ترجمة: أمجاد العتيبي
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
يُعدّ الانتشار الواسع لمفهوم «الكارثة» في العلوم الإنسانية والاجتماعية مؤشرًا دالًّا على تحوّل نموذجي عميق، يُراد به استبدال مفهوم «الخطر» الذي قام عليه المشروع الحديث. فوفق هذا النموذج الجديد، تنكشف محدودية الإنسان، الذي كان يُتصوَّر سيدًا للطبيعة ومتحكّمًا في تحوّلاتها، لتبرز هشاشته وعدم عصمته. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن اعتبار الإنسان مسؤولًا عن الكوارث؟
نلاحظ منذ عشر سنوات تضاعفًا في الأعمال التي تتناول مفهوم الكارثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. يشهد على ذلك العديد من المنشورات في علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والتاريخ، والفلسفة، التي جعلت من هذا المفهوم موضوعًا محوريًّا بالنسبة لها، وقد خصصت بعض المجلات له ملفات ضخمة (مثل مجلة إيسبخيت Esprit، ٢٠٠٨م – ومجلة لوبورتيك Le Portique، ٢٠٠٨م – ومجلة تيران Terrain، ٢٠١٠م)، حيث يتقاطع المفهوم فيها مع الحقول المختلفة. يمكن الافتراض أن الزيادة في عدد الكوارث التي حدثت في السنوات الأخيرة (على سبيل المثال، كارثة تسونامي عام ٢٠٠٤م، وإعصار كاترينا عام ٢٠٠٥م، وزلزال هايتي عام ٢٠١٠م، ومؤخرًا تسونامي اليابان، وأيضًا انفجار مصنع تولوز للكيماويات AZF عام ٢٠٠١م، أو الهجوم الإرهابي على البرجين التوأمين لمقر التجارة العالمي عام ٢٠٠١م)، تُفسّر كونها محل اهتمام خاص، سواء تعلّق الأمر بفهم أسبابها، أو تصوّر سبل الوقاية منها.
لإنصاف النقاش، يظلّ هذا التفسير قاصرًا؛ إذ لا يفسّر لماذا أصبحنا في الآونة الأخيرة أكثر حساسية تجاه أحداث كانت، بدرجات متفاوتة، حاضرة دائمًا. وقد شدّد هابرماس وآخرون على هذه الفكرة بوضوح حين قالوا: «كان القرن العشرون قرن الكوارث» (هابرماس، 1998). فضلًا عن ذلك، فإن هذا التفسير لا يتيح لنا فهم النزوع المشترك في دراسات الكوارث، على اختلاف مناهجها، إلى تأسيس حقل بحثي مستقل تُسهم حداثته في بلورة فئة تحليلية جديدة.
وعلى الرغم من الخصوبة النظرية لمفهوم الكارثة، فإن تحديده يظل إشكاليًّا؛ إذ يجمع، في المقام الأول، أحداثًا قد تبدو شديدة التباين. فنحن نطلق وصف «الكارثة» أو «النكبة» على الوقائع ذات المنشأ الطبيعي، مثل الأعاصير، وأمواج التسونامي، والزلازل، كما نستخدم المصطلح نفسه لوصف المآسي الناتجة عن أفعال الإنسان أو عن إخفاقه وعجزه، كالهجمات الإرهابية والحوادث المختلفة.
من ثمّ يمكننا أن نعد أن مفهوم الكارثة يأخذ معنى أقل بالنسبة إلى أسباب الحدث وكذلك تأثيراته: إن ما يشكّل الكارثة هو الشدةّ المأساوية، وفظاعة العواقب، والموت الجماعي الهائل والكبير (غودين Godin، ٢٠٠٨م). عبر هذا المنظور، فإن تشارك ما ينتُج من الحدث الطبيعي، وما يرتبط بتأثيراته التقنية أمرٌ عرضيّ، لا سيّما في ظلّ صعوبة تحديد أصل الكارثة: “مثل الأنشطة البشرية، حيث يمكن أن يقوم البشر بإضعاف السواحل المعرّضة للأعاصير، وموجات المد والجزر”. مع ذلك، ومن منظور تأثيرات الكوارث، يمكننا رصد التباين: أي كيف يمكن أن نضع محرقة اليهود، والحادي عشر من سبتمبر (دوبوي Dupuy، ٢٠٠٥م)، وحادثة تحطم طائرة كونكورد (كلافاندير Clavandier، 2011) في المستوى نفسه؟ يضاف إلى هذا التباين في التأثيرات اختلاف في الكيفيات: ذلك أن الكارثة؛ هي ذلك الحدث المأساوي الذي نَصِفَهُ بهذا الوصف؛ لأننا نرى حجم وفظاعة عواقبه، ولكنه أيضًا ذلك الحدث الذي نتوقعه، والذي نتنبأ به، ومن ثم نحاول تجنبه (دوبوي، ٢٠٠٥م). لذا؛ تلعب الكارثة على سجلين: سجل الحدث غير المتوقع، وسجل الحدث الذي يمكن التنبؤ به، وهو الكارثة التي تبدو حتمية، ويمكن تصنيف مستواها بأنه مُدمّر، ولكن أيضًا تلك التي يمكن توقعها، ومن ثم إحباطها. لذلك؛ فإن للمفهوم معنيين لا يتفقان بعضهما مع بعض بالكامل: معنى علمي -حيث تفرض الكارثة نمطًا محددًا من التحليل-، ومعنى سلوكي -حيث نعتقد بوجوب حدوث الكارثة-.
