في هذه الأيام التي تلوح في أفقها أصداء النهايات، ويعيش العالم كله على إيقاع فزعٍ ولدته رعونة بعض العابثين بأمن العالم المستخفين بحياة البشر ومصائرهم، تنكشف على نحو جلي الفروق بين من يملك شجاعة الإعلان عن موقفه، ومن يكسو خذلانه بأسماء أكثر أناقة وأقل صدقًا.
في الأزمنة الرخوة يسهل على الكثير إدعاء العمق. تتسع المجازات، وتلمع المصطلحات، ويستطيع المرء أن يعلّق ذاته فوق الوقائع ناظرًا لها من علٍ. غير أن زمن الشدة، من المفترض، أن يبدد هذا اليسر كله، ويعيد الإنسان إلى مبادئه الأخلاقية الأولى؛ هناك، تحت ضغط الحدث، لا يُسأل المثقف عما قرأ فحسب، ولا عن قدرته على التحليل وحدها، وإنما عن موضعه من الألم العام، وعن المسافة التي تفصل فكره عن شجاعة الإفصاح. فالكلمة في مثل هذه اللحظات لا تستمد قيمتها من براعتها البلاغية، وإنما من استعداد قائلها تحمل ما يترتب عليها، ومن قدرته على أن يمنح المعنى وجهته الأخلاقية المستحقة، بعدما تتكفل القوى المهيمنة بإغراق العالم في ضباب التعابير الملتبسة المتناقضة دومًا.
من هنا تكتسب فكرة غرامشي عن المثقف العضوي وزنها وأثرها الباقي. فالأمر عنده لا يتعلق بمثقف يراكم المعارف ثم يعرضها في واجهات محايدة، وإنما بكائن يخرج من نسيج الحياة التاريخية، ويشتبك مع الصراع القائم على الأرض، ويعين جماعته على أن ترى ما يُراد لها ألا تراه. وحين كتب أن جميع الناس يمارسون ضربًا من الفعل الفكري، مع بقاء الوظيفة الاجتماعية للمثقف مسألة أخرى، كان يفتح الباب أمام معنى أشد التزامًا للمسؤولية: الفكر حين ينفصل عن الناس يتحول إلى عزلة مصقولة، وحين يتصل بوجعهم ويصير أداة كشف وتنظيم وتبصير، يدخل منطقة الخطر النبيل التي يستحق فيها اسمه. بذلك يغدو المثقف العضوي ضميرًا متقدمًا لجماعته، لا خادمًا لاتجاه معين، ولا متفرجًا يزن الخراب بمسطرة المصطلحات.
في الواقع لا تدعو هذه الفكرة إلى تحويل المثقف إلى منشور حزبي، ولا إلى إلغاء تعقيد العالم لحساب الصراخ أو التضحية بالنظر النقدي في سبيل الحماسة العمياء. هي تدعوه إلى شيء أدق وأصعب: أن يحتفظ بحدة عقله كاملة، ثم يرفض أن يجعل من هذا العقل حجابًا كثيفًا يقيه من وضوح الموقف. فثمة عقول تتقن التفسير على نحو مدهش، غير أنها كلما اقتربت من لحظة التسمية ارتدت خطوة إلى الوراء، كأن المعرفة تصلح لكل شيء ما عدا أن تكون شجاعة. عند ذلك يصير التحليل نفسه جزءًا من جهاز الدفاع عن الذات، وتصير اللغة مأوى أكثر منها شهادة.
ثم جاء فوكو ليضاعف وعينا بأن السلطة لا تُرى دائمًا في صورتها المباشرة الخشنة. إنها تعمل كذلك في المفردات، وفي ترتيب المقبول والمرفوض، وأيضًا في إنتاج الخطابات التي تمنح بعض الأقوال شرعية وتحاصر أقوالًا أخرى قبل أن تولد. بهذا المعنى لا تكتفي السلطة بأن تمنع؛ هي تنتج، وتشكل، وتطبع الحدود الخفية لما يمكن قوله وما يُستحسن السكوت عنه، وبالمثل توزع على العبارات درجات الأمان والعقوبة. وحين نفهم ذلك، ندرك أن صمت المثقف لا يعني غيابًا بريئًا، لأن الفراغ نفسه يدخل في هندسة الخطاب العام، ويترك المكان رحبًا للغة المهيمنة كي تستولي على تفسير الوقائع، وتعيد تعريف العدوان والمقاومة، والحق والخوف، والضرورة والانتهاك. الصمت هنا لا يكون انسحابًا من السرد، بل مشاركة سلبية في تثبيت سردٍ آخر.
لهذا تبدو صورة ذلك المثقف الذي يلوذ بالنظري الخالص في أوقات الأزمات صورة كاشفة على نحو مؤلم. فهو لا يجهل ما يقع، ولا تنقصه الأدوات التي تمكّنه من الفهم، وإنما يفضّل أن يحرس سلامته تحت سقف التجريد، وأن يظل مقيمًا في المنطقة التي لا تكلفه شيئًا. يحدّثك عن البنى العميقة، وعن التمثيل، وعن التنازع الرمزي، وفي أحسن الحالات عن تعقيد الجغرافيا السياسية، لكنه ينسحب قبل الجملة التي ينبغي أن تُقال. كأنه يطلب من التاريخ أن يعفيه من واجبة الرئيس، وأن يسمح له بأن يظل محللًا بلا قلب، وناقدًا بلا مخاطرة، ومثقفًا بلا موقف. إنه الخذلان!
