للشبابِ الذين اعتادوا تفقدَ هواتفهم المحمولة على الدوام، قد يكونُ مجردُ يومٍ واحدٍ بلا وصولٍ إليها باعثًا للقلقِ والاضطراب. فما الدلالاتُ التي ينبغي للمديرين إدراكها في إدارة جيلٍ رقمي على الدوام؟
مارشيلو روسو، وماسيمو بيرغامي، وغابرييلي موراندين
في المجتمعِ المعاصرِ، يعتمدُ كثيرٌ من الناس، ولا سيما من هم دون الثلاثين، على هواتفهم الذكية في جملةٍ من الأنشطةِ المهمة، كالإفاقةِ صباحًا، والاستماعِ إلى الموسيقا، ومتابعةِ الأخبار، ومعرفةِ جداولِ الحافلات، والتواصلِ مع الأصدقاءِ والعائلة. وقد أظهرَ استطلاعٌ أجراه مركزُ بيو للأبحاث عام 2015م أن خمسة عشر بالمئة من الأمريكيين بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين “يعتمدون اعتمادًا كبيرًا” على هواتفهم الذكية للولوج إلى الإنترنت. ولا ريبَ أن الهواتفَ الذكية قد يسرت حياتنا وجعلتها أكثر اتصالًا، ولكن بأي ثمن؟ فقد حذرت دراساتٌ عدة من أن الإفراط في استخدام الهاتف يؤثر في القدراتِ العقلية، والنوم، وجودةِ التفاعلِ الاجتماعي، والقدرةِ على العمل.
وبناءً على ما لاحظناه من سلوكِ طلابنا في قاعات الدرس، ومدى تغلغلِ التقنيةِ في حياةِ الشباب، ناقشنا ما يمكننا فعله لجعل طلابنا أكثر وعيًا بالتكاليفِ المصاحبةِ للاستخدامِ غير المقيد للهواتفِ المحمولة وسائرِ الأجهزةِ المتصلةِ بالإنترنت. وبعد الاطلاعِ على أفكارٍ شتى للحدِّ من الاعتمادِ على الهواتف والأجهزة، قررنا إطلاقَ مشروعٍ ليومٍ واحدٍ يُطلب فيه من طلاب الدراسات العليا في مساقاتِ سلوكِ المنظمات والقيادةِ في جامعة بولونيا بإيطاليا، وحرم كيدج للأعمال في بوردو بفرنسا، تعليقُ الاتصالِ كلّيًّا وتدوينُ تجربتهم في سجلٍّ خاص. وهذه المقالةُ مبنيةٌ على تجاربِ مئةٍ وثلاثةٍ وخمسين طالبًا شاركوا في هذا المشروع بين عامي 2015م و2017م.
وقد تلقى الطلابُ الفكرةَ بمزيجٍ من الدهشةِ والارتياب، وإن أعقبَ ذلك غالبًا شعورٌ بالحماس. وقد اعترض بعضُ الطلاب، لا سيما الأجانب، متذرعين بأن أسرهم أو شركاءهم سيقلقون إن انقطعوا عنهم. وفي مثل هذه الحالات، أوصينا الطلابَ بإبلاغِ أسرهم مسبقًا، وتزويدهم بمعلوماتِ التواصلِ مع صديقٍ أو أستاذٍ في حالِ الطوارئ. وقد شكك بعضُ الطلاب في أصلِ الفكرةِ القائلةِ إنهم مدمنون على أجهزتهم. ومع ذلك، قررنا أن نجعل المشاركةَ في المشروع شرطًا في مساقاتنا، ونصحنا الطلابَ بإبلاغِ أسرهم بانقطاعهم المؤقت عن التواصل.
استباقُ التحدي
كانَت الأيامُ السابقةُ للتحدي عند كثيرٍ من الطلابِ حافلةً بالانشغالِ والقلق. وقد أُتيح لكل طالبٍ اختيارُ اليومِ الذي سينقطعُ فيه عن الإنترنتِ والهاتفِ، وحرصَ كثيرٌ منهم على الاستعدادِ بعناية. فإلى جانبِ إبلاغِ الأهلِ والأصدقاء، عمد بعضهم إلى إعلانِ نيتهم التوقفَ عن التقنيةِ علنًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتوقعَ كثيرٌ من الطلابِ بعضَ الصعوبات، فطبعوا جداولَ الحافلاتِ وإرشاداتِ الطريقِ وسائرَ الأمورِ التي اعتادوا الرجوعَ إليها فورًا عبر أجهزتهم. واستشاروا أصدقاءهم وزملاءهم في كيفيةِ تدبيرِ شؤونهم اليومية، مثل الاستيقاظِ دون منبهِ الهاتف.
