يعتمد القادة على مجموعة من الأساليب المتنوعة، تتراوح بين خدمة لا أحد وخدمة المجتمع بأسره. إن معرفة نقاط القوة ومواطن الضعف في كل عقلية -وأيها تعتمد عليها بشكل أكبر- يمكن أن يساعدك في بناء فرق أفضل وتحقيق تأثير أعظم.
موديستو أ. ميديك وناثان ج. هيلر
من أكثر الأسئلة الكاشفة التي يمكن أن يطرحها القائد على نفسه: “من أخدم؟” فالإجابة عن هذا السؤال تكشف أسلوب القيادة ومجال النفوذ أكثر مما تكشفه السمات الشخصية أو الذكاء العاطفي، وإذا اتُّخِذ هذا القرار بتأنٍّ، فإنه يوجه الجهود نحو هدف محدد، ويساعد في جمع فرق عمل أكثر كفاءة، وتجنب الكوارث، وصنع أثر دائم في المؤسسة وخارجها.
في السنوات الأخيرة، أجرينا مقابلات مع قادة من أكثر من ثمانين مؤسسة في صناعات متنوعة. (انظر “حول البحث”). استنادًا إلى تلك الحوارات، وبالاستفادة من أبحاث القيادة المعرفية (cognitive leadership)[1][2] وعلم النفس النمائي (developmental psychology)[3]، حددنا ست عقليات قيادية: أسميناها “المعتل اجتماعيًّا” (Sociopath)، و”الأناني” (Egoist)، و”الحرباء” (Chameleon)، و”الدينامو” (Dynamo)، و”البنَّاء” (Builder)، و”المتعالي” (Transcender). كل واحدة منها تمثل مجموعة من الافتراضات والمعتقدات حول طبيعة القيادة وغايتها، وحول أفضل السبل لممارستها. ومن خلال خبرتنا في دراسة القادة والعمل معهم، وجدنا أنهم نادرًا ما يمتلكون عقلية واحدة فقط؛ بل لديهم مجموعة من العقليات، وكل واحدة منها -وكذلك المزيج الكلي الذي يختلف من شخص لآخر- يؤثر في قرارات القائد وسلوكاته، ويمكن أن يغير اتجاه المؤسسة وتركيزها وأداءها. (انظر ” نماذج تعريفية لاثنين من كبار المدراء التنفيذيين”). تستعرض هذه المقالة كل عقلية على حدة، وتقدم بعض الإرشادات حول كيفية فهم الأفراد لمحفظتهم الشخصية من العقليات والاستفادة القصوى منها.
حول البحث
أُجري هذا البحث على مدى أربع سنوات ونصف، وشمل استخدام الأساليب الاستقرائية والاستنتاجية. أولاً، أجرينا 12 مقابلة شخصية منظمة مع رؤساء تنفيذيين حاليين وسابقين في صناعات مختلفة (بما في ذلك أشباه الموصلات، والتكنولوجيا الحيوية، والمالية، والبناء، والحكومة). شملت الشركات كل من شركة ناشيونال سيميكوندكتور، وشراكات آركستون، وشركة كارنفال، وشركة ميكرون تكنولوجي، وشركة أنالوج ديفايسز، ومجموعة أوديبريشت. ومن خلال هذه المقابلات، طورنا مجموعة أولية من توجهات القيادة الذهنية.
بعد ذلك قمنا بتحسين نموذجنا بطريقتين. أولاً، وبناءً على دراسات حالة مستمدة من المرحلة الأولى من البحث، ناقشنا الإطار العام والأفكار مع حوالي 155 مديراً تنفيذياً خلال برامج تطوير القيادة التنفيذية في جامعة فلوريدا الدولية، وكلية روس للأعمال بجامعة ميشيغان، وكلية هارفارد للأعمال، وكلية كولومبيا للأعمال. ثانيًا، جمعنا بيانات التحقق من 217 قائدًا في 70 مؤسسة بعد تطوير مقياس موجز بالشراكة مع دانيال نيومان، أستاذ علم النفس الصناعي/التنظيمي وخبير مناهج البحث في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين.
