ترجمة: عبدالملك البلادي
يُقدِّم هذا المقتطف من كتاب ثورة الشمولية (Inclusion Revolution) لصاحبته (ديزي أوجير دومينغيز) منهاجًا لتحقيق تقدم ملموس في جهود التنوع والمساواة والشمول في مقر العمل.
لا مِراء في تصاعد الصعوبة على كثيرٍ من الناس في توظيف أفراد خارج منطقة راحتهم. بل بوسعك تصميم وتنفيذ ممارسات توظيف أشمل، ولكن إذا لم يكن مديروك مستعدين لدعم التنوع والمساواة والشمول في جميع أنحاء الشركة، فستواجه صعوبة بالغة في استقطاب المواهب المتنوعة وإبقائها. وليس باستطاعة أي فريق متنوع أن ينشأ بين عشية وضحاها؛ إذ يستغرق تغيير الثقافة وقتًا، والتمثيل هو مجرد مقياس للتقدم.
فنحن بحاجة إلى البدء من مكان ما. لإعداد نفسك للنجاح، لا بد من توضيح المقاييس (ما الذي تهدف إليه)، والشفافية (كيف تؤدّي العمليات المختلفة إلى نتائج مختلفة)، والمساءلة (مَن المسؤول: أهو الموظِف؟ أم مدير التوظيف؟ أم قائد الفريق؟ أم هو الزميل الذي قدم الإحالة؟ ولعلي أسدي لك نصيحة سريعة: الإجابة هي كلُ ما سبق).
أظهر الباحثان (سيري شيلازي) و(إيريس بوهنيت) أن تغيير السلوك يتطلب تحولات على طول بُعدينِ هما الإرادة والطريقة. ولا يكفي أن تملك الحافز لتكون قائدًا شموليًا أو أن تلتزم علنًا بمكافحة العنصرية إذا لم تكن لديك المعرفة والمهارات اللازمة للعمل على هذا الطموح. فإن الأهداف لديها القدرة على تحويل السلوكات لأنها توفر الإرادة (الدافع) والطريقة (الفهم والمهارات) للتغيير.
وعند تحديد الأهداف، فإن كيفية تحفيز الناس وتحميلهم المسؤولية عن تحقيق النتيجة المرجوة قد تكون الفارق بين النجاح والفشل. والمساءلة هي المفتاح؛ فلا يوجد طريق آخر للنجاح. وتساعد الأهداف على تحفيز التغيير السلوكي من خلال تعزيز المساءلة والشفافية؛ وتعزيز الشعور بالفخر والتقدير والقدرة التنافسيةِ؛ وتغيير تصورات النتائج المرغوبة.
ويجدر بأهداف التوظيف المتنوعة أن تشكل جزءًا من الوصف الوظيفي لكل موظف والمراجعة السنوية للأداء، ويجب أن تؤخذ في عين الاعتبار عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعويضات والترقية. كما ينبغي التأكيد على نحو خاص، على تحقيق أهداف التوظيف المتنوعة للشركة بالنسبة إلى المديرين المتوسطين والمديرين التنفيذيين الذين تمكنهم مناصبهم الضخمة من تغيير ممارسات التوظيف في الشركة.
وقد حققت شركة (Nike) أكثر من 50% من تمثيل السود والسكان الأصليين وأصحاب البشرة الملونة (BIPOC) في غضون خمس سنوات، وذلك من خلال ممارسات التوظيف الشاملة؛ مثل ربط المقاييس الرئيسة بالتوظيف ومحاسبة القادة عن النمو التمثيلي في فرقهم. وتصب شركة (Nike) جُلّ تركيزها على المناصب القيادية العليا وتعهدت في السنوات الخمس المقبلة بزيادة تمثيل النساء والسود والسكان الأصليون وأصحاب البشرة الملونة في تلك المناصب، وربط مكافآت المديرين التنفيذيين بنجاح بلوغهم تلك الأهداف.
