• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

ميشيل كروزييه: القيود والحرية | كريستين موسلين

بواسطة معنى
19 نوفمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
ميشيل كروزييه: القيود والحرية | كريستين موسلين

ترجمة: هيا السعدي
مراجعة: محمد بن علي الزهراني

يستند عمل ميشيل كروزييه Michel Crozier إلى قناعة مفادها أن الظاهرة التنظيمية هي التي تُنتج المجتمع، واستنادًا إلى ذلك، أسهم في تطوير الأدوات اللازمة لتحليل الجماعات التي تُشكّلُ لتحقيق مشروع مشترك وفقًا لنظام عمل لعبة معينة وقواعدها.

من نواحٍ عدة، لا تتوافق مسيرة أعمال ميشيل كروزييه (1922م-2013م) مع المعايير السائدة في عصره. التحق ميشيل بكلية إدارة الأعمال HEC هربًا من الدراسة الطبية التي أرادها له والده؛ إذ لم يدرس بالجامعة، فضلًا عن الدراسات العليا للأساتذة l’École normale supérieure، بخلاف العديد من علماء الاجتماع الفرنسيين البارزين في الستينيات والسبعينيات (بيير بورديو Pierre Bourdieu، وآلان تورين Alain Touraine، وريموند بودون Raymond Boudon، وجان دانيال رينو Jean-Daniel Reynaud، على سبيل المثال). لم يكتشف كروزييه علم الاجتماع في فرنسا، بل من خلال أبحاثه الميدانية التي أجراها مع النقابيين الأمريكيين، مما دفعه إلى السفر عبر الولايات المتحدة ومواصلة دراسته في بريطانيا، وهكذا، منذ بداية مسيرته، تعلم اللغة الإنجليزية وأتقنها، شفهيًّا وكتابيًّا، والتقى بعلماء الاجتماع، وعلماء النفس السياسي، والسياسيين الأمريكيين، وأصبح معروفًا لديهم ومعترفًا به في أوساطهم. التحق بالمركز الوطني للبحث العلمي CNRS، وأمضى فيه معظم مسيرته باستثناء عامين قضاهما في جامعة نانتير Nanterre. وفي الوقت الذي كان فيه لقب الأستاذ الجامعي الهدف الأساسي للباحثين الأكاديميين آنذاك، كرّس ميشيل حياته للأبحاث الميدانية، فكان يدرس الأنشطة في ورش العمل، والإدارات، والمكاتب الحكومية عن كثب، وفي الوقت نفسه يُحافظ على علاقات وثيقة مع صُنّاع القرار السياسي والإداري الفرنسي، من خلال مشاركته في لجان وهيئات مختلفة، وعبر دوره بصفته مستشارًا لعدة وزراء، مما جعله يؤدي دورًا مبكرًا يشبه ما يُتوقع اليوم من الباحثين والأكاديميين في مجال تطبيق المعرفة. وأخيرًا، تعكس كتاباته هذا التوازن بين البحث الأكاديمي والممارسة العلمية؛ إذ أنتج من جهة مؤلفات ومقالات علمية مرجعية في مجال دراسة التنظيمات، ومن جهة أخرى، كتبًا تأخذ شكل مقالات تحليلية تعكس رؤيته الشخصية عن العالم.

إن فهم أعمال ميشيل كروزييه، هو أولًا وقبل كل شيء، فهم لمنهجية عالم اجتماع كان يولي أهمية كبرى للدروس المستخلصة من البحث الميداني، وما كان يتعلمه من الأشخاص الذين يلتقيهم هناك، أكثر من استخدامه للتحقيقات بهدف اكتشاف هذه النظريات الاجتماعية الكبرى أو تأكيدها أو دحضها. لذلك، كان دائمًا يتبنى نهجًا من “النظرية الأساسية grounded theory” التي طورّها بارني جلاسر Barney Glaser وأنسيلم شتراوس [1]Anselm Strauss.

أنطولوجيا وجود إنساني تُعطي الأولوية لهوامش حرية الإنسان

يمكن تفسير هذه الأولوية الممنوحة للعمل الميداني، في علم اجتماع المنظمات الذي طوره ميشيل كروزييه، بقناعته العميقة بأن البشر يجدون دائمًا هامشًا من الحرية داخل القيود المعيارية، والمادية، والرسمية، والعلائقية، التي تهدف إلى تقييد سلوكهم وتحديده ووصفه. يُعد هذا الافتراض الأكثر مركزية في أعماله، والذي لم يتخلَّ عنه قطّ، بخلاف التيارات النظرية التي تركز بالدرجة الأولى على تأثير البنى الفوقية والانتماء الطبقي، أو المنطق المؤسسي المفروض من البيئة، والتي تتخذ من هذه العوامل الإطار التفسيري الأساسي للواقع، وهو ما أشار إليه عنوان المجلد الثاني من مذكراته [2]. لا ينكر ميشيل كروزييه وجود هذه القوى، لكنه يرى أنها ليست قوية بما يكفي لتُملي على الأفراد بشكل كامل طريقة تصرفهم، أو تصوراتهم للعالم، أو قيمهم.

ازداد اقتناعه بذلك لأنه -منذ بداية الدراسات الميدانية التي أجراها- لاحظ وجود هوامش من الحرية؛ مما مكنه من توثيقها تجريبيًّا من خلال الملاحظة، وإجراء الاستبيانات، والأهم من ذلك، ما الذي سيصبح أداة التحقيق المفضلة لديه: المقابلة!

لا يسع المرء إلا أن يجد في هذا الموقف أثرًا من إعجابه في شبابه بجان بول سارتر Jean-Paul Sartre، ولكن أيضًا سمة شخصية تميز ميشيل كروزييه، وهو ما يسميه في الجزء الأول من مذكراته [3]“tracassin شخصية تراكاسان المُقلقة” ونفوره المستعصي من القواعد العبثية، والحدود غير المبررة، والقيود المفروضة، التي سعى دائمًا إلى تحديها.