نماذج تعريفية لاثنين من كبار المدراء التنفيذيين
كيف يؤثر مزيج العقليات لدى القائد على اتخاذ القرار والسلوك والتأثير؟ يعتمد ذلك على التحديات المطروحة — وعلى وعي الشخص بذاته.
خدمة لا أحد: المعتل اجتماعيًّا
أكثر العقليات تقييدًا وخطورة -“المعتل اجتماعيًّا” (Sociopath)- توجد لدى أشخاص يظهرون تجاهلًا متهورًا لأي شخص عدا أنفسهم، ورغم أننا لا نستخدم هذا المصطلح بالمعنى المرضي أو بقصد التشخيص، فقد لاحظنا أن القادة الذين تغلب عليهم هذه العقلية يظهرون سمات ترتبط غالبًا باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، مثل انعدام التعاطف وعدم الاكتراث بالألم النفسي والجسدي للآخرين. وغالبًا ما يكونون أيضًا ساحرين وفعالين للغاية في التلاعب بالآخرين وبأنظمة المؤسسة (على الأقل لفترة من الزمن).
انظر إلى المدير التنفيذي السابق لشركة تورينغ للأدوية (Turing Pharmaceuticals)، مارتن شكريلي (Martin Shkreli)، الذي دمر مسيرته وسمعة شركته بسلوكه الاستغلالي المتكرر، رغم تحقيقه نجاحًا كبيرًا من بعض الجوانب. فقد أظهرت رسائل البريد الإلكتروني أنه بعد رفع سعر دواء “دارابريم” (Daraprim) الموصوف طبيًّا بأكثر من 5000%، أشاد شكريلي بقراره واصفًا إياه بـ “استثمار وسيم”، مبديًا سعادته باحتمال تحقيق أرباح قصيرة الأمد على حساب صحة المرضى[4].
يمكن أن تظهر عقلية المعتل اجتماعيًّا في أي مستوى داخل المؤسسة، وربما عملت يومًا مع شخص تنطبق عليه هذه السمات، فمثل هؤلاء الرؤساء القساة يتجاهلون معاناة الآخرين، لكنهم غالبًا يستخدمونهم بمهارة لتحقيق أهدافهم من خلال الضغط والإكراه والخداع، واعتمادهم على الخوف كمحفز قد يحقق نتائج مؤقتة، كما أن ذكاءهم وسحرهم وقدرتهم على التلاعب قد تتيح لهم الترقية. أخلاقهم متقلبة، ويرون أنفسهم فوق القوانين.
وقد وجدنا أنه لا توجد طريقة عملية للعمل بفعالية مع أشخاص يملكون عقلية المعتل اجتماعيًّا القوية دون المخاطرة بوقوع الكوارث، حتى إن كانوا من أصحاب الأداء العالي. ومن غير المرجح أن يتغيروا.
خدمة الذات: الأناني
القادة ذوو العقلية الأنانية (Egoist) يغلب عليهم الدافع لجمع الثروة والسلطة والمكانة لأنفسهم. في كل موقف يسألون: “ما الفائدة التي ستعود عليَّ؟” يمكن أن تنمو المؤسسة وتحقق الأرباح تحت قيادة شخص كهذا، لكن فقط إذا توافقت مصالح المؤسسة مع مصالح القائد.
ومن الإنصاف القول إن كثيرًا من الناس يتأثرون بأهداف الثروة والسلطة والمكانة، ولسنا نزعم أن ذلك يؤدي دومًا إلى مشكلات، غير أنه ما لم تتوازن هذه الأهداف باعتبارات أخرى، فإن غلبة عقلية الأناني على رأس القيادة قد تدمر ثقافة المؤسسة، فعندما يكون القائد غارقًا في ذاته تمامًا، يتخذ الآخرون من ذلك نموذجًا سلوكيًّا، وتضيع روح العمل الجماعي ومبادرات المساعدة، وهي أمور ضرورية لنجاح المؤسسة على المدى الطويل.