ويمكن أن يكون ربط أهداف التوظيف بمكافآت المديرين التنفيذيين ناجحًا بالقدر نفسه في إشراك الشركة بأكملها كما فعلت الشركات التالية (Accenture) و(Johnson & Johnson) و(Nike) و(Mercer) وشركات أخرى. فحتى إن عجزت في التأثير في الموظفين الجدد عبر الأقسام، أو كنت تفتقر إلى الموافقة على توظيفاتك الخاصة، فيمكنك حينئذ تحديد مقاييس النجاح الخاصة لما يمكنك التحكم فيه بصفتك مديرًا. كيف ترى أن يكوّن فريقك؟ فعندما تملك دورًا ذا سُلطة في فريقك، حينها حدد بوضوح الفرصة لتحويل مكوّن التنوع في عملك وثقافتك. كن محددًا قدر الإمكان لمواءمة خطط التوظيف الخاصة بك مع احتياجات العمل، وفكر أيضًا في الجوانب الأخرى من العمل التي لديك القدرة على توظيف أشخاص مناسبين لها؛ سواء أكان بائعًا أو عاملًا مستقلاً أم عاملًا مؤقتًا، أم متحدثين في مؤتمر ما.
تواصل مع الآخرين بشأن هذه الأهداف على نطاق واسع بعد ذلك. إذ أظهرت الدراسات أنه عندما تشارك أهدافك مع الآخرين، فإن احتمالات تحقيقها تعادل الضعف. فعندما تعلنها، هناك الملايين يراقبون ويسجلون النتائج.
وقد تعهد الرئيس الأمريكي السابق (جو بايدن) علنًا بتعيين نائبة له (وهو ما حدث). كما تنحى (أليكسيس أوهانيان)، وهو أحد مؤسسي موقع (ريديت)، عن منصبه في مجلس إدارة الشركة، وحث زملاءه عبر منصة (إكس) -تويتر سابقًا- على أن يخلفه مرشح أسود البشرة. وتحقق بعض البرلمانات في جميع أنحاء العالم تمثيلًا أكثر عدالة بين الجنسين (50% على الأقل من الإناث) من خلال إصلاحات مختلفة مثل تغريم الأحزاب كل عام إذا لم يكن لديها تكافؤ بين الجنسين، أو باستخدام طريقة شكل السحّاب؛ إذ يُتناوب على المقعد بين القادة الذكور والإناث.
وقد كانت (أبريل رين) تشاهد ترشيحات جوائز الأوسكار أثناء استعدادها للعمل عام 2015م، وقالت لصحيفة (نيويورك تايمز): “صُدمت حينما لم يُرشّح أحدٌ من ذوي البشرة الملونة، لذلك التقطت هاتفي وغردت “لقد طلبوا لمس شعري تحت وسم #الأوسكار_بيضاء”. وكانت التغريدة هي الشرارة التي أوقدت نار حركة مناهضة للعنصرية. وفي المقابل، اعترفت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة وهي المسؤولة عن جوائز الأوسكار بأن لديها عمل يجب القيام به لمعالجة عضويتها، التي كانت 94% من البيض و 77% من الذكور. وكان الدليل في المغلف يشير إلى أن ترشيحات عام 2015م وتجاهل (آفا دوفيرناي) لأفضل مخرج عن فيلم (سيلما) يظهر نقصًا ملحوظًا في التنوع في من لديه قوة التصويت.
ولكن بعد عام واحد، ذهبت جميع ترشيحات التمثيل العشرين إلى فنانين بيض مرة أخرى. وغالبًا ما تكون هذه هو الحال في الشركات حيث تتقلب مبادرات التوظيف نظراً للأولويات المتغيرة على مستوى القيادة وحيث يوجد نقص في التركيز على الاحتفاظ بالموظفين. وأطلق مجلس إدارة الأوسكار خطة (A2020) في اجتماع طارئ، وهي خطة لمضاعفة عدد النساء والأعضاء من الأقليات العرقية في غضون أربع سنوات. وكان عليهم تحقيق هذه الأهداف؛ كون عيون تطبيق (إكس) تراقبهم.