دفعه هذا القلق إلى سرقة بطاقات تسجيل الحضور عندما كان طالبًا في HEC، وإلى الكذب على جورج جورفيتش Georges Gurvitch، وريموند آرون Raymond Aron، عندما قرر التخلي عن الأول ليحصل على إشراف الثاني على أطروحته للدكتوراه، أو إلى محاولة -من دون جدوى- الهروب من تخفيضات الميزانية المفروضة عليه من أحد المفوضين المؤقتين للبحث العلمي؛ لأنه، وإن كان يتمتع بهوامش للمناورة، إلا أنها لم تكن دائمًا كافية لفرض آرائه على الآخرين، كما اختبر ميشيل كروزييه ذلك بنفسه عدة مرات.

مع ذلك، تظل هناك هوامش من الحرية داخل المنظمات تتيح للأفراد الالتفاف حول القواعد أو التكيف معها، أو حتى تغييرها. بهذا المعنى، حيث ميز ميشيل كروزييه نفسه من المقاربات جميعها التي تمنح الأولوية للهياكل التنظيمية، سواء تعلق الأمر بالسعي إلى إيجاد أفضل هيكل ممكن من خلال تقسيم المهام، على غرار تايلور وأصحاب نظرية التنظيم العلمي للعمل، أو بالبحث عن الموائمة المثالية بين الهياكل، والخصائص البيئية، والتكنولوجية، والسوقية، كما فعلت تحليلات الطوارئ الهيكلية منذ الخمسينيات، أو بافتراض أن الأفراد هم سجناء الهياكل والنصوص والمعايير التي فرضها محيطهم المؤسسي عليهم، كما دافع عن النيومؤسساتية في علم الاجتماع منذ أواخر السبعينيات. بالنسبة إليه، مهما كان الشكل التنظيمي المعتمد، فإنه سيظل دائمًا عرضة للتغيير وإعادة التشكيل؛ لأن الأفراد داخل هذه الهياكل فاعلون نشطون: فهم يتمتعون بالقدرة على الفعل Agency، ويؤثرون في الهياكل نفسها. فهذه الهياكل قد تفرض قيودًا عليهم، لكنهم أيضًا يناورون داخلها ويحاولون استخدامها لصالحهم. إن الاعتراف بـ القدرة على الفعل بما يتجاوز ثقل المؤسسات هو ما دافع عنه ميشيل كروزييه منذ وقت طويل، قبل أن يتبناه التيار النيو-مؤسساتي نفسه، ويجعل منه إشكالية متكررة في أحدث تطوراته[4].

فن التحقيق: المقابلة بصفتها أداة للكشف عن الاستراتيجيات وعلاقات السلطة

انطلاقًا من مفهوم القدرة على الفعل التي يمتلكها الأفراد، والذي له عواقب وخيمة للغاية وفقًا للطريقة التي تصور بها ميشيل كروزييه هذا المفهوم في تحقيقاته، أولًا، يعني هذا ضرورة الاستماع إلى جميع أعضاء المنظمة، وليس فقط إلى قادتها؛ لأن هامش المناورة ليس حكرًا عليهم؛ لذا، يجب جمع شهادات الأفراد، وتجاربهم، ومشاعرهم، بدءًا من أدنى الهرم الوظيفي ووصولًا إلى أعلاه. وبناءً على ذلك، تعتمد تحقيقات ميشيل كروزييه على عدد كبير من المقابلات مما يسمح بمقارنة وتحليل التصريحات الصادرة من مختلف المستويات والأقسام داخل المنظمة[5]؛ إذ يمكن عبر هذه العملية الكشف عن قواعد اللعبة التي تحكم النظام التنظيمي قيد الدراسة من خلف التباينات والتوافقات.

منذ تحقيقاته الأولى حول النقابيين الأمريكيين، كانت المقابلات هي الأداة الأساسية التي استخدمها ميشيل كروزييه في أبحاثه. كان الهدف منها جمع الرؤى الذاتية للأفراد الذين يلتقي بهم، وفهم الطريقة التي يدركون بها القيود المفروضة عليهم، وكيفية تفاعلهم معها. تعتمد هذه المقاربة على الثقة في كلام المستجوبين، وكذلك على قدرة المحاور على الاستماع، بل أحيانًا على الصمت، وترك الصمت يقود محاوره إلى قول أشياء لم يكن ليكشفها لو طرحت عليه أسئلة مباشرة ومُحكمة الصياغة. برع ميشيل كروزييه في هذا الفن، ونقل مهاراته إلى العديد من طلابه وزملائه، مما جعل ما يقوم به يُعرف بـ “فن التحقيق”. لم يكن هدف المقابلات تأكيد فرضيات مسبقة، بل فهم الممارسات الفعلية، واكتشاف ما لم يكن معروفًا من قبل، لذلك لم يبدأ دراساته حول المنظمات بناءً على فرضيات مسبقة يسعى لاختبارها. لا بل كان يسمح “للميدان le terrain” بأن يكشف له أنماط العمل غير المتوقعة، والتي كان يمكن أن تفوته لو حاول تجربة أسئلة محددة مسبقًا.

ومع ذلك، فإن المقابلات التي أجراها ميشيل كروزييه لها هدف واضح ودقيق، فهي تهدف -من خلال تبني موقف تعاطفي- إلى الحصول على معلومات عن الطريقة التي يُدير بها الأفراد أعمالهم، وشبكة علاقاتهم، والمشاكل التي يواجهونها، والحلول التي يجدونها، والصراعات، ولكن أيضًا التحالفات التي يشاركون فيها.

بالتالي تُعد المقابلات أداة أساسية لاكتساب المعرفة حول سلوك الأفراد الذين يلتقون بهم، ومن خلال هذه السلوكات، يتم التعرف إلى هوامش المناورة المتاحة لهم، وكذلك إلى مناطق عدم اليقين التي يمكنهم التحكم فيها، وعلى العكس، تلك التي لا يستطيعون السيطرة عليها.

