هناك شيء تغيّر في علاقتنا بالأسئلة الكبرى. لم يختف السؤال، ولم نفقد القدرة على طرحه، لكنه تراجع إلى الخلفية. صار يعيش فينا بشكل خافت وفي خلفية تفكيرنا أكثر منه قضية ملحّة. نعرف أنه موجود، ونعرف أنه قادر على ابتلاع عدة أيام من التفكير، أو حتى شهور، لو فتحنا له الباب وتركنا أفكارنا تسبح معه، ومع ذلك نمرّ بقُربه.. نغلق الباب بلطف، ونعود إلى ما هو أقرب وأسرع زوالًا.
وبالمثل، لم نعد نحتاج إلى إجابات كبرى أيضًا على أسئلتنا، لأن الحاجة نفسها تغيّرت. كانت الأسئلة الكبرى مناسبة أكثر لزمن انقضى عهده. كانت تمنحنا شعورًا بالتماسك؛ أشبه بسقف يظلّل الحياة، حتى لو لم يكن سقفًا متينًا. وكانت تمنح الإنسان سردية يعيد عبرها ترتيب الألم، ويحوّل الفوضى إلى معنى، ويضع نفسه في سياق أوسع من تفاصيله اليومية. أما اليوم، فقد أصبحت السرديات أضعف من أن تحمل ثقل الواقع، وأصبح الواقع أثقل من أن يُحمل في سردية واحدة. لا وقت كافٍ لنصدّقها، ولا مساحة داخلية تسمح لها بأن تنمو بهدوء.
ثم إن السؤال الكبير نفسه لم يعد نقيًا كما كان. صار محاطًا بضجيج كبير من النسخ الرخيصة: إجابات جاهزة يسوق لها كما لو كانت منتجات استهلاكية، وعبارات ملهمة تلمع على الشاشات ثم تختفي، وحكم مختصرة تُختزل إلى سطرين، على منصات التواصل، وتُعامل بوصفها خلاصًا وجوديًا. هذا الابتذال لا يقتل السؤال، لكنه بالأحرى يلوّثه. ويجعل الاقتراب منه محاطًا بالحرج، كأن التفكير العميق صار ترفًا، أو ادعاء، أو محاولة لتجميل شيء لا يتجمّل.
في هذا المناخ، يبدو الاكتفاء باليومي، والمؤقت والعابر، خيارًا عقلانيًا، لأنه قابل للإدارة السلسة. اليومي لا يطلب منا أن نحلّ لغز الوجود، لكنه يطلب شيئًا أبسط: أن يمر يومنا بقدر أقل من الخسائر، وأن نعيد ترتيب الفوضى ضمن حدود ضيقة، وأن نخفف الاحتكاك مع العالم بالقدر الذي يسمح لنا بالاستمرار. لهذا تنشأ علاقة جديدة مع المعنى والغاية: معنى خفيف، لا يدّعي العمق، ولا يَعِد بالخلاص، لكنه يمنح الحد الأدنى من التماسك.
في الواقع ثمة سبب أول يفرض نفسه حين نتأمل المشهد: التضخم. غير أن تضخم الأسعار ليس هو الوحيد المقلق، بل تضخم الخطابات أيضًا. كل جهة لديها تفسير للعالم، وكل تفسير يزاحم الآخر، وكل واحد منها يقدم نفسه بوصفه المفتاح النهائي، ثم يطلب منك الولاء، والانحياز، والوقت، والطاقة!!
ثم هناك سبب آخر: تآكل الثقة. فالإجابات الكبرى تحتاج إلى أرضية من الثقة كي تستقر. تحتاج إلى إيمان بأن المعرفة ممكنة، وبأن المؤسسات قادرة على قول شيء يتجاوز مصالحها، وبأن الكلمات تلتزم بشيء من الصدق. وحين تتصدع تلك الأرضية، يصبح الخطاب الكبير هشًا حتى لو كان منظمًا وجميلًا وبليغًا.
والسبب الثالث يتعلق بزمن السرعة الذي نعيشه. فالإجابة الكبرى تحتاج إلى بطء، لأن العمق لا يعيش في الاستعجال. اليوم نفسه لم يعد يحمل فراغًا كافيًا لتتكون فيه سردية. اليوم عبارة عن قطع زمنية قصيرة، متجاورة، ومتداخلة، وتتكرر دون توقف: رسالة، ومكالمة، ومهمة، وإشعار. ومع كثرة الانتقالات، تتفتت التجربة. والتجربة المفتتة لا تنتج سؤالًا كبيرًا، بل يصبح التفكير معها مثل محاولة الإمساك بالماء بقبضة اليد. وكلما ضاق الوقت، ضاقت الأسئلة. وكلما ضاقت الأسئلة، صارت الإجابة الكبرى ضربًا من الترف.
السبب الرابع يتصل بفكرة ربما تكون قاسية: الإجابات الكبرى مُكلِّفة؛ تكلّفك أن تغيّر، وأن تراجع، وأن تعيد ترتيب حياتك. تكلّفك أن تدفع ثمنًا، حتى لو كان الثمن قلقًا وجوديًا. بينما اليومي يقدم معنى خفيفًا لا يطالبك بكثير. معنى يمكن أن تعيشه دون صدام، ودون إحداث انقلاب في حياتنا لا نضمن عواقبه. معنى صغير، قابل للحمل، لا يطلب منك أن تعيد بناء ذاتك من الصفر. كثيرون لا يهربون من الحقيقة، وإنما يهربون من تكاليفها.
المعنى الخفيف يعمل بطريقة مختلفة. لا ينطلق من فكرة كبرى ثم يفرضها على الحياة. ينطلق من الحياة نفسها، ومن اليومي. لا يقول لك: هذا هو طريقك عليك أن تتمسك به. يقول: هذه خطوة ممكنة الآن. لا يقول: هذه غاية الوجود. يقول: هذه لحظة تستحق أن تُعاش.
وربما هنا يكمن التحوّل الحقيقي، حيث لم نعد نطلب من الفكرة أن تفسّر كل شيء، ولا من الإجابة أن تغلق باب القلق. صار القلق جزءًا من المعمار الداخلي للذات. نتحرك حوله كما نتحرك حول طاولة في غرفة بالكاد تسعنا. نعرف أنه هناك، ونعرف أنه قد يصطدم بنا حين نكون متعبين، لكننا نواصل الحركة. كأن الحياة نفسها صارت أقل اهتمامًا بأن تكون مفهومة، وأكثر اهتمامًا بأن تكون محتملة.
والمفارقة أن هذه المرحلة، بكل ما فيها من انكسار للوعد الكبير، قد تفتح بابًا مختلفًا للتأمل. تأمل لا يأتي من اليقين، وإنما من الصدق، ولا يحتاج أن يرفع صوته كي يُسمع. يكفيه أن يغيّر طريقة العيش قليلًا، وأن يترك في الروح أثرًا لا يزول مع أول إشعار جديد يأتينا عبر الجوال.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




