ترجمة: عبد الملك البلادي
يتعين على الشركات أن تفكر فيما هو أبعد من فوائد الرعاية الصحية التقليدية، وأن تأخذ في الحُسبان أثر وسائل التواصل الاجتماعي على اتزان الموظفين النفسي.
تبذل أغلب المنظمات الكبيرة جُلّ ما في وسعها لحث الموظفين على تبني عادات صحية؛ فقد أدرك المديرون منذ أمدٍ بعيد أن أصح الموظفين هم أعلاهم إنتاجية، وأشدُّهم ولاء، وأقلهم تكلفة؛ لأن السلوكات الصحية تخفض تكاليف الرعاية الصحية. ونظرًا لتكاليف توفير مزايا التأمين الصحي المرتفعة، فقد جربت شركات عديدة دفع أموال للموظفين لبدء عادات صحية. على سبيل المثال لا الحصر، يعوض برنامج تعويضات الصحة لشركة (أدوبي) الموظفين بما يصل إلى 360 دولارًا سنويًّا عن عضوية اشتراك في الصالات الرياضية، وتطبيقات استئجار الدراجات، وحصص اللياقة البدنية، والتدليك، والاستشارات الغذائية، وهلمّ جرًّا. وعمدت (جوجل) إلى بناء معظم هذه المرافق مباشرة في الموقع في مقراتها الرئيسية.
لمنظمات كهذه فرصة واعدة لتوسيع أنواع جهود الصحة التي تستثمر فيها. ينحصر مفهوم العادات الصحية في عمومها على “النظام الغذائي وممارسة الرياضة”. وفي حين أن النشاط البدني والتغذية من العوامل المهمة التي تؤثر على الصحة (والنفقات المرتبطة بالتأمين لأصحاب العمل الممولين ذاتيًّا)، فإن مثل هذه النظرة الضيقة تغفلُ عددًا لا يحصى من خيارات نمط الحياة التي نتخذها كل يوم والتي تؤثر بدورها على صحتنا. ويظل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثالًا بارزًا على نحو متزايد.
تؤكد مجموعة متنامية من الأبحاث أن المتعة وراء وسائل التواصل الاجتماعي تأتي مع عيوب مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالاتزان النفسي، بما في ذلك أنماط النوم المضطربة، والقلق والاكتئاب المتزايدان، وليس بوسع المديرين إغفال هذا من خلال تصنيف نشاط الموظفين عبر الإنترنت على أنه غير مرتبط تمامًا بالعمل؛ فالاكتئاب هو السبب الرئيسي للعجز داخل وخارج مكان العمل، والأجيال الناشئة من الموظفين معرضة بشكل خاص لقضايا صحية يغذيها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
بحث جديد حول تعطيل وسائل التواصل الاجتماعي
لمعرفة قيمة تحفيز الموظفين على التفكير مليًّا في كيفية استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، فكر في تجربة حديثة أجراها باحثون في جامعتَي (ستانفورد) و(نيويورك) والتي خلَصت إلى أن دفع ما يقارب 100 دولار للمشاركين نظير إغلاق حساباتهم في (فيسبوك) لمدة أربعة أسابيع ساهم في تقليل أنشطتهم الإجمالية عبر الإنترنت، وزيادة أنشطتهم خارجه، ورفع قياسات الصحة العقلية.
قام فريق البحث بتكليف 2000 مشارك من خلال إعلانات (فيسبوك)، وطرحوا عليهم أسئلة أساسية حول اتزانهم النفسي، وطلبوا من نصفهم إغلاق ملفاتهم الشخصية. عندما استفسر الباحثون مرة أخرى من المشاركين عن اتزانهم النفسي واستثمارهم للوقت بعد شهر، كانت النتائج مذهلة؛ إذ ازداد الاتزان النفسي للذين عطلوا حساباتهم، وخاصة ما يتعلق بالسعادة التي يجري التعبير عنها ذاتيًّا، ورضا الحياة، والاكتئاب، والقلق.
