ترجمة: أبرار اللهيبي
لتحقيق أقصى استفادة من العمل الهجين، يجب على القادة الاستعداد لتقديم التنازلات، وتوضيح التوقعات، والتفكير بجد في كيفية قياس الإنتاجية.
ليندا غراتون
تمكنّا من القيام بعدد لا يحصى من التجارب، وذلك بسبب الجائحة التي مر بها العالم. كانت التجارب الأولى تتعلق بمكان العمل (كانت المنازل خيارًا قابلًا للتطبيق)، وما لبثت التجارب إلا أن أصبحت تدور حول وقت هذا العمل (تحول نظام العمل الصارم من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً إلى ترتيبات أكثر مرونة). ما زال القادة إلى الآن يراقبون بمزيج من مشاعر القلق والأمل والفضول، لمعرفة ما الأثر الذي تركته هذه التجارب في المؤسسة وفي ما يخص إنتاجية الموظفين تحديدًا.
أجرينا أنا وفريق عمل البحث في إتش إس إم، ندوة بحثية تتعلق بالإنتاجية في منتصف شهر يوليو، وذلك للاستقصاء حول كيفية تحول مفهوم الإنتاجية وقياسها، وماذا تعني تلك التغيرات للأفراد والمديرين وفرق العمل ونظام المؤسسة. شارك في الندوة ما يفوق 200 مشارك، معظمهم من قسم الموارد البشرية وفي المستوى الإداري، وكانت مجموعة العينة متنوعة على الرغم من حجمها، مثلت 79 مؤسسة و28 دولة. بحثنا في الوضع الحالي بعمق، وذلك باستخدام استطلاع الرأي الكمي.
أظهرت مجموعة بارزة من البيانات أن 61% من المشاركين في استطلاع الرأي خلال الندوة الافتراضية، أجابوا أن نظام العمل الهجين أثّر بصورة إيجابية في الإنتاجية (16% قالوا إيجابي جدًّا، و45% قالوا إيجابي). وفي المقابل، أفاد 15% فقط بأن تأثير العمل الهجين سلبي. وبلا شك، فإن الإجابة عن سؤال ما إذا كان نظام العمل الهجين هو الخيار الأفضل، دائمًا أكثر تعقيدًا من مجرد طرح أسئلة إجابتها نعم أو لا.
ما الذي تعلمناه من تجارب العمل الهجين حول العالم؟
أكدت الندوة البحثية ما ظهر في بحثي عن طرائق العمل الحديثة والعوامل المؤثرة في الأداء العالي المستدام خلال السنوات الثلاث الماضية. رغم أن الاستنتاجات الكبرى لا تزال قيد التطوير، فقد تبلورت سبع حقائق حول العمل الهجين والإنتاجية.
1. العمل الهجين متنوع الخيارات: تشير أبحاثنا إلى اتخاذ ممارسات العمل الهجين شكلًا أكثر استقرارًا بعد انتهاء الجائحة. تُلزم بعض الشركات موظفيها بالعودة إلى مكاتب العمل؛ مثل شركة جي بي مورغان وتسلا، وتتبنى شركات أخرى مثل شركة إير بي إن بي سياسة “العمل من أي مكان”، أما غالبية الشركات فتتبع سياسة وسطية: تتضمن عبارات مثل “قضاء معظم الوقت في المكتب”، كما في شركة غولدمان ساكس، أو “أيام مكتبية بقيادة فريق العمل” مثل شركة أبل وسيلز فورس، و”ترتيبات مرنة” مثل شركتي إتش إس بي سي وسي سي إل إندستريز. جميع هذه النماذج تدور حول مبدأ أساسي: قضاء بعض الوقت في المكتب وبعضه في المنزل. بعبارة أخرى، العمل الهجين هو نطاق متعدد من الخيارات المرنة والمتنوعة.
2. من المهم مناقشة السياسات بصراحة: نصيحتي للفرق العليا فيما يخص العمل الهجين هي: اجعل “الاتفاق” واضحًا. على سبيل المثال، لا تتظاهر بالمرونة في الحضور للعمل، في حين تنص سياسة الشركة على ضرورة الحضور وأي إهمال يعد خطأ يُعاقب عليه. البشر قادرون تمامًا على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة الكافية بشأن المؤسسات التي يرغبون في العمل فيها، إلا أن المعرفة الكافية لا تتحقق إلا بتقديم هذه المؤسسات معلومات واضحة وجلية عن ماهية شروط الاتفاق.
