عندما تنفجر القنبلة الأولى، يصمت كل شيء للحظة. ثم يبدأ الصراخ. لكن بين الصمت والصراخ، بين الانفجار والرعب، تولد حكاية. شاهد عيان يحكي ما رأى، جندي يكتب رسالة أخيرة، صحفي يؤرخ ما يحدث، طفل يخترع قصة ليهرب من الواقع، امرأة تهمس أغنية تحت القصف. الحرب قد تدمر المباني والأجساد، لكنها تفشل أمام غريزة أعمق، غريزة الحكي التي تسري كالدم كالأنفاس. ليس مجرد رغبة، بل ضرورة للبقاء النفسي.
الحرب، هذا الوحش الأسطوري الذي يلتهم كل شيء في طريقه، قد تدمر المباني الشامخة وتحولها إلى ركام، قد تمزق الأجساد وتحولها إلى أشلاء لا تُعرف، قد تكسر الأرواح وتتركها هائمة في متاهات لا نهاية لها من الألم. لكنها تفشل، تفشل فشلاً ذريعاً، أمام غريزة أعمق من كل غرائز البقاء: غريزة الحكي التي تسري في عروق البشر كما يسري الدم، في أنفاسهم كما يسري الهواء. ليست مجرد رغبة في التواصل، بل ضرورة وجودية، آلية بقاء نفسي، خيط أخير يربط الإنسان بإنسانيته وسط جحيم اللاإنسانية.
في أزمنة السلم، تلك الأيام الهادئة التي لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نفقدها، نتحدث عن الموت كفكرة مجردة بعيدة. نتأمل فيه كما نتأمل في لوحة معلقة على جدار متحف، نقف أمامها بأمان مطلق، نحللها بعقولنا الباردة، نفككها ونعيد تركيبها في أذهاننا، ثم نمضي في حياتنا وكأن شيئاً لم يكن.
زمن نقرأ عنه في الكتب الفلسفية، نشاهده في الأفلام من وراء شاشة آمنة، نسمع عنه في نشرات الأخبار بينما نحتسي قهوة الصباح. يبقى هناك، بعيداً، في مكان آخر، يحدث لأناس آخرين لا نعرفهم ولن نعرفهم أبداً.
لكن في الحرب، في ذلك الجحيم الأرضي الذي يصنعه البشر بأيديهم لبعضهم البعض، يتحول الموت من فكرة إلى حضور. يصبح جاراً يسكن في البيت المقابل، يطرق الباب كل ثانية بإلحاح مجنون لا يكل ولا يمل. يتسلل من النوافذ المحطمة كالريح الباردة، يختبئ في كل زاوية مظلمة، يترصد في كل شارع مهجور. يصبح رفيق الدرب الذي لم تختره ولن تستطيع التخلص منه، الضيف الثقيل الذي جاء ليبقى، الظل الذي يتبعك أينما ذهبت ومهما حاولت الهرب.
وهنا، في هذا القرب المرعب من النهاية، في هذه الحميمية القسرية مع الفناء، تنقلب المعادلة رأساً على عقب بطريقة لا يفهمها إلا من عاشها، الحياة لا تتكثف رغم قرب الموت، بل بسببه تحديداً. كأن الموت المحدق يضغط على الحياة ضغطاً هائلاً فيجعلها أكثر كثافة، أكثر حدة، أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. تصبح كل لحظة ثقيلة كالرصاص المصبوب، كل نفَس معركة يجب الفوز بها، كل كلمة تحمل وزن الوجود كاملاً، كأنها آخر كلمة ستُقال في هذا العالم قبل أن ينتهي كل شيء.