وفي عملنا في تطوير القيادات، تعرفنا إلى مدير مصنع لمكونات تقنية عالية، كان يجسد بوضوح عقلية الأناني، فبعد أن أبدى أداءً جيدًا كبائع متحمس وقاد فريقًا صغيرًا، رُقِّي إلى دور قيادي أكثر بروزًا، لكنه سرعان ما كشف عن نفسه كشخص جشع يسعى إلى ترويج ذاته، بدلًا من أن يكون نموذجًا يُحتذى للسلوكات المفيدة للفريق. وبناءً على مثاله، سادت الفوضى بين موظفي المبيعات؛ إذ بدأ أعضاء الفريق، مقلدين أسلوب قائدهم، سرقة العملاء المحتملين بعضهم من بعض، وحجب المعلومات القيِّمة عن زملائهم، وبدأ العملاء بالابتعاد تدريجيًّا.
إن الطموح والتركيز الذاتي لدى القادة ذوي العقلية الأنانية يمكن أن يساعدهم في التقدم، لكنهم غالبًا ما يواجهون صعوبة في بناء فريق، ولا يسهمون كثيرًا في تطوير الآخرين، ويبدأ أعضاء الفريق بالتساؤل: “لماذا أفعل ما هو أفضل للمؤسسة؟” عندما يعلمون أن القائد سيبحث عن طرائق لنَسب كل الفضل إلى نفسه.
على خلاف أولئك الذين يتسمون بميول سوسيوباتية قوية، كالذين لا يشعرون بتأنيب الضمير عند إيذاء الآخرين، فإن القادة الذين يميلون إلى النزعة الأنانية (Egoist) يسعون ببساطة إلى تحقيق مصالحهم الشخصية ونادرًا ما يدركون الضرر الذي يتسببون فيه، غير أنه في ظل ظروف مناسبة من تحديد الأهداف بوضوح والمراقبة الدقيقة، يمكن للمنظمات أن توجِّه عقلية الأناني (Egoist mindset) نحو الخير، وذلك من خلال ضمان توافق أهداف القادة الفردية مع أهدافها المؤسسية.
خدمة أي شخص: الحرباء
القادة الذين يتبنون في الغالب عقلية الحرباء (Chameleon mindset) يتمتعون بقدرة عالية على التكيُّف، وعلى الرغم من أنهم نادرًا ما يصلون إلى مستوى المدير التنفيذي (CEO)، فإنهم يستطيعون التدرج في المناصب داخل المنظمة من خلال إرضاء أصحاب النفوذ، وغالبًا ما يتميزون بمزيج من تدني تقدير الذات وحاجة قوية إلى أن يكونوا محبوبين؛ ونتيجة لذلك، كثيرًا ما يفتقرون إلى الشجاعة ويواجهون صعوبة في اتخاذ القرارات الصعبة.
أولئك الذين تهيمن عليهم ميول الحرباء يمكن أن يكونوا مفيدين في دفع المبادرات الاستراتيجية للمنظمة إلى الأمام، لكن لا تتوقع منهم اتخاذ قرارات مهمة عند مواجهة المعارضة أو طرح أسئلة صعبة، بالإضافة إلى ذلك، لا تستغرب إذا رأيتهم فجأة يصطفون مع مجموعة جديدة من القادة الناشئين؛ فهم يرون أن عليهم خدمة وإرضاء من هو الأهم في كل يوم، وغالبًا لا يعبِّرون عن مجموعة من القيم الراسخة أو يدافعون عنها، ما يدفع الآخرين إلى الاستنتاج أنهم يفتقرون إلى الصلابة، ولأن أصحاب عقلية الحرباء القوية لا يتصرفون بقناعة حقيقية، فلن يتبعهم أحد في المعارك، وليس من المستغرب أن يكونوا عرضة للتلاعب بسهولة من قبل أي شخص يدرك أنهم سينحازون دائمًا لأصحاب السلطة.