بالنسبة إلى ميشيل كروزييه، تتبع هذه السلوكات عقلانية معينة، لكنها عقلانية محدودة. لقد استعار ميشيل هذا المفهوم من هربرت سيمون Herbert Simon[6]، الذي لاحظ أنه عندما نتخذ القرارات، فإننا نواجه قيودًا معرفية (مثل عدم القدرة على النظر في جميع الحلول الممكنة وتقدير جميع العواقب المترتبة على كل منها)، بالإضافة إلى القيود الزمنية والمالية: ونتيجة لذلك، يتوقف البحث عن الحلول بمجرد العثور على خيار مقبول، حتى لو لم يكن مثاليًّا، وبالتالي، فإن هناك عقلانية وراء القرارات المتخذة، ولكنها تظل محدودة، حيث تعتمد على القيود والموارد المتاحة للأفراد، وكذلك على تصوراتهم للموقف. وإذا عددنا -كما يقترح ميشيل كروزييه- أن كل سلوك يمكن النظر إليه على أنه قرار (أي اختيار طريقة معينة للتصرف)، فيمكننا حينئذٍ أن نحدد عقلانية محدودة وراء كل تصرف. وبمعنًى آخر، يستطيع المحلل إعادة بناء ما يسميه ميشيل كروزييه “استراتيجية”، أي “الأسباب المنطقية” (كما قال ريمون بودون) التي تدفع شخصًا ما للتصرف بطريقة معينة[7]. تتبع هذه الاستراتيجية منطقًا عقلانيًّا، ولكن عقلانيته محدودة، ولكن نظرًا لأن المحلل هو من يعيد بناء هذه الاستراتيجية، فإن الأفراد أنفسهم نادرًا ما يكونون على وعي بها في أثناء تصرفهم، وغالبًا ما يُسيء منتقدو علم اجتماع المنظمات فهم هذه الفكرة، إذ يتهمون ميشيل كروزييه بأنه يصور الأفراد على أنهم “حسابيّون أنانيّون” يسعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية. ومع ذلك، وبينما يخطط الأفراد مسبقًا لبعض سلوكاتهم (مثل التحضير لمقابلة عمل)، فإنهم في معظم الحالات يتكيّفون تلقائيًّا مع الظروف المحيطة، ويعدّلون تصرفاتهم بشكل عفوي بحسب الحاجة.

إذا كانت الاستراتيجية تعتمد على الموارد والقيود -سواء كانت رسمية ومعرفية- التي تؤثر في الفرد وتترك له مجالًا للمناورة إلى حد ما، فإنها تعتمد أيضًا على الأشخاص الذين يتوجب عليهم التعاون لتطوير نشاط معين، وبالتالي فإن القيود والموارد ليست رسمية ومعرفية فحسب، بل هي أيضًا علائقية. ولدمج هذا البعد، يستدعي ميشيل كروزييه مفهوم علاقات السلطة، كما عرفها روبرت دال Robert Dahl[8]: فبدلًا من تعريف السلطة على أنها سمة يمتلكها بعض الأفراد دون غيرهم يجب فهمها على أنها شيء يتم تبادله داخل العلاقة. على سبيل المثال، يمكننا القول إن أوديل Odile تمارس السلطة على جون إذا جعلت جون يتصرف كما يحلو لها. في الواقع، فإن غالبية المهام تتطلب الحصول على تعاون الآخرين، وبالمقابل، عليهم أيضًا الحصول على تعاوننا. بالتالي، عندما لا يكون لدينا خيار سوى التصرف وفقًا لما يتوقعه الآخرون منا، فإن ميشيل كروزييه يرى أنهم يمارسون السلطة علينا. والعكس صحيح عندما نحصل على تعاون الآخرين، فنحن أيضًا نمارس سلطة عليهم. وكلما قلّ اعتمادنا، زادت قدرتنا على جعل سلوكنا غير متوقع، مما يعني توسيع هوامش المناورة لدينا، وبالتالي التفاوض على استعدادنا للتعاون. وبفضل المقابلات، بات الأمر يتعلق باكتشاف سلوك الأفراد، ولكن أيضًا بإعادة بناء شبكة علاقات السلطة الخاصة بهم، وهذا ما يسمح بفهم الاستراتيجيات التي يتبعها الأفراد، وتحديد مستويات الحرية التي يمكنهم استخدامها في تفاعلاتهم مع الآخرين.

تُعد الاستراتيجيات وعلاقات السلطة عنصريين أساسيين في المقاربة السوسيولوجية للمنظمات، كما أوضح ميشيل كروزييه في كتابه (الظاهرة البيروقراطية Le phénomène bureaucratique)[9] ثم كما تناولها بشكل نظريّ أكثر مع إرهارد فريدبرغ Erhard Friedberg، في كتاب (الفاعل والنظام L’acteur et le système)[10]. إن هذين المفهومين أداتان استكشافيّتان تُتيحان تحليل المقابلات وكشف أنماط العمل التي دائمًا ما تكون ظرفية -أي تتغير بحسب السياق- بين الأفراد المنخرطين في نشاط جماعي مشترك، وهما أيضًا أداتان أساسيتان في الفن الذي تقوم عليه المقاربة الاستراتيجية لتحليل المنظمات.