ماذا يحدث عندما تصطدم نظريات الأدب الجميلة، بجحيم الواقع الملتهب؟ كل تلك المقولات المصقولة عن دور الفن في تطهير النفس، عن الكاثارسيس الأرسطي، عن المتعة الجمالية التي نستمدها من مشاهدة المأساة وهي معروضة بأمان على خشبة المسرح. ماذا تعني كل هذه النظريات الباردة أمام مأساة حقيقية لا تنتهي بإسدال الستار، لا يصفق لها أحد، لا يخرج منها الممثلون ليحيوا الجمهور ثم يعودون إلى بيوتهم الدافئة؟
هنا، في مواجهة الموت الحقيقي، الدم الحقيقي، الألم الحقيقي، يكتشف السرد فجأة أن قوانينه القديمة، تلك التي وضعها أرسطو في كتابه «فن الشعر» وطورها النقاد عبر القرون، مجرد ألعاب أطفال بريئة أمام عنف الحقيقة وفظاعتها. البداية والوسط والنهاية؟ أي بداية لحرب لا أحد يعرف متى بدأت بالضبط، كأنها كانت موجودة منذ الأزل؟ أي وسط لكابوس يمتد بلا نهاية كصحراء لا حدود لها؟ أي نهاية لألم يتوالد من رحم الألم كالهيدرا الأسطورية، كلما قطعت رأساً نبتت سبعة؟
الزمن نفسه، هذا البُعد الغامض الذي نتحرك فيه دون أن نشعر به في الأيام العادية، يتغير جذرياً في الحرب. يفقد خطيته المألوفة، يتوقف عن كونه ذلك التدفق المنتظم الذي اعتدناه، ذلك النهر الهادئ الذي يحملنا برفق من الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل.
في الحرب، يتحول الزمن إلى شيء آخر تماماً، شيء مشوه وممسوخ: يصبح عداً تنازلياً للموت، كل ثانية تمر هي ثانية أقرب إلى النهاية. يصبح وقفات متقطعة بين انفجار وآخر، فراغات مرعبة من الانتظار القاتل. لحظات متجمدة من الرعب المطلق تبدو كأنها أبدية لا تنتهي، وساعات طويلة من الملل المميت تمر كأنها ومضة برق.
في هذا الزمن المكسور، المقطّع إلى شظايا حادة، يولد نوع مختلف تماماً من السرد. سرد لا يحاول أن يروّض الزمن كما تفعل الرواية الكلاسيكية، لا يحاول أن يضعه في إطار منطقي متسلسل يرضي العقل. بل يستسلم لجنونه، يرقص معه رقصة الموت والحياة، رقصة الدراويش المجانين. سرد لا يؤطر الزمن بل يكسر كل اطاراته، يقفز من لحظة إلى أخرى كمن يقفز فوق الألغام، من ذكرى إلى كابوس، من أمل واهٍ إلى يأس مطلق، دون منطق ظاهر سوى منطق الألم نفسه.
الراوي في هذا السرد الجديد المولود من رحم الحرب ليس ذلك الحكواتي التقليدي الذي يجلس في المقهى الشعبي، محاطاً بجمهوره المتلهف، ينقل حكمة الأجيال بصوت عذب وإيقاع محسوب. ليس الروائي الحديث الذي يجلس في برجه العاجي، آمناً من كل شر، يغوص في عوالمه الداخلية المعقدة، يحلل النفس البشرية بمختبر الكلمات الجاد.
إنه شيء ثالث، مختلف تماماً، فريد في ألمه وصدقه: الناجي. كائن علق بين عالمين، عالم الأحياء الذي لم يعد ينتمي إليه جزئيًا، وعالم الموتى الذي نجا منه بمعجزة لا يفهمها. كائن يحمل في عينيه ما رأى من هول، في جسده ندوب ما عاش، في روحه ثقل من لم ينجوا.
الناجي لا يحكي «كان يا ما كان» بتلك البراءة الساحرة التي تميز الحكايات الشعبية. يحكي «حدث»، بصيغة الماضي التي تحمل كل ثقل الحاضر، كأن ما حدث لا يزال يحدث في كل لحظة. يحكي «يحدث الآن»، لأن ما مضى لا يمضي أبداً، يظل يحدث في ذاكرته، في كوابيسه التي تزوره كل ليلة، في لحظات يقظته المفاجئة من النوم على صوت يشبه صوت القصف. ويحكي «أحكي كي لا يحدث مرة أخرى»، وهذه ربما أنبل أشكال السرد وأصعبها: السرد كتحذير، كصرخة في وجه المستقبل، كمحاولة يائسة لإيقاظ البشرية من غفلتها قبل تكرار المأساة.
بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن شهد العالم فظاعات لم يكن العقل البشري يتصور أن البشر قادرون عليها، طرح الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو مسألة عميقة عبر قول: «كتابة الشعر بعد أوشفيتز أمر بربري».
