يحدث في بعض الأوقات أن نفقد شيئًا صغيرًا، شيئًا عاديًا في نظر الآخرين كبيرًا في أعيننا؛ كتابًا أو قلمًا أو كوبًا ..يقول لنا أحدهم بحسن نية: يمكن شراء غيره. تبدو العبارة صحيحة من جهة السوق، لكنها عاجزة من جهة الذاكرة، وهذا ما قد لا يدركه البعض. فالشيء الذي فقدناه كان يحمل شيئًا من أيامنا، ويحفظ نسخة من علاقاتنا بالأشياء حولنا..علاقة باتت مهددة بعد الفقد.
تبدأ قيمة بعض الأشياء من الزمن الذي سكنها.هي قيمة مضافة تتجاوز الوظيفة والاستخدام ولا يمكن اختزالها في شيء محدد يمكننا شرحه بسهولة. إنها تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه المستودع الهادئ الذي يحتفظ ويراكم ما عاشته الذات في صمت، كأنها تحفظ نيابة عنا تفاصيل لم نعد قادرين على استدعائها كاملة.
قد يكون الشبيه قريبًا في الشكل، وفي اللون، وفي الوظيفة.. قد نجد نسخة أجمل، وأحدث، وأغلى ثمنًا. ومع ذلك تبقى بين الشيء القديم وما جاء بعده مسافة لا يردمها التشابه. فالعلاقة لا تنتقل كما تنتقل الملكية، والزمن لا ينسكب من وعاء إلى آخر بمجرد أن نريد ذلك. ما صار جزءًا من عادتنا يحمل طريقًا خاصًا إلينا؛ طريقًا تكوّن من الاستعمال، والتكرار، والمصادفة، ومن تلك الألفة التي تنشأ ببطء حتى تبدو في النهاية كأنها كانت معنا منذ البداية.
والأمكنة تشارك الأشياء هذا السر نفسه. البيت الأول لا يبقى في الذاكرة لأنه الأجمل، وشوراعنا التي تحتفظ بجانب من أسرارنا لا يمكن النظر إليها بوصفها طرقًا نقطعها فحسب، والمقعد الذي أجلس عليه خلف مكتبي وأنا أكتب هذه الكلمات لا يمكن اختزاله أبدًا في مجرد وظيفته. قيمة المكان تأتي من النسخة التي تركناها فيه من أنفسنا. نعود إلى مكان قديم فنشعر كأننا نبحث عن الشخص الذي كنّاه حين كنا نعبره. الشرفة، والباب، والنافذة، وضوء الظهيرة على أرضية صالة بيتنا وصوت القرآن من المذياع القديم.. كلها تحمل لحظات من عمرنا، وتعيد إلينا شيئًا من طريقة كانت لنا في النظر إلى العالم.
وفي العلاقات يبلغ المعنى درجة أعمق. قد يحيط بنا كثيرون، وقد نجد من يسمعنا، ومن يشاركنا الضحك، ومن يبادلنا الحديث، غير أن لكل علاقة مذاقًا لا يتكرر بالصورة نفسها. هناك شخص نتصل به وقت حزننا لنضحك معه، وآخر عندما نواجه مشكلة تحتاج إلى رأي حكيم، وثالث نفصح له عما نخجل من قوله أمام غيره. وحين يغيب شخص من هذا النوع، تغيب معه إمكانية كاملة من تواصلنا مع العالم. كثرة الحضور حولنا قد تخفف الوحدة أحيانًا، لكنها لا تستعيد بالضرورة علاقة صنعت لنا موضعًا آمنًا داخل العالم.
من هنا تبدو الأشياء الحميمة طريقًا لفهم الإنسان نفسه. فالشيء الذي تربطنا علاقة وثيقة به يتغير لأنه لمس شيئًا من حياتنا، والإنسان الذي يطول أثره فينا يترك علامة داخلنا لا تنمحي بسهولة. شخصان قد يؤديان الدور نفسه، ويقولان الكلام نفسه، ويجلسان في المكان نفسه، وتبقى بينهما مسافة دقيقة يصنعها التاريخ الداخلي لكل منهما. ما يتركه الإنسان في غيره يأتي من مجموع ما عاشه وليس من لحظات مفردة مجزئة.
يُفضل عالمنا الحديث ما يمكن قياسه. يقيس الوقت، والإنتاج، وسرعة الاستجابة، وعدد المهام، ومعدل الإنجاز، وعدد الزوار….إلخ. وهذا كله له ضرورته داخل حركة العمل. غير أن الخطر يبدأ حين يُنظر إلى ما لا يقاس على أنه غير موجود. حينها تضيق صورة الإنسان حتى تصير مطابقة لما يمكن إدخاله في خانة. ومع ذلك يبقى في كل غياب أو فقد أثر لا يعرف النظام كيف يسجله. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الوجود الإنساني وزنه الحقيقي، لأنها تحفظ في الناس ما لا يظهر في الحساب.
وربما كان ما لا يستبدل في النهاية هو هذا التداخل الدقيق بين الإنسان وما عاشه وما لمسه ومنحه من نفسه. فنحن لا نترك العالم كما دخلناه، ولا يعبرنا العالم من غير أثر. في كل واحد منا طبقة من العمر لا يحملها غيره، وصوتًا خاصًا لا يُنسخ، وطريقة خاصة جدًا في منح المعنى للأشياء والأشخاص والأمكنة.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




