بدافع من ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وحرصًا على صحة وإنتاجية موظفيهم، بدأت العديد من الشركات في تولي زمام الأمور بنفسها.
ليونارد إل. بيري، جايل أدكوك، آن إم. ميرابيتو
بينما يواجه أصحاب الأعمال نظامَ رعايةٍ صحية مكلفًا وصعب الوصول إليه وغير متسق في الجودة، بدأت فكرة قديمة -توفير الرعاية الصحية للموظفين في مقر العمل أو بالقرب منه- تكتسب زخمًا جديدًا. فقد أظهرت دراسة أجرتها شركة الخدمات المهنية تاورز واتسون Towers Watson والمنظمة غير الربحية “المجموعة الوطنية للأعمال في مجال الصحة” National Business Group on Health عام 2011م أن 23% من أصحاب الأعمال الأمريكيين من الشركات المتوسطة والكبيرة الذين شملهم الاستطلاع لديهم عيادات صحية في الموقع، وأن 12% آخرين يخططون لإنشاء عيادة في الموقع في عام 2012م. تدير بعض الشركات هذه العيادات بموظفيها (بما في ذلك الأطباء والممرضين)، في حين تتعاقد شركات أخرى مع منظمات خارجية لإدارة العيادة وتوفير الطاقم الطبي، أما أصحاب الأعمال الأصغر حجمًا فقد يشاركون عيادة واحدة مع شركات مجاورة.
خذ على سبيل المثال شركة البرمجيات SAS Institute، التي اختارتها مجلة “فورتشن” كأفضل شركة للعمل في الولايات المتحدة لعامين متتاليين. وتفيد SAS بأنها توفر ملايين الدولارات سنويًّا، ويرجع ذلك أساسًا إلى انخفاض تكاليف خطط الرعاية الصحية وزيادة إنتاجية الموظفين، من خلال تشغيل مركز رعاية صحية متكامل الخدمات في مقرها للموظفين وعائلاتهم. بدأ مركز SAS للرعاية الصحية بشكل متواضع عام 1984م، ويضم الآن 55 موظفًا، من بينهم أربعة أطباء وعشرة ممرضين ممارسين، ولا يفرض المركز أي رسوم على الخدمات ولا يجمع أي مدفوعات مشاركة. حجز المواعيد في اليوم نفسه أمر عادي وشائع، والرعاية غير متعجلة؛ حيث قد يقضي الطبيب أو الممرض الممارس 30 دقيقة أو أكثر مع المريض، وجميع الخدمات التي تتوفر عادة في عيادة الرعاية الأولية الطبية متاحة، وأكثر من ذلك، إذ يمكن للمرضى الحصول على حقن للحساسية، واستشارة أخصائي تغذية، وتلقي علاج طبيعي، وإجراء تحاليل دم أو زيارة معالج نفسي، وفي الوقت نفسه، فهم يطورون علاقة مع مقدم رعاية أولية، أي يؤسسون “منزلًا طبيًّا”، مما يعزز استمرارية الرعاية، كما يقدم المركز مجموعة واسعة من البرامج التعليمية المتعلقة بالصحة في الموقع وعبر الإنترنت.
في عصر ترتفع فيه تكاليف الرعاية الصحية، قد يبدو من غير الواقعي أن تقدم SAS الرعاية الصحية مجانًا للموظفين وعائلاتهم وتوفر المال في الوقت نفسه، ومع ذلك، في عام 2010م، مكنت الكفاءة شركة SAS من تحقيق وفورات مباشرة في خطة الرعاية الصحية تجاوزت 1.50 دولار لكل دولار أنفقته على تشغيل مركز الرعاية الصحية الخاص بها. ويختار أكثر من 75% من موظفي الشركة البالغ عددهم 4700 في مقرها في كاري، كارولاينا الشمالية، المركز كمقدم رعاية أولية لهم، رغم أن خطة التأمين الصحي تسمح لهم باستخدام مقدمي خدمات خارجيين.
كيف تحقق SAS ذلك؟ في جوهر الأمر، تسعى الشركة لتقديم الرعاية الصحية بالطريقة التي ينبغي أن تُقدَّم بها. والهدف البارز هو الحفاظ على صحة الناس، وليس علاجهم عند المرض فقط، إذ لا يوجد نظام “الدفع مقابل الخدمة” الذي يكافئ الفحوصات والعلاجات المفرطة، فالرعاية المنسقة تقلل من تكرار الجهود والعلاجات غير المتوافقة من مقدمي خدمات ينتمون لممارسات طبية مختلفة، ومن ثم، تقدم فرق العمل (الأطباء، والممرضون الممارسون، والممرضون، وموظفو الدعم غير السريري) الرعاية، بحيث يعمل كل عضو في الفريق في حدود تدريبه ومهاراته وخبرته. على سبيل المثال، لا يقوم الأطباء والممرضون الممارسون بوظائف يمكن أن يؤديها الممرضون المسجلون بالكفاءة نفسها، ويُدرَّب الطاقم غير السريري على أداء بعض المهام الأخرى، مثل تسجيل الوزن وقياس ضغط الدم، ويجمع مقدمو الرعاية الخدمات في موعد واحد بدلًا من تأجيل الرعاية الأخرى المطلوبة؛ فالمريض الذي يزور المركز بسبب طفح جلدي قد يحصل أيضًا على لقاح الكزاز وتجديد وصفة طبية.
وبوصفها شركة تأمين صحي لنفسها، تتجنب SAS تكلفة توظيف موظفين للتفاوض على دفع المطالبات مع شركات التأمين، كما هو الحال في معظم العيادات الخاصة، وتقدّر SAS أن كل زيارة لمريض في الموقع توفر ساعتين من وقت عمل الموظف، لأن الفرد يبقى في مقر العمل، مما أدى إلى توفير إنتاجي قدره 3.6 مليون دولار في عام 2010م. كما يشير أحد موظفي SAS: “تذهب إلى مركز الرعاية الصحية وغالبًا ما تعود إلى مكتبك خلال 30 دقيقة”.
