ترجمة: بندر التليدي
كيف يمكنك تجديد أحد منتجاتك الكلاسيكية المفضلة لجذب عملاء جدد؟
حرر بقلم: جوليا كانسيليري، وسيمون فيرياني، وجينو كاتاني
تواجه كثير من الشركات الناجحة في مرحلة ما معضلة تحديث منتجاتها القديمة المفضلة، فإذا قررت بأنها لن تقوم بأي تغييرات، فلن يشجع ذلك على كسب عملاء جدد، ولكن إذا قررت عكس ذلك وجددتها، فقد ينتهي الأمر بخسارة ولاء العملاء.
ولكن، كيف يمكن للمؤسسات الاستفادة من أي علامة تجارية راسخة مع مراعاة تفضيلات العملاء المتنوعة؟ يتجلى هذا السؤال في سياق شركات الأوبرا الإيطالية التي تواجه هذه المعضلة في كل موسم. وغالبًا ما يتجاوز عمر هذه الشركات الـ150 عامًا، وتستهدف شريحة من الجمهور ذوي الأذواق التقليدية إلى حدٍّ ما. ومع ذلك، إذا التزمت شركات الأوبرا بذوقها التقليدي، فإنها تخاطر بتقييد أهميتها الثقافية، وتفويت فرصة جذب جماهير جديدة.
لقد قدمت دراستنا التي شملت مبيعات التذاكر لأكثر من 2627 عرضَ أوبرا إيطاليًّا في المدة من 1989م إلى 2011م، إلى جانب المقابلات التي أجريناها مع 15 مديرًا لدور الأوبرا، استراتيجيات قيمة لتحقيق التوازن الفعال بين التقاليد والابتكار. ويمكن أن تكون هذه النتائج قيمة لأي شخص يتطلع إلى تحديث أي منتج قيم.
مرثية كوكاكولا
إن تحديث منتج مشهور ومعروف يمكن أن يفرض تحديات ضخمة، ويتجلى ذلك في كارثة “كوكاكولا الجديدة” التي حدثت في عام 1985م، عندما حاولت الشركة تقديم نسخة أكثر حلاوة من مشروبها الرائد. وعلى الرغم من ردود الفعل الإيجابية في اختبارات التذوق العمياء، فإن ردة فعل المستهلكين دفع الشركة إلى تقديم مشروبها الأصلي إلى جانب النكهة الجديدة.
كثيرًا ما تواجه شركات الأوبرا مخاطر عندما تحاول تحديث أعمالها الكلاسيكية، ويتضح هذا في الإنتاجات الحديثة لمدام بترفلاي لبوتشيني وكارمن لبيزيه. ففي حين لاقى نقل مدام بترفلاي إلى شرق آسيا المعاصرة استقبالًا طيبًا من رواد الأوبرا المخلصين، تعرضت النهاية الجديدة لكارمن لانتقادات شديدة؛ إذ انتهى العرض بمقتل دون خوسيه على يد الشخصية الرئيسة، وليس العكس كما حدث في النسخة الأصلية.
ولكي نفهم الاختلافات، أجرينا تحليلًا عميقًا لفحص كيفية تلقي الجمهور للإنتاجات المحدثة المختلفة، فتضمنت دراستنا إنشاء قاعدة بيانات مفصلة لاستراتيجيات العرض المسرحي لآلاف العروض، ثم حددنا إذا كان كل عرض قد اتخذ نهجًا صارمًا أو جذريًّا لإعادة إنتاج العمل الأصلي. وتركز التفسيرات التي اتخذت النهج الصارم على تعديل العناصر المكملة مثل العرض المسرحي البصري، مع الحفاظ على الجوانب الأساسية للأوبرا، بما في ذلك موسيقاها ومحتواها الدرامي. ومن الناحية الأخرى، تتضمن التفسيرات التي اتخذت النهج الجذري تغيير الجوهر الأساسي للعمل، من خلال التلاعب بالخصائص الرئيسة (الدرامية أو الموسيقية) والعناصر المكملة.
وقد كشفت دراستنا لإحصاءات الحضور أن الجمهور يفضل بعض التغييرات؛ فقد شهدت دور الأوبرا التي تتبنى نهج التفسير الصارم تزايدًا في الحضور بنحو 9%، مقارنة بتلك التي التزمت بالأعمال الأصلية. وعلى الرغم من مخاوف المخرجين من أن التفسيرات الجذرية قد تؤدي إلى استنكار الجمهور، فإن بحثنا يُظهر أن مثل هذه الإنتاجات المبتكرة كان لها في الواقع تأثير واضح؛ إذ ازدادت نسبة الحضور إلى 14%.
