ترجمة: عبدالملك البلادي
تشهد بيئات العمل مشاركة متزايدة وديناميكية أفضل حينما يعيد الموظفون تشكيل وظائفهم.
لا مراء في تزايد السعي نحو ضرورة مشاركة الموظفين ورضاهم الوظيفي في المشهد المؤسسي اليوم؛ إذ يمكن أن تؤدي الهياكل التقليدية للوظائف إلى انخفاض الدافع وانخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات دوران العمالة؛ إذ إنها غالبًا ما تتسم بالجمود وضيق النطاق. ويتمثل التحدي الرئيس للمنظمات المعاصرة في تجديد الشغف والإبداع في موظفيها، وقد أدى هذا إلى ظهور مناهج مبتكرة تهدف إلى تحويل أماكن العمل إلى بيئات ديناميكية ومجزية وقابلة للتكيف. وتركز هذه الاستراتيجيات على تمكين الموظفين من خلال السماح لهم بالاستفادة من قدراتهم واهتماماتهم الفريدة، كما أسهم هذا التمكين في تعزيز شعورهم بالاستقلالية، وضاعف حماسهم في أداء وظائفهم.
تعد إعادة تشكيل الوظائف نهجًا استباقيًا حيث يعيد الموظفون تشكيل أدوارهم لإضفاء مزيد من المعنى والمشاركة في عملهم، وتتجاوز هذه الفكرة التصميم التقليدي للوظائف؛ إذ تقدم للأفراد الفرصة لتخصيص أدوارهم ومهامهم وتفاعلاتهم لتتماشى مع نقاط قوتهم الشخصية وشغفهم وقيمهم، وعلى النقيض من النهج التقليدي لتصميم الوظائف النزولي، فإن إعادة تشكيل الوظائف هي عملية مستمرة يقودها الموظف، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مكونات أساسية:
- إعادة تشكيل المهام: وتتضمن تغيير الموظفين طبيعة أو عدد المهام المنوطين بتأديتها، وقد تتضمن تحملهم مسؤوليات إضافية أو تغيير الطريقة التي يؤدون بها المهام الحالية أو إسقاط المهام التي تبدو أقل صلة بنقاط قوتهم أو اهتماماتهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر قد يكون لدى مطور البرامج اهتمام قوي بتصميم تجربة المستخدم ولمواءمة دوره مع هذا الاهتمام يمكنه البدء بالمشاركة في اجتماعات فريق التصميم والمساهمة في جانب واجهة المستخدم في المشاريع، مع الحفاظ على مسؤولياته الأساسية في البرمجة.
- إعادة تشكيل العلاقات: وتتعلق بتغيير طبيعة ومدى التفاعلات مع الآخرين في العمل، وقد يسعى الموظفون إلى مزيد من التعاون مع زملاء معينين أو يهدفون إلى تطوير علاقات جديدة يمكن أن تعزز رضاهم الوظيفي وفاعليتهم. ومن الأمثلة على ذلك، ممثل خدمة العملاء الذي يرى قيمة في فهم عملية تطوير المنتج، ويمكنه البدء في التفاعل بشكل أكبر مع فريق تطوير المنتج، واكتساب رؤى يمكن أن تساعدهم في تقديم ملاحظات أفضل للعملاء وتحسين أدائهم بشكل عام.
- إعادة التشكيل الإدراكي: ويحدث حينما يغير الموظفون تصورهم للوظيفة من خلال التركيز على الجوانب التي تتوافق بشكل أفضل مع قيمهم وشغفهم، مما يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في كيفية تجربتهم لوظيفتهم ومستوى مشاركتهم. فعلى سبيل المثال، قد يختار المحاسب في مؤسسة غير ربحية ألا يقتصر النظر إلى دوره على كونه مديراً مالياً، بل يمتد ليشمل الإسلام الأساسي في مهمة المنظمة المتمثلة في التأثير الاجتماعي، كما يمكن أن يعزز المنظور شعورهم بالهدف والإنجاز في وظيفتهم.
لماذا ينبغي إعادة تشكيل الوظائف؟
أسبابٌ كثيرة ومتعددة الأوجه ومؤثرة تدفع المديرين إلى إعادة تشكيل الوظائف. أولاً، تؤثر إعادة تشكيل الوظائف تأثيرًا مباشرًا في مشاركة الموظفين وسعادتهم. فعلى سبيل المثال، قد يحول متخصص تكنولوجيا المعلومات تركيزه نحو مهام أكثر إبداعًا مثل تصميم واجهة المستخدم إذا كانت تتوافق مع اهتماماته، مما يؤدي إلى زيادة الرضا الوظيفي، وعلى نحو مماثل، قد يخصص مندوب المبيعات المتحمس للتعليم جزءًا من وقته لتدريب الموظفين الجدد. ويؤدي منح الموظفين الاستقلال لإعادة تشكيل أدوارهم إلى تقليل التوتر والإرهاق، كما يُظهر الموظفون المنخرطون إنتاجية وحماسًا والتزامًا أكبر إذ يتمتعون بتوازن أفضل بين العمل والحياة، كما أنهم يكونون أكثر ابتكارًا، وغالبًا ما يقترحون تحسينات على النظام أو أفكارًا جديدة للمنتجات، ومن المرجح أن يبقوا في المنظمة، مما يقلل من معدلات دوران العمالة. فعلى سبيل المثال، أدت سياسة “20% من الوقت” الشهيرة لشركة (جوجل) إلى ابتكارات ملموسة حين أتاحت للموظفين تخصيص جزء من أسبوع عملهم لمشاريع خارج توصيفات وظائفهم الأساسية.
