إن التركيز على المهارات في استراتيجية المواهب يمكن أن يكون له تأثير إيجابي كبير على التوظيف، وتطوير المهارات، والاحتفاظ بالموظفين.
أنـيش رامان وإليز روزنبلوم
ترجمة: أحمد حسين
مع تزايد خطر الركود الاقتصادي، ندخل العام الرابع على التوالي من عدم اليقين والتغير السريع. قبل بضع سنوات، قلبت جائحة عالمية سلاسل التوريد رأسًا على عقب، وحولت إجراءات الحجر الصحي طريقة عملنا. وبعد أشهر، دفعت موجة العدالة العرقية الشركات إلى اتخاذ التزامات غير مسبوقة لبناء مؤسسات شاملة. كما أن استمرار العمل عن بُعد تحدى الوضع الراهن في مكان العمل، وأصبح في بعض الحالات وسيلة لتعزيز إمكانية الوصول. وقد أجبر سوق العمل الضيق المستمر الشركات على إعادة التفكير وتكييف جهودها لجذب أفضل المواهب. والآن، تستعد التطورات في الذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل مجموعات المهارات المطلوبة في كل وظيفة تقريبًا وفي كل قطاع.
جعلت كل هذه التغيرات من إدارة الموارد البشرية محورًا أساسيًّا في نقاشات الإدارة العليا، حيث بدأ أصحاب العمل في التفكير بشكل مختلف حول كيفية اكتشاف وتنمية وتطوير المواهب. وأصبحت المهارات تهيمن بسرعة على الحوار؛ فقد تضاعف متوسط عدد المنشورات التي تذكر موضوعات تركّز على المهارات على منصة لينكدإن تقريبًا من أكتوبر 2021م إلى أكتوبر 2022م. ويبذل أصحاب العمل جهودًا كبيرة لوضع المهارات في صميم استراتيجيات المواهب لديهم -من التوظيف إلى الترقية- كما يتضح من مجموعات مثل OneTen ومائدة الأعمال المستديرة. ومع سيطرة الحديث عن ركود اقتصادي محتمل على العديد من الأوساط التجارية، يظل سؤال رئيسي معلقًا: كيف يمكن لأصحاب العمل الحفاظ على استثماراتهم المتزايدة في منهجيات تركز على المهارات لتعظيم عائد الاستثمار لموظفيهم وأعمالهم؟
تقدم بيانات جديدة من لينكدإن حجة قوية لمضاعفة الجهود التي تركز على المهارات. فقد كشف تقرير التعلم في مكان العمل لعام 2023م أن العاملين من جيل زد وجيل الألفية هم الأكثر ميلًا لتقدير فرص النمو المهني وتطوير المهارات، حتى أكثر من تقديرهم لتوازن الحياة والعمل، كما أظهرت النتائج أيضًا أن التنقل الداخلي أصبح ثاني أعلى أولوية للقوى العاملة بين قادة الإدارة العليا، حيث أفاد قادة التعلم والتطوير بتعاون أوثق مع التنفيذيين أكثر من أي وقت مضى.
ومع مطالبة أصغر الموظفين بمسارات مهنية قائمة على المهارات واهتمام التنفيذيين بذلك أيضًا، فإن الشركات التي تفشل في الحفاظ على استثماراتها في استراتيجيات المواهب التي تركز على المهارات ستتخلف عن الركب. ومع ذلك، هناك ميل أثناء التباطؤ الاقتصادي إلى التراجع والعودة إلى الأنماط القديمة المتوقعة. وتدفع غريزة البقاء العديد من الشركات إلى اختيار الركود بدلًا من الابتكار. وخلال الركود الكبير في عام 2008م، تسارع تطبيق شرط الحصول على شهادة جامعية للوظائف التي كانت تتطلب سابقًا تعليمًا أقل، وهي ظاهرة تعرف بتضخم الشهادات، وقد أضر هذا التراجع مباشرة بأرباح الشركات من خلال زيادة تكاليف التوظيف ومعدلات الدوران، بينما زاد من حدة المشهد الاقتصادي الذي يفيد القلة ويحرم الكثيرين من الفرص.
توسيع الفرص للمواهب المتنوعة
اليوم، لدى قادة الأعمال فرصة للقيام بالأمور بشكل مختلف -وهم في وضع أقوى لتوسيع استراتيجية تركز على المهارات- حتى لو ظل التوقع الاقتصادي غير مؤكد. سواء كنت لا تزال تكافح لجذب المواهب أو أن التوظيف لديك قد تباطأ بشكل كبير، هناك طرق لدمج نهج يركز على المهارات في جميع جوانب عملك يمكن أن تحقق نتائج أقوى على المدى الطويل حتى أثناء التباطؤ الاقتصادي.
