ترجمة: سارة آل صقر
تصبح المنتجات المصنوعة من مواد معاد تدويرها أكثر جاذبية للعملاء، إذا شُجعوا على نسج قصة حول ماضيها.
حرر بقلم: بيرناديت كامليتنر، وكارينا ثوريدل
إن تحويل النفايات إلى كنز موارد من خلال إعادة التدوير، يمثل استراتيجية مستدامة للحصول على المواد. ولكن، قد تكون مهمة التسويق للمنتجات المعاد تدويرها مهمة شاقة، وخاصة عند التعامل مع المنتجات التي تحمل آثارًا واضحة من ماضيها، مثل الحقائب المصنوعة من الإطارات الداخلية للدراجات القديمة، والطاولات المصنوعة من القوارب المعطلة، وحقائب أجهزة الحاسوب المحمول المصنوعة من الناموسيات المستعملة.
يمكن أن تشير الآثار الواضحة من حياة المنتج وتاريخه، إلى أن عملية إعادة التدوير قد قللت من استهلاك الطاقة، ما يعزز استدامة المنتج، ومع ذلك، فإن عملية إعادة التدوير تفرض تحديات إنتاجية، وغالبًا ما تستلزم رفع التكاليف المرتبطة بإنتاجها مقارنة بالمنتجات الجديدة، ومن ثم، يفضل بعض المستهلكين الاستثمارَ في سلع جديدة تمامًا، بدلًا من دفع مبالغ باهظة على منتجات معاد تدويرها.
إقناع المستهلكين بتفضيل المنتجات المعاد تدويرها على المنتجات الجديدة، حتى لو ظهرت علامات التآكل والتلف، يشكل تحديًا. في حين يسعى بعض الأفراد المهتمين بالبيئة إلى خيارات مستدامة، حتى لو كانت باهظة الثمن، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن هذه العقلية ليست سائدة بعد. من المدهش أن بعض الدراسات أظهرت أن تسليط الضوء على السمات المستدامة لمنتج ما، قد يقلل في الواقع جاذبيته للمستهلكين، ما يؤدي إلى تقليل الطلب عليه1.
استكشفنا في بحثنا استراتيجيات وطرائق لتعزيز جاذبية المنتجات المعاد تدويرها لجمهور أوسع، من خلال التخفيف من الوصمة المحتملة، المرتبطة باستخدام المواد المستعملة المهملة. كان تركيزنا الأساسي على كيفية غرس شعور التميز لدى المستهلكين عندما يختارون المنتجات المعاد تدويرها، على الرغم من أنها مصنوعة من مواد متهالكة مرمية في النفايات. كانت رؤيتنا الرئيسة هي أنه يمكن الاستفادة من ميل الناس نحو السرد الجذاب، وقد لاحظنا أنه من خلال تأطير قرار الشراء بصفته استثمارًا في رحلة المنتج من النفايات إلى الإبداع، يكتسب المنتج قيمة الفردية والتميز، ويصبح له تاريخ.
مِنْ مستهلك إلى حكواتي
ينجذب البشر إلى القصص، لأن القصص تأسرنا وتساعدنا في تفسير واستيعاب التجارب2؛ لذا تستخدم القصص كأداة لغرس المعنى في المعرفة، وتلبية الرغبة البشرية في الحصول والوصول إلى المعنى3. أدرك المسوقون هذه الرغبة البشرية المتأصلة لسرد القصص واستغلوها لفترة طويلة. ورغم ذلك، فإن الاستراتيجية الشائعة المستخدمة، هي صياغة قصص كي تضع العلامة التجارية في الصدارة وتثير مشاعر معينة اتجاهها، وهي استراتيجية تبدو غير مناسبة للمشكلة المطروحة.
لجعل المنتج المعاد تدويره ذا قيمة فريدة، يجب أن تركز القصة على المنتج نفسه بصفته الشخصية الرئيسة، وليس على الشخصيات الثانوية، مثل المتحدث الرسمي أو التميمة أو العلامة التجارية؛ فمن خلال جعل المنتج بطل القصة، يمكن إبراز قيمته الفريدة وأهميته؛ حتى يتمكن من تجسيد جوهر تفرد القصة، ويتمكن المستهلك من تقديره. ووفقًا لمبدأ “أنت ما تملك”، فإن الحصول على منتج مميز متفرد، يسمح للفرد بالشعور بأنه مميز.