لم تكن هذه الجملة الصادمة، كما فُهمت خطأً في كثير من الأحيان، دعوة للصمت الأبدي. لم يكن أدورنو يطالب الشعراء بكسر أقلامهم والانسحاب من ساحة الكلمة. كان يضع إصبعه على جرح نازف في قلب الحضارة: كيف يمكن للفن، هذا النشاط الإنساني السامي، أن يستمر بالطريقة نفسها بعد أن شهدت الإنسانية أحط صورها؟ كيف يمكن للجمال أن يحتفظ ببراءته بعد أن رأى الهمجية المطلقة؟
المعضلة التي طرحها أدورنو ليست تقنية بل وجودية: كيف يمكن للفن أن يمثّل الفظاعة دون أن يخونها بتحويلها إلى موضوع جمالي؟ كيف يمكن أن نكتب قصيدة عن المحرقة دون أن نجعل من المحرقة، رغماً عنا، مادة للاستهلاك الثقافي؟
الإجابة العملية على مسألة أدورنو جاءت من الناجين أنفسهم. نصوص لا تجمّل الرعب ولا تحوله إلى أسطورة بطولية، بل تشهد عليه بصرامة تقشعر لها الأبدان. في هذه النصوص، اللغة تتعرى من كل زخرف بلاغي، تتخلى عن كل استعارة فائضة، تصبح عظماً خالصاً، صلباً وحاداً. كل كلمة محسوبة بدقة جراح، ضرورية كالماء في الصحراء، لا مكان للترف اللفظي، لا مساحة للعب بالمعاني.
ليس هذا التقشف اللغوي خوفاً من الجمال، بل اكتشافاً لجمال آخر، الجمال الذي يولد من الصدق المطلق، من الشجاعة في مواجهة الحقيقة عارية من كل أقنعة.
الأدب العربي، بذاكرته الثقيلة بالحروب والنكبات، لم يكن بعيداً عن هذا التحدي. محمود درويش في «حصار لمدائح البحر» لم يكن مجرد شاعر يكتب عن الحرب من مسافة آمنة. كان الصوت الذي يتكلم من قلب الحصار، يحول القصف إلى إيقاع شعري، والخوف إلى حرف، والموت إلى نوع غريب من الخلود. درويش فهم بحدس الشاعر الحقيقي أن الكلمة في زمن الحرب ليست مجرد تعبير، بل فعل مقاومة، سلاح أخير في وجه العدم.
جبرا إبراهيم جبرا، الذي عاش النكبة طفلاً وحملها رجلاً، حوّل التهجير إلى أدب، والضياع إلى بحث دائم عن المعنى. في نصوصه، الألم الشخصي لا ينفصل عن المأساة الجماعية، بل يذوبان معاً في بوتقة واحدة تنتج أدباً يتجاوز الزمان والمكان.
سميح القاسم كتب: «أصعب ما في الأمر أن نموت ونحن لا نملك إلا فرح الكلمات». هذا البيت يختصر المفارقة المؤلمة: الكلمات هي كل ما نملك في مواجهة الدبابات، لكنها أيضاً، بطريقة عجيبة، أقوى ما نملك. الدبابة تدمر البيت، لكن القصيدة تعيد بناءه في الذاكرة. الرصاصة تقتل الجسد، لكن الكلمة تُخلّد الروح.
لماذا تزداد النصوص قوة وجمالاً كلما ازداد منبعها ألماً؟ هل هناك خيط خفي يربط بين العذاب والإبداع، بين الجرح والكلمة؟
ربما لأن الألم الشديد يكسر كل الحواجز المصطنعة. في لحظات الألم القصوى، تنهار الأقنعة الاجتماعية، تسقط الأدوار المسرحية، يبقى الإنسان عارياً أمام نفسه وأمام الكون. في هذه العُري الوجودي المطلق، تولد الكلمات من أعماق لم تُكتشف من قبل، من ينابيع لم تُمس. ليست كلمات مصنوعة للإعجاب، بل كلمات ضرورية للبقاء، كصرخة الوليد الأولى.
الألم يحرر اللغة من قيودها الاجتماعية، من مجاملاتها الفارغة، يجعلها تقول الحقيقة مهما كانت قاسية. وفي هذه الحقيقة العارية، في هذا الصدق المطلق، يكمن نوع من الجمال لا يمكن الوصول إليه بطريق آخر.
ثمة معجزة تحدث في السرد المولود من الحرب: قدرته على تحويل المحلي إلى كوني بسلاسة مذهلة. حكاية جندي واحد في خندق موحل تصبح قصة كل الجنود في كل الحروب. دمعة أم واحدة تتحدث باسم كل الأمهات الثكلى عبر التاريخ.