إن هذا التباين، وبعيدًا عن جعله لمفهوم الكارثة غير متسقٍ من حيث شموله لمقاييس شديدة الاختلاف، أو إشارته إلى استخدامات متغايرة للغاية، هو بالضبط ما يجعله جليًّا في الواقع، وكاشفًا عن سماته. يسمح هذا التصنيف بتحديد اختلافات الشدة والمستوى، بشكل بسيط، في أعين أولئك الذين يستخدمونه. في هذا السياق، لا يشير مفهوم الكارثة إلى مجال تحليل، بقدر ما يشير إلى نموذج اخترع مؤخرًا، وينبغي فهم عمقه والتشكيك في افتراضاته.
المخاطر والاحتياط
يستمد هذا النموذج معناه من التناقض الجذري بين مفهوم الخطر ومفهوم الكارثة. في الواقع، يُعدّ التفكير فيما يهددنا من حيث المخاطر، دعوة إلى الأخذ بعين الاعتبار جميع السيناريوهات المحتملة لهذه التهديدات، ومن ثم عَدُّ الكارثة على أنها “الإدراك المحسوس والمدمر لخطر محتمل” وحسب. (والتر Walter، ٢٠٠٨م، ص ١٣). هذه هي الطريقة التي يدفع بها مبدأ الاحتياط (الذي أعلن عنه في كل من إعلان ريو la Déclaration de Rio، أو في معاهدة ماستريخت le traité de Maastricht، أو في قانون بارنييه في فرنسا la loi Barnier) لفهم فكرة الكارثة: عبر إخضاعها لموضوع الخبرة “فكرة الخطر”. يدعو فيليب كوريلسكي Philippe Kourilsky إلى التمييز بين المخاطر المحتملة والمخاطر المثبتة (كوريلسكي، ٢٠٠٢م، ص. ٤٢ وما يليها): إذ في حين أن الأخيرة مؤكدة، فإن الأولى ليست مستبعدة. يَفترض مبدأ الاحتياط؛ الذي يختلف عن الوقاية البسيطة، الأخذ بعين الاعتبار المخاطر المحتملة فقط، ليس لأنها تُعدُّ أقل خطورة، ولكن لأن التنبؤ بنتائجها ضعيف جدًّا، حيث إنها ليست محتملة وحسب، ولكن افتراضية أيضًا. من خلال هذا المنظور، الذي يفترض عقلنة التنبؤ بالمخاطر قدر الإمكان، لا تصبح الكارثة، في أحسن الأحوال، سوى إقرار بالعجز، من حيث الفشل في اتخاذ التدابير، والفشل في تقييم ضعيف للإمكانات بكل تأكيد. لذا؛ يمكن التنبؤ بالمخاطر وقياسها وفقًا لمقياس الدرجات.
إن قدرتنا على تصور ماهية ما يهددنا، هو ما يميز مشروع الحداثة بدقة شديدة. يؤكد هابرماس أن مفهوم الحداثة يشمل على الأقل اقتراحين لا يمكن الفصل بينهما. أولًا، يفترض المفهوم وعيًا تاريخيًّا يحدد الأزمنة القديمة والجديدة، ومن ثم يحدد الزمن الذي نعيش فيه، بصفته زمنًا يُنظر إليه على أنه مختلف جذريًّا (هابرماس، ١٩٨٨م، ص ٤٠٧). كما يفترض أن الأزمنة الجديدة لا يمكن لها إلا أن تستند إلى ماضٍ تختلف عنه، حيث تجد في ذاتها ما يدعمها. بعبارة أخرى، فإن الحداثة -بحكم تعريفها- لا يمكن أن ترتبط إلا بنفسها: أي لا يمكن لها إلا أن تُؤسس بوسائلها الخاصة؛ حيث ترفض أي شرعية عبر التقاليد، ولا ترغب في الاعتماد فقط على التبرير العقلاني (هابرماس، ١٩٨٨م، ص ٤٠٧).
وفقًا لهذا التصور، تُجسِّد فكرة المخاطر اكتمال مشروع الحداثة؛ إذ تعبّر عن وعيٍ ذاتيٍّ لمجتمع لم يعد يعتمد إلا على نفسه ولا ينشغل إلا بذاته. وقد صاغ أولريش بيك مفهوم «مجتمع المخاطر» لوصف التحولات الناجمة عن المراحل الأخيرة من مسار التحديث في أواخر القرن العشرين. فالمجتمع الصناعي الحديث، الذي تشكّل في القرن التاسع عشر، كان موجّهًا أساسًا نحو إنتاج الثروة، فيما انصرفت الحداثة الكلاسيكية إلى إشكاليات توزيعها وما يترتب عليها من مشكلات، كالعوز والفقر والصراعات الطبقية.
أما الحداثة المتقدمة، فلا تتمحور حول توزيع الموارد بقدر ما تركز على توزيع المخاطر. ويُفضي هذا التحول إلى انقلاب عميق في المنظور: «استعادة طريقة تاريخية في التفكير والتصرف عبر أسلوب آخر» (بيك، 2008، ص 36). فتصاعد القوى المنتِجة يفرض، في المقابل، ضرورة إدارة المخاطر التي تولّدها، وهي مخاطر غير مسبوقة في حجمها، كما يتجلى في تضاعف الكوارث خلال القرن العشرين. وهكذا تغدو الحداثة انعكاسية؛ إذ لم تعد تقتصر، كما في السابق، على السيطرة التقنية على قوى الطبيعة أو على تقويض السلطات التقليدية، بل باتت معنية أيضًا بما قد يهددها ويعرضها للخطر. وتستند هذه الانعكاسية إلى ثلاث وجهات نظر رئيسة.