من الظاهرة البيروقراطية إلى الظاهرة التنظيمية

استخدم ميشيل كروزييه هذا الفن الاستقصائي في البداية لدراسة البيروقراطيات، ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن قراءة أعمال روبرت ميرتون Robert Merton، أو ألفين جولدنر Alvin Gouldner، أو فيليب سيلزنيك Philip Selznick كانت الدافع وراء اهتمامه بعدم فاعلية النموذج الويبري للهيمنة العقلانية – القانونية. تمحور أول تواصل لميشيل كروزييه مع الأكاديميين الأمريكيين حول علماء النفس وعلماء النفس الاجتماعي. كان فضوله اللامحدود، وشغفه بالفهم، واهتمامه العميق بما يكشفه له الأشخاص الذين التقى بهم[11]، هو ما دفعه إلى الاهتمام أولًا بالنقابات الأمريكية ثم البريطانية، ومن ثم استكشاف عالم موظفي المكاتب، بينما كان زملاؤه في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS يدرسون الفلاحين (هنري ميندراس Henri Mendras)، والعمال (آلان تورين Alain Touraine)، والعلاقات النقابية (جان دانيال رينو Jean-Daniel Reynaud). وفي هذا السياق، بدأ كروزييه مشروعًا بحثيًّا حول مراكز الشيكات البريدية عام 1954م[12]، تلاه تحقيق داخل مصنع التبغ عام 1956م، إضافة إلى دراسة مقارنة شملت ست شركات تأمين[13]. لن يبدأ كروزييه قراءة أعمال البيروقراطية إلا بعد جمع هذه المواد كلّها، حيث قضى عامًا (1959م-1960م) في مركز الدراسات المتقدمة للعلوم السلوكية في ستانفورد ليبدأ كتابة أطروحته للدكتوراه[14]، وكانت هذه المرحلة حاسمة في مسيرته الفكرية، فأسهمت في تأليف الكتاب الذي جعله مشهورًا عالميًّا؛ إذ نُشر تقريبًا في الوقت نفسه باللغة الإنجليزية عن دار نشر جامعة شيكاغو[15]، وبالفرنسية من دار نشر سوي تحت عنوان: الظاهرة البيروقراطية.

مع ذلك، ومنذ تكوين فريقه الأول، وبدلًا من البيروقراطيات وحسب، وبدلًا من فئة مهنية معينة، كانت المنظمات الموضوع والمدخل الرئيس للدراسة ولفهم العالم الاجتماعي، وفك شفرات المجتمع؛ ففي الجزء الرابع من الظاهرة البيروقراطية (بعنوان “الظاهرة البيروقراطية بصفتها ظاهرة ثقافية فرنسية”) يقدم تحليلًا للمجتمع الفرنسي بناء على ما لاحظه في مصنع التبغ ومراكز الشيكات البريدية Chèques Postaux؛ إذ لم تكن طموحاته تقتصر فقط على فهم ما يحدث داخل هذه المنظمات، بل يهدف إلى استنتاج ما تعلمنا إياه هذه المنظمات عن المجتمع. تشهد العديد من الكتب التي تلت ذلك، مثل، “المجتمع المغلق La société [16]“bloquée عام 1970م، و”لا يمكن تغيير المجتمع بمرسوم On ne change la société pas par décret in 1979“[17]، و“الشر الأمريكي”[18] Le mal américain عام 1980م، و“أزمة العقل La crise de l’intelligence“[19] عام 1995م، على شغف ميشيل كروزييه في الاستناد إلى المنظمات لتطوير فكر حول المجتمع ككل. من هذا المنظور، فإن ميشيل قريب جدًّا من المنهج الفكري لروبرت ميرتون الذي لم يهتم بالبيروقراطية لذاتها، بل لدراسة تأثير الهياكل الاجتماعية في الشخصية[20]. ومع ذلك، يتميز ميشيل كروزييه من روبرت ميرتون في نقطتين: أولًا، من خلال تحليلات تعتمد على دراسات ميدانية متعمقة قريبة من الواقع، بدلًا من التفكير النظري البحت. ثانيًا، لأنه لا يرى المنظمات بعدّها وسيلة لدراسة الهياكل الاجتماعية، بل يعدّها مركزية في تطور المجتمعات المعاصرة. في وقت مبكر جدًّا، أصبح من الواضح لميشيل كروزييه، وكما كتب تشارلز بيرو Charles Perrow لاحقًا،[21] أننا نعيش في “مجتمع المنظمات”: إذ يجب دراسة المنظمات لأن الظاهرة التنظيمية تُنتج المجتمع.

ستشهد البحوث التي بدأها ميشيل كروزييه تطورًا؛ إذ ستنتقل من دراسة المنظمات إلى دراسة الظاهرة التنظيمية، ويمكن ملاحظة ذلك في الأعمال التي أجريت ضمن فريقه “مركز السوسيولوجيا للمنظمات” الذي أصبح وحدة مستقلة في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS في منتصف الستينيات. لم تقتصر الدراسات حول النظام السياسي والإداري المحلي على استكشاف الوظائف الداخلية للهيئات المحلية والإدارات الإقليمية (وخاصة المحافظات) والمجالس الإقليمية أو البلدية، بل توسعت لتشمل العلاقات بين هذه الهيئات والنظام الذي ستشكله، مما ساعد في الكشف عن نموذج التنظيم المتقاطع الذي يميز هذا النظام. بالإضافة إلى ذلك، ومع بدء الأعمال في الشركات، وابتداءً من شركة كهرباء فرنسا EDF مع رونو سينساليو Renaud Sainsaulieu في السبعينيات، شرعت منظمات المجتمع المدني نحو القطاع الاقتصادي وبدأت باستثمار تحليل الأسواق، وذلك من خلال أطروحة ميشيل موليه Michel Moullet[22] حول سوق المزاد، ثم من خلال أعمال فرانسوا دوبوي François Dupuy، وجان كلود ثونيج Jean-Claude Thoenig[23] حول سوق الأجهزة المنزلية. وبهذا ابتعدت المدرسة الفرنسية في سوسيولوجيا المنظمات عن التعريف الهيكلي الصارم للمنظمة، لتتبنى تعريفًا أوسع يتجاوز الحدود الشكلية أو القانونية أو النظامية. يعتبر أن هناك منظمة (أو وضعًا منظمًا) كلما كان هناك أفراد مشتركون في إطار مشترك في تنفيذ مشروع مشترك، وكانوا يشكلون ما أسماه ميشيل كروزييه وإرهارد فريدبرغ “نظام العمل الفعلي” في الكتاب الذي شاركا في تأليفه عام 1977م[24]. لذلك، يمكن دراسة لجنة، أو تصميم، أو تنفيذ سياسة عامة، أو شبكة من المتعاقدين من الباطن، بصفتها حالات منظمة يجب استكشافها بعدّها أنظمة عمل فعلية ومحددة تكون مشروطة بالظروف، والتي يجب على سوسيولوجيي المنظمات اكتشاف دوافعها. بعد بضع سنوات، عبر إرهارد فريدبرغ عن هذا الموقف بشكل أكثر وضوحًا في كتابه “السلطة والقانون Le Pouvoir et la règle“[25]، عندما أكّد أن فائدة المنهج التنظيمي تكمن في “البدء باستمرارية نظم الفاعلين المتداخلين والمتنافسين بدلًا من الفصل الاصطناعي، والسوق الاقتصادي والتنظيم”. وبالتالي، انتقل ميشيل كروزييه وأعضاء منظمات المجتمع المدني من دراسة المنظمات إلى دراسة الظاهرة التنظيمية.