قد تكون استراتيجية مشاركة قصة مفصلة للمراحل المختلفة التي مر بها منتج معاد تدويره فعالة من حيث التكلفة بالنسبة للسلع النادرة والنفيسة، ولكنها غير عملية وغير قابلة للتطبيق على نطاق واسع. لذا؛ هدفنا إلى الاستفادة من جانب غالبًا ما يُتَغاضى عنه في العقل البشري: وهو قدرتنا على استنتاج وسد الفجوات في القصص، حتى لو كنا نعرف معلومات بسيطة ومحدودة عن الموضوع. (فكر في مدى سهولة انخراط الأفراد في الشائعات وتكوين افتراضات بناءً على معلومات محدودة).
إن هذه القدرة البشرية تؤدي إلى آلية عملية تُعرف باسم رواية القصص البسيطة، التي تتجذر في الطبيعة الزمنية للقصص، ويرتكز هذا المفهوم على فكرة مفادها، أن الأفراد قادرون على استنتاج قصة عندما يُعرض عليهم حدثان متتاليان على الأقل: قبل وبعد. وعلى الرغم من أن هذه الآلية غير معروفة، ونادرًا ما تدمج في استراتيجيات سرد القصص للشركات، فإننا اكتشفنا ملاءمتها في مجال المنتجات المعاد تدويرها، التي تحمل تاريخًا غنيًّا.
تقييم تأثير القصص البسيطة
التزامًا بمبدأ السرد القصصي البسيط، ابتكرنا في تجربتنا إشارات مباشرة بسيطة للغاية لنمثل منتجاتنا المعاد تدويرها، التي تتمركز على إبراز ما كان عليه المنتج وما أصبح الآن فقط (أي قبل وبعد)، وتركنا للمستهلكين حرية كتابة القصة الطويلة والمعقدة لذلك المنتج.
أجرينا تجاربَ عديدة لتقييم فعالية استخدام القصص البسيطة لتعزيز رغبة الناس في المنتجات المعاد تدويرها. وفي إحدى الدراسات، أجرينا تجربة باستخدام رسالتين ترويجيتين عُرضتا في متجر مؤقت لقياس فعاليتهما. أكدت إحدى الرسائل الفائدةَ المرجوة من المنتج (“محفظة عصرية”، على سبيل المثال)، في حين ركزت الرسالة الأخرى على هوية المنتج السابقة وقصة حياته (“كنت إطار دراجة”، على سبيل المثال). أثبت تقديم الهوية السابقة للمنتج أنه حافز لزيادة اهتمام المستهلك وكان بمنزلة نقطة تحول، فشهدنا ارتفاعًا هائلًا في المشتريات والإيرادات4، ولوحظت تأثيرات مماثلة في حملات وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث قارنا بين تأثيرات عرض المنتج المعاد استخدامه مع وصف واضح لوظيفته الحالية، مقابل الكشف عما كان عليه مسبقًا.
بالنسبة للعقل المنطقي، قد يبدو هذا غريبًا؛ ففي نهاية المطاف، لم يتماش الإعلان الذي يوضح تاريخ المنتج مع ما يبحث عنه المستهلك، بل وكأننا نذكر المستهلك بأنه يشتري منتجًا مصنوعًا من النفايات، ولكن في الواقع، إن تأكيد التفاصيل السابقة له تأثير قوي في المنتجات، وخاصةً التي لا يكون واضحًا عليها ذلك، مثل الحقائب المصنوعة من المظلات، أو المنتجات المعاد تدويرها الخالية من بقايا مرئية لماضيها.