أولًا، وقبل كل شيء، يصبح المجتمع ذا ردة فعل في تحمّله المخاطر الناتجة عن الحداثة؛ إذ يتصل فقط بذاته لأنه يعد أن ما قد يجلب له الخطر، لم يَعُدْ موجودًا خارج إطاره. نشهد في الحداثة المتقدمة، وفقًا لِيو بيك، نهاية التعارض بين الطبيعة والمجتمع الذي استندت إليه النظريات الاجتماعية في القرن التاسع عشر. يعتمد التصنيع على فكرة إخضاع المعطى الطبيعي لضرورات الإنتاج. لذلك؛ فإن الطبيعة هي ما يواجه المجتمع، وذلك الآخر الذي يجب أن يخضع (بيك، ٢٠٠٨م، ص ١٤٦). لم تعد الطبيعة في الحداثة المتقدمة سوى اللا-مجتمع. إن المخاطر اجتماعية حصرًا، والمشاكل البيئية مشاكل تقنية، والطبيعة عبارة عن قطعة أثرية… لم يعد للمجتمع مظهر خارجي.
في المقام الثاني، يعد الفرد في خضم هذه الحداثة المتقدمة انفعاليًّا. إن الاندفاع نحو التفردية لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية (بيك، ٢٠٠٨م، ص ١٥٨). لقد تحرر الفرد من الروابط الاجتماعية والأسرية التقليدية، وقد أصبحت الفئات التي سمحت بالتفكير في الحداثة الأولى قديمة، مثل تلك الخاصة بالطبقات الاجتماعية أو العائلات النووية. ومن ثم، فإن الحداثة المتقدمة هي عصر الاختيار الفردي وتقرير المصير، فلم يعد الفرد يسعى إلى الامتثال للنماذج، ولكن لمواصلة السعي لبناء هويته.
أخيرًا، تفضي الحداثة المتقدمة إلى شكل ثالث من الانعكاسية. فالمعرفة العلمية تتصدر مشهد «مجتمع المخاطر»، غير أنها، وإن غدت مهيمنة، لا تتخذ طابعًا دوغمائيًا. على العكس، فهي معرفة معرّضة للنقد الدائم، ولا تكف عن مساءلة ذاتها. في مجتمع المخاطر، لا يُناقَش الخطاب العلمي إلا من داخل العلم نفسه، إذ يستند النقد إلى معرفة الخبراء ذاتها؛ إنها، بتعبير بيك، «مواجهة العلم لنفسه بكل أسلحته» (ص 352). ويتجلى ذلك بوضوح في الخطاب البيئي المعاصر، الذي يرتكز أساسًا على البحث العلمي، ولا سيما علوم الأحياء.
ومن خلال هذه الانعكاسية الثلاثية، يكتمل لدى أولريش بيك مشروع حداثة لا تطمح إلا إلى الارتكاز على ذاتها. وهذا، في جوهره، ما يعنيه مفهوم «الخطر» واستخدامه في الخطابين العلمي والعام معًا: أن يقيس المجتمع ما يهدده من داخله، وأن ينظر، بطريقة عقلانية ومتدرجة، مستندة إلى الخبرة، في المخاطر التي تولّدها عملية الحداثة نفسها.
نموذج “الكارثة”
في مثل هذا السياق، فإن مفهوم الكارثة له معنى واحد، يُستمدّ في الأساس من فشل في الوقاية ناتج عن حساب المخاطر. إن إعطاءه مركزية جديدة، يعني التفكير بشكل مختلف حول ما يهددنا، كما يعني التشكيك في ادعاءات المجتمع الحديث. تميل دراسة الكوارث اليوم إلى أن تكون موضوعًا للدراسة، تعكس قراراتها فكرة الخطر ذاتها، مكوّنة بذلك نموذجًا متماسكًا.
بدايةً، لا يمكن عَدُّ الكارثة سوى خطر عظيم (ورمس Worms , ٢٠٠٨م، ص٢٠)، لا بل يجب عدّها حدثًا مطلقًا، دون مقارنة ممكنة بأي أحداث أخرى. يعني هذا أن فهم الكوارث ليس استثنائيًّا؛ فالكوارث لا تقاس بعضها ببعض، ودلالتها قوية، ولا تنبع من ارتباطها بعضها ببعض. لذا؛ وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لا توجد كارثة صغيرة أو كبيرة؛ لأنه إذا كان هناك نطاق خطر، فلن يكون هناك نطاق للكوارث.
تفرض الكارثة أيضًا علاقة محددة بالوقت، وهي ليست تلك العلاقة التي تميز الخطر. يستند مبدأ الاحتياط على فكرة أن الوقت خطيّ ومستمر، وأن التقدم في المعرفة يقلل من نسبة غير المتوقع. ترى الكارثة الوقت بوصفه انقطاعًا: إذ تنشأ في نوع من الاختراق، ولا يمكن توقعها بالكامل. تفوق الكارثة التقدير، وحتى عندما يُتنبأ بها، فإنها تظل غامضة للغاية؛ إذ لا يمكننا التنبؤ بكامل تأثيراتها، ولا بفهم هذه التأثيرات مسبقًا.
إن الكارثة حدث مطلق وغير متوقع جزئيًّا؛ لذا تُعدُّ بحد ذاتها حدثًا يُرى ويُعاش كونه حدثًا عالميًّا. فمن ناحية، يمكن أن تتجاوز تأثيراتها الحدود (كما في حالة تشيرنوبيل أو أيلول/سبتمبر ١١). ومن ناحية أخرى، وقبل كل شيء، فإن لها صدى عالميًّا؛ فالكارثة ليست محلية أبدًا. إن التعاطف الذي يثيره الضحايا يحيلنا إلى وضعنا الخاص، ويتوقف كل هذا بالطبع على مدى القرب الذي يشعر به المرء تجاه جزء معين من السكان (كما يتضح من اللامبالاة النسبية للرأي العالمي إزاء الزلزال الذي وقع في كشمير Cachemire عام ٢٠٠٥م)، ومدى التغطية الإعلامية، ولا يمنع مدى القرب، وهذا ما يميزه، في تسبب الكارثة في مدى عواطف يتجاوز نطاقها الحدث وحده.