السوسيولوجيا متعددة الالتزامات

لطالما ارتبطت إسهامات ميشيل كروزييه الفكرية عبر أعماله الموجهة في المقام الأول إلى نظرائه بالتزامه بتحويل المجتمع. ولربما اتخذ هذا الالتزام أحيانًا شكل انتماءات حزبية (وإن كانت بعيدة نسبيًّا)، حيث كان يُنظر إليه بصفته “مثقفًا يساريًّا intellectuel de gauche” خلال الثلاثين سنة الأولى من حياته، ثم بعد ذلك بوقت طويل، وبعدّه داعِمًا لترشح ريموند بار Raymond Barre لرئاسة للجمهورية عام 1988م، عزز صورته بعدّه سوسيولوجيًّا يمينيًّا.

ولكنه أظهر التزامًا أعمق، وأبدى استمرارية أكبر، عبر نشر أعماله والترويج لها؛ إذ كرّس جهوده لنشر أعماله وتعزيز قيمتها. كان شديد الحرص على مشاركة نتائج أبحاثه مع الأشخاص الذين ساهموا فيها، والاستفادة منها لإحداث تغييرات داخل المنظمات التي درسها؛ لذلك، لم يكن جمهوره مقتصرًا على مجتمع السوسيولوجيين المتخصصين، ولم تكن منشوراته موجهة فقط للأوساط الأكاديمية، فمنذ وقت مبكر، كان يسعى إلى توظيف المعرفة التي ينتجها لتحفيز التغيير، والتفكير في الإصلاح، لا بل وحتى المساهمة في تنفيذه.

وهكذا، سعى عن طريق دراسته الميدانية الأولى في مركز الشيكات البريدية إلى تقديم نتائج أبحاثه من خلال نشر تقرير يبرز أحد الجوانب الأساسية للبيروقراطية الفرنسية: حيث أولئك الذين يتعين عليهم اتخاذ القرارات، لا يتمكنون من المعلومات اللازمة؛ لأنها بحوزة آخرين ليس لديهم مصلحة في نقلها. وذهب ميشيل إلى أبعد من ذلك خلال بحثه في مصنع التبغ؛ إذ نظم جلسات لعرض النتائج الأولية على مراحل متقدمة من عمله الميداني، كما قدم تقريرًا نهائيًّا إلى الإدارة العامة، لكن استقباله كان فاترًا للغاية. لم يكن الوضع مختلفًا عندما عرض استنتاجاته أمام الإدارة العامة ثم مجلس إدارة BNCI، الذي درسه في الفترة نفسها، حيث واجه استقبالًا معقدًا وانتقادات، على الأقل في البداية، فإعادة تقديم صورة عن عمل مؤسسة ما إلى الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات ليس بالأمر السهل أو الخالي من العواقب، حتى عندما كما فعل ميشيل كروزييه في أولى جلسات “الاسترجاع”، يكون التركيز على عيوب النظام بدلًا من تحميل الأفراد المسؤولية؛ إذ لا نسعى إلى المسؤولية الفردية، وهذا هو جوهر التدخلات التي انخرط فيها ميشيل كروزييه: فالنظام وقواعده هو المسؤول عن التوترات والمصاعب، وليس الأفراد في داخله، وهو ما ينبغي أن يخضع للتغيير، لا الأفراد. وبذلك، فإن الخوف من مواجهته ومحاولة تجنبه ليستا مشكلتين فرديتين، بل ظاهرتان نظاميّتان، لا يمكن اختزالهما في السمات النفسية للموظفين.

يتجلى هذا الالتزام بنشر الفكر التنظيمي أيضًا من خلال مشاركته المتكررة في الدورات التدريبية المهنية التي يقدمها ميشيل كروزييه لكوادر الإدارة؛ إذ كان يعتمد خلال هذه الدورات على ورش عمل مصنع التبغ والاستنتاجات المستخلصة من دراسة الشيكات البريدية لدراسة حالات عملية، قبل أن تُسهم الأبحاث الأخرى في إثراء مكتبة الحالات المستخدمة في كلٍّ من التكوين الأساسي والمستمر.

لذا، فإن ميشيل كروزييه مقتنع تمامًا بأن للسوسيولوجي دورًا يؤدّيه في المجتمع لكي يكون الدور مفيًدا وفعالًا، ويجب ألا يقتصر هذا الدور على التنديد أو إثارة المعارضة، بل في إنتاج المعرفة والإسهام -استنادًا إلى المعرفة- في توجيه إجراءات التغيير. وبعبارة أخرى، وفي سياق الستينيات والسبعينيات، حيث كانت الحركات الاحتجاجية متكررة، لا سيما في عام 1968م وما تلاه، وحيث كانت تحليلات الطبقات الاجتماعية وإعادة إنتاجها تهيمن على السوسيولوجيا الفرنسية، غالبًا ما كان هذا الموقف يتعرض للانتقاد. حضر ميشيل اجتماعات مجموعة “إسبري Esprit” ونادي “جان مولان Jean Moulin” في الستينيات، حيث التقى بالشباب العاملين في الخدمة المدنية الذين شاركوا في القرارات السياسية والإدارية، ثم في السبعينيات، حيث انضم إلى لجنة في التعليم الثانوي، وشارك بصفته مستشارًا لآلان بيرفيت Alain Peyrefitte عندما كان وزيرًا للإصلاحات الإدارية، وساهم في أعمال اللجنة الثلاثية[26]، وعقد عدة لقاءات مع ريمون بار (رئيس الوزراء آنذاك)، وانخرط في بعثة الابتكار التي أرادها فاليري جيسكار ديستان Valéry Giscard d’Estaing، ثم في الثمانينيات، أجرى دراسات لصالح معهد المشاريع[27]، ويُعدّ ذلك جزءًا لا يتجزأ من نشاط ميشيل بصفته سوسيولوجيًّا. يرى ميشيل أن الإسهام داخل هذه الهيئات ومراكز السلطة أكثر فائدة من معارضتها أو رفض المشاركة فيها، لكن بالنسبة إلى العديد من زملائه المعاصرين، لا يُنظر إليها على أنها شكل من أشكال الالتزام، بل بعدّها تنازلًا أو تواطؤًا مع الحكام.