ويكمن السبب الثاني في أن جانب العلاقات في إعادة تشكيل الوظائف يتيح للموظفين بناء علاقات عمل أقوى وأكثر فاعلية. فمثلًا قد يختار مدير المشروع التفاعل بشكل متكرر مع فريق التسويق لفهم احتياجات العملاء بشكل أفضل مما يعزز جانب التعاون. وقد يؤدي هذا إلى ديناميكية أكثر تماسكًا وبيئة عمل داعمة. وبالإضافة إلى ذلك، تساهم إعادة تشكيل الوظائف في ثقافة تنظيمية إيجابية، فهي تخلق بيئة من الاستقلال، وتشجع الموظفين على أخذ زمام المبادرة والابتكار. ولا تستقطب هذه الثقافة الإيجابية المواهب الرفيعة فحسب، بل تعزز سمعة المنظمة بوصفها مكانًا مرغوبًا فيه للعمل. وتعمل شركات مثل (زابوس) على تمكين الموظفين من إعادة تشكيل أدوارهم، مما يؤدي إلى مستويات عالية من رضا الموظفين وثقافة شركة محسودون عليها.
وأخيرًا وليس آخرًا فإن إعادة تشكيل الوظائف تجعل المنظمات أكثر قدرة على التكيف مع التغيير؛ ففي القطاعات الديناميكية مثل التكنولوجيا حيث التغيير السريع هو القاعدة الأساسية، فإنه يمكن للموظفين الذين اعتادوا إعادة تشكيل أدوارهم التكيف بسرعة مع التقنيات الجديدة ومتطلبات السوق، وعلاوة على ذلك، يسمح ذلك باتساق أفضل ما بين الأهداف الشخصية وأهداف المنظمة. فمثلًا قد يتولى ممثل خدمة العملاء الذي يتسم بمهارة في وسائل التواصل الاجتماعي أدوارًا تنطوي على المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومواءمة مصالحه الشخصية مع هدف الشركة المتمثل في تعزيز حضورها الرقمي، مما يضمن أن تساهم جهود الموظفين إسهامًا أكثر فعالية في نجاح المنظمة، وتعزيز قوى عاملة أكثر كفاءة وتوجهًا نحو الهدف المنشود. هذا النهج واضحٌ جليٌ في شركات مثل أدوبي، حيث يتماشى الإبداع والمبادرة الفردية مع الأهداف التنظيمية الأوسع، مما يؤدي إلى النمو الشخصي والمؤسساتي.
التحديات والاعتبارات المتعلقة بإعادة تشكيل الوظائف
ورغم أن لإعادة تشكيل الوظائف فوائد جمّة، فإنها تفرض أيضًا تحديات، وكما اكتشف (بنيامين) عند تأليف كتابه الجديد “إعادة تشكيل الوظائف”، ويتلخص أحد هذه التحديات في الحفاظ على التوازن بين استقلالية الموظفين في إعادة تشكيل أدوارهم وتحقيق الوظائف والأهداف الأساسية للوظيفة. ويتعين على المديرين أن يشرفوا بعناية على العملية لضمان عدم المساس بمسؤوليات الموظفين الأساسية وأهداف مناصبهم حينما يخصصون أدوارهم.
وهناك اعتبار آخر لا يقل أهمية ويتلخص في إدارة العدالة والمساواة داخل الفرق. ومن الأهمية بمكان أن يراقب المديرون ويمنعوا أي تصورات لعدم المساواة قد تنشأ مع تعديل بعض الموظفين أدوارهم، وهو ما قد يؤدي إلى عدم الرضا أو الصراع بين أعضاء الفريق نفسه. وعلاوة على ذلك، فإن توفير الدعم والتوجيه المناسبين أمر ضروري، ويتعين على المديرين مساعدة الموظفين بنشاط من خلال تقديم الموارد والمشورة لمساعدتهم على إعادة تشكيل أدوارهم بشكل فعال ومستدام، ويضمن هذا الدعم أن تساهم صياغة الوظائف بشكل إيجابي في تحقيق الأهداف الفردية والتنظيمية.
وتمثل إعادة تشكيل الوظائف تحولًا جذريًا في طريقة تفكيرنا في العمل وإشراك الموظفين؛ فمن خلال تمكين الموظفين من تصميم وظائفهم بما يتناسب مع نقاط قوتهم الشخصية وشغفهم وقيمهم، تستطيع المنظمات إطلاق العنان لمجموعة كبيرة من الفوائد، من زيادة الإنتاجية والابتكار إلى تحسين رفاهية الموظفين والاحتفاظ بهم. أما بالنسبة للمديرين الذين يتطلعون إلى بناء قوى عاملة أكثر ديناميكية وانخراطاً وقدرة على التكيف، فإن إعادة تشكيل الوظائف يشكل نهجاً يستحق التمعن فيه.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




