ليست كلُّ الصحوَات ضجيجًا، ولا كلُّ اليقظاتِ راياتٍ تُرفعُ في الساحاتِ.
ثمّةُ صَحوَةٌ تتشكّلُ الآن في العمقِ، بهدوءٍ ثابتٍ: صَحوَةُ القلوبِ.
إنها لا تُنادي باسمِ حزبٍ، ولا تُحاكمُ العالم بمنطقِ الخصومة، ولا تبحثُ عن عدوٍّ لتستقيمَ.
إنها عودةٌ هادئةٌ إلى الداخلِ، كأن الإنسانَ يستردُّ قلبَهُ بعد طولِ غيابٍ.
أهلُ النورِ، أصحابُ قلوبٍ حيّةٍ، على اختلافِ شرائعِهم وثقافاتِهم، بدأوا يستيقظون.
تنبهوا إلى أنهم عاشوا زمنًا طويلًا داخل «دينٍ موازٍ»- دينٌ تشكّلَ عبر القرونِ، واختلطت فيه السلطةُ بالخوفِ، والتقاليدُ بالقداسةِ، حتى غابت روحُ الرسالاتِ خلفَ جدرانٍ من الصرامةِ والعداوةِ.
رسالات موسى وعيسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم، جاءت نورًا ورحمةً.
لكن كثيرًا مما نُسب إليها عبر التاريخ لم يكن يعكس جوهرها، بل حجب رحمتها، وضيّق أفقها، وحوّل الدين من سكينةٍ إلى ساحة صراعٍ.
الدين في الفطرة- والبديل الزائف
الدين مغروس في الفطرة، مزروع في سر الإنسان، لا يمكن اقتلاعه.
ولذلك لم يكن الصراع الحقيقي ضد الدين نفسه، بل ضد روحه.
هل تعلم بماذا توعّد إبليس بني آدم؟
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
لم يقل: لأهدم الصراط.
بل لأجلس عليه… لأشوّش، ولألبس الباطل ثوب الحق، ولأصنع مسارًا يشبه الصراط لكنه ليس هو.
وهكذا وُلد عبر التاريخ «دينٌ يشبه الدين»، وصراطٌ يوازي صراط الله.
دينٌ يوهم الناس أنهم على هدىً، بينما يزرع فيهم الخوف والفرقة والتعالي.
ولا عجب أن تُطلق بعض الحركات المتشددة في العقود الماضية على نفسها اسم «الصحوة»، بينما كانت في جوهرها ردةً إلى الانغلاق، لا انفتاحًا على النور.
أما الصحوة الحقيقية اليوم، فهي مختلفةٌ تمامًا.
هي صحوةٌ لا ترفع شعارًا، ولا تبحث عن عدوٍ، ولا تحتاج خصمًا لتثبت وجودها.
إنها تعيد الإنسان إلى روحه، وتعيد الدين إلى رحمته.
ميزان الدين- الرحمة لا الإقصاء
مع هذا الاستيقاظ، يعود الميزان إلى موضعه الصحيح:
الدين ليس ما يصنع الخوف،
ولا ما يغذي الإقصاء،
ولا ما يبرر القسوة باسم الحق.
الدين ما يوقظ الضمير، ويهذب القلب، ويقود الإنسان إلى العدل والرحمة.
فحيثما حضرت الرحمة حضر أثر النبوة،
وحيثما غابت، فثم انحرافٌ عن روح الرسالات.
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
آيةٌ واسعة كالسماوات.
آيةٌ تنسف احتكار النجاة، وتفتح باب الأمل لكل من صدق مع الله وأحسن العمل.
حتى الصابئون… قومٌ لم يكن لهم نبي محدد في تاريخهم المعروف، وسعتهم رحمة الله.
فكيف نضيّق نحن ما وسّعه الله؟
طريق الوحدة- لا طريق التناقض
من أخطر ما يفعله «الدين الموازي» أنه يجزّئ النصوص، ويقتطع الآيات، ويصنع منها أسلحةً.
يقول تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾
هذا هو طريق الانتقاء والتناقض.
أما طريق الله فطريق الاتساق والصدق.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
وهنا يتضح معنى الجهاد الحقيقي:
جهاد النفس الأمارة، وجهاد الأنا المتعالية، وجهاد الرغبة في التفوق على الآخرين باسم الله.
فكلما اقتربنا من الله، ابتعدنا عن الخصومة.
وكلما ابتعدنا عنه، كثر الصراخ باسمه.
الله ليس طرفًا في صراعاتنا
الله ليس طرفًا في معاركنا.
ولا الحق سببًا للكراهية.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
الله نور السماوات والأرض.
ومن اقترب من النور رق قلبه، واتسع صدره، وسكنت روحه.
الدين الذي يقود إلى القسوة ليس من الله.
والطريق الذي يبعدك عن الرحمة ليس طريق الأنبياء.
اقترب من الله بصدقٍ…
تجد أخاك في الإنسانية،
وتسمع صوت النور يقول بهدوءٍ:
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
الصحوة الصادقة
الصحوة الصادقة ليست تمردًا على الدين، بل عودةٌ إلى جوهره.
وليست ثورةً على الإيمان، بل تحريرٌ له من الخوف والعدوان.
هي رحلةٌ لإزالة الغل من الصدور، قبل أن تكون جدالًا في العقول.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾
اللهم اشهدنا على هذه اللحظة،
واجعل هذا الهدى نورًا لا يطفأ،
وبركةً لا تنقطع،
واهدنا لصراطك المستقيم.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