3. تجب تهيئة القادة على تقديم التنازلات: نصيحة أخرى أقدمها لكبار القادة؛ وهي حقيقة أن كل اتفاق لا بد أن يصاحبه بعض التنازلات. الآن، وبعد ثلاث سنوات من التجارب حول العمل الهجين، أصبحت ماهية تلك التنازلات واضحة. خذ مثلًا اتفاق “العمل يوميًّا من مكتب العمل”؛ تتمثل السلبيات المترتبة على فرض سياسة العودة لمكاتب العمل، في احتمالية خسارة المؤسسة لأشخاص موهوبين يولون المرونة في العمل أهمية قصوى، واحتمالية انخفاض طاقة أولئك الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى العمل، أم اتفاق تنص سياسته على “العمل معظم الوقت من المنزل”، حيث إن التنازل المحتمل هنا هو تراجع العلاقات الاجتماعية.
يستطيع المدير ذو الخبرة، الإرشاد والإدارة عن بعد بلا شك، لكن يواجه آخرون صعوبة في ذلك، ما قد يؤدي إلى فشل الموظفين مبتدئي الخبرة في تلقي التوجيه المباشر الذي يعد بالغ الأهمية لمرحلتهم. على القادة مواجهة السلبيات المحتملة لأي سياسة اتفاق يتبعونها، وأن يعملوا على تقليل آثارها السلبية.
4. الاعتراف باختلاف الآراء حول تأثير العمل الهجين في الإنتاجية: شهدت مؤخرًا تنوع الآراء عندما حضرت اجتماع فريق قيادي. وفي الندوة العالمية التي أجراها فريقي البحثي افتراضيًّا عبر الإنترنت، كنت المتحدثة في اجتماع القيادة لمؤتمر التكنولوجيا المالية العالمي، وحضّرت خمس أفكار لمناقشتها (بما في ذلك موضوع الذكاء الاصطناعي التوليدي المثير للاهتمام). سرعان ما أدركت، وبشكل مفاجئ، أن العمل الهجين كان جوهر الحديث في تلك اللحظة. بينما كنت أنصت للمناقشة، كانت كلمة الإنتاجية هي أكثر ما تكرر على سامعي، أو بالأحرى، القلق من انخفاض الإنتاجية على المدى البعيد في مواطن العمل الهجين.
كما أشرت سابقًا، قال 61% من حضور ندوتي البحثية ممن خضعوا للاستطلاع، إن العمل الهجين أثر بصورة إيجابية في الإنتاجية، في حين أجاب 15% بسلبية الأثر. قد تعد نسبة 15% بسيطة؛ لكنها ليست قليلة.
يبدو تنوع الآراء حول العمل الهجين جليًّا؛ فقد قلق عدد من القادة (مثل قادة مؤتمر التكنولوجيا المالية) بشأن تأثير العمل الهجين على الإنتاجية، في حين كان تصور فريق الندوة الافتراضية (تمثل وظائف التطوير والموارد البشرية)، أكثر تفاؤلًا بأن للعمل الهجين تأثيرًا إيجابيًّا في الإنتاجية.
5. عادةً ما تشكّل الإنتاجية تحديًا، كما أن عملية قياسها معقدة: مخاوف الإنتاجية هي محور تنوع هذه الآراء، لذلك دعونا نناقش مسألة العمل الهجين والإنتاجية. طرحنا في الندوة الافتراضية السؤال التالي: “هل تشكل زيادة مكاسب الإنتاجية تحديًا لك؟”. أجاب 13% فقط بأن زيادة الإنتاجية لا تشكل تحديًا لهم، أما الغالبية فقد أكدوا أن تحقيق مكاسب إنتاجية متزايدة يُعد تحديًا مستمرًّا. وعند سؤالهم عن الأسباب، كانت الإجابة أن مفهوم الإنتاجية معقد، وغير مفهوم فهمًا كافيًا، ومن الصعب قياسه والتحقق من نتائجه بدقة.
بعبارة أخرى، الإنتاجية ليست مجرد قضية مرتبطة بالعمل الهجين؛ بل هي تحدٍّ أعمق من ذلك.
