أولاً: تمهيد
نظرية النظُم كمنظور لتفكيك الأنساق الميتافيزيقية
1– منظور نظرية النظم العامة
نظرية النظم العامة (General Systems Theory – GST) هي إطار نظري ومنهجي عابر للتخصصات Transdisciplinary، يهدف إلى دراسة المبادئ والقوانين المشتركة التي تحكم النظم systems بمختلف أنواعها، سواء كانت فيزيائية أو بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية. وبصورة عامة تفيدنا نظرية النظم في إعادة تصور البنى الفيزيقية والميتافيزيقية بصورة أبسط تركز على الهيكل الأساسي للبناء المادي أو النظري من حيث عناصره الأساسية، والعلاقات الرابطة بينها، ومواضع التمفصل (نقاط الاتصال والانفصال التي تسمح بالحركة)، وكيفية عمل المدخلات، والمخرجات، وذلك بما ينأى بنا عن الاختزال الخطي من جهة، وبما يسمح من جهة أخرى بتصور الوظائف الظُّهورية (المنبثقة) emergent، أي التي تظهر باجتماع عناصر معينة في بنية محددة من دون إمكانية الرد الخطّي للوظيفة المنبثقة إلى أحد تلك العناصر بصورة بسيطة. ومن الأمثلة المطروقة اليسيرة على التصور للخواص المنبثقة ظهور سلوك المستعمرة باجتماع أفراد النمل في ظروف مناسبة، بما يبدو لنا كأنه خطة معقدة مسبقة، غير أنه تحول تلقائي من الأبسط إلى الأعقد. والسبب في أن ذلك “يبدو لنا” نتيجة عمل مخطط هو الظهور (أو “الانبثاق” كما هي الترجمة السارية) Emergence. تسمح لنا نظرية النظم إذن بفهم الانبثاق بدءًا، وهي من المكاسب الأساسية لتطبيق هذه النظرية. لا يعني ما سبق إذن أن هذا المنظور وحيد ومطلَق، بل يعني أنه منظور ممكن أولاً، ومفيد ثانيًا. صحيح أن منظور النظم يؤدي إلى تبسيط البناء الهندسي لموضوع الدراسة، ولكنه التبسيط الذي يسمح بملاحظة ظواهر معينة، كرسم المخ الكهربي مثلاً، الذي هو أبسط بمراحل من الظاهرة البيولوجية، لكنه يؤدي إلى تشخيص أدق من الغرق في تفاصيل هائلة تضيع فيها الملاحظة المفيدة. وبدلاً من الرسم الكهربي بالنسبة للمخ نقوم هنا بالرسم المنظومي بالنسبة للعقل. وربما نحتاج هنا للتأكيد على أن منظور نظرية النظم منظور كلّي في الأساس؛ إذ إن المرتكز الأساسي للنظرية هو الانتقال من التفكير التحليلي-الاختزالي (الذي يفكك الظاهرة إلى أجزائها الأولى لدراستها منفردة) إلى التفكير المنظومي الشامل، حيث يُنظر إلى الظاهرة بوصفها “كلاً متكاملاً” يتكون من أجزاء مترابطة ومتفاعلة ديناميكيًا، بحيث يفرز هذا التفاعل خصائص جديدة تمامًا لا يمكن ردّها إلى الأجزاء المنفردة.
وأهم المكونات التي تعتمد عليها نظرية النظم هي حدود النظام والجهاز وبنيتهما الأساسية والظواهر المنبثقة، والحدود النظُمية-السيبرنطيقية: وحدات التخزين، ووحدات المعالجة، وواجهات العرض، وآليات التغذية الراجعة بأنواعها، والحدود النظمية-البيولوجية: حالة حفظ الاتزان الذاتي، ووظائف الأجهزة في مقابل تشريح النظام، والتراكم الجهازي systemic.