ومن سوء قراءة بعض ورثة ما بعد الحداثة أنهم منحوا هذا الهروب شرعية فكرية جاهزة. فحين تتحول الريبة في السرديات الكبرى إلى ريبة في كل معيار، وحين ينقلب نقد الادعاء الكلي إلى عجز عن تسمية الظلم، يغدو الذكاء نفسه بابًا واسعًا إلى الشلل التام. في تشخيصه الشهير لانحسار الثقة في السرديات الكبرى، التقط ليوتار تحولًا حاسمًا في الوعي المعاصر؛ غير أن هذا الوعي، حين يُساء استخدامه، قد يفرز مثقفًا يستبدل الألعاب اللغوية بالشجاعة، ويستعيض عن المسؤولية بكلام غير مفهوم عن لا نهائية التأويل، فينتهي به الأمر إلى أن يعامل المقتضى الأخلاقي العاجل كما لو كان سذاجة نظرية. وهنا يترهل الفكر، وتبرد العبارة، ويصير الشك نفسه عقيدة راكدة لا تفتح أفقًا للنقد بقدر ما توفر ذريعة ممتازة للتأخر عن قول الحقيقة.
في زمن الشدة لا يحتاج الناس إلى من يضاعف الغشاوة فوق أعينهم، ولا إلى من يطيل الوقوف عند حواشي المشهد كي لا يقترب من مركزه الحارق. حاجتهم تتجه إلى ذلك الذي يردّ للكلمات وزنها، ويمنح الرؤية جرأة المرور من الفهم إلى الشهادة. وهذا لا يقتضي يقينًا أعمى، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة من أطرافها جميعًا، وإنما يقتضي نزاهة كافية لكي لا يصبح التعقيد النظري وسيلة للتهرب، وصدقًا كافيًا لكي لا يتحول العقل إلى غرفة إنعاش للحياد. فالحياد في بعض اللحظات لا يرتفع فوق الصراع، وإنما يستقر في داخله بوصفه صورة مهذبة من صور الامتناع عن إنصاف الحقيقة. في زمن الشدة لا يحتاج الناس إلى هذا المثقف من الأساس، فهم يدركون واقعهم بشكل أقوى وأكثر صدقًا منه.
ولعل أخطر ما في المثقف الناكص أنه يفسد معنى الثقافة ذاتها. يختزلها في تمرين ذهني، وفي استعراض مرجعي، وفي ترف شخصي يمكن ممارسته بينما العالم من حوله يتصدع. إن الثقافة، في معناها الحي، طاقة تسمية وتمييز وممانعة؛ هي القدرة على أن يرى المرء ما يتخفى تحت المسميات المروّضة، وأن يستنقذ اللغة من الخدمة في جيوش التعمية. وكلما عظمت الشدة، ازداد هذا المعنى صفاءً؛ لأن البلاغة تفقد زينتها الفارغة، ولا يبقى منها إلا ما يقدر على حمل المعنى إلى موضعه الصحيح دون التباس.
والمجتمعات كذلك تشبه مثقفيها في لحظات الامتحان، أو تكشف على الأقل عن المعدن نفسه. فكما أن بين الكتّاب من يعلن موقفه ويقبل كلفته، وبينهم من يوزع حضوره على الجهات كلها حتى لا يخسر بابًا من أبواب النجاة، كذلك الحال مع المجتمعات. فهناك من يعرف منها أن للموقف قيمة تتجاوز الربح القريب، وأن الإعلان الواضح ليس ترفًا أخلاقيًا، بل صورة من صور السيادة المعنوية. وهناك من يتقن منها فن الإقامة في المساحة الرمادية، فيرسل إلى كل جهة ما يطمئنها، ويبقي عباراته قابلة للتفسير في أكثر من اتجاه، كأنه يبني مصلحته على الإرجاء الدائم للوضوح. قد تبدو هذه، في نظر البعض، براعة تؤجل الخسارة، غير أنها تخلّف الكثير من الندوب؛ لأن التاريخ قد ينسى كثيرًا من التفاصيل، لكنه لا ينسى من ثبت في ساعة الكشف، ولا من اختار أن ينجو بصمته فيما كانت المواقف الجادة أدنى واجبات الكرامة.
أخيرًا، عند الحافة وحدها يظهر الفارق بين من جعل فكره منفتحًا على الواقع وأزماته ومتجاوبًا معهما، ومن جعله ملجأً خاصًا يعتصم فيه من كل الاستحقاقات. وعند الحافة أيضًا يظهر الفارق بين من يتكلم بوجه واحد لأنه يمتلك شجاعة المواجهة وقوة الموقف، وذلك الذي يتقن تعدد الوجوه لأنه لم يحسم أمره إلا لصالح مصلحته الخاصة.
——————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