عرفنا قائدًا تنطبق عليه هذه المواصفات -كان مديرًا رفيعًا في شركة إنشاءات- كان مخلصًا، وعالي التعليم، وودودًا، وفطنًا، وذكيًا، لكنه لم يكن يتمتع بنفوذ كبير داخل المنظمة. حتى عندما كانت لديه أفكار جيدة، لم يدافع عما يؤمن به ولم يحظَ بالاحترام، كان الناس يشعرون أنهم لا يستطيعون الاعتماد عليه لتقديم تقييم صادق، وعندما حاول على مضض قيادة مبادرة جديدة للشركة، أدى تركيزه المبالغ فيه على محاولة إرضاء رؤسائه (الذين أرادوا منه تولي مشروع جديد) وعجزه عن الدفاع عن أفكاره عند مواجهته بالرفض إلى أن المشروع لم يرَ النور؛ ونتيجة لذلك، فقد مصداقيته كقائد بشكل أكبر.
إعداد شخص كهذا للنمو القيادي والنجاح هو عملية طويلة، ومن الاستراتيجيات الفعَّالة مكافأة وشكر الشجاعة السلوكية وروح المخاطرة مع تقليل التركيز على الامتثال والانسجام.
خدمة الأهداف: الدينامو
تساعد عقلية الدينامو (Dynamo mindset) الأفراد على تنفيذ الاستراتيجية باستمرار، وغالبًا دون أخطاء. القادة الذين تهيمن عليهم هذه العقلية يُنظر إليهم على أنهم نجوم بارزون؛ فعادة يتجاوزون حصص المبيعات المقررة لهم، ويسلمون المشاريع الكبرى في الوقت المحدد، ويحققون الأرباح، وهم بارعون في تعبئة الموارد وجهود الآخرين، ويعتمد عليهم زملاؤهم، وهم موجودون في المستويات الإدارية الدنيا والعليا في كل منظمة درسناها.
مع ذلك، فإن أصحاب عقلية الدينامو يواجهون نقطة ضعف رئيسة، ففي سعيهم لتحقيق الهدف، قد يغفلون عن المهمة الأكثر شمولًا، وقد رأينا هذا يحدث في شركة Hewlett-Packard( HP) عندما ركز المدير التنفيذي مارك هيرد (Mark Hurd) على رفع سعر سهم الشركة، وبالفعل ارتفع السعر بأكثر من 110% خلال فترة ولايته بين عامي 2006م و2010م، لكن اتضح في النهاية أن الطريقة الوحيدة التي تمكنت بها الشركة من تحقيق هذا الإنجاز كانت عبر تقليص الإنفاق على البحث والتطوير والبنية التحتية، ما أضعف قوتها التكنولوجية ومنتجاتها.
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، قبل المؤسس الشريك لشركة HP، ديفيد باكارد (David Packard)، دعوة من مودستو مايديكي (Modesto Maidique)، أحد مؤلفي هذا المقال، لإلقاء محاضرة لصف في جامعة ستانفورد، وعندما طُلب منه شرح سبب النجاح المبكر لشركة HP، كان جوابه بسيطًا: “أعتقد أننا وجدنا طريقة لصنع منتج أفضل”. غير أن وراء هذا الجواب البسيط تكمن عوامل مدروسة بعناية ضمن رؤية طويلة الأمد وضعها مؤسسو HP، كان نجاح المنتجات الجديدة، في نظر باكارد، يعتمد على سمات تنظيمية محددة مثل وضوح الهدف، والإبداع، والمهارة التصنيعية، والقدرات التسويقية. أما أصحاب عقلية الدينامو مثل هيرد، فقد يعملون بجد، لكنهم غالبًا يفتقرون إلى الحكمة والرؤية بعيدة المدى التي يتمتع بها قادة مثل باكارد، وفي سعيهم لتحقيق أهداف نبيلة، يفشل الكثيرون في مراعاة العواقب غير المقصودة، وفيما إذا كانت جهودهم تخدم مصالح المنظمة على المدى الطويل.