لهذا السبب، تفرض الكارثة الانتباه إلى تعدّد السرديات التي تُصاغ حولها –الدينية والعلمية والفلسفية– بقدر ما تفرض الالتفات إلى الوقائع نفسها؛ إذ لا يمكن فصل الكارثة عن الخطابات التي تُروى عنها وتمنحها معنى، بل إن هذه الخطابات تشارك، بدورها، في تشكيلها وبنائها (ريفيه Revet، 2010م). وترتبط هذه السرديات ارتباطًا وثيقًا بتجربة الصدمة والمأساة، وتتكوّن انطلاقًا من الانفعالات التي تصاحب، على نحو حتمي، كل تمزّق كارثي في الزمن، من خوف وقلق ويأس وغضب وشعور بالظلم، وغيرها.
إن الابتعاد عن منطق المخاطر وعن مبدأ الاحتياط، على هذا النحو، يفتح أفقًا تحليليًا جديدًا؛ غير أن الكارثة تظل قادرة على إعادة طرح أسئلتنا حول الأخلاق والسياسة، بل وحول الوجود نفسه على نحو أعمق. فهي تشكّل، بهذا المعنى، نموذجًا حقيقيًا يتجاوز مجرد الاهتمام بنمط معيّن من الأحداث. ومن ثم، تتيح لنا التفكير فيما يظل عصيًّا على الفهم داخل مجتمع حديث يتطلع، من حيث المبدأ، إلى استيعاب المخاطر والتحكّم فيها. وعلى هذا الأساس، فإن الكارثة هي التي تضع موضع تساؤل تلك الانعكاسية الثلاثية لمجتمع المخاطر كما وصفها أولريش بيك.
إن الكارثة، وكما سبق تأكيده، لا يمكن فصلها عن التفسيرات التي تنجم عنها. كما يتطلب عدم القدرة على التنبؤ بها وحجمها تفسيرًا. تُلقى الخطب من أجل تقديم سبب للأحداث وتحديد أسبابها المحتملة، وتبرز أنثروبولوجيا الكوارث تعدد الخطابات التي تفسر المأساة (ريفيت، ٢٠٠٧م، ص. ٢٨٧ sq.). في هذا الصدد، إذا كان يمكن للجهات الفاعلة أن تأخذ في الاعتبار الخطاب العلمي الخبير، الذي يؤكد على وجه الخصوص المخاطر التي تولدها الأنشطة البشرية؛ فذلك لأنه يمكن أن يكون تفسيرًا، ولكن من بين أمور أخرى: قد تظهر الروايات، الأخروية أو الطبيعية، وتحدد أسباب أخرى (الله أو الطبيعة)، ويُنظر إلى هذه الأسباب على أنها خارجية عن المجتمع، معربًا عن مقاومة للتحليل العقلاني والمبدأ الاحتياطي، ولأنهم غالبًا ما يختلطون بخطابات الخبراء؛ لأنه، كما يظهر ريفيت، يمكن للممثلين الانتقال من تفسير إلى آخر، مستحضرين الحجج الدينية والعلمية، فإنهم يشككون في شرعية الخطاب العلمي، الذي يميل لأن يكون الراوي الوحيد الممكن للأحداث.
يُظهر زمن الكوارث حدود الفردية الخاصة بالحداثة المتقدمة التي لا يمكن أن تكون مفاجئة. تُعاش المآسي على شكل تجارب جماعية، مما يجعل فكرة الاختيار الفردي سخيفة في كثير من الأحيان. إن مواجهة الموت الجماعي، وغير المتوقع، وغير العقلاني، والعشوائي، يُفقد تقرير المصير معناه؛ فالوباء، والمأساة البيئية، والحادث التقني، يعيدون ضبط فكرة المصير المشترك، ويعتمد البقاء على قيد الحياة على المجتمع (ريفيت، ٢٠٠٧م، ص. ١٣٠)، كما يتشكل التضامن الوطني والعالمي، وتتشكل الضحايا بطريقة جماعية (كلافانديرا Clavandira، ٢٠٠٤م، ص. ١٠٢ وما يليها). عندما تحدث كارثة، تنهار العلاقات بسبب وجود العديد من الضحايا وانهيار الروابط الاجتماعية، ولكنهم يجتمعون معًا في التعاطف، والمساعدة، والتضامن. تسمح الكارثة لنا أن نجرب إلى أي درجة هم مهمون بالنسبة لنا (ورمس، ٢٠٠٨م).