لكن هذا التحول محفوف بخطر التجريد. كيف نحافظ على خصوصية كل ألم دون أن نحوله إلى رقم في إحصائية؟ الجواب في التفاصيل الصغيرة التي تقاوم النسيان: اسم الضحية كاملاً، لون عينيها، آخر كلمة قالتها. هذه التفاصيل تصر على أن وراء كل رقم إنساناً له قصة.
في عصر الصورة الفورية، تصل مشاهد الحرب إلى شاشاتنا لحظة بلحظة. قد يبدو أن الصورة أقوى من الكلمة، أصدق، أكثر تأثيراً. لكن هذا وهم خطير.
الصورة تُظهر «ماذا» لكنها لا تفسر «لماذا»، تُظهر الدمار لكنها لا تحكي قصة البيت. تُظهر الجثة لكنها لا تروي حياة الإنسان. السرد وحده قادر على إعطاء المعنى، على وضع الصورة في سياقها الإنساني، على تحويل الصدمة إلى فهم.
أكثر من ذلك، الصورة تبقينا متفرجين، مهما اقتربت الكاميرا. لكن السرد يدخلنا إلى الوعي، يجعلنا نعيش التجربة من الداخل، نشعر بما شعر به الآخر، نخاف مما خاف منه.
عندما تنتهي الحرب، إن انتهت، يبقى للسرد دور أخير وهو المرثية. ليس فقط رثاء الموتى، بل رثاء كل ما ضاع، الأحلام المكسورة، الطفولة المسروقة، البراءة المفقودة إلى الأبد.
السرد يصبح مقبرة رمزية، مكاناً للذكرى والحداد. لكنه أيضاً شهادة حية، صرخة ضد النسيان، سلاح ضد من يريدون إعادة كتابة التاريخ أو محو الذاكرة.
هكذا يكشف السرد في زمن الحرب عن وجهه الحقيقي، ليس ترفاً حضارياً للأوقات الطيبة، بل آلية بقاء أساسية في أحلك الأوقات. وسيلة الإنسان الأخيرة للحفاظ على معناه وسط اللامعنى، على إنسانيته وسط الوحشية.
ذلك اليوم الذي لن نحتاج فيه إلى حكايات الحرب قد يأتي، إذا تعلمت البشرية درسها أخيراً. وقد لا يأتي أبداً، إذا استمر البشر في تكرار أخطائهم الأزلية. لكن حتى ذلك اليوم، ستبقى الحكايات تولد من رحم الألم، تحمل شهادتها عبر الزمن، تقول للأجيال القادمة: هذا ما حدث، وهذا ما لا يجب أن يحدث مرة أخرى.
الحكاية، كما علمتنا شهرزاد منذ ألف ليلة وليلة، قد تكون الطريقة الوحيدة لتأجيل ومواجهة الموت، لإبقاء شعلة الضوء مشتعلة في أحلك الليالي. وفي زمن الحرب، تصبح الحكاية أكثر من مجرد تأجيل للموت. تصبح انتصاراً للحياة، إثباتاً قاطعاً أن الروح الإنسانية، مهما تعرضت للتحطيم، تبقى قادرة على الخلق.
في كل مرة تُروى قصة من قصص الحرب، في كل مرة يُكتب نص يشهد على الفظاعة ويتجاوزها في آن، نثبت أن الكلمة، هذا الاختراع البشري البسيط والعجيب، أقوى من كل أسلحة الدمار. الأسلحة تدمر الأجساد، لكن الكلمات تبني العوالم. الأسلحة تُسكت الأصوات، لكن الكلمات تُخلّد الصدى. الأسلحة تمحو الوجود، لكن الكلمات تحفظ الذاكرة إلى الأبد. وفي عندما يسكت صوت المدافع، عندما ينقشع دخان المعارك، ما يبقى هو الكلمة. الكلمة التي تشهد، التي تتذكر، التي تحذر، التي تأمل رغم كل شيء. الكلمة التي تقول ببساطة مؤثرة: كنا هنا، عشنا، تألمنا، صمدنا، وها نحن نحكي لكي لا ينسى العالم، لكي لا يتكرر الكابوس، لكي تبقى الإنسانية حية في قلب الإنسان.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