مع ذلك، لم يندم ميشيل كروزييه قطّ على المسار الذي اختاره، حتى إن كان قد أعرب أحيانًا عن أسفه لعدم نجاحه دائمًا. لم يسفر التقرير الذي أعده أنطوان بروست Antoine Prost، الصادر عن لجنة الحكماء حول تعليم المرحلة الثانوية عن أي نتائج، كما لم يحظَ الكتاب الصادر عن اللجنة الثلاثية بأي اهتمام، ولم ينجح في إقناع المسؤولين -خلال رئاسة جيسكار ديستان Giscard d’Estaing- بأن الابتكار يكمن في الجودة وفي أنشطة الخدمات. باختصار، لم تكن المشاركة كافية ليتم الاستماع إليه.

لا شك أن النهج الذي تبناه ميشيل كروزييه في الانخراط في الشأن العام قد تأثر بشكل كبير بتجاربه في الولايات المتحدة؛ إذ أتاح له تعدد إقاماته في الجامعات الأمريكية -بدءًا من تلك التي سبق ذكرها، ثم قضاء عام في جامعة هارفارد 1970م قبل أن يرفض المنصب الدائم الذي عُرض عليه، ثم العودة إلى جامعة هارفارد بعد عشر سنوات، إضافة إلى زياراته المنتظمة لجامعة إيرفين في الثمانينيات- حيث أقام روابطَ مع كبار المفكرين الأمريكيين في ذلك الوقت: (مارتي ليبست Marty Lipset، وستانلي هوفمان Stanley Hoffman، وألبرت هيرشمان Albert Hirschmann، وجيمس مارش James March، على سبيل المثال لا الحصر)، كما أتاحت له الإقامات فرصة التعرف إلى طلاب دكتوراه في تلك المؤسسات، وهم الذين أصبحوا لاحقًا من كبار صُنّاع القرار السياسي، مثل هنري كيسنجر Henry Kissinger، أو زبيغنيو بريزينسكي Zbigniew Brzeziński، إلى جانب الأكاديميين الذين شغلوا مناصب عليا في الحكومة الفيدرالية مثل ريتشارد نيوستادت Richard Neustadt، نائب عميد كلية ليتاور Littauer في جامعة هارفارد بعد أن كان مستشارًا لترومان Truman أو ماكجورج بندي McGeorge Bundy، عميد جامعة هارفارد قبل أن يصبح مستشارًا للأمن القومي للولايات المتحدة. ليس هناك شك في أن النفاذية بين المهن الأكاديمية والمناصب العليا لصناع القرار في الولايات المتحدة قد غذّت مفاهيم ميشيل كروزييه للالتزام.

رائد في المجال العلمي والتعليمي

لا ينبغي لهذه الالتزامات العملية أن تقلل من أهمية الانخراط الدؤوب لميشيل كروزييه بصفته رائدًا في المجال العلمي والتعليمي، وذلك من نواحٍّ عدة: أولًا، بعدّه أحد المؤسسين المشاركين عام 1958م في مجلة “سوسيولوجيا العمل Sociologie du travail” مع جان-دانيال رينود، وألان تورين، وجان-رينيه ترانتون، والتي كانت ستحتفل قريبًا بمرور سبعين عامًا على تأسيسها. ثم بعدّه أحد المؤسسين المشاركين للأرشيفات الأوروبية للسوسيولوجيا مع ريمون أرون، وتوماس بوتومور، ورالف دارندورف، وإريك دو دامبيير عام 1960م، وهي مجلة ما زالت نشطة للغاية، ثم بعدّه مؤسّسًا مُثابرًا لمجموعات عمل، حيث سعى -منذ بداية مسيرته- إلى تشكيل مجموعة من الشركاء من حوله لتطوير بحوثه، ورغم أنه لم يتخلَّ عن مفهومه التقليدي لإدارة هذه المجموعة، لا سيما في الستينيات والسبعينيات عندما كان جميع من عملوا معه يسعون إلى استكشاف النظام السياسي والإداري المحلي، مما أدى -بفضل قدرته على جمع باحثين ذوي بصيرة فكرية واسعة– إلى توترات بشأن حقوق الملكية الفكرية الفردية للاستنتاجات التي توصلوا إليها جماعيًّا. وفي الثمانينيات، عندما كان مضطرًّا إلى التقاعد والتخلي عن قيادة مركز منظمات المجتمع المدني، كان ميشيل كروزييه أقل انخراطًا في هذا الدور بصفته “رئيسًا”، ولكنه ظل الشخصية الراعية للمختبر. كانت أهم أولوياته حينها هي ضمان استمرارية منظمات المجتمع المدني وعدم زوالها معًا، ولذلك، حرص على ضمان استدامة المركز ومواصلة المشروع الجماعي الذي أسهم في بنائه. يفسر هذا على الأرجح سبب عدم انهيار المنظمة بعد مغادرته، وكيف استمرت المنظمة في البحث في مساره بعد ما يقارب أربعين عامًا.