خدمة المؤسسة: البنَّاء
القادة الذين يتبنون في الغالب عقلية البنَّاء (Builder mindset) يدفعون نحو الصالح الجماعي للمؤسسة، ومن بين الرؤساء التنفيذيين في هذه الفئة: ألفريد بي. سلون (Alfred P. Sloan) من شركة General Motors، وتوم واتسون الابن (Tom Watson Jr.) من IBM، وستيف جوبز (Steve Jobs) من شركة Apple. وهذا لا يعني أن هؤلاء القادة لا يتصرفون بدافع المصلحة الشخصية جزئيًّا، لكن بناء المؤسسة هو محور تركيزهم الأساسي، فهم ينظرون إلى الكل وليس إلى الجزء المفضل لديهم فقط، ويديرون المؤسسة برؤية طويلة الأمد بدلًا من الانشغال بالأرباح السريعة وتقييمات سوق الأسهم.
وربما تظن أن أصحاب عقلية البنَّاء هم دائمًا من كبار التنفيذيين، لكننا رأيناهم في أدوار ووظائف متنوعة في أبحاثنا. فعلى سبيل المثال، المدير الذي يضع رؤية واسعة ودائمة للقسم تجذب الآخرين للسير خلفها يمتلك عقلية البنَّاء، وكذلك المدرب الرياضي الذي يبني فريقًا قويًّا ومتماسكًا وولاءً عميقًا بين أفراده وقادة المستقبل. في الواقع، يستطيع معظم الناس، مهما كان دورهم، السعي نحو بناء منظمة تنفذ رؤية أوسع.
خدمة المجتمع: المتعالي (Transcender)
أولئك الذين يتبنون عقلية المتعالي (Transcender) يفكرون تفكيرًا أوسع، فهم يسعون إلى تعظيم القيمة لفائدة العديد من أصحاب المصلحة داخل المنظمة وخارجها، بغض النظر عن مواقعهم (فهم ليسوا دائمًا من كبار التنفيذيين)، كما يعملون على ربط الأطراف المنفصلة ويعيدون صياغة غاية المنظمة وأهدافها في إطار المنفعة الاجتماعية. أصحاب النزعة المتعالية القوية يدركون كيف تتكامل الأجزاء التي تبدو غير مرتبطة ضمن الكل، وهم قادرون على إدارة التعقيد.
في الساحة الاجتماعية والسياسية، يُعد نيلسون مانديلا، الذي أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا بعد أن قضى سبعة وعشرين عامًا في السجن، مثالًا بارزًا؛ فقد تجاوز الكراهية العرقية والقبلية والطبقية ليقود بلاده المنقسمة نحو اتجاه جديد.
ومثال آخر على القائد الذي يتحلى بعقلية المتعالي هو ألفاه هـ. تشابمان الابن (Alvah H. Chapman Jr.)، الرئيس والمدير التنفيذي الراحل لشركة نايت ريدر إنك (Knight Ridder Inc.) الإعلامية الكبرى، والناشر السابق لصحيفة ميامي هيرالد (Miami Herald)، وراعي الكرسي الأكاديمي الذي يشغله مودستو مايديكي (Modesto Maidique). ففي السادس والعشرين من أغسطس عام 1992م، بعد يومين من اجتياح إعصار أندرو (Hurricane Andrew) لجنوب فلوريدا، دعا تشابمان ثلاثين من قادة المجتمع للانضمام إليه في مواجهة آثار ما كان حينها أعنف إعصار في تاريخ الولايات المتحدة من حيث التكلفة، وقد وافق جميع من تواصل معهم تشابمان. ومنذ ذلك الحين، أصبحت مبادرة “سنعيد البناء” (We Will Rebuild)، وهي ائتلاف مجتمعي يهدف إلى إعادة بناء المنازل والحياة والبنية التحتية، نموذجًا يُحتذى به في مناطق أخرى منكوبة بالكوارث.