وبصورة خاصة يفيدنا تطبيق هذا المنظور على الميتافيزيقا في فهم أهم فروض البناء الميتافيزيقي، ومواضع تمفصله مع أبنية ميتافيزيقية أخرى، ربما جرى فعلاً الربط بينها تاريخيًا ولكنْ من دون تفسير واضح. ومن بين الأبنية الميتافيزيقية الكبرى يبرز لنا نوعان من جهة تصنيف النظُم بحسب المحور الاستاتيكي/الديناميكي (الثبوتي/الحركي)، بحيث نتناول في هذه المقالة أنطولوجيا كل من أرسطو وأفلوطين تحت الصنف الاستاتيكي، وأنطولوجيا كل من هيراقليطس وهيجل وماركس تحت الصنف الديناميكي، وذلك محاولةً للإجابة عن الأسئلة التالية وما يتفرع عنها: فهل وقع الربط في العصر الوسيط بين ميتافيزيقا أرسطو وميتافيزيقا أفلوطين لمجرد “تطعيم” أرسطو بعناصر صوفية قريبة ثقافيًا من القارئ المسلم والمسيحي؟ هل هو فعل ثقافي أم تمفصل منظومي ممكن بالفعل؟ وهل مثل كل من هيجل وماركس جبهتين متعارضتين بين ديالكتيك مثالي وآخَر مادي، أم أن النظام العام للديالكتيك يسمح بالحركة في الاتجاهين؟ وما طبيعة عناصر تلك النظم الميتافيزيقية؟ هل المحرك الأول الذي لا يتحرك عند أرسطو هو الإله الواحد تحديدًا بمفهوم قريب من الإله الإبراهيمي؟ لماذا افترض أفلوطين ثالوثًا مكونًا من الأول والعقل الكلي والنفس الكلية؟ لماذا لم يكن رابوعًا أو خاموسًا مثلاً؟ وهل جعل ذلك اعتباطًا؟ وهل لذلك علاقة بالأقانيم المسيحية والهندوسية؟ ولماذا ظهرت فكرة الأقانيم في فلسفات وديانات متباعدة ثقافيًا وتاريخيًا وجغرافيًا؟ وفيمَ اختلف الديالكتيك عن الميتافيزيقا الكلاسيكية؟ لماذا يعد هيجل وماركس من فلاسفة الديالكتيك بخلاف أفلوطين رغم توفر عنصر الديناميكية في نسق الأخير، بل في نسق أرسطو كذلك؟ تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة وسواها القيام بخطوتين جوهريتين: أولاً: الارتكاز المفهومي في ماهية النظام بما هو نظام، وكيف يختلف عن الجهاز وعن السياق، وهو ما يتطلبه التطبيق في حقل الأنساق الفلسفية، وثانيًا: بناء التصور المنظومي للميتافيزيقات الأربع مع مراعاة كشف مواضع التمفصل بينها. وفي ضوء الدراسات السابقة تعد هذه المقالة من المحاولات النادرة عربيًا في تطبيق نظرية النظم على الأنساق الفلسفية.
2– النظام والجهاز والسياق Order, System and Context
رغم أن الترجمة المعتمدة والسارية تستعمل “نظام” لترجمة system في إطار نظرية النظم، فإن لفظة “جهاز” هي الأدق عربيًا. ولكنْ نظرًا لشيوع الترجمة المعتادة، وحرصًا على اتقاء خطر الضوضاء المعجمية وعلى اتساق المبحث مع الطرح العالمي للنظرية، فإننا سنبقي على تعبير “نظرية النظم” بدلاً من الأدق: “نظرية الأجهزة”، على أننا سنفرق في التطبيق بين النظام والجهاز. فما النظام؟ وما الجهاز؟ وكيف يختلفان عن السياق؟
النظام order هو أبسط المفاهيم الثلاثة، كما أنه أعمّها؛ بمعنى تضمنه لكل من الجهاز والسياق. النظام بصورة عامة هو نقيض الفوضى بما يشير إلى خاصية الانتظام. هو مجموعة من العناصر في مجموعة ما، بحيث تكون مرتّبة طبقًا لتسلسل ما، قد يكون الأعداد الطبيعية من واحد إلى عشرة، أو النظام الشمسي من عطارد إلى نبتون. وهذا هو ما يسمح للعقل بالتنبؤ بالعناصر التالية (مثلاً المجموعة من واحد إلى عشرة تصاعديًا تسمح بالتنبؤ برقم ستة بعد رقم خمسة)، مما يجعلنا نتبين تلقائيًا أن نظام الأعداد الطبيعية من واحد إلى عشرة تصاعديًا نظام مختلف عن نظامها مرتبة تنازليًا. إذن فإن خاصية الترتيب (أو المنطق الداخلي) من حيث الكم والكيف (أو الاتجاه في هذه الحالة) أساسية في تعريفنا لنظام معين. أما الخاصية الثالثة في النظام بما هو نظام – بالإضافة إلى خاصيتي الانتظام والترتيب – فهي أنه قد يكون ساكنًا (استاتيكيًا) كالمثالين المسوقين أعلاه، كما قد يكون متحركًا (ديناميكيًا)، مثل الانتقال بين مَشاهد الفيلم. الخاصية الثالثة إذن هي إمكانية كون النظام استاتيكيًا أو ديناميكيًا، بحيث لا يشترط بالضرورة كونه عملية process.