يُعدّ ميشيل كروزييه رائد أعمال تعليمي من خلال مشاركته في التدريب، وكان يسمى في سويسرا بالجيل القادم حيث سعى إلى نشر نهجه، و”مهارة البحث”، وتحليلاته، في العالم الأكاديمي (من خلال تدريب طلاب الدكتوراه)، وخارجه (من خلال تدريب الأشخاص القادرين على تطبيق تعاليمه في الإدارة، في الشركات، أو الجمعيات، أو المنظمات غير الحكومية، أو الأحزاب السياسية).

لم يكن الهدف فقط هو نقل المعرفة، بل كان أيضًا تقديم مفهوم مختلف للتكوين في السوسيولوجيا؛ لذلك لم يكن برنامج الماجستير[28] يهدف فقط إلى تكوين طلاب الدكتوراه في المستقبل، ولكنه كان موجهًا أيضا للطلاب الذين كانت الدراسة من خلال البحث والسوسيولوجيا ستعدهم لمناصب إدارية في المنظمات أو المهن التي تركز على تغيير المنظمات. كانت هذه التعددية في مجالات العمل بعد التخرج تتماشى مع تعددية الخلفيات للطلاب الذين انضموا إليه. لم يكن الماجستير مخصصًا فقط للطلاب الذين اختاروا السوسيولوجيا في الجامعة أو في المدرسة العليا لأساتذة جاء العديد منهم من تخصصات أخرى، بالإضافة إلى كليات الهندسة، أو كليات إدارة الأعمال، ومعاهد الدراسات السياسية، أو كانوا في فترة استئناف دراسات بعد الخبرة المهنية. كما أن محتوى وهيكل الدورات غير تقليدي، كان الجدول الزمني يتناوب بين أسابيع التدريس وأسابيع من العمل الجماعي للبحث أو الكتابة. قلة من الدورات كانت مخصصة لنظريات السوسيولوجيا، ولكن هناك الكثير من التطبيقات العملية، واكتساب الخبرة في البحث الميداني، واستثمار الأدبيات بناءً على النتائج التجريبية المحصلة، والعمل الجماعي. باختصار، كان عامًا غير تقليدي في المشهد الأكاديمي، وكونك طالبًا في الماجستير يعني الاستفادة من تعليم يعتمد على التفاعل، وعلى إتقان جمع البيانات وإنتاج النتائج بدلًا من فن كتابة المقالات.

كان النهج الذي طوره ميشيل كروزييه لتدريب الدكتوراه في منظمات المجتمع المدني غير تقليدي تمامًا داخل السوسيولوجيا الفرنسية، ولا يزال حيًّا حتى اليوم. في الثمانينيات، كان مركز الأبحاث يُعدّ استثناءً بين مختبرات العلوم الإنسانية والاجتماعية الفرنسية؛ إذ لم يكن يُقبل فيه طلاب دكتوراه إلا أولئك الذين حصلوا على تمويل مضمون لمدة ثلاث سنوات، سواء من خلال منح بحثية أو أي مصادر تمويل مستدام آخر، مما يسمح لهم بالتفرغ الكامل لأطروحتهم. كل عام، كانت المنظمة تستقبل طالبين أو ثلاثة جددًا، وكان لكل واحد منهم مكتب خاص به، وتم تشجيعهم جميعًا على العمل اليومي في المنظمة، إذ كانوا يُعدّون أعضاءً متكاملين في الفريق. أتاح لهم ذلك التفاعل اليومي مع جميع الباحثين، وحضور الندوة الأسبوعية التي تُناقش الأبحاث الجارية، أو أعمال طلاب الدكتوراه، بالإضافة إلى استضافة أكاديميين بارزين مثل رينيه جيرارد René Girard إلى إليوت فريدسون Eliot Freidson، وبرونو لاتور Bruno Latour.

وبعدّه سوسيولوجيًّا متخصصًا في الظواهر التنظيمية وتأثيرها في المجتمعات التي أصبحت تعتمد بصورة متنامية على المنظمات، وفاعلًا ملتزمًا بالإصلاحات، ومقتنعًا بأن المعرفة التي تنتجها سوسيولوجيا المنظمات يمكن وينبغي أن تكون أداة لتحسين العلاقات الاجتماعية وتعزيز التعاون، كما كان رائد أعمال علميًّا ومبتكرًا في المجال التربوي، بصفته وزيرًا من أولئك المفكرين الذين، رغم انتمائهم إلى نظام التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي، رفضوا التقيد الصارم بقواعده وطقوسه، أو البقاء محصورين داخله. بالنسبة إليه، لم يكن مكان السوسيولوجي فوق المجتمع، بل داخله، إذ يجب أن ينطلق من المجتمع وأفراده لدراسته وفهمه، كان يرى أن إتقان البحث الميداني والقدرة على استخلاص الدروس من الواقع هما مهارتان أساسيتان لإنتاج معرفة جديدة وتقديم مساهمات نظرية قائمة على أسس تجريبية.


[1] بارني ج. جلاسر 1Barney G. Glaser، وأنسلم ل. شتراوس Anselm L. Strauss، اكتشاف النظرية المجذرة: استراتيجيات للبحث النوعي (The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research)، نيويورك، دار نشر ألدين دي جروتر Aldine de Gruyter، ١٩٦٧م.

[2] ميشيل كروزييه، عكس التيار. مذكرات ١٩٦٩م-٢٠٠٠م (À Contre-courant. Mémoires 1969-2000)، باريس، دار نشر فايارد Fayard ,٢٠٠٤م.

[3] ميشيل كروزييه، عصري الجميل. مذكرات ١٩٤٧م-١٩٦٩م (Ma bell époque. Mémoires 1947-1969)، باريس، فايارد، ٢٠٠٢م.

[4] هنري بيرجيرون Henri Bergeron، وباتريك كاستل Patrick Castel «العادات الجديدة للمؤسسية الجديدة؟ إعادة اكتشاف النظام الوسطي والقدرة على الفعل»، السنة السوسيولوجيا (L’Année Sociologique)، ٦٦، ص. ٣١-٧٢.