يتطلب فهم الكوارث في خطاب العلوم الإنسانية والاجتماعية وضع مجتمع المخاطر على مسافة. يتمثل ما كشفه تحليل الكوارث عند التساؤل عن ماهيتها، في محدودية المجتمع الذي يدّعي أن لا قضية له إلا نفسه، كما لو لم يكن هناك شيء خارجه. يجب أن تؤدي هذه المسافة من الحداثة أيضًا إلى مراجعة المبادئ ذاتها، التي نشترك معها في عدم اليقين في المستقبل. هذا هو الاقتراح الذي قدمه ج-ب دوبوي: يجب أن يقودنا ذكاء الكوارث إلى «الكارثية». إنه موقف أخلاقي ثابت، والذي في نظر ج.ب دوبوي، يجب أن ينهي التناقضات التي نحبس فيها مجتمع المخاطر فيما يتعلق بالوقاية (دوبوي، ٢٠٠٢م). يعد المبدأ الاحتياطي أن المخاطر يتم التحكم فيها بشكل أفضل، وأنها مرتبطة بمسؤوليتنا. الجدير بالذكر أن مثل هذا الاقتراح غير فعال؛ فنحن لا نفعل شيئًا لتجنب الكوارث البيئية الكبرى التي نعلم يقينًا أنها ستحدث. أليس من الأفضل الاستناد إلى حتمية الكوارث، أي بالإشارة إلى ما يعطيها على وجه التحديد بعدها الكارثي؟ لكي ننجح في تجنبها، فإن الكارثية هي أفضل وقاية. إن مجتمع المخاطرة يقودنا إلى موقف سلوكي عقيم؛ لأننا لا نصدق إلا ما يظهره لنا العقل (دوبوي، ٢٠٠٥، ص. ١١). لا يمكن الاكتفاء بتمثيل المصيبة باحتمالية المخاطرة وحدها، وإلا فلن تحظى بتأييدنا أبدًا. يقول ب. دوبوي: يبقى الاحتمال احتمالًا، خطر محتمل ليس إلا “إمكانية خطر” (دوبوي، ٢٠٠٢م، ص. ١٠٦). من المفارقات أننا يجب أن نفكر في سوء الحظ على أنه كارثة، أي أنه شيء يجب أن يحدث حتمًا إذا أردنا تجنبه. إن الكارثة مؤكدة، وهائلة، وحتمية، لهذا السبب يجب أن نخاف منها، ويجب أن يساعدنا الخوف على سد الفجوة بين المعرفة والاعتقاد.
لكن، وفقًا لدوبوي، لا يمكننا أن نكون متيقظين للكارثة، إلا إذا تمكنا من التخلص من فكرة أن الشر هو عملنا، ولتحقيق هذه الغاية، يجب علينا أن نحارب ما يسميه “حرق” عقولنا. يقول فولتير Voltaire، معلقًا على زلزال Lisponne (١٧٥٥م)، وضع فرضية وجود عيب في الخلق، ضد نظام التفاؤل:
الفلاسفة المخادعون الذين يصرخون: “كل شيء على ما يرام”
تعالوا، فانظروا إلى هذا الدمار الرهيب
هذا الحطام، هذه الأشلاء، ذلك الرماد البائس،
هؤلاء النساء، هؤلاء الأطفال يتكدس كلٌ منهم على الآخر،
تحت هذا الرخام المكسور، هذه الأطراف المتناثرة (…)5
بينما يرد روسو Rousseau، على فولتير في رسالة (أغسطس ١٧٥٦م): “ليس الله أو الطبيعة هي التي يجب أن تتهم، بل الإنسان هو الذي يجب أن يُلام على الضرر”؛ فالمسألة ليست الزلزال في حد ذاته، بل تهاون الرجال الذين يبنون منازل ذات عدة أدوار في المدن التي يكون فيها حشد سكاني، حيث لا تتساوى فيها نسبة الأغنياء مع نسبة الفقراء.
إن حجة روسو، بالنسبة إلى دوبوي، هي تعبير عن العقل الحديث، الذي يميل إلى تصور أي تهديد محتمل على أنه خطر، والذي من ثم لا يتخذ مطلقًا وضعًا لتجنبه. لكي نتنبأ بما قد يحدث لنا، يجب أن نؤمن على نحو متناقض بحقيقة الكارثة، وألا نقول إننا سنجد دائما طريقة للهروب منها، على سبيل المثال، عن طريق استخدام أكثر معقولية للموارد الطبيعية. إن «الكارثية المستنيرة» تسعى إلى تجنيس الشر، من أجل فهم كل تجذّره وإخافتنا مما قد يحدث، مما يؤهلنا للتصرف وفقًا لذلك. عندما أزال مجتمع المخاطر جميع العوامل الخارجية؛ هدفت الكارثية إلى جعل ما يهددنا خارجيًّا جذريًّا بالنسبة لنا.
لا تؤدي أي دراسة للكوارث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالطبع إلى تبني موقف كارثي جذري، لكن ما تشترك فيه جميع الحجج التي ذكرناها، على الرغم من تنوعها، هو أن لها دورًا كبيرًا في نقد المشروع الحديث؛ لأنه اتضح أن هذا غير قابل للتطبيق، حيث تكشف كثيرًا عن الوهم العقلاني بدلًا عن الاهتمام الذي يولى للتاريخ، باختصار، إنه يتجاهل بعمق طبيعة العلاقات التي يقيمها البشر مع الطبيعة، والعلم، والعلاقات التي تربطهم معًا. وفي إطار ما يشكل نموذجًا، تستخدم الحجج نظامًا لعقد خطاب الحداثة (الذي يمكن عدّ المبدأ الاحتياطي الأكثر تعبيرية عنه) عبثًا؛ لأن ما تظهره الكوارث هو أن المجتمع لا يرتبط أبدًا بشكل حصري بنفسه، وأن إضفاء الطابع الفردي على السلوكيات يؤثر بالضرورة على ضعفنا، وأن معرفة الخبراء تفشل في قول ما نحن عليه أو حمايتنا مما قد يحصل، وأن خطبنا تشكل كل ما نعيشه بقدر ما تفسره.
نحو أنثروبولوجيا سلبية؟
لا يستند ظهور الكارثة كونها نموذجًا جديدًا إلى معايير معرفية، إنها تهتم بشكل أكثر جذرية بمفهوم الإنسان الذي يقوم عليه المشروع الحديث وأمثاله ما بعد الحداثة، أي الحداثة الانعكاسية. إن ما يشترك فيه أنصار الكارثة، غالبًا دون علمهم، هو الأنثروبولوجيا نفسها، ضمنية في نقد المخاطر، ولكنها مع ذلك ترسم الخطوط العريضة لرؤية جديدة للعالم.