كان العثور على أشخاص لملء الوظائف الشاغرة عملية شاقة يدوية في السابق، ومن دون طرق متطورة للعثور على المواهب وتنميتها بناءً على المهارات الفعلية، أصبحت الشهادة الجامعية إحدى الأدوات القليلة لدى أصحاب العمل للتحقق من أن المرشح لديه مهارات وقدرات معينة، لكنها كانت أداة تستبعد غالبية القوى العاملة الأمريكية، وخاصة العمال الملونين.
اليوم، تتوفر بيانات أكثر من أي وقت مضى لتحديد المهارات التي نحتاجها بدقة، ثم العثور على الأشخاص -سواء من الداخل أو الخارج- الذين يمتلكون تلك المهارات. وتُظهر بيانات لينكدإن أن المؤسسات التي تتبنى هذا التحول وتركز على المهارات يمكن أن ترى تأثيرًا كبيرًا: المؤسسات على لينكدإن التي تتبع نهجًا يركز على المهارات يمكنها توسيع مصادر المواهب لديها بما يقارب عشرة أضعاف. وقد بدأ أصحاب العمل بالفعل في ملاحظة ذلك: أكثر من 45% من الشركات على لينكدإن تستخدم الآن بيانات المهارات بشكل صريح لملء الوظائف الشاغرة.
ولبناء فرق متنوعة وفاعلة كما يتطلب المستقبل، يجب على أصحاب العمل التركيز على المهارات، وهو نهج له أيضًا تأثير كبير على تنويع مصادر المواهب. فعندما يشترط أصحاب العمل الحصول على شهادة جامعية لوظيفة معينة، فإنهم يستبعدون تلقائيًّا 60% من الأمريكيين، بما في ذلك 76% من الأمريكيين من أصول أفريقية و83% من الأمريكيين من أصول لاتينية. إزالة متطلبات الشهادات غير الضرورية من أوصاف الوظائف يُعد أساسيًّا لاكتساب المواهب بناءً على المهارات، لكنه ليس كافيًا. يجب على قادة اكتساب المواهب أيضًا الاستثمار في توسيع قنوات الاستقطاب ومراجعة اللغة المستخدمة في مواد التوظيف لضمان أنها شاملة وجاذبة. علاوة على ذلك، يجب أن تكون أسئلة المقابلات وعمليات التوظيف مرتكزة على المهارات الأساسية المطلوبة للوظيفة منذ اليوم الأول، وليس فقط على المؤهلات أو الخبرة، ويجب أن تُصاغ بشكل متعمد وعادل للكشف عن تلك المهارات.
الاستثمار في التعلم والتنقل الداخلي
بينما يُعد جذب موظفين جددٍ يمتلكون المهارات المناسبة وسيلة للاستثمار في المهارات، هناك فرصة لتجديد التركيز على دعم نمو وتطوير الموظفين الحاليين، خاصة في القطاعات التي شهدت تباطؤًا في التوظيف. وتشير أحدث نتائج تقرير التعلم في مكان العمل من LinkedIn إلى أن عام 2023م قد يكون عامًا مهمًّا لتوسيع برامج تطوير المهارات والتنقل الداخلي، نظرًا لتجدد الحاجة لإعادة توزيع المواهب بشكل فاعل على أولويات الأعمال. في الواقع، تُظهر نتائج الاستطلاع أن توقعات الميزانية لا تزال قوية، حيث يتوقع 41% من قادة التعلم والتطوير زيادة قدرتهم على الإنفاق هذا العام، ويتوقع 8% فقط انخفاض ميزانياتهم.
يمكن للاستثمار في المهارات ومسارات التطور المهني القائمة على المهارات لموظفيك الآن أن يؤتي ثماره مستقبلًا. إذ أظهرت نتائج LinkedIn أن الشركات التي يتعلم موظفوها مهارات جديدة أثناء العمل لديها معدل احتفاظ أعلى بنسبة تقارب 7% بعد مرور ثلاث سنوات. ووفقًا لتقرير التعلم في مكان العمل، فإن الموظف الذي ينتقل داخليًّا خلال عامين من انضمامه للشركة لديه احتمال بنسبة 75% للبقاء في الشركة، بينما الموظف الذي لم يتغير دوره لديه احتمال بنسبة 56% للبقاء.