ولا شك أن قادة الأعمال لا يمكنهم تجاهل مقاييس النجاح التقليدية، غير أن أصحاب النزعة المتعالية يميلون إلى النظر إلى ما هو أبعد من مقدار الأرباح وقيمة المساهمين المحققة، فيأخذون في الحسبان كيفية تحقيق هذه النتائج، وهم لا ينجحون دائمًا، ولا تسلم جهودهم من النقد، بل إنهم أحيانًا يبالغون في قيادة التغيير في أوقات أو بوسائل غير مناسبة، ما يعرض الأهداف قصيرة الأجل المهمة للخطر، غير أنهم يستطيعون التخفيف من هذا الخطر إذا أحاطوا أنفسهم بفريق من القادة ذوي عقليات البنَّاء (Builder)، والدينامو (Dynamo)، بل حتى الأناني (Egoist)، أما في الشركات العامة، فإن الضغوط لتحقيق نتائج سريعة توفر توازنًا مضادًّا لبعض التحديات المحتملة لعقلية المتعالي.
ما المزيج المناسب؟
القادة كائنات معقدة ومتعددة الأبعاد ومتطورة باستمرار؛ فعلى الرغم من أنهم يعتمدون عادة على واحدة أو اثنتين من العقليات السائدة في وقت معين، فإن لكل فرد مزيجه الخاص من عدة عقليات، تتشكل من خلال أنماطه المعرفية وشخصيته وقيمه وتجارب حياته. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى قائدين يدفعهما الحافز نفسه لتحقيق أهداف الأداء. كلاهما يظهر عقلية الدينامو (Dynamo)، لكن لنفترض أن أحدهما أيضًا لديه نزعة أنانية قوية، هذا القائد ذو الميول الأنانية سيركز على زيادة السلطة أو المكانة أو الثروة، وسيسعى لتحقيق أهداف المنظمة بطريقة تحقق له أكبر منفعة فردية، وقد يدفعه حب السلطة إلى تركيز اتخاذ القرار بين يديه أيضًا، أما إذا كان القائد الآخر من نوع دينامو مع نزعة بنَّاء، فسيكون اهتمامه أكبر بتحقيق رسالة الجماعة بدلًا من رفع مكانته الشخصية.
وبالنظر إلى العدد اللامحدود من الاحتمالات وأهمية السياق كعامل في النجاح، لم نعثر بعد على مزيج من العقليات يصلح في جميع الأحوال، ونظن أن مثل هذه الصيغة ربما لا وجود لها أصلًا، بل إن مكونات محفظة الفرد قد تتغير استجابة للظروف الجديدة، ومع ذلك، وكما قد تتوقع، تشير بياناتنا وتحليلاتنا إلى أن القادة يُنظر إليهم عادة على أنهم أكثر استراتيجية وتأثيرًا، وأن فرقهم تقدم حلولًا أكثر ابتكارًا، ويخلقون قيمة أكبر لمؤسساتهم عندما تضم محافظهم نسبًا أعلى من الدينامو والبنَّاء والمتعالي، ونسبًا أقل من الأناني، والحرباء (Chameleon)، والمعتل الاجتماعي (Sociopath).
الصورة العامة، كما لاحظنا، ليست ثابتة؛ فالناس قادرون على التطور المستمر (وإن لم يكن ذلك مضمونًا دائمًا)، كما أن أولوياتهم المهنية والحياتية تتغير مع الوقت، ومع النضج، يصبح الإنسان أكثر اهتمامًا بترك إرث وصنع تأثير دائم أو حتى متعالٍ.
وقد أشار علماء تطوير القيادة إلى أن مثل هذه التغيرات نادرًا ما تكون خطية أو يسهل التنبؤ بها، فبعض التحولات تحدث بشكل طبيعي نتيجة تجارب جديدة في العمل والحياة، فالقائد الشاب ذو العقلية الحرباء قد يكتسب في نهاية المطاف الثقة بالنفس ليقف ويُسمع صوته في العمل بعد أن يتولى دورًا قياديًّا (أو يلاحظ قيادة قوية) في مجال آخر من حياته، كما أن التحولات المتعمدة ممكنة أيضًا، وتبدأ عندما يبدأ القادة بطرح سؤالين: “من أخدم الآن؟” و”من أريد أن أخدم؟” فبدلًا من “اكتشاف” غايتهم، يتبنى القادة المنضبطون دورًا نشطًا في بنائها وإعادة تشكيلها باستمرار. وليس معنى هذا أن تعديل مزيج العقلية أمر سهل، لكنه ممكن التحقيق.