تعد هذه الأنثروبولوجيا ذات طبيعة فلسفية: فهي تتساءل كيف تغير الكوارث فكرة الإنسانية، وتؤثر بعمق على علاقة الإنسان بنفسه، وبالمجتمع، وبالطبيعة. مع ذلك، فإن التشكيك في المشروع الحديث يأخذ مسارًا غير مسبوق، لم يتبع الانتقادات السابقة. في الواقع، لا يتعلق الأمر بنقد المفهوم الحديث للذاتية، وطابعها المجرد و”المنفصل” (كما هو الحال عند مفكري المجتمع، ساندل Sandel أو تايلور Taylor)، انطلاقًا من الحجج ذات النوع الأنثروبولوجي، أو التذكير بأهمية العرف (بورك Burke)، واللغة (هيردر Herder)، والتقاليد (ماكنتاير Macintyre)، لمعارضة في النهاية للتاريخ، وللثقافة، وللتظاهر بالانعكاس الذاتي للعقل (قادمير ضد هامبريس). إنها ليست مسألة إدانة الطابع القاتل للعقلية النفعية، من خلال إظهار كيف ينتهي بها الأمر إلى الانقلاب ضد نفسها (أدورنو Adorno وهوركهايمر Horkheimer)، أو ضد الطبيعة التي تهيمن عليها بالكامل (هايدغر Heidegger)، أو التحذير من التأثيرات غير المسيطر عليها للتقنية (جوناس Jonas).
إذا وجدنا أصداء هذه الانتقادات السابقة ضمن النموذج الجديد للكارثة، فإن ما يشكل التفردية لتشكيكه في المشروع الحديث يكشف عن شيء آخر، ومن المفارقات أنها لا تشكل هجومًا آخر ضد المشروع الحديث. إنها لا تسعى بشكل مباشر إلى انتقادها وترديد ما قاله غيرها أنه خاطئ وخطير بطبيعته. لم تعد تسعى إلى تجاوزه من خلال زيادة الانعكاسية (هامبرماس، وبيك، وجيدينس)، أو عقد جديد مع الطبيعة (لاتور، وسيري)، بل تشهد على تذبذب، أو على الأقل، على ضعف المشاريع الحديثة ورموزها. كل شيء يحدث كما لو أن أنصار الكارثة لم يعودوا يؤمنون بكل ما بنى المشروع الحديث، أو لم يعودوا يريدون الإيمان به، أو حتى اقتراح سيناريوهات الخروج.
كما أن الأنثروبولوجيا التي تظهر هنا ذات طبيعة مختلفة: إنها أنثروبولوجيا سلبية لسببين على الأقل.
أولًا، لا تهدف إلى إنتاج معارف مخصصة حول الثقافات البشرية المختلفة، كما يفعل علم الأعراق، ولا إلى تحديد طبيعة الإنسان فلسفيًّا. على العكس من ذلك، بنيت هذه الأنثروبولوجيا في فراغ، في خلفية الدراسات حول الكوارث، دون محاولة تحديد نفسها، ولا حصر مجال بحثي خاص بها.
ثانيًا، إذا كانت هذه الأنثروبولوجيا سلبية، فالسبب الرئيسي هو أنها تفكر في الإنسان بالطرح، ليس بقول ما هو ليس عليه، بل بإظهار ما لم يعد عليه، ومن ثم ما يجب عليه التخلي عنه.
تظهر هذه النقطة الأخيرة بوضوح عند فلاسفة الكوارث، مثل غونتر أندرس Günther Anders، ودبوي Jean-Pierre Dupuy، اللذين يحللان التحولات الإنسانية بسبب الكوارث من منظور ميتافيزيقي، وقبل كل شيء التحولات النووية. بالنسبة لهم، فإن اختراع القنبلة يمثل اللحظة التي يفلت فيها الإتقان التقني الذي كان يتمتع به البشر حتى الآن ويحرمهم من كامل قدرتهم، وفي المقام الأول القدرة على توقع المخاطر. فالقنبلة بالنسبة لهم ليست سلاحًا يمكن استخدامه للخير أو الشر فحسب، بل هي أيضًا سلاح مطلق يتجاوز منطق السبل والغايات. إنه ليس خطرًا مرجحًا بتقييم عواقبه، ولكنه كارثة نواجهها باستمرار، كارثة تدمير البشرية. هذا ما يجعل الكارثة الذرية تفترض أنثروبولوجيا جديدة. وكما يشير أندرس بوضوح شديد: “لم نعد نعرف ما إذا كان هذا العالم الذي نعيش فيه سيستمر في الوجود. في السابق، كانت كل وفاة تحدث في العالم، وفي كل حقبة في التاريخ يستمرذلك. هذا النوع من الموت قد انقضى الآن؛ لأنه من الآن فصاعدًا، يجب أن نأخذ في الاعتبار موت العالم أو التاريخ نفسه” (أندريس, ١٩٨٧م، p. ٦٧).
عند كلٍّ من أندرس ودوبوي، لا تُفهم الكارثة بوصفها حادثًا عارضًا، بل باعتبارها ما يحدّد الوضع الإنساني الجديد، بل وما يتيح للإنسان أن يضع وجوده نفسه موضع مساءلة. وذلك مشروط بالاعتراف بحتميّتها؛ فطالما نُظر إلى الكارثة على أنها مجرد خطر محتمل، يظل البشر أسرى تمثيلات وهمية، ويقيمون في إنكار محفوف بالمخاطر. هنا يتبدّى بوضوح أثر هايدغر: فكما أن الموت، لديه، هو ما يحكم وجودنا في العالم، فإننا نعيش في حالة من اللا–أصالة ما دمنا نتعامل مع الكارثة بوصفها أمرًا يمكن تفاديه، لا حدثًا من نظام القدر. فالإنسان، عند هايدغر، لم يبلغ بعد وحدة الوعي بحتمية موته (هايدغر، 1985م).