طُلِب من الطلابِ توثيقُ تجربتهم في تقريرٍ يشكل ثلاثين في المئة من العلامةِ النهائية للمساق. وفي هذا التقرير، كان عليهم أن يذكروا كيف استعدوا للتجربة، وكيف قضوا وقتهم بعيدًا عن الاتصال، وكيف أثرت فيهم التجربة نفسيًّا، وماذا تعلموا من الانقطاعِ عن التقنيةِ يومًا كاملًا.
كيف قضوا أوقاتهم
لاحظَ كثيرٌ من الطلابِ أن اليومَ بلا أجهزةٍ بدا أطولَ من المعتاد، ورأى بعضهم في ذلك خيرًا؛ إذ أتاح لهم إنجازَ أعمالٍ مؤجلةٍ منذ أسابيع. وقال طالبٌ ألماني إنه رغم استيقاظه متأخرًا (لعدم وجود منبهٍ)، فإنه وجد وقتًا للقراءةِ والرياضةِ وإعدادِ وجبةٍ خاصة.
أما بعضهم فقد رأى في طولِ اليومِ عبئًا، إذ تركهم بفراغٍ لم يعرفوا كيف يملؤونه. فقال أحدهم: “دون الهاتف الذكي، كان إفطاري قصيرًا جدًّا ولم أعرف ماذا أفعل بعده”. وكتب آخر عن ضيقهِ من عدمِ قدرته على مطالعةِ هاتفه في أثناء الركوبِ في الحافلات والقطارات، واصفًا إياها بأنها “أطولُ فترةٍ في حياتي”. وقد جعل غيابُ الهاتفِ بعضَ الطلابِ يشعرون بكشفِ أمرهم، فقال أحدهم: “شعرتُ بعدمِ الراحةِ، إذ لم يكن لدي ما أختبئ وراءه من شاشةِ الهاتف”. وكتبت طالبةٌ فرنسية: “لم أكن قادرةً على عدمِ فعلِ شيء. كنتُ أفكرُ في هاتفي طوال الوقت”. ولتقليلِ شعورهم بعدمِ الارتياح، اختار عددٌ من الطلابِ تنفيذَ التجربةِ في يومٍ يعجُّ بالانشغال. فقال طالبٌ أمريكي: “بهذه الطريقةِ سأكون منشغلًا ولن أفكر في هاتفي”.
وقد اجتهد كثيرٌ من الطلابِ في عدِّ المشروعِ فرصةً للتعلم. وأشار بعضهم إلى أنه سبيلٌ لمعرفةِ كيف كانت الحياةُ قبل انتشارِ الأجهزةِ المحمولة (أو كما قال أحدهم: “لأرى كيف كان والداي يتواصلان حين كانا في مثلِ سني”). وذكروا أنهم قضوا وقتًا في زيارةِ أماكنَ جديدةٍ في المدينة (“عشتُ في المدينةِ ستةَ أشهرٍ وما زالت أماكنُ كثيرةٌ أجهلها، فكان ذلك اليومُ رائعًا لي”). وقال أحدهم: “تجولتُ ساعتين، وكان ذلك مريحًا للغاية”.
قال كثير من المشاركين إنّ هذه التجربة أتاحَت لهم الوقت للتأمّل في كيفيّة تأثير التقنيات في حياتهم وتفاعلاتهم الاجتماعيّة. وذكر بعضهم أنّهم خاضوا أحاديث أكثر عمقًا ومعنًى، ما جعلهم يشعرون بـ”قرب واتّصال أوثق” بأصدقائهم. وكتب أحد الطلّاب: “تناولتُ العشاء مع صديقي في المساء، وعلّقنا على مدى شعورنا بالحضور الحقيقي وكيف كنّا نستطيع أن نصغي حقًّا لما يقوله كلّ منّا للآخر”.