[5] سرعان ما حلَّت المقابلات محل الاستبيانات أو استُكملت بها، وهي التي لجأ إليها ميشيل كروزييه أحيانًا في أعماله الأولى.

[6] هربرت سايمون، «نموذج سلوكي للاختيار العقلاني» (A Behavioral Model of Rational Choice)، المجلة الفصلية للاقتصاد (The Quarterly Journal of Economics)، ٦٩ (١)، ص. ٩٩-١١٨، ١٩٥٥م.

[7] ريمون بودون، العقل، الأسباب الجيدة (Raison, Bonnes raisons)، باريس، بوف، ٢٠٠٣م.

[8] روبرت دال، من يحكم؟ الديمقراطية والسلطة في مدينة أمريكية (Who Governs? Democracy and Power in an American City)، نيو هيفن، مطبعة جامعة ييل، ١٩٦١م.

[9] ميشيل كروزييه، الظاهرة البيروقراطية (Le Phénomène bureaucratique)، باريس، سويّ، ١٩٦٣م.

[10] ميشيل كروزييه وإيرهارد فريدبرج، الفاعل والنظام (L’Acteur et le système)، باريس، سويّ، ١٩٧٧م.

[11] إذا سُمح لي بإضافة ملاحظة شخصية، فقد لاحظتُ في مناسبات لا تُحصى أن ميشيل كروزييه كان يبدأ محادثة مع شخص لا يعرفه، ويجري معه مقابلة عفوية، كان يجد متعة حقيقية في الاستماع، والدخول إلى العالم المهني لمُحاوريه، واستقصاء مشاعرهم حول ذلك، وجعلهم يصفون كيف تسير الأمور بالنسبة إليهم.

[12] ميشيل كروزييه، صغار الموظفين في العمل. تقرير عن تحقيق سوسيولوجي أُجري في إحدى الإدارات العامة الكبرى في باريس (Petits fonctionnaires au travail. Compte rendu d’une enquête sociologique effectuée dans une grande administration publique parisienne)، باريس، المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، ١٩٥٥م.

[13] ميشيل كروزييه، عالم موظفي المكاتب (Le Monde des employés de bureau)، باريس، سويّ، ١٩٦٥م.

[14] أقام هناك مرة أخرى في عام ١٩٧٣م-١٩٧٤م في أثناء تحضيره لكتابة الفاعل والنظام (L’Acteur et le système) مع إيرهارد فريدبرج، المرجع نفسه.

[15] ميشيل كروزييه، الظاهرة البيروقراطية (The Bureaucratic Phenomenon)، شيكاغو، مطبعة جامعة شيكاغو، ١٩٦٤م.

[16] ميشيل كروزييه، المجتمع المغلق، باريس، دار نشر سويّ، ١٩٧٠م.

[17] يشيل كروزييه، لا يمكن تغيير المجتمع بمرسوم في ١٩٧٩م، باريس، دار نشر جراسيه Grasset، ١٩٧٩م.

[18] ميشيل كروزييه، الشر الأمريكي، باريس، دار نشر فايارد Fayard، ١٩٨٠م.

[19] ميشيل كروزييه بالتعاون مع برونو تيليت، أزمة العقل، باريس، دار نشر إنترإيديشن InterÉditions، ١٩٩٥م.

[20] روبرت ميرتون، البنية البيروقراطية والشخصية Bureaucratic Structure and Personality، القوى الاجتماعية Social Forces، ١٨ (٤)، ص. ٥٦٠-٥٦٨، ١٩٤٠م.

[21] شارلز بيرو، مجتمع المنظمات A Society of Organizations، نظرية المجتمع ٢٠ (٦)، ص. ٧٢٥-٧٦٢، ١٩٧١م. وهي أيضًا الأطروحة التي يقوم عليها الكتاب الجماعي الأخير لباحثي مركز علم الاجتماع التنظيمي (CSO): أوليفييه بوراز (محرر)، مجتمع المنظمات La Société des organisations، باريس، دار نشر علوم بو Sciences Po، ٢٠٢٢م

[22]ميشيل موليه، المنافسة المنظمة La Concurrence organisée، أطروحة دكتوراه من معهد الدراسات السياسية في باريس IEP de Paris، ١٩٨٣م.

[23] فرانسوا دوبوي، جان-كلود تونيغ، قانون السوق: الأجهزة المنزلية في فرنسا والولايات المتحدة واليابان

La Loi du marché: l’électroménager en France, aux États-Unis et au Japon، باريس، دار نشر لارمتان L’Harmattan، ١٩٨٦م.

[24] ميشيل كروزييه وإيرهارد فريدبرج، المرجع ذكر سابقًا.

[25] إيرهارد فريدبرج، السلطة والقانون، باريس، دار نشر سويّ، ١٩٩٣م.

[26] أدى ذلك إلى كشف أزمة الديمقراطية The Crisis of Democracy، ميشيل كروزييه، صامويل ب. هنتنغتون، Samuel P. Huntington، سوجي واتانوكيSogi Watanuki، مطبعة جامعة نيويورك، ١٩٧٥م.

[27] قاد ذلك إلى صدور المؤسسة المستمعة L’Entreprise à l’écoute، ميشيل كروزييه، باريس، دار نشر إنترإيديشن، ١٩٩٠م.

رر[28] دبلوم الدراسات المعمقة (DEA)، وهو دبلوم كان يُحضِّر للدكتوراه في عام واحد بعد الماجستير، الذي كان بدوره يستغرق عامًا واحدًا. منذ عام ٢٠٠٢، تم استبدال هذين الدبلومين ببرامج الماجستير التي تستمر عامين.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

دليل المدير لموجات الابتكار في تكنولوجيا المعلومات | من «MIT SMR»

المقال التالي

كورت غودل عند حدود الجنون: من المبرهنات إلى أحلام المبرهنات | أرييل سهامي

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

27 يوليو، 2026

تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى...

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

24 يوليو، 2026

ثمة أشياء تجذبنا لأنها لم تُحكم إغلاقها على صورة واحدة. نعود إليها أكثر من مرة. لا تستنفد نفسها في النظرة...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00