أما الجهاز system فهو النقلة الحقيقية المذهلة، التي تمثل خطة بناء الوجود الطبيعي والاجتماعي المعقد الذي نحيا فيه وبه؛ فالجهاز -في ضوء نظرية النظم العامة- هو ببساطة نظام داخل نظام، لكنه بالإضافة إلى الخواص الثلاث السابقة للنظام يتحدد طبقًا لوظيفته. الجهاز إذن نظام داخلي في نظام أكبر، وله وظيفة محددة، هي الحفاظ على بقاء النظام الأكبر بالأساس. لهذا نطلق على المخ والأعصاب المركزية والطرفية اسم الجهاز العصبي، لا النظام العصبي. فإذا قام الجهاز -بالتعاون مع أجهزة أخرى كأجهزة الجسم الحي- بوظيفته، “تظهَر” emerges لنا خاصية بالغة الأهمية في البيولوجيا والاجتماع بالدرجة الأولى، هي خاصية حفظ التوازن الذاتي Homeostasis. لهذا كذلك نطلق على المؤسسة المنوط بها مثلاً مكافحة التجسس “جهاز المخابرات”، أو من حيث حماية المستهلك “جهاز حماية المستهلك”، وذلك على المستوى الاجتماعي؛ إذ تحفظ هذه الأجهزة بقاء النظام. وهو ما يعني بالتبعية أن الجهاز عملية ديناميكية غائية لا مجرد ترتيب استاتيكي ولا مجرد فرق تشريحي.
وأما السياق context فهو نظام استاتيكي بالأساس، ولكن بدلاً من أن تكون له غاية صارت له دلالة. السياق هو نظام المعنَى بصفة عامة. وكما أن الغائية من الخواص البنيوية الجوهرية للجهاز فإن الدلالة خاصية بنيوية جوهرية للسياق. وهو غالبًا ما يكون “بيئة” محيطة بعنصر أو مجموعة عناصر. وبما هو بيئة فهو خاصية خارجية بالنسبة لداخله. من أمثلة ذلك: ظاهرة الفقر في سياق مجتمع رأسمالي مقارنة بالظاهرة نفسها -الفقر- في السياق الرأسمالي؛ حيث يتضح لنا من البداية الفرق الجوهري بين مجال النقاش في الحالة الأولى وبينه في الحالة الثانية. الفقر في السياق الاشتراكي ظاهرة اجتماعية مَرضية (باثولوجية)؛ حيث إن من أهداف المجتمع الاشتراكي أصلاً القضاء على الفقر الطبقي؛ فحتى لو انخفض مستوى المعيشة في المجتمع الاشتراكي المقصود ككل مقارنةً بما سواه من مجتمعات في دول أخرى، فإنه لن يكون فقرًا “في” المجتمع، لأنه إذا كان اشتراكيًا حقًا فسوف يتساوَى الجميع في هذا المجتمع بما لا يسمح بتبايُن كافٍ لتحديد صفة الفقر. أما لو كان الفقر الطبقي في مجتمع رأسمالي فهو ظاهرة طبيعية لا باثولوجية؛ فهذا النوع من المجتمعات لا يستهدف أصلاً التقارب الطبقي أو اللا طبقية، بل يستهدف فرز الأفراد الأقدر على التكيف والنجاح، وهؤلاء هم من يكوّنون طبقة الأثرياء.
هذه المفاهيم الثلاثة الأساسية يتمتع كلٌّ منها “بظلال” (استعارةً لتعبير كارل يونج في وصفه لظل الشخصية). فإن نقيض النظام بما هو نظام هو الفوضى، والفوضى هي عدم قدرتنا على تبين نمط ما في مجموعة من العناصر. والفوضى الكاملة مستحيلة رياضيًا في حدود علمنا، وبالتالي ممتنعة على الوجود الطبيعي، لهذا قلنا إنها “عدم قدرتنا على تبين نمط”. فماذا عساه يكون ظل الجهاز؟ فلنتذكر أن الجهاز نظام غائي في حالة ديناميكية. فإذا أضفنا لذلك أن ظل النظام عملية عكسية من النظام إلى الفوضى، نستنتج أن ظل الجهاز هو القصور الحراري، أو الإنتروبيا Entropy. وكما هو معروف فإن الإنتروبيا في الديناميكا الحرارية (مجموعة القوانين الخاصة بانتقال الحرارة) خاصية طبيعية جوهرية في هذا الكون، أو -على الأقل- في هذه الفترة من عمر هذا الكون، حيث يسود فعل الطاقة المظلمة dark energy التي هي ليست طاقة بالضبط، بل مفهوم يشير إلى حالة التبدد والتفكك في مادة الكون التي تؤدي إلى توسع الكون الطبيعي لسبب غير معروف حاليًا. وهي كذلك اتجاه حركة الزمن؛ إذ يسير الزمن من حالة النظام إلى حالة الفوضى في النظم الفيزيائية المعزولة عن طريق القصور الحراري. ويستعمل مصطلح الإنتروبيا كذلك في المجال البيولوجي والنفسي والاجتماعي بالمعنى العام له. مثلاً يؤدي الفشل الدوري-التنفسي إلى الوفاة في الأحياء، أي إلى تفكك النظام الأكبر، الذي هو الجسد، والذي ينتقل عبر الإنتروبيا من الكون إلى الفساد. وتؤدي بالمثل بعض الاضطرابات الوجدانية واضطرابات الشخصية إلى إنتروبيا الشخصية، أي إلى تفككها disintegration التدريجي (غالبًا ما لم تتوافر شروط معينة). وكتطبيق لنظرية النظم في مجال العلاج النفسي يعد أسلوب CBASP أو “العلