ترجمة: لولوة العيدان
تفشل مشاريع تحليل البيانات مهما كانت نواياها حسنة عندما يرفض الناس تغيير طريقة اتخاذ القرارات، إليك كيفية تجاوز هذه العقبات الرئيسية.
عندما واجهت إحدى أكبر شركات الاتصالات العالمية مشكلة ارتفاع معدل فقدان العملاء، لجأ فريق التسويق إلى اتباع نهج استكشافي لاستعادة العملاء. على سبيل المثال، إذا لم يجر أحد العملاء أي مكالمات صادرة لمدة ثلاثة أسابيع، كانت الشركة تقدم له عرضًا ترويجيًّا.
مع ذلك، لم يؤدِّ هذا النهج إلى نتائج، وكان معدل احتفاظ العملاء في أدنى مستوى له منذ سنوات. بناءً على المراجعات الأسبوعية للأداء التجاري، أدرك الرئيس التنفيذي أنه قد آن الأوان لتجربة شيء مختلف، فلجأ إلى أدوات علوم البيانات وجهود مشتركة بين الوظائف لحل تحدي الاحتفاظ بالعملاء.
نشر فريق التسويق خوارزميات التعلم الآلي لدراسة أنماط استخدام العملاء والتنبؤ بمعدل التخلي عن الخدمة، وساعدت تقنيات بسيطة مثل أشجار القرار في تحديد عوامل مثل مبالغ الفواتير وأنماط المكالمات الصادرة، وكلها مؤشرات جيدة على ميل العميل إلى ترك الخدمة.
أظهرت التجارب على البيانات السابقة أن هذا النهج يمكن أن يحسن الاحتفاظ بالعملاء بنسبة ٣٩٪، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًّا. ثم استخدم فريق علوم البيانات تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة كالشبكات العصبية، للكشف عن أنماط أعمق.
اتضحت دقة هذا النهج وفاعليته حيث يمكنه تحسين معدل الاحتفاظ بالعملاء بنسبة ٦٦٪، وهي زيادة كبيرة، وأكدت تجربة مدتها أربعة أسابيع مع عملاء مهمين هذه النتائج.
كادت تُطبَّق حلول علوم البيانات تطبيقًا كاملًا، ثم أخذت الأمور منحًى سيئًا.
رفض مديرو منتجات التسويق استخدام هذا الحل، فقد وجدوا صعوبة في الوثوق بخوارزمية تقدم قائمة من العملاء المتوقع منهم ترك الخدمة دون تفسير واضح. علاوةً على ذلك، كانت العديد من التوصيات المدعومة بالبيانات غير منطقية. على سبيل المثال، صنفت الخوارزمية بعض العملاء ذوي الالتزام طويل الأمد والاستخدام المنتظم على أنهم على وشك ترك الخدمة.
شعرت الإدارة أن العملية خاطئة بأكملها، ورفض المستخدمون حل علوم البيانات على الرغم من نجاح التجربة المبدئية.
إذا كنت تتساءل عما إذا كان هذا الأمر استثنائيًّا، فالجواب هو لا، فكثيرٌ من مبادرات علوم البيانات المتقدمة والدقيقة لم تنجح في التطبيق.
لن يؤدي استثمار الشركة في مشاريع البيانات والتحليلات وحده إلى قيام الموظفين باتخاذ قرارات مدعومة بالبيانات، إذ يتطلب تحقيق هذا الهدف من القادة جهودًا مضنية. في دراسة استقصائية حديثة أجرتها “نيوڤانتج بارتنرز” على مديري تقنية المعلومات ومديري البيانات في “فورتشن ١٠٠٠”، اعترف حوالي ٦ من أصل ١٠ قادة بأنهم لم يتمكنوا من إرساء ثقافة قائمة على البيانات والتحليلات.
لماذا يصعب ذلك؟ كيف يمكن للقادة تعزيز بيئة معتادة على اتخاذ القرارات بالاعتماد على رؤى البيانات؟ دعونا نكشف عن الأسباب الجذرية للفشل ونتفحص ثلاث طرق عملية تُمكّن القادة من تعزيز ثقافة قائمة على البيانات.
ثلاثة عوامل تؤدي إلى الفشل
لاحظت خلال عقد من العمل الاستشاري العالمي تكرار بعض الأخطاء التي تقود إلى فشل مبادرات تحليلات البيانات.
معظم المبادرات تجد صعوبة في تقديم رؤى قابلة للتنفيذ، على الرغم من التركيز الشديد على أدوات التحليلات ودقة الخوارزميات. وحتى عندما يتم تقديم رؤى عملية، غالبًا ما يفتقر الناس إلى الحماس لاستخدامها. وأخيرًا، لم يستمر النجاح الأولي للمشاريع، وكثيرًا ما تفقد هذه المشاريع زخمها تدريجيًّا بعد الفترة الأولى، ثم تتلاشى تمامًا مع الوقت.
من المحتمل أنك قد صادفت مثل قصص الفشل هذه، ومع ذلك، فإن التركيز على علاج الأعراض لن يحل المشكلة الأساسية.
هناك ثلاثة عوامل رئيسية تؤدي إلى هذه المشكلات:
غالبًا ما تُدار المبادرات بصفتها مشاريع تقنية، وكثيرًا ما تُصنف هذه المبادرات ضمن مشاريع علوم البيانات أو التحليلات التنبؤية، ويؤدي هذا إلى عزل فرق الأعمال. ونظرًا للصلة الضعيفة مع مستخدمي الأعمال، فقد لا يعالج المشروع المشكلات الأهم أو التحديات الحقيقية.
يميل معظم الأفراد إلى التمسك بالروتين المألوف، مما يجعلهم يقاومون التغييرات في أساليب العمل. قد يكون هذا العجز خطيرًا بالنسبة لمبادرات التحليلات التي غالبًا ما تتضمن تغييرات في العمليات المؤسسية أو أساليب اتخاذ القرار، وزادت مقاومة التغيير بسبب الخوف المنتشر حاليًّا من فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي.
يَصعُب إثبات عائد الاستثمار لتحليلات البيانات، فعلى الرغم من الفاعلية الكبيرة للبيانات، غالبًا ما يكون من الصعب إسناد نتائج الأعمال إلى جهود التحليلات. ونظرًا لأن العديد من العوامل يمكن أن تدفع إلى زيادة الإيرادات أو تخفيض التكاليف، فقد لا يكون ربطها بالقرارات القائمة على البيانات ممكنًا دائمًا، وبالتالي، فإن عدم القدرة على تحديد عائد الاستثمار يمكن أن يدفع مبادرات البيانات إلى التدهور، حيث يضيع قادة المشاريع الزخم ويخسرون التمويل.
كيفية بناء ثقافة قائمة على البيانات وحلول أفضل
يمكن لقادة الأعمال معالجة العوامل المذكورة أعلاه باتخاذ الإجراءات التالية.
١. حل التحديات الملحة وضمان ملكية الأعمال
كيف تبدأ مبادرات البيانات الخاصة بك؟ قد تؤدي محاولة استغلال بعض ميزانية التقنية المتاحة أو تجربة أحدث نموذج لغوي كبير إلى الحصول على حل تقني محدود الأثر.
بدلًا من ذلك، حدد أصحاب المصلحة الرئيسيين في الوظائف التجارية، واستكشف أكبر تحدياتهم وأولوياتهم، واقترح أفكارًا لحل هذه التحديات، وحدد المستخدمين المستهدفين وقم بقياس النتائج المتوقعة: هل ستؤدي المبادرة إلى زيادة إنفاق الزبائن أو تقليل تكاليف المخزون؟ أعطِ الأولوية للأفكار عالية التأثير والتي يمكن تنفيذها بسهولة من حيث توفر البيانات، وقدرات التقنية، ومتطلبات إدارة التغيير، وحدد مسؤولًا تجاريًّا ليتولى قيادة المبادرة ويكون مسؤولًا عن تنفيذها ومراقبة استخدامها.
إليك مثال على كيفية تطبيق هذه الخطوات في الواقع:
احتاجت شركة هندسية أوروبية كبيرة إلى تحويل استراتيجيتها الطموحة لخمس سنوات إلى خطة عمل عملية تعتمد على تحليلات البيانات، وبدلًا من البحث العشوائي عن فرص استخدام تحليلات البيانات، ركزوا على تحديد الفرص ذات التأثير الأكبر؛ لذلك قاموا بتشكيل فريق استشاري لفحص أربع وحدات أعمال رئيسية، وحددت قيادات هذه الوحدات أكثر من ٥٠ قائدًا من مختلف الأقسام لتحديد الأهداف والتحديات الرئيسية.
ولّد الفريق ١٥٠ فكرة، ثم تعاونوا مع فرق التقنية لتقييم جدوى كل فكرة من حيث الوقت، والتكلفة، والتوافق مع اللوائح التنظيمية، بعد ذلك، تم اختيار ٧٦ حالة استخدام تتماشى بقوة مع تسعة أهداف استراتيجية رئيسية، حددتها الشركة للسنوات الخمس القادمة.
بناءً على الخطة، حُددت مجموعة من المشاريع التي تجمع بين السرعة في التنفيذ والتأثير القوي على الأعمال، اختارت فرق التقنية أفضل التقنيات لكل مشروع، سواء أكانت هندسة البيانات، أو الذكاء التجاري، أو الذكاء الاصطناعي، واعتبر أحد المديرين التنفيذيين أن النجاح الأكبر لهذه المبادرة كان في توحيد جهود جميع الأقسام لتحقيق التحول الرقمي، وإلهام الأفكار من خلال عرض إمكانيات البيانات، وتحديد القيمة المحتملة التي يمكن تحقيقها.
٢. تعزيز التبني من خلال القيادة التنفيذية والتلعيب:
يبدأ التغيير التنظيمي الناجح برؤية واضحة وملهمة، إذ تحدث التحولات الفعالة في الشركات التي يطبق فيها المديرون التنفيذيون نهجًا قائمًا على البيانات. يجب على القادة توضيح الرؤية وتفسير معناها للمستخدمين، وبالتالي تشجيعهم على تبني عادات جديدة والتخلي عن العادات القديمة.
يعد استكمال الدعم الأعلى إلى الأسفل مع برامج شعبية يقودها المستخدمون أمرًا بالغ الأهمية. لذا قم بتشجيع الموظفين على المشاركة في عملية جمع الأفكار، وحدد السفراء الذين يمكنهم مشاركة قصصهم ونشر العمل بين الأقران، وحوِّل التغيير إلى لعبة باستخدام اختبارات البيانات أو مسابقات البرمجة أو مسابقات سرد القصص عبر وظائف الأعمال لتعزيز المنافسة الصحية والمشاركة.
ضع في حسبانك مثال شركة إعلامية آسيوية، وهي جزء من شركة عملاقة عالمية للإعلام والترفيه. تدير أكثر من ٦٠ قناة تلفزيونية وتنتج أكثر من ٣٠،٠٠٠ ساعة من المحتوى سنويًّا. وعلى الرغم من الوصول إلى كميات هائلة من البيانات حول المشاهدات وتقييمات المستهلكين والإعلانات المؤسسية، إلا أن الشركة واجهت صعوبة في استخلاص رؤى في الوقت المناسب حول كيفية زيادة عوائد الإعلانات.
أطلقت الشركة منصة ذكاء بصري مع رؤى عميقة وسرديات بصرية قوية، ومع ذلك، كان اعتماد فرق المبيعات لها منخفضًا. ثم قدم فريق القيادة التلعيب (Gamification) من خلال بناء لوحات المتصدرين بناءً على استخدام الموظفين اليومي للمنصة، وتم عرض الفائزين الأسبوعيين بوضوح على البوابات الإلكترونية وفي رسائل البريد الإلكتروني، واشتعل الحماس مع المسابقات الشهرية وجوائزها المغرية مثل أجهزة الآيباد.
بالإضافة إلى ذلك، حدد القادة الموظفين المجتهدين لمشاركة تجربتهم في منتديات الدردشة من خلال لقطات الشاشة والروابط المباشرة، حيث أثار هذا النقاشات وعزز من معدلات الاستخدام. وارتفع اعتماد المستخدم إلى ٦٤٪ في بضعة أشهر وتمكنت فرق المبيعات تقديم توصيات قائمة على البيانات وتحقيق عوائد أفضل من المخزون.
