يقول سارتر، في معرض حجاجه على أسبقية الوجود على الماهية، وعلى أن الإنسان لا يمتلك طبيعة بشرية أصلية: «إن الإنسان يوجد ثم [يريد] أن يكون… وأن الإنسان ليس سوى ما يصنعه من نفسه» (الوجودية مذهب إنساني، ص14).
ويهمني هنا معنى ما اصطلح عليه سارتر بلفظة «الإرادة»، وهو معنى يتطابق لديه مع الفكر، ما دامت فلسفته متأسسة على الكوجيتو الديكارتي؛ فكأن الإرادة ليست إلا مرادفًا للفكر. وهو ما أكده سبينوزا حين جعل الإرادة عين الفهم والحكم العقلي بالإثبات والنفي (علم الأخلاق، ص136). وهنا يمكننا أن نتساءل: هل تحمل الإرادة المعنى ذاته المتضمن في الفكر، أو المتماهي معه، أم أنها قدرة وتوجّه ونزوع سابق على الفكر؟
فلو عدنا بالتأمل إلى الكوجيتو الديكارتي ذاته: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، وتساءلنا عن وجودٍ سابق على الفكر في هذا الموقف، لوجدناه في ذلك الحافز على طلب اليقين. وهذا الحافز ليس شيئًا غير «إرادة المعرفة»، غير أنه يبدو متأسسًا على «وعي بالجهل». فنحن هنا بإزاء معرفة أولية بالجهل، ثم إرادة للمعرفة، ثم أخيرًا إدراك لوجود هذه العمليات كلها، وتأسيس يقين الوجود عليها.
هذا التداخل بين الوعي بالجهل، ثم إرادة المعرفة، ثم يقين الفكر، أو وجود الذات المفكرة، وبسبب وقوع الإرادة بين وعيين، هو ما جعل ديكارت، ومن بعده سبينوزا وسارتر وكثيرًا من الفلاسفة الآخرين، يطابقون أنطولوجيًا بين الإرادة والفكر. فهل استمر الأمر على هذا النحو؟
ثمة محاولة أولى لتأسيس الوجود على الإرادة، قام بها فيلسوف فرنسي ليس بشهرة ديكارت وسبينوزا وسارتر، هو مين دو بيران، وقد أشار إليها عبد الرحمن بدوي في كتابه الزمان الوجودي. لكن المعارضة الحقيقية جاءت مع شوبنهاور، الذي انتقد ديكارت وسبينوزا في هذه المماهاة بين الفكر والإرادة، وذهب إلى أن الإرادة هي الأصل؛ فالإنسان، شأنه شأن كل ما في العالم، هو في الأصل إرادة، والإرادة هي جوهر الشخصية الإنسانية الثابت الذي لا تنال منه الصيرورة، وهي تتجلى في ميوله وعاطفته وفكره وخُلُقه وعاداته.
ولو عدنا إلى عبارة سارتر في مطلع المقال، التي تقول إن الإنسان يوجد ثم يريد أن يكون، لأمكن أن نقرأها من زاوية أخرى غير تلك التي أرادها سارتر نفسه؛ إذ تبدو الإرادة فيها أقرب إلى ذلك المعنى الميتافيزيقي الذي كشف عنه شوبنهاور، بوصفها نزوعًا أصيلًا إلى الكينونة، يسبق الفكر ويستعين به. فالمولود يبحث عن ثدي أمه، أو عن شيء يلقمه، قبل أن يمتلك فكرًا ناضجًا يوجه سلوكه، وإرادته هنا مدفوعة بالغريزة، بينما لا يكون الفكر في هذه المرحلة إلا أداة ستتطور لاحقًا لخدمة هذا النزوع الأصلي.
فإرادة الكينونة عند الإنسان هي، في طبيعتها، شكل من إرادة الحياة التي تحكم جميع الكائنات الحية، وهي سابقة لديه على الفكر وعلى العاطفة، بل إن الفكر والعاطفة ليسا سوى أداتين لتحقيقها؛ فما أهمية معرفة ذلك؟
عندما نعرف أن الإنسان، في أصله، إرادة لا فكرًا أو عاطفة خالصة، فإننا نستطيع أن نحاكم سلوكه محاكمة عادلة، لا ترفعه إلى درجة القداسة، ولا تحط به إلى مستوى الحيوانية. فالإنسان لديه نزوع إلى كينونة معينة، ولتحقيق هذا النزوع يوظف جميع ملكاته الفكرية والعاطفية والجسدية. إنه يريد أن يكون على هيئة معينة، وليس علينا إلا أن نتفهم هذه الإرادة، وأن نتعامل معها بما لا يؤثر في مجموع الإرادات الأخرى.
فإذا أراد أحدهم الرئاسة، مثلًا، فإنه سيسعى بما يملك من قدرات عقلية وخطابية وانفعالية إلى تحقيق هذه الإرادة. وعلينا نحن أن ننظر: هل يسهم تحقق ذلك في تنمية ما نريده نحن أم لا؟ أي إن حكمنا عليه لا ينبغي أن يكون بما يقوله من حق، ولا بما يظهره من تعاطف، وإنما بمقدرته وصدقه في تحقيق ما نريد.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