ليست شركة SAS وحدها التي نجحت في تنفيذ نظام الرعاية الصحية الذاتية للموظفين، فقد بدأت شركة روزن هوتيلز آند ريزورتس Rosen Hotels & Resorts، ومقرها أورلاندو، تقديم الرعاية الصحية داخليًّا في عام 1991م بهدف محدد وهو تحسين صحة الموظفين. يقول الرئيس التنفيذي هاريس روزن: “لم نكن راضين عن الوضع الراهن، ففي تجربتنا، كانت شركات التأمين الصحي التقليدية تؤدي عملها جيدًا في دفع المطالبات، لكننا لم نلحظ شغفًا كبيرًا بصحة موظفينا”. يوفر البرنامج الذي تديره الشركة رعاية صحية شاملة لـ4,500 موظف ومُعال عبر رعاية في الموقع وشبكة مجتمعية من الأخصائيين والمستشفيات. ويضم مركز جديد للصحة والعافية، بمساحة 15,000 قدم مربع، خدمات الرعاية الأولية، والرعاية التخصصية (من أمراض القلب إلى طب الأقدام)، وخدمات الوقاية والتشخيص المبكر (بما في ذلك تصوير الثدي الشعاعي mammography)، وخدمات إعادة التأهيل، وخدمات الطب البديل (مثل العلاج بالإبر)، ومركز لياقة بدنية متكامل، ويتم توفير خدمة نقل للموظفين العاملين في مواقع أخرى إلى العيادة، كما أن الفحوصات السنوية مجانية، والمساهمات المالية للخدمات الأخرى منخفضة، ويتم صرف العديد من الأدوية مجانًا. وقد عزز برنامج روزن الصحي معنويات وإنتاجية الموظفين، حتى مع تقليل التكاليف، كذلك معدل دوران الموظفين في الشركة في خانة الأرقام الفردية، وهو رقم مثير للإعجاب في صناعة الضيافة، وتفيد الشركة بأنها توفر ما يقدر بـ 21 مليون دولار سنويًّا في الإنفاق على الرعاية الصحية.
بينما تعتمد شركتا روزن هوتيلز وSAS على مقدمي الرعاية الصحية الموظفين من قبل الشركة، تقدم بعض الشركات رعاية صحية للموظفين في الموقع بالشراكة مع أطباء محليين. ففي عام 2007م، تعاونت شركة تشيسابيك إنرجي Chesapeake Energy، المنتجة للنفط والغاز، مع مجموعة طبية رائدة في مدينة أوكلاهوما لتقديم رعاية صحية في الموقع للموظفين كخدمة مكملة للرعاية التقليدية خارج الموقع. فقامت تشيسابيك ببناء عيادة في الموقع وتقوم الآن بصيانتها، في حين توفر المجموعة الطبية الطاقم والمعدات الطبية المتخصصة، وتقدم المنشأة رعاية طارئة، وإدارة للأمراض، ورعاية تخصصية محدودة، ورعاية أسنان وتقويم كاملة لما يقرب من 4,600 موظف.
وبالمثل، لدى شركة كومبوريوم Comporium، وهي شركة اتصالات متوسطة الحجم مقرها كارولينا الجنوبية، لديها في الموقع مركز للصحة والتعافي يديره طاقم طبي مستقل. تقدم ممرضات الممارسة المتقدمة رعايةً طارئة لأمراض مثل التهاب الحلق والتهابات الجيوب الأنفية، كما يقدمن إدارة للحالات المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، أما الطبيب مالك العيادة فهو متاح عند الحاجة.
المراكز التي وصفناها ناجحة لأنها أُنشئت للأسباب الصحيحة: لتشجيع ثقافة العافية، وتوفير وصول سهل إلى رعاية صحية عالية الجودة، وتوفير بيت طبي، وإظهار التزام الشركة تجاه موظفيها، وتحسين الإنتاجية، وتقليل معدل دوران الموظفين، ونعم، من أجل سيطرة أفضل على تكاليف الرعاية الصحية. وتحقق هذه المراكز عائدًا ماليًّا لأن عددًا كبيرًا من الموظفين يستخدمها، مما يؤدي إلى تحقيق اقتصاديات الحجم economies of scale، وتقليل عدد المدفوعات لمقدمي الرعاية الطبية الخارجيين، والمساهمة في قوة عاملة أكثر صحة وإنتاجية. وكما يقول الرئيس التنفيذي لشركة SAS، جيم غودنايت: “أفضل منفعة يمكن أن تقدمها للموظف هي الصحة الجيدة”.
لكن عيادة الرعاية الصحية في الموقع ليست حلًّا سحريًّا، فهي ليست الحل للمنظمات التي لديها عدد قليل نسبيًّا من الموظفين في موقع واحد، أو علاقات عمل سيئة، أو معدل دوران مرتفع للموظفين. وحتى في ظل أفضل الظروف، فإن الرعاية الصحية في الموقع ليست طريقًا سهلًا، فغالبًا ما يتطلب الانتقال إلى نظام ذاتي التنفيذ خبراتٍ جديدة (ما لم تكن الرعاية الصحية هي النشاط الرئيسي للشركة)، وقد يكون هذا النظام مكلفًا في البداية من حيث المال والوقت والطاقة، ومع ذلك، بالنسبة للمنظمات التي لديها الحجم المناسب والثقافة والقيادة الملائمة، فهو تناول إبداعي لمشكلة عالمية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