٣. تحديد مقاييس النجاح مبكرًا وحشد الفرق حولها.
أفضل وقت لتحديد معايير النجاح هو أثناء تقييم فكرة المشروع، إذ يحتاج القادة إلى تحديد النتائج التجارية المتوقعة عند تحديد أولويات المشاريع، وكيف سيقاس النجاح، والبيانات اللازمة لحساب عائد الاستثمار. لا تتاح هذه البيانات بسهولة غالبًا، وقد تحتاج إلى جمع تعليقات عملاء جديدة، أو تطوير مقاييس بديلة لإنتاجية الموظفين.
قد تحتاج إلى إجراء تجارب صغيرة إذا كنت تستهدف زيادة الإيرادات التدريجية، مثل اختبارات أ/ ب لتقييم تأثير المشروع. على سبيل المثال، لقياس تأثير أداة التوصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي على البيع المتقاطع، قم بتنفيذها في مواقع محددة مع الحفاظ على الوضع الراهن في موقع مماثل للمقارنة. وعندما يكون هذا غير ممكن، يمكنك مقارنة أداء الأعمال قبل وبعد التنفيذ، بشرط أن يكون الاحتمالان قابلين للمقارنة.
سعت شركة رائدة في مجال تشغيل مستودعات التبريد في الولايات المتحدة إلى تحسين كفاءة استخدام الشاحنات، من خلال تحسين عمليات التعبئة والتوزيع إلى مواقع العملاء، ونظرًا لتكاليف السفر المرتفعة، وافقت الشركة على المشروع وحددت هدف تحسين تكاليف التحميل اليومية، فعمل الفريق مع هذا الهدف الفردي طوال التنفيذ وجمع البيانات لحساب مقاييس تكلفة التحميل.
على الرغم من اختلاف المواقع، مما جعل اختبار أ/ ب غير عملي، حاول الفريق مقارنة التكاليف قبل وبعد التنفيذ، ولمعالجة تأثير الموسمية (التغيرات الموسمية المتوقعة في الأنشطة التجارية أو الاقتصادية)، ابتكر الفريق خوارزميات التنبؤ لتقدير التكاليف المحتملة دون تدخل الأداة، ونظرًا للوصول إلى بيانات تاريخية واسعة النطاق، يمكنهم نمذجة سيناريو السير المعتاد للعمل باستخدام الخوارزميات، بينما تقاس تكاليف التحميل اليومية الجديدة في المستودعات بعد التنفيذ.
بعد تحقق خبراء الأعمال من نهج الإسناد بدقة، تم التنبؤ بأن الحل سيوفر ٤ ملايين دولار سنويًّا. وعندما تم تقديم هذه النتائج المتوقعة مع النتائج الفعلية لعدة أشهر، ساعد عائد الاستثمار في الحصول على موافقة تنفيذية سريعة لتوسيع المشروع، وقامت الشركة على الفور بتنفيذ المشروع في أكبر منطقتين، واعدة بعوائد أكبر.
بناء ثقافة البيانات هو ماراثون
غالبًا ما يتم تعريف الثقافة على أنها ما يفعله الناس في المنظمة عندما لا يراقبهم أحد. يستغرق تغيير السلوكيات الراسخة وقتًا، ولكن مع بداية ملتزمة وتعزيز مستمر، يمكن تحقيقه بالفعل.
يكمن مفتاح التحولات الثقافية الناجحة في المزيج الصحيح من جهود القيادة الأعلى إلى الأسفل والمبادرات الشعبية. وجدت الدراسة الاستقصائية التي أجرتها “نيوڤانتج بارتنرز” أن ٢٨.٣٪ فقط من القادة أبلغوا عن إنشاء ثقافة قائمة على البيانات في عام ٢٠١٩م، لكن في يومنا هذا، ارتفع هذا الرقم إلى ٤٢٪. يحدث هذا النوع من التغيير تدريجيًّا؛ أي في خمس سنوات، وليس في سنة أو سنتين.
في الحقيقة، بناء ثقافة البيانات رحلة طويلة، والقادة الذين يجمعون بين الدعم القوي والتنفيذ الدقيق هم من سيحققون هذا التحول.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