نجحت كثير من الدراسات اللاحقة، بما في ذلك تحليل العمليات المعرفية، في تكرار نجاح سرد القصص البسيطة، وإثبات أهمية الإشارة إلى ماضي المنتج في تحقيق هذا النجاح؛ فقد عمل هذا النهج محفزًا للأفراد للتواصل مع قصة المنتج، ما أدى في نهاية المطاف إلى أن يصبحوا مالكين لمنتج فريد، ومن ثم تعزيز الشعور بالتفرد والتميز. شارك أحد المشاركين في الدراسة قصته وراء شرائه لمنتج ما معاد تدويره، معربًا عن إعجابه: “لقد صُنع من وسادة هوائية مستعملة؛ أي أنقذت حياة شخص ما، هذا رائع للغاية”. بالإضافة إلى ذلك، فإن القصص التي يرويها المستهلك هي قصص شخصية لا تنسى؛ فنرى المستهلكين يستخدمون قصصهم الشخصية لملء الفجوات وكتابة قصة تروق لهم، ما ينشئ شعورًا بالارتباط الشخصي، ويجعل القصة ترسخ في أذهانهم. في حين أننا ركزنا في البداية على التأثير فقط في أثناء مرحلة الشراء، فإن هذا الجانب من الاستراتيجية يشير إلى فوائد طويلة الأجل. عندما يتذكر المستهلكون ما يجعل المنتج المعاد تدويره فريدًا، فمن المرجح أن يشاركه الآخرون ويتغاضوا عن أي عيوب محتملة؛ فما قد يبدو وكأنه عيب، مثل أثر لبقايا نفاية؛ يصبح في الواقع ميزة جاذبة للمنتج.
ولكنْ، هناك حدود لفعالية هذه التقنية، خاصةً عندما يثير ماضي المنتج النفور والاشمئزاز. ففي دراسة أجريناها، فحصنا مدى تأثير الترويج لماضي منتج قد لا يتقبله البعض. على سبيل المثال، روجنا لحقائب الحواسيب المحمولة المصنوعة من ناموسيات مهترئة ومتسخة، فكشفت النتائج أنه في حين أن تأكيد الماضي السلبي لم يؤثر سلبًا في الطلب، إلا أنه فشل أيضًا في كسب اهتمام وطلب المستهلك بشكل ملحوظ.
كل ما يتطلبه الأمر لنجاح السرد القصصي البسيط، هو تحفيز خيال العملاء من خلال ذكر الهوية السابقة للمنتج. تعمل هذه الطريقة بشكل أفضل عند دمج إشارات بصرية ملموسة من ماضي المنتج وإعطائه صوتًا. وتذكر أيضًا، أن السرد المتسلسل أمرٌ بالغ الأهمية: ابدأ بماضي المنتج قبل التركيز على حالته الحالية.
يؤكد السرد القصصي البسيط أن الجمهور يسعى إلى أكثر من مجرد التداول السلبي للقصص، فتعمل المنتجات المعاد تدويرها كمثال رئيس لكيف يمكن للمستهلك الاستفادة من قدرته الفطرية على السرد القصصي. في حين أن هذا خبر جيد للشركات التي تبيع مثل هذه المنتجات، إلا أننا نعتقد أنه يمكن تطبيق هذه الاستراتيجية على نطاق أوسع. يمكن للمسوقين توفير الوقت والموارد من خلال الاستفادة من القصص البسيطة، التي يمكن نشرها عبر مجموعة واسعة من وسائل الإعلام ذات المحتوى القصصي المحدود.
تؤكد أبحاثنا أنه من الممكن أن تساعد القصص البسيطة في تحويل العيوب إلى ميزات، من خلال تعديل تسويقي واحد منخفض التكلفة.
الكلمات المفتاحية
التسويق، المسؤولية المجتمعية، استراتيجية التسويق، الاستدامة.
نبذة عن المؤلفين
بيرناديت كامليتنر: أستاذة التسويق في جامعة فيينا للاقتصاد والأعمال. وكارينا ثوريدل: أستاذة مساعدة في التسويق في كلية إدارة الأعمال في جامعة أمستردام.
المصادر
1. A.R. Brough, J.E.B. Wilkie, J. Ma, et al., “Is Eco-Friendly Unmanly? The Green-Feminine Stereotype and Its Effect on Sustainable Consumption,” Journal of Consumer Research 43, no. 4 (December 2016): 567-582; and M.G. Luchs, R. Walker Naylor, J.R. Irwin, et al., “The Sustainability Liability: Potential Negative Effects of Ethicality on Product Preference,” Journal of Marketing 74, no. 5 (September 2010): 18-31.
2. J.S. Bruner, “Acts of Meaning” (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 1990).
3. V.E. Frankl, “Man’s Search for Meaning,” revised and updated ed. (Pocket Books/Simon & Schuster, 1985).
4. B. Kamleitner, C. Thürridl, and B.A.S. Martin, “A Cinderella Story: How Past Identity Salience Boosts Demand for Repurposed Products,” Journal of Marketing 83, no. 6 (November 2019): 76-92.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