وعلى النحو نفسه، يرى أندرس ودوبوي أن الكارثة تحكم المصير البشري، وأنها الأفق الدائم الذي نتعرّض له. إن وعي اللامحدودية يولّد وعيًا بالكارثة، ويغدو هذا الوعي أساس الوجود الأصيل، المنفتح على العالم على نحو مغاير لكل وساطة أو إنكار. لم يعد الإنسان، والحال هذه، «مسؤولًا عن الموت»، بل أصبح «مسؤولًا عن الكوارث». وبذلك، تمثّل الكارثة ما يمكن اعتباره اختلافنا الأنطولوجي الجوهري، إذ لا تُدرَك الإنسانية إلا مقرونة بإمكان تدميرها الحتمي.
تتجلى الأنثروبولوجيا السلبية بشكلٍ أكثر ضمنيةَ في التأملات الفلسفية، ولكنها مع ذلك موجودة في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالكارثة، ومن ثم تستعرض كل ما يجب علينا التنازل عنه اليوم. هذه هي قبل كل شيء مميزات الإنسان الحديث: إيمانه بالتقدم العلمي والتقني، ورؤيته الغائية للتاريخ، وادّعاؤه السيطرة على الطبيعة. يجب علينا أيضًا التخلي عن انعدام الثقة فيما بعد الحداثة، والحذر من الحداثة العاكسة، التي مع إدراكها لعدم اليقين في أفعالنا، لا تزال تعتقد أنها يمكن أن تقيس تأثيراتها. سيكون من العبث الاعتقاد بأننا لا يكون علينا استخلاص الكوارث إلا من دروس تقنية، مثل بروميثيوس الذي كان سيجعل سقوطه أكثر تواضعًا وأكثر حكمة. الدرس الوحيد الذي يمكن استخلاصه من الكوارث، هو أننا غير معصومين من الخطأ؛ ضعفاء وعاجزين في مواجهة الأحداث التي لا نتحكم فيها حقًّا أبدًا. أشار بنيامين Benjamin بالفعل في أوائل ١٩٣٠م إلى هذا الضعف للرجل الحديث، الذي قدم نذر الفقر وطلب أن يعفى من مسؤولية الاضطرار إلى الرد باستمرار على العالم:
“تجربة الفقر: هذا لا يعني أن الرجال يتطلعون إلى تجربة جديدة. لا، إنهم يطمحون إلى التحرر من كل التجارب مهما كانت، ويطمحون إلى بيئة يمكنهم فيها أن يجعلوا فقرهم، خارجيًّا وأخيرًا داخليًّا أيضًا، ليؤكدوه بصراحة وبوضوح، بحيث ينتج عنه شيء جدير بالاهتمام”.
إنه «فقر» لدرجة أن نموذج الكارثة اليوم قد يميل إلى الاعتراف به، رافضًا في بادرة واحدة الحداثة، وما بعد الحداثة، والثقة، والانعكاسات. مثل هذه الإيماءة، ليست عشوائية وليست معزولة أيضًا، بل هي صدى مباشر لمختلف المؤسسات الفكرية، التي تحاول إعادة التفكير في الارتباط الاجتماعي، ليس من العقلانية المجردة، ولكن من حيث التعاطف والتضامن وقابلية التأثر.
***
لا بدّ من الحسم في حدود المشروع الحديث، من دون إنكار ما أنجزه. فأنموذج الكارثة، وما يستبطنه من أنثروبولوجيا سلبية ملتبسة إلى حدٍّ ما، ينهض بوظيفة نقدية أساسية، إذ يتيح مساءلة التفاؤل المفرط الذي يطبع خطاب الخبراء داخل مجتمع المخاطر. غير أن هذا النموذج نفسه يظل مشوبًا بتناقضات تحدّ من قدرته النقدية.
ذلك أن دراسات الكوارث تناهض النزعة التجريدية والتوحيدية لمفهوم الخطر، وتسعى إلى استعادة تعددية التجارب المرتبطة بالحدث الواحد -من آثار وسرديات وتمثلات وذاكرات-. لكنها، على نحو مفارق، تجمع تحت تسمية واحدة أحداثًا شديدة التباين. فالمحرقة، أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أو إعصار كاترينا، أو كارثة فوكوشيما، وإن كانت جميعها كوارث، فإنها ليست من الطبيعة نفسها ولا من الدرجة ذاتها. ولعل نموذج الكارثة، مهما بدا تجريبيًا، يغفل النقطة الأهم: أننا نطلق وصف «كارثة» تحديدًا على الأحداث التي نرغب في الإشارة إلى تفردها غير القابل للاختزال.
من الجدير أيضًا النظر في المكان المُعطي أنواعًا مختلفة من التفسير في تحليل الكوارث. إذا كان خطاب الخبراء الذي يدعي التفسير العلمي لأسباب الكوارث لا يحتكر فهمهم، والقراءات الأخرى هي التي يجب أخذها في الاعتبار، فهل يمكننا القول: إن الخطر هو مجرد خطاب واحد من بين أمور أخرى، شأنها في ذلك شأن الغضب الإلهي أو تقلبات الطبيعة؟ (ديفيت، ٢٠١٠م، كالفاندير، ٢٠١١م). إن القول بأن العلم هو بناء اجتماعي، لا يعني أن جميع الخطابات متساوية، ولا يمكن تجاهل كفاءتها التاريخية أو الثقافية، ومن المهم الانتباه إلى التداخل بين العلم وغيره، وإلى عمليات الترجمة بين هذين المجالين، مما يسمح بدمج التفسير العلمي في رؤية أشمل للكوارث.