كيف شعروا
خلال يوم الانقطاع عن الأجهزة، عايش الطلّاب مزيجًا من المشاعر. وكان القلق هو الشعور الغالب عند كثير منهم. إذ شعروا بالاضطراب خوفًا من أن يفوتهم أمر مهم: ماذا لو احتاج إليهم آباؤهم؟ ماذا لو حاول صاحب عمل مرموق التواصل معهم بعرض وظيفة؟ كيف سيلحقون بجميع تحديثات وسائل التواصل الاجتماعي التي فاتتهم؟ واستعدادًا للتجربة، أفاد بعض الطلّاب بأنهم واجهوا صعوبة في النوم، وذكر قليل منهم أنّهم استخدموا هواتفهم الذكية قدر استطاعتهم حتّى بدء التجربة، طلبًا للطمأنينة. (وكتب أحدهم: “قضيتُ الدقائق الأخيرة أراجع كلّ وسيلة تواصل وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بي”).
وكان من المشاعر المشتركة أنّ الهاتف يوفّر “إحساسًا بالأمان”. بل إنّ بعض الطلّاب كانوا يحملون هواتفهم معهم في وضع الطيران، ولو كانت مغلقة، تحسّبًا للطوارئ. وذكر كثير منهم أنّ أشدّ لحظات القلق كانت في فترة بعد الظهر، حين لم يتلقّوا اتصالًا لساعات عدّة. وكتبت طالبة إيطاليّة عن مخاوفها من فقدان التواصل مع الناس ومن العزلة: “لا تصلني رسائل، ولا صور، ولا بريد إلكتروني، ولا إعجابات، ولا تعليقات… أشعر كأنّ أحدًا لا يرغب في التواصل معي أو التفكير بي! أنا وحيدة!!”.
وأعرب الطلّاب أيضًا عن شعورهم بالذنب لعدم قدرتهم على الردّ على الرسائل الواردة في محادثات صفوفهم. وقلقوا من أن يؤثّر ذلك في قدرة زملائهم على إنجاز الواجبات الصفّيّة، وخشوا من العواقب التي قد تترتّب على سمعتهم وحياتهم الاجتماعيّة جرّاء هذا الانقطاع. وكتبت امرأة روسية تدرس في بولونيا: “إنّ البقاء صامتًا لأكثر من ثلاث ساعات يُعدّ أمرًا غير طبيعي، ويتطلّب تفسيرًا لاحقًا. سرعة الردّ ضرورة لا بدّ منها لتكون جزءًا من الحياة الاجتماعيّة”. ولمّا انقضت الأربع والعشرون ساعة، عبّر كثير من الطلّاب عن ارتياحهم. (كما كتب أحدهم: “لحسن الحظ، لم يدُم هذا التحدّي سوى يوم واحد”). وقد قرّر بعضهم إرفاق صور للشاشة في أوراقهم توثّق عدد الرسائل، والبريد الإلكتروني، وإشعارات وسائل التواصل الاجتماعي التي فاتتهم.
ما تعلّموه
أدرك كثير من الطلّاب أنّ للتقنية مزايا ومساوئ، وخلص معظمهم إلى أنّ التقنية ضروريّة، وأنّ العيش من دون هاتف محمول “أمر مستحيل”. فقد اعترفوا، مثلًا، بأنّ تقنيات الاتصال حسّنت حياتهم وأتاحت لهم فرصًا (كإمكانيّة التواصل مع أشخاص في أنحاء العالم) كانت في السابق أصعب منالًا. غير أنّ العيش بلا أجهزة ولو ليوم واحد جعل كثيرين منهم يدركون أهميّة التحكّم والاعتدال. كما كتب طالب من تركيا: “أنا أقدّر التقنية وما توفّره من يسر لحياتنا، لكن الإفراط في التقنية قد يكون مضرًّا”.
واكتسب الطلّاب وعيًا أكبر بعاداتهم في الاتصال. وكما لاحظ طالب إسباني يدرس في بولونيا، فإنّ التجربة “كانت تمرينًا مفاجئًا وكاشفًا جعلني أعي أنّ يومي يبدأ وينتهي بهاتف ذكي في يدي”. حتى أولئك الذين لم يعدُّوا أنفسهم معتمدين كثيرًا على أجهزتهم، أدركوا مدى اعتمادهم عليها في أبسط الأمور، كالبحث عن وصفة أو ضبط مؤقّت للطهو. كما نما وعي الطلّاب بتأثّرهم الكبير بعادات أقرانهم. وكتب أحدهم: “ما دام الجميع يستخدم الهاتف الذكي، فأنا أفعل ذلك أيضًا”.