إلا أن هناك جانبًا من جوانب فهم عملية الإنتاجية، مرتبطًا بفهم تأثير العمل الهجين فيها، وقد رصدت ذلك من خلال إجابات المشاركين عند طرحي السؤالين التاليين:
كان السؤال الأول نوعيًّا: “صف موقفًا شعرت فيه بالإنتاجية”. أجاب المشاركون في الندوة عبر الجزء المخصص للدردشة، كما استخدموا رابطًا إلكترونيًّا خارجيًّا لكتابة إجابات أطول. تضمنت التعليقات عبارات مثل: “حالة من الاسترسال”، و”ممتلئ بالطاقة والتركيز”، و”متحكم في الأمور”، و”فخور بإنجازاتي”، و”العمل بانسجام مع الآخرين”، و”الشعور بالاستقلالية”. من الواضح أننا كبشر نميز لحظات شعورنا بالإنتاجية، كما أننا قادرون على التعبير عن هذا الشعور بسهولة.
السؤال التالي كان نوعيًّا أيضًا: “كيف تقيس الإنتاجية في شركتك؟”. كانت بعض التعليقات كالتالي: “معدلات الاستخدام”، و”عدد أسطر البرمجية”، و”الإيرادات لكل موظف”، و”التسليم في الوقت المحدد”، و”ملاحظات العملاء”. لاحظ الفرق بين الشعور بالإنتاجية، حيث تعتمد على الوصف الإنساني، وبين قياس الإنتاجية، حيث يميل الوصف إلى كونه أشبه بالآلة. التحدي هنا أن مقاييس الإنتاجية الشائعة عادة ما ترصد نتائج ملموسة وقابلة للتحقق، في حين يربط منظورنا البشري الإنتاجية بالطاقة، والتعاون، والمشاعر.
6. من الجدير بنا أن ننظر إلى العمل الهجين بوصفه أحد خيارات نمط تصميم الوظيفة: طرحنا سؤالًا على المشاركين في الندوة عن متى وكيف يصلون إلى تحقيق الإنتاجية، فظهرت ثلاثة محاور رئيسة: حينما يستخدمون الذكاء الاصطناعي وروبوت الدردشة، وعند حصولهم على تعاون فعّال، وعند تطوير مهاراتهم. طلبنا منهم بعد ذلك تقييم أي من معززات الإنتاجية الخمسة المحتملة تُعد أكثر أهمية: اختار 33% منهم “العمل مع الآلة”، و24% اختاروا “تصميم الوظيفة”، و23% حددوا “القادة”. يعد ذلك مهمًّا، فعلى الرغم من أن العمل الهجين غالبًا ما يعد وسيلة لتحقيق المرونة، فإنه في الواقع يتعلق بتصميم الوظيفة نفسه. وبعبارة أخرى، ينبغي لنا طرح السؤال التالي: “كيف يمكن لإعادة تصميم الوظيفة أن تعزز الإنتاجية، بحيث يكون العمل الهجين أداة تساعد في تحقيق ذلك؟”، بدلًا من طرح سؤال: “كيف يمكن للعمل الهجين أن يحقق المرونة؟”.
عند النظر إلى الأمر من منظور تصميم العمل، فإن إمكانات العمل الهجين تدور حول كيفية تعزيز التعاون، وتوفير مزيد من الوقت لتركيز الاهتمام على العمل، والتخلص من الأنشطة المستنزفة للطاقة.
7. تجب علينا مناقشة مجموعة متنوعة من طرائق قياس الإنتاجية: عادة ما يكون التحول للعمل الهجين أشبه بالعقيدة: إما أن تؤمن بفاعليته إيمانًا تامًّا، وإما أن تكون معارضًا له كليًّا. لكن ما سمعته من فريق قيادة إحدى شركات التكنولوجيا المالية، كان مقاربة أكثر دقة، إذ ركزوا على فهم تأثير العمل الهجين في الإنتاجية، والإجابة عن السؤال الجوهري: “هل يعزز العمل الهجين الإنتاجية أو يقللها؟”، وهذا سؤال منطقي تمامًا.
وكما أشرت سابقًا، للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي للشركات إعادة النظر في كيفية قياس الإنتاجية، لا سيما من حيث التعاون، والطاقة، والتركيز. إذ تُقاس بعض هذه الخصائص على نحو كمّي (من خلال تحليل شبكات التعاون، على سبيل المثال)، وتُقاس الأخرى نوعيًّا، (مثل الشعور بالطاقة والتركيز). وسيظل القادة في حالة قلق وجدل حول تأثير العمل الهجين في الإنتاجية، ما لم تُنفذ هذه المقاييس.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