أدى إغلاق حسابات المشاركين في عمومه إلى تحسين اتزانهم النفسي بما نسبته 0.09 انحراف معياري، وهو ما يعادل زيادة الاتزان النفسي الذاتي الناتجة عن 30 ألف دولار من الدخل الإضافي. كما أدى إلغاء تنشيط فيسبوك إلى توفير 60 دقيقة يوميًّا للشخص العادي في المجموعة التجريبية. لقد أمضوا وقتًا أقل في وسائل التواصل الاجتماعي غير المرتبطة بمنصة (فيسبوك)، وغيرها من الأنشطة عبر الإنترنت بشكل عام. كما خصصوا وقتًا إضافيًّا للأنشطة غير المتصلة بالإنترنت مثل قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة.
كما عاد الباحثون للتحقق من المشاركين بعد عدة أسابيع من انتهاء التجربة، وعلى الرغم من أن المشاركين لم يعودوا يحصلون على تعويض مالي، فإن الذين قاموا بإغلاق حساباتهم على (فيسبوك) كانوا يستخدمون تطبيق فيسبوك للجوال بنسبة أدنى بنحو 25% من المجموعة الضابطة، وزادت احتماليتهم لإلغاء تثبيت التطبيق من هواتفهم، واستخدام المنصة بحكمة، وكانوا أشد انفتاحًا على المعلومات حول الأدوات للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد تسعة أسابيع من انتهاء التجربة، لم يقم بعض المشاركين بإعادة تنشيط حساباتهم بعد.
إجمالًا، أدرك الناس أن الحياة أمتع دون (فيسبوك) بشكلٍ فاق توقعاتهم، رغم توقف تلقيهم تعويضًا عن التعطيل. يشير هذا إلى أن الناس لا يحتاجون إلى تعويض مستمر لوقف سلوك ضار؛ فمهما استغرق الأمر من الوقت قبل أن يدركوا سلوكهم ويختبروا الفوائد المترتبة على تغييره فهو كافٍ.
إعادة النظر في الصحة في مقرات العمل
يتعين على المديرين الذين يختارون أو يؤثرون في خطط التأمين الصحي في أوساط مؤسساتهم، أن يمعنوا النظر إلى ما هو أبعد من عناصر الخطة التقليدية لتقييم شركات التأمين التي تتبنى وجهة نظر شمولية للصحة، والسلوكات متعددة الأوجه التي تؤثر عليها، بما يتجاوز النظام الغذائي وممارسة الرياضة. ويمكن لأرباب الأعمال والمديرين أن يؤدوا دورًا حاسمًا في التأثير على استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي، وسيكون تعويض تعطيل وسائل التواصل الاجتماعي هو التنفيذ الأوضح، وإذا كان ذلك غير ممكن ماليًّا، ففكر في حملة مثل “فبراير دون وسائل التواصل الاجتماعي”.
على نحو مماثل، لا يجدر بالمديرين تجاهل دورهم في القوى الكلية التي تجعل تعطيل وسائل التواصل الاجتماعي فعالًا إلى هذا الحد. كذللك فالاقتصادي البريطاني (أنجوس ديتون) -الحائز على جائزة نوبل- نجد أن جهوده التي تركز على الأسباب الجذرية للوفيات الناجمة عن الانتحار أو تعاطي المخدرات والذي يُعرف بمصطلح “وفيات اليأس”، تسلط جهوده الضوء على تآكل بطيء، ولكنه ساحق للنسيج الاجتماعي التقليدي. كما أمعن (ديتون) النظر في الكيفية التي فقد بها الناس الشعور بالمعنى والانتماء الذي كان موجودًا في مؤسسات الكنيسة والأسرة، ومن غير المستغرب العمل. ينبغي للمديرين أن يضعوا في حُسبانهم أن مكان العمل بالنسبة للعديد من الناس يشكل مصدرًا رئيسيًّا للتفاعل البشري غير المتصل بالإنترنت، والكيفية التي يعززون بها هذا الاتصال أو يثبطونه، قد تؤثر على اتزان الموظفين النفسي.
وبالتأكيد، بالنسبة للعديد من المنظمات، فإن التفكير في أي شيء يتجاوز النظام الغذائي وممارسة الرياضة، أو أقساط التأمين والمدفوعات المشتركة، سيشكل قفزة هائلة. ورغم ذلك، ينبغي للمديرين المهتمين بمستقبل اتزان الموظفين النفسي أن يتبنوا تعريفًا أشمل وأدق للصحة. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الصحة والتكاليف المرتبطة بها متعددة الأوجه، وينبغي للكيفية التي تتعامل بها المنظمات مع صحة الموظفين أن تكون كذلك.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