يبدو أنهم نجحوا في هدفهم؛ إذ دعت الأكاديمية 819 عضوًا جديدًا في عام 2020م، شكل 36% منهم السود والسكان الأصليون وأصحاب البشرة الملونة و45% منهم من النساء. ولموازنة التنوع التكويني في جميع أنحاء المنظومة ــوليس فقط في القاع ــ أضافوا أيضًا ستة محافظين جدد، منهم ثلاث نساء، وواحد من ذوي البشرة الملونة.
وبجانب إلزام جميع المحافظين بتدريب لتجنب التحيز اللاواعي والالتزام ببناء منظمة مناهضة للعنصرية وشمولية، وكان الإجراء الجديد الأكثر ابتكارًا وتحويلًا هو وضع قاعدة للعضوية: سيكون الأعضاء الجدد مؤهلين للحصول على عضوية مدتها 10 سنوات ويجب أن يظلوا نشطين في صناعة الأفلام ببعض القدرات.
وهذا يعني في الأساس أن الرجال البيض المتقدمين في السن لم يعد لديهم عضوية مدى الحياة، وهي ممارسة تؤدي إلى تقليص الفرص المتاحة للرجال والنساء غير البيض الذين يسعون إلى الوصول إلى المناصب التنفيذية ومجالس الإدارة لعقود مديدة. وإذا واصلنا تركيز جهودنا في التوظيف المتنوع على المرشحين المبتدئين فقط، فسيستغرق الأمر عقودًا من الزمن قبل أن يحدث التغيير على المستوى الأعلى. وتُظهِر هذه التدابير الجديدة المستهدفة بعناية والتي تهدف إلى معالجة الاحتياجات المخصصة للأكاديمية أنه لا يوجد حل واحد يناسب الجميع فيما يتعلق بالتوظيف المتنوع. بل يجب تصميم الممارسات بما يتناسب مع المنظمة.
ووفقاً لتقرير صادر من (ماكينزي) بشأن تجربة مكان العمل الأسود في القطاع الخاص في الولايات المتحدة الأمرييةك، سيستغرق الأمر 95 عامًا حتى يصل الموظفون السود إلى تكافؤ المواهب (أو تمثيل بنسبة 12%؛ أي ما يعادل نسبتهم الحالية من السكان). وقد تتساءل لماذا تستمر الشركات في إعطاء الأولوية لاستثمار رأس مالها في الرجال البيض المتقاعدين جزئيًا بدلًا من توظيف المواهب الناشئة المتنوعة عرقيًا وإثنيها. حسنًا، تتمثل إحدى الخطوات في الاعتراف بالتحيزات والأنظمة التي تجعل المؤسسات مثل الأكاديمية في الأغلبية العظمى من كبار السن والبيض والذكور وإنشاء نظام جديد مثل حدود المدة. كما أصدرت جوائز الأوسكار معايير إدماج جديدة لمرشحي أفضل فيلم؛ إذ يجب على الممثل الرئيسي أو الموضوع أو نسبة من فريق التمثيل تسليط الضوء على مجموعة غير ممثلة. وبينما لا تكفي هذه المعايير لا تكفي لتحويل صناعة يعتمد نظامها البيئي بالكامل على دعم قوة الذكور البيض، فإنها بداية لدمج التنوع في جميع طبقات العمل. يمكننا جميعًا أن نتعلم الدروس من هذه الأهداف المصممة خصيصًا للوصول إلى الكتلة الحرجة لجميع جوانب حياتك العملية.
مقتطف من كتاب ثورة الشمولية: الدليل الأساسي لتفكيك عدم المساواة العنصرية في مقر العمل، بقلم (ديزي أوجير دومينغيز) صادرعن ( دار سيل للنشر، إحدى علامات مجموعة هاشيت لنشر الكتب، 2022).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




