لا تقف الحرب عند حدود الخرائط. تنفذ إلى حياة من يرقبونها من بعيد، وتدخل أيامهم من شق خفي. تبدأ بخبر، ثم بصورة، ثم تستحيل مناخًا داخليًا يلازم الأشياء كلها. أستيقظ كل ساعة تقريبًا، إن نجح النوم في التسلل إلى عيني، لأتفقد الأخبار، وأحاول أن أهدئ نفسي بفكرة أن العالم – رغم هذا الجنون – ما يزال هناك قائمًا. ومع ذلك أرى في داخلي، ساعة بعد ساعة، كيف يتسع ذلك الشعور بأن كل ما حولي يفقد شيئًا من صلاحيته القديمة للإقامة النفسية، وكأن الأرض نفسها تنكمش عن المعنى الذي كانت تمنحه للقلب في غفلة من الخوف.
يتبدل اليوم العادي تحت وطأة الحرب، حتى في المدن التي لم تمسسها النار. يصل الصباح مثقلًا بما ليس له. تمضي الشوارع في حركتها المألوفة، فيما الوعي يعرف أن شيئًا قد وقع فعلًا، وأنه لم يقع في الخارج وحده، بل استقر في الداخل أيضًا. عند ذلك يصير العيش أقل عفوية، ويغدو الوقت أكثر خشونة، كأن الساعات نفسها فقدت شيئًا من سلاستها القديمة، وصارت تمر على الروح بملمس أشد قسوة.
بيوتنا هي الأخرى تصيبها الحرب! ربما تبقى في ظاهرها كما كانت، لكن الطمأنينة التي كانت تملأ أركانها تتراجع قليلًا قليلًا. تدخل الحرب إلى أكثر أمكنتنا حميمية، وإلى اللحظات التي كنا نظنها بمنأى عن كل اقتحام. تترك في الجو شحنة قلقة لا ترى، لكنها تُحس في في ذلك التوتر الذي يمر بين الأشياء من غير صوت. هناك يفهم الإنسان أن السكن أعمق من جدران وسقف، وأن الأمان يبدأ في الروح قبل أن يحيط بالمكان.
ثم تفقد التفاصيل قدرتها القديمة على الترميم. تظل القراءة جميلة، وتظل الكتابة ممكنة، غير أن أثرهما لا يبلغ ما كان يبلغه من قبل. فالحرب تستنزف في النفس مواضع عدة كانت ترممها الكلمات أو تخفف من وطأتها. ورغم أن الحياة ما تزال ممكنة نظريًا، إلا أنها تصبح أكثر مشقة من الداخل. ويبدأ السؤال في الصعود بإلحاح لا يهدأ: ما جدوى المعنى في عالم يوشك أن يسقط من يده؟ ما قيمة الحياة المُهددة؟ وما قيمة الإنسان حين يصبح مصيره رهن إصبع يضغط زرًا؟
ويمتد أثر الحرب إلى المستقبل. لا تمحوه، لكنها تغشيه بظل كثيف. تتردد الخطط، وتمشي الرغبات على رؤوس أصابعها، ويتعلم الإنسان نوعًا من التأجيل الصامت، كأنه يخشى أن يضع ثقته كاملة في غد لم يعد مطمئن الملامح. ومن هنا تتولد تلك الحالة المرهقة التي يعيش فيها المرء أيامه: ينجز ما عليه، ويؤدي ما يفرضه اليوم، ويترك جزءًا من نفسه معلقًا في الخلف، كأن اكتمال الحضور صار ضربًا من الترف الذي لا تتيحه الأزمنة الجريحة.
حتى الفرح يتغير. يطرق القلب، لكنه لا يستقر فيه على صورته الأولى. وهذا من أقسى ما تصنعه الحرب، لأنها لا تكتفي بما تهدمه في الأرض، بل تمتد إلى ذلك الحق الإنساني البسيط في أن يفرح المرء من غير أن يعتريه هذا التردد الداخلي، ومن غير أن يشعر بأن ضحكته تمر فوق جرح مفتوح.
إن الحرب، في معناها الأبعد، تعيد صياغة العلاقة بالعالم كله. تجعل الحياة أقل أمانًا في الوجدان، وأقل قدرة على احتواء الروح في هدوء. ولهذا يجاوز أثرها ساحاتها المباشرة، إذ لا تصيب المدن وحدها، بل تصيب كذلك ذلك الشعور الخافت الذي كان يجعل الإنسان يحس، في لحظات كثيرة، أن هذه الأرض – على قسوتها – ما تزال صالحة للسكن، وما تزال تمنح القلب موضعًا للسكن. وحين يتصدع هذا الشعور، لا تعود الحرب واقعة في مكان بعينه، بل تصبح نقصًا أو شرخًا يتسرب إلى صورة العالم نفسها، حتى يبدو كل شيء قائمًا في موضعه، فيما شيء جوهري في المعنى قد انسحب بصمت.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