عادةً لا تكون التغيرات المفاجئة في أسلوب القيادة ضرورية إلا في حالة الأزمات، ففي أغلب الحالات، يبدأ القادة بإبراز عقلية جديدة (كالبنَّاء مثلًا) في حين تتضاءل العقليات الأخرى.
أي نوع من القادة أنت؟
خلال عرضنا لنموذجنا على الأفراد والمجموعات، أدركنا أن أداة التقييم الذاتي ستكون مفيدة في مساعدة الناس على فهم أنفسهم كقادة، وبالشراكة مع دانيال نيومان، أستاذ علم النفس الصناعي/التنظيمي في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين (University of Illinois at Urbana-Champaign)، طورنا مجموعة من السيناريوهات القيادية، مع خيارات استجابة ترتبط بأنماط التفكير المختلفة في إطار عملنا. من خلال تعبئة الاستبانة على الموقع www.leadershipmindsets.org، يمكنك أن تتعرف إلى مزيج أنماط التفكير التي تؤثر في أسلوب قيادتك الشخصي.
وبعد أن تكتسب فهمًا أفضل لملفك القيادي، فكِّر في مناقشته مع قادة آخرين أو زملاء موثوق بهم أو أصدقاء، حتى تتمكن من معايرة أفعالك القيادية مقابل رؤية الآخرين لك، ومقارنتها بمحفظتك المثالية. ابحث عن أوجه التباين وصمِّم خطة لمواءمة أسلوب قيادتك مع أهدافك طويلة وقصيرة المدى، وقد ترغب أيضًا في التحدث مع قادة ترغب في محاكاة أساليبهم. ما الأفكار التي لديهم لتوسيع نطاق تأثيرك أو إجراء التعديلات اللازمة؟
وأخيرًا، اسأل نفسك: كيف تود أن يذكرك الناس كقائد؟ يمكن لهذا التساؤل أن يساعدك على إعادة تركيز أهدافك وسلوكاتك، بحيث تتمكن من التحكم في مصيرك بنفسك.
المراجع
1. R.G. Lord and K.G. Maher, “Leadership and Information Processing: Linking Perceptions and Performance,” (London and New York: Routledge, 1993).
2. R.G. Lord and R.J. Hall, “Identity, Deep Structure, and the Development of Leadership Skill,” The Leadership Quarterly 16, issue 4 (August 2005): 591-615.
3. C.S. Dweck, “Motivational Processes Affecting Learning,” American Psychologist 41 (October 1986): 1040.
4. R. Merle, “Martin Shkreli Sentenced to Seven Years in Prison for Defrauding Investors,” The Washington Post, March 9, 2018; and A. Pollack and M. Goldstein, “Email Shows Profit Drove Drug Pricing,” The New York Times, Feb. 3, 2016.
5. Mike Krzyzewski, Duke University’s legendary basketball coach, comes to mind as someone with a dominant Builder mindset. From 1980, when he became the head men’s coach, to the end of the 2017-2018 season, Duke won five NCAA championships and was in the Final Four 12 times; his overall win-loss record at Duke is 1,027-279.
6. “Foundation Is Giving $10 Million to Help South Florida to Rebuild,” The New York Times, Sept. 19, 1992.
7. D.C. Hambrick, “Upper Echelons Theory: An Update,” Academy of Management Review 32, no. 2 (April 2007): 334-343.
8. M. Hammond, R. Clapp-Smith, and M. Palanski, “Beyond (Just) the Workplace: A Theory of Leader Development Across Multiple Domains,” Academy of Management Review 42, no. 3 (July 2017): 481-498.
9. D.V. Day and H.P. Sin, “Longitudinal Tests of an Integrative Model of Leader Development: Charting and Understanding Developmental Trajectories,” The Leadership Quarterly 22, issue 3 (June 2011): 545-560.
10. J. Coleman, “You Don’t Find Your Purpose — You Build It,” Harvard Business Review 95, no. 5 (September-October 2017).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