ومثلما هو الحال في التوظيف القائم على المهارات، تتطلب إدارة المواهب بناءً على المهارات أن تقوم الشركات بإجراء مجموعة من التغييرات المكملة على العمليات الحالية والاستثمار في عمليات جديدة. خطوة أساسية لتعزيز التنقل الداخلي القائم على المهارات هي تحديد المهارات المطلوبة والمفضلة لكل وظيفة وكيفية تداخل المهارات بين الأدوار المختلفة. من هناك، يمكن للقادة مساعدة فرقهم في بناء مسارات مهنية قوية تمكّن الموظفين من التقدم في حياتهم المهنية من خلال بناء وتطبيق المهارات التي تتماشى مع أهدافهم. وأخيرًا، فإن التواصل والشفافية عبر الشركة -والأهم، مع الموظفين مباشرة- بشأن المسارات المهنية المتاحة والمهارات المطلوبة للوصول إليها أمر ضروري لزيادة معدلات الاحتفاظ والتقدم الوظيفي.
وبينما يتزايد الزخم لمبادرات تطوير المهارات وإعادة التأهيل المهني، هناك حاجة واضحة لتسريع التقدم. تُظهر نتائج LinkedIn أن 40% من الشركات لا تزال في المراحل الأولى، تروّج برامجها لأصحاب المصلحة وتشكل فرقها؛ و54% في المرحلة المتوسطة، تطور وتفعّل البرامج؛ وفقط 2% تقول إنها أكملت برنامجًا كاملًا، بينما لم تبدأ 4% أي خطوة بعد.
وبعيدًا عن التغييرات التشغيلية، يُعد تعزيز ثقافة شاملة وموجهة نحو التعلم تحولًا أساسيًّا تتبناه الشركات أيضًا، ومن خلال العمل مع عملاء من كبار أرباب العمل، تعلمت مؤسسة Grads of Life أن الأمر يتطلب أكثر من استثمارات مالية في التعلم والتطوير لضمان بقاء ونمو الموظفين من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا داخل الشركة. تكشف أبحاث المؤسسة عن وجود فوارق في الأجور والترقيات بين المواهب السوداء ونظرائهم البيض. من الضروري أن تستثمر المؤسسات، إلى جانب التغييرات التشغيلية، في إدارة التغيير وإزالة التحيز من أنظمة الأجور والترقيات لتعزيز ثقافة الشركة. وإن تبني نهج قائم على المهارات في التوظيف والاحتفاظ بالموظفين يعد تحولًا كبيرًا عن الوضع الراهن لمعظم أصحاب العمل، وستحتاج فرق التنفيذ المسؤولة عن تطبيقه إلى التوجيه والتدريب والدعم لتحقيق النجاح.
وسط توقعات اقتصادية غير واضحة، ينخرط الرؤساء التنفيذيون في توازن دقيق بين أماكن التقليص وأماكن التركيز المضاعف. والاستثمار في نهج قائم على المهارات لجذب أفضل الكفاءات وتنمية الكفاءات الموجودة بالفعل لن يساعدهم فقط على تجاوز العاصفة الحالية. إن جعل المهارات جزءًا أساسيًّا من استراتيجية شركتك سيهيئ قوة عملك للمرونة طويلة الأمد في عالم تتغير فيه وظائفنا باستمرار.
تُظهر بيانات LinkedIn أن مجموعات المهارات المطلوبة للوظائف قد تغيرت بنسبة تقارب 25% منذ عام 2015م، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة بحلول عام 2027م، ما يعني أن المهارات الأساسية المطلوبة لوظيفة اليوم تختلف كثيرًا عن الوظيفة نفسها قبل بضع سنوات فقط. واليوم، قد تسرّع حقبة الذكاء الاصطناعي الجديدة التي نحن على وشك دخولها هذا التغيير أكثر، حيث أقر 82% من القادة بأن موظفيهم سيحتاجون إلى مهارات جديدة لطريقة جديدة للعمل مع الذكاء الاصطناعي.
الآن، في الوقت الذي تتلاطم فيه الأمواج، سيظهر ويبرز في الشركات القادة القادرون على النجاح في عالم العمل الجديد هذا، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك. ليس هذا وقت الانتظار حتى تتحسن الظروف لإحداث التغيير، فهذا هو أفضل وقت للشركات لتحديث تفكيرها ومواجهة التحدي من خلال التركيز على قوة عاملة قائمة على المهارات.
حول المؤلفين
أنـيش رامان هو نائب الرئيس ورئيس مشروع الفرص في لينكدإن. إليز روزنبلوم هي المؤسسة والمديرة التنفيذية لمؤسسة “خريجو الحياة”.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