فهل كانت التقييمات التي أجراها المديرون الفنيون الذين أجرينا معهم مقابلات، خاطئة؟. يمكننا القول: إن استنتاجاتهم كانت دقيقة وغير دقيقة، فمن خلال فصل تحليلاتنا على أساس نوع الحضور (حاملي التذاكر الموسمية ومشتري التذاكر الفردية)، اكتشفنا مفاجأة مثيرة للاهتمام: إن التفسيرات التي تعتمد على النهج الصارم تجذب حاملي التذاكر الموسمية، التي تجسدت في زيادة حضورهم بنسبة 21%. وعلى العكس من ذلك، فإن النهج نفسه، يقلل من حضور حاملي التذاكر الفردية. ومن ناحية أخرى، تسفر التفسيرات الجذرية عن نتائج متناقضة، فيستجيب حاملو التذاكر الموسمية استجابة سلبية للتفسيرات الجذرية، في حين يُظهر أصحاب التذاكر الفردية ارتفاعًا ملحوظًا في الحضور؛ إذ ازدادت نسبة حضورهم بنسبة 17.6%. ومن ثم، فإن القوة الأساسية وراء التأثير الإيجابي لإعادة التفسير الجذري، تكمن في الأفراد الذين يحملون تذاكر فردية.
وبسبب هذا التباين في تفضيلات الجمهور، تواجه دور الأوبرا معضلة حرجة: إذ إن إرضاء شريحة واحدة من الجماهير بتقاليد وثيقة قد يؤدي إلى تنفير شريحة أخرى. ويتعين على شركات الأوبرا إعطاء الأولوية لأهمية حاملي التذاكر الموسمية في نموذج الإيرادات الخاصة بها، مقابل جذب عملاء جدد، الذين قد يظهرون توقعات مختلفة، ويكونون أكثر تقبلًا للنسخة المحدثة للأعمال الأوبرالية التقليدية.
من يتحمل العبء المالي؟
يواجه القادة في مختلف الصناعات في كثيرٍ من الأحيان، مهمة اختيار التصميمات التي تبث حياة جديدة في ماضٍ عزيز، من خلال ربطه بالحاضر أو المستقبل. وبناءً على بحثنا، حددنا أربعة اقتراحات شاملة للاستفادة بشكل فعال من الإرث الغني عند تحديث المنتجات.
1. استغل التقاليد كمحفز للإبداع لإعادة إنتاج المنتج: في حين قد يتجاهل بعض القادة التنفيذيين الممارسات التاريخية لصالح الاتجاهات الحديثة، وقد يؤيد آخرون التقاليد دون التكيف مع متطلبات السوق، فإن التقاليد غالبًا ما تمنع التقدم بدلًا من أن تكون سببًا للتمكين.
ولكن، هذا لا يعني بالضرورة أن يستمر الحال على ذلك، فتشير نتائجنا إلى أنه يجب تشجيع المديرين على إدراك أن التقاليد والابتكار قوتان متكاملتان وليستا متعارضتين. ويمكنهم الاستفادة من القيمة المتأصلة في هذه الثنائية، من خلال الانخراط في عمليات إعادة الإنتاج. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، إعادة تصميم سيارات فيات الناجحة في عام 2007م لطراز فيات 500 الكلاسيكي، التي مزجت بين الحداثة والتقليدية، ما أدى إلى تحديث تصميم المحرك الخلفي الأسطوري الذي صممه دانتي جياكوسا في عام 1957م، وتُعد هذه الحالة مثالًا واضحًا على أنه كيف يمكن لتقاليد العلامة التجارية، عند إعادة تصورها استراتيجيًّا، أن تكون بمنزلة محفز للابتكار والإبداع، الذي بدوره يلبي المتطلبات المتغيرة للأسواق المتطورة.
2. استغل هوية علامتك التجارية البصرية الراسخة: إن احترام السمات التصميمية الأساسية لمنتج كلاسيكي محبوب مع غرس عناصر معاصرة، يمكن أن يؤكد للعملاء أن المنتج الأصلي يظل محترمًا، مع التكيف مع تفضيلات المستهلكين المتطلعين إلى المستقبل. تعاونت لويس فويتون (Louis Vuitton) مع الفنان الشهير تاكاشي موراكامي لإعادة تصميم حقيبة سبييدي المشهورة، التي طُرحت في الأسواق لأول مرة في عام 1930م، من خلال تزيينها بطبعة أزهار الكرز، ومن ثم إضفاء طابع فن البوب آرت الحديث على قطعة كلاسيكية. وبهذا الأسلوب، لا تُستبدل التقاليد، بل يُعاد تقديمها في قالب جديد دون أن يفقدها معناها الأصلي.
وتشير نتائجنا إلى أن المديرين يمكنهم الحفاظ على عناصر الهوية الأساسية للعلامة التجارية التقليدية من خلال تنفيذ تكتيكات التفسير الصارم، وإدخال تنسيقات منتجات جديدة لتحديث المنتجات التقليدية بدقة. وعلى عكس ذلك، تنطوي التفسيرات الجذرية على انحراف هائل عن التقاليد، من خلال دمج المكونات الأساسية الجديدة في هياكل المنتجات المبتكرة. إن الابتكار من خلال إعادة تصور المنتجات الكلاسيكية، مع التغييرات الأسلوبية الحديثة التي تعمل على تحديث مظهرها، يمكّن من الاستفادة من الجمالية البصرية للمنتجات، مع الحفاظ على إرثها التاريخي.
3. خصِّص استراتيجيتك في تفسير المعلومات بناءً على الجمهور المستهدف: في حين قد يعتقد بعض المديرين التنفيذيين أن إجراء تعديلات طفيفة على المنتجات الكلاسيكية هو الطريق الصحيح، إلا أن بحثنا يوضح أن تطبيق التفسيرات الصارمة والجذرية يمكن أن يكون بمنزلة استراتيجيات ناجحة للمنتج، اعتمادًا على الجمهور المستهدف.
وفي نهاية المطاف، يتعين على قادة الشركات أن يدرسوا بعناية مدى استعدادهم لتحدي إرثهم الراسخ، وينبغي أن يستند هذا القرار، إلى فهم واضح ودقيق لأهمية كل من العملاء الأساسيين والعملاء الجدد المحتملين لرؤيتهم الاستراتيجية الشاملة. وتشير أبحاثنا إلى أنه إذا كان الهدف الأساسي هو رعاية العملاء المخلصين، وتعزيز ولائهم مع تعزيز الابتكار في الوقت نفسه، فإن الحفاظ على السمات الأساسية للمنتج أو العرض التقليدي مع تعديل السمات الثانوية، قد يكون النهج الأمثل. ومن ناحية أخرى، إذا كان الهدف هو جذب عملاء جدد، فإن التعديلات الجوهرية على العرض قد تؤدي إلى نتائج أفضل على المدى القريب. وإن تكييف النهج المناسب للتفسير وفقًا للجمهور المحدد، يمكن أن يمكّن القادة الفطنين من معالجة ضرورة الابتكار والتجديد، مع الاعتراف أيضًا بالطبيعة المتنوعة للسوق.
4. اربط شرائح العملاء المتنوعة من خلال مواءمة استراتيجيات التفسير: إن اتباع نهج متوازن بين أساليب التفسير الصارمة والجذرية في تحديد موقف المنتج والتواصل، أمر بالغ الأهمية؛ وذلك بهدف تحقيق التناغم بين تفضيلات العملاء الحاليين والمحتملين. ولنأخذ دور الأوبرا مثالًا على ذلك، فقد تقدم مبادرات الولاء مثل أنواع الاشتراكات التي تقدم مجموعة واسعة من العروض ذات التفسيرات الحازمة للعملاء المخلصين، إلى جانب الأنواع الأخرى المصممة خصيصًا لجذب جماهير جدد، من خلال النهج التفسيري الجذري.
قد يختار قادة الشركات الاستفادة من قنوات مختلفة، من أجل تقديم وتوزيع التفسيرات الصارمة والجذرية لمنتجاتهم وخدماتهم، بطريقة تمنع تنفير العملاء باستخدام أي من النهجين، وهذا يمكن الشركة من ترسيخ نفسها وعروضها بطرائق متنوعة، اعتمادًا على التفضيلات المتباينة لمجموعات المُستهلكين المتنوعة. ونتيجة لذلك، يربط العملاء الشركة إما بالنهج التفسيري الصارم وإما الجذري، حتى في الحالات التي تُستخدم فيها استراتيجيات بديلة لإعادة تفسير المنتجات الكلاسيكية التقليدية. وبدلًا من دمج النهجين في مواد الشركة التسويقية والاتصالية، يمكن للشركات أن تتناوب بشكل استراتيجي بين الاثنين لجذب اهتمام شرائح الجمهور المختلفة.
…………………………………………………………………………………………………………………………………………
إن تحقيق التوازن بين الابتكار والتقاليد يشكل معضلة للشركات ذات الإرث التاريخي المتأصل، وعندما يدرك المديرون التنفيذيون أنه يمكن الاستفادة من التقاليد كمورد قيم ولا ينظرون إليها كقيد، فإنهم يستطيعون التعامل معها بثقة لتكييف الماضي مع احتياجات اليوم. ومن خلال فهم هذا التوازن، يستطيع المديرون أيضًا إجراء تعديلات استراتيجية، وتخصيص استراتيجية اتصال خاصة بهم للوصول إلى الجمهور المناسب.
الكلمات المفتاحية
الابتكار، استراتيجية الابتكار، استراتيجية التسويق.
نبذة عن المؤلفين
جوليا كانسيليري: أستاذ مساعد في إدارة الشؤون الإدارية في جامعة كاف وسكاري في مدينة البندقية. سيمون فيرياني: أستاذ في قسم الشؤون الإدارية في جامعة بولونيا، وأستاذ في ريادة الأعمال في جامعة سيتي بلندن. جينو كاتاني: أستاذ في الإدارة والمنظمات في كلية ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




