخرى لننجزها:
- هل هي محلية أم مستوردة؟
- كم سعرة حرارية بها؟
- لماذا ارتفع سعره مؤخرًا؟
تستحضرني فكرة «جورج أورويل» حين خرج عن سياق النص في الصفحات الأخيرة من رواية «ابنة القس» 1935 ووضعنا أمام مُفترق طرق، وأكّد بما معناه أن الحياة بكل تفاصيلها تجربةٌ قبيحةٌ ومروّعة. فإما أنها عبثٌ مُطلقٌ بلا غرض أو هدف ومآلها الأخير أعماقُ الأرض الباردة المُظلمة، أو لابدّ – بعد كل الألم والمعاناة، الإصرار والثبات – من معنى ما غائي، ماورائي، لأن الإنسانَ كائنٌ واعٍ، حسَّاسٌ ومُعقّد. فهو حتمًا يأتي من شيء أوعى وأكثر تعقيدًا، لأن الأكبر لا يأتي من الأصغر.
إن كانت الغايةُ من الحياة خلودًا دنيويًا ستكون بالتالي سطحية، وفارغةٌ وبلا معنى. أما إن كانت تعني لحظةَ حب ودفء تَحفُر عميقًا في القلب وسط صقيع هذا الوجود القَفر، وبالتالي فالموت – ذلك الحائط الفكري المسدود – لا ينتصر ولا يُبطِل القيمة على الإطلاق.
إذًا الكون – بمعنى آخر – هو شيءٌ جامدٌ لا مُبال، مُستديمٌ بلا روح. ومنظورك عن الحياة ما هو إلا إسقاطٌ مباشر لمشاعرك وأحاسيسك.
هنا سأقف لحظةً واقتبس من سينما «وودي آلن» في التسعينات عبارةً خالدة:
»الكون مكانٌ باردٌ موحِش، ونحن من يملأه بعواطفنا«
نجاة لم تفعل شيئًا سوى أنها تركت لي – عن دون قصد – في أعماق ذاكرتي، معطفَ فرو أسود، حوضَ نبات كولونيا وبقعةً من نور التنجستين الساقط على سجادة أمام العتبة في ردهة الدخول زمن السلام المفقود مطلع الألفية. تركت لي سببًا للاستمرار. شيءٌ ما لاتّكِئ عليه كلما أوشكتُ على السقوط.
كلُّ ذلك، كان طعمَ الكرز الخاص بي على طريقة المخرج «عباس كيارستمي» في تحفته الفنية عام 1997
ذكرى بسيطةٌ عابرة، كانت بالنسبة لي هدنةً لحظيةً مع الحياة، فتحةً في جدار العبَث وتأجيلًا للانتحار العقلي.
إذاً وجودُنا له ثقل، وعاد بالنفع على المُحيطين بنا دون أن ندري. كمجموعة من الأرواح الضائعة يُخفّف أحدُنا عن الآخر وحشةَ الدرب. وإلا فما صحة قول الشاعر «ت.س. إليوت«:
»إلى الهاوية نسير، يتّكِئ أحدُنا على الآخر«.
اليومَ وسط ضجيج المكاتب والعُملاء والمقاولين، بين ابتلاع الطعام المُعلّب، استنشاق الهواء المُعاد تدويره، رنين إشعارات جروبات الواتساب الخاصة بالعمل وجحيم الحياة المهنية الذي لا يُطاق. بقيَت ردهةُ التنجستين تلك في مسرح الذاكرة، الملاذَ المعنويَّ والخيطَ الأخير الذي يربطني بهويتي على هذه الأرض الخرَاب.
أنا لا أفهم ولا يمكنني أن أفهم سببَ عذابي، إنما عليَّ أن أحيا، عليَّ أن أمضي قُدُمًا – والمذاقُ المُرّ على شفتيّ – مُرتديًا قناعَ العمل، مُتصنّعًا وهمَ الطموح الوظيفي كغريب عن نفسي.
لكن وفي الوقت عينه، لا يمكن لقوة في الأرض أن تسلبني حقَّ الانسحاب إلى تلك الرُدهة التي ظلّت في المُخيّلة بمنأى عن ضجيج المستقبل.
إلى تلك البوصلة الشعورية والأرض المُقدسة التي تُجسّد زمنَ السلام والأمان واللامسؤولية، حين كنت حفيدًا مُحاطًا بالحُب وليس موظفًا يحرق شبابه لإرضاء العُملاء.
أنا أرفض أن أمُحى، أرفض أن أتحول إلى دخيل في العالم الذي كان ملكي يومًا.
رحلت نجاة قبل أن ينمو الحزن، رحلت جدتي وبقيت حجارةُ بيتها ذو النوافذ الفرنسية المهجور في الساحل السوري، مُطلًّا على زمن لن يعود، وعلى سلام لم نكن لنُدرك مدى هشَاشته.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