وأخيرًا، هل يمكننا أن نفكر حقًّا كما يفعل بعض أنصار الكارثة، بأننا سنكون أفضل حالًا لتجنب الكوارث من اللحظة التي نعدها حتمية، وأنها ستخيفنا بما فيه الكفاية؟ أو أن مستقبل البشرية يكمن في إدراك أننا “مسؤولون عن الكارثة”؟ قد يعترض المرء على أن الخوف ليس أبدًا مرشدًا جيدًا، وأنه لم يثبت أنه يثير العقل، وربما يكون وضع حدٍّ للتفاؤل المحيط بالعلم والتكنولوجيا، أقل أهمية من ضمان استخدامهما، خاصة من خلال آليات المراقبة والمناقشة الديمقراطية.
المراجع
– أندريس. ج. Anders, G، غونتر أندرس أنتورت Günther Anders antwortet، المقابلات والتوضحيات Interviews und Erklärungen، إلك شوبرت Elke Schubert(محرر)، دار النشر تيمات Tiamat، ١٩٨٧م، ص. ٦٧.
– بيك.يو Beck.U، مجتمع المخاطر. في الطريق إلى حداثة أخرى La société du risque Sur la voie d’une autre modernité، ترجمة: ل.بيرناردي L. Bernardi، الطبعة الجديدة، باريس، دار نشر شومب فلاماغسون Champs-Flammarion،٢٠٠٨م.
– كالفندير.ج Clavandier G، الموت الجماعي. من أجل علم اجتماع الكوارث La mort collective. Pour une sociologie des catastrophes، باريس، إصدارات المركز الوطني للبحث العلمي CNRS، ٢٠٠٤م.
– كالفندير.ج، “مواجهة الكارثة Faire face à la catastrophe”، لافي ديزايدي La Vie des Idées، أبريل ٢٠١١م.
– دبيوي.ج-ب Dupuy, J-P، لكارثة مستنيرة. عندما يكون المستحيل مؤكدًا Pour un catastrophisme éclairé. Quand l’impossible est certain، باريس، دار نشر سوي Seuil، ٢٠٠٢م
– دبيوي.ج-ب، ميتافيزيقيا صغيرة لأمواج تسونامي Petite métaphysique des tsunamis، باريس، دار نشر سوي Seui، ٢٠٠٥م.
– قودن سي Godin C،الانفتاح على مفهوم: الكارثة Ouverture à un concept : la catastrophe، دار نشر لو بورتيك Le Portique، العدد٢٢، ٢٠٠٨م، ص.١١-٢٥.
– هابرماس.ج Habermas, J، الخطاب الفلسفي للحداثة Le discours philosophique de la modernité، ترجمة كريستيان. بوشندوم Ch. Bouchindhomme و راينير Rainer، باريس، دار نشر غالميار Gallimard، ١٩٩٨م. “التعلم من الكوارث؟ بأثر رجعي وتقييم قرن قصيرTirer la leçon des catastrophes ? Rétrospective et diagnostic d’un siècle écourté “، ١٩٩٨م، ما بعد الدولة القومية dans Après l’Etat-nation، ترجمة: ر.روشتليز R. Rochlitz، باريس دار نشر فايار Fayard، ٢٠٠٣م.
– هايدغر.م Heidegger, M، الوجود والوقت Etre et temps، ترجمة: إي.مارتينو E. Martineau، باريس، إصدارات دار نشر أوتنتيكا Authentica، ١٩٨٥م.
– كيك.ف Keck F، عالم يسيطر Un monde grippé، باريس، دار نشر فلاماريسون Flammarion، ٢٠١٠م.
– كوريلكسي.ف Kourilsky, Ph، الاستخدام السليم للمبدأ التحوطي. الأفكار وأساليب العمل Du bon usage du principe de précaution. Réflexions et modes d’action، باريس، دار نشر اوديل جاكوب O. Jacob، ٢٠٠٢م.
– كوينيت، جي Quenet, G، الزلازل في القرنين السابع عشر والثامن عشر ولادة الخطر Les tremblements de terre aux XVIIe et XVIIIe siècles. La naissance d’un risque، قرية سيسل Seyssel، دار نشر شومب فالون Champ Vallon، ٢٠٠٥م.
– ريفيت،إس Revet,S، أنثروبولوجيا الكارثة. الانهيارات الطينية فنزويلا وباريس عام ١٩٩٩م، مجلة السوربون Presses Sorbonne nouvelle، ٢٠٠٧م.
– ريفيت، إس Revet ,S، “معنى المأساة. تعدد التفسيرات للكارثة الطبيعية في فنزويلا”، مجلة تيران Terrain، عدد٥٤، مارس ٢٠١٠م، ص: ٤٣-٥٥.
– فولتير،إف,F، الكارثة، قصة ثقافية ما بين القرن السادس عشر والعشرين، Paris، مجلة سويل Seuil، ٢٠١٠م.
– ورمس إف، Warms,F، إنفلونزا الطيور بين الرعاية والسياسية، كارثة معلنة؟، مجلة إسبخيت Esprit مارس ٢٠٠٨م.
– قصيدة على كارثة ليشبونة، في المختارات من أعمال فولتير Mélange، باريس، مكتبة لا بلياد Bibliothèque de la Pléiade، ١٩٦١م، ص. ٣٠٤.
– والتر بانجيمان Walter Benjamin، التجربة والفقر Expérience et pauvreté، في الأعمال الجزء الثاني، دار نشر فوليو أيسيه Folio Essais، ٢٠٠٠م، ص. ٣٧١.
الملفات
– زمن الكوارث، مجلة إسبخيت Esprit، مارس-أبريل٢٠٠٨م.
– الكوارث، مجلة تيران Terrin، عدد54، مارس٢٠١٠م.
– الكوارث، مجلة بوتريك Potrique، العدد ٢٢، الفصل الثاني٢٠٠٨م
– مقالة منشورة على موقع laviedesidees.fr،٢٣-٥-٢٠١١م.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