وأخيرًا، ذكر بعض الطلّاب أنّهم حين راقبوا الناس في المقاهي أو القطارات وهم غارقون في هواتفهم، أصبحوا أكثر وعيًا بأنّ استخدام الهاتف أمام الآخرين قد يُعدّ قلة احترام. وكتب أحدهم: “لقد تفحّص صديقي هاتفه أربع مرّاتٍ خلال لقائنا الذي دام عشر دقائق!! أدركتُ من ذلك مدى سطحية بعض علاقاتنا المعاصرة”. واستلهامًا من المشروع، بدأ بعض الطلّاب يحدّدون أوقاتًا للراحة يلتزمون فيها بالانقطاع عن الأجهزة: “لا أستطيع الاستغناء التام عن أجهزتي الرقميّة، لكن أرغب في أن يكون لي أيّام بلا أجهزة بصورة منتظمة”، كتب طالب صيني يدرس في كيدج. وذكرت طالبة إيطاليّة في بولونيا: “في نهاية اليوم، لم أكن أفتقد وسائل التواصل الاجتماعي ولا الاتصال الرقمي، كنتُ سعيدة لأنّي تحدّيتُ عاداتي اليوميّة غير الصحيّة، إذ أتاح لي ذلك اكتشاف نمط حياة أبطأ وأكثر وعيًا”.
دلالات للمديرين
مما وجدناه أنّ الشباب أكثر استعدادًا لتعديل عاداتهم التقنيّة ممّا كنا نظن. فبدلًا من التمسّك التام بعاداتهم، فإنّ أبناء جيل الألفية منفتحون بشكل مدهش على اكتشاف قيمة المهمّات والواجبات الجديدة.
في الزمن الذي انقطع فيه الطلاب عن هواتفهم الذكية، أعاد كثير منهم اكتشاف قيمة أشكال التعاون الأخرى، فابتكروا طرائق جديدة للتنسيق مع زملائهم في الاجتماعات وتبادل المواد الدراسية والواجبات وسائر الأمور. ومثل هذه المرونة وحسن التدبير قد تلهم المؤسسات في كيفية تناول استراتيجياتها الرقمية، وما ينبغي أن تفرضه من حدود على الاتصال بالإنترنت. فمثلًا، قد ترى المؤسسات أنه من الحكمة أن تحد من استعمال الأجهزة في أثناء الاجتماعات والأطعمة والتعامل مع الزملاء، وربما تضع ضوابط لإرسال الرسائل الإلكترونية غير العاجلة في غير أوقات العمل، مراعاة لحياة الموظفين الخاصة وأسرهم. ومع أن الرسائل النصية يسيرة وسريعة، فقد ترغب الشركات في تشجيع التواصل وجهًا لوجه متى أمكن ذلك.
والعمل بلا أجهزة في أوقات محدودة يبرز فرصًا لتحسين الوعي الذاتي وضبط النفس، وهما ركنان أساسيان من أركان الذكاء العاطفي. وبعد إجراء التجربة، لاحظنا أن كثيرًا من الطلاب تبنوا طوعًا قواعد سلوكية تقيد استعمال الأجهزة المحمولة عند التفاعل مع الآخرين، إظهارًا للاحترام وتركيز الانتباه. وقد ذكر أحد الطلاب الألمان أنه بدأ يُخفي هاتفه ويضعه “بعيدًا عن الأنظار” في أثناء التفاعل الاجتماعي، ليضبط عادته الراسخة في تفقد هاتفه أو اللعب به وهو بين الناس. ونظرًا لانتشار الأجهزة المتصلة بالإنترنت في منظمات عصرنا، نأمل أن تكون تجربة الانقطاع عن الأجهزة مصدر إلهام للمؤسسات، وخاصة لقادتها، وهم يسعون إلى تقديم القدوة في حسن استعمال التقنيات المحمولة في بيئة العمل.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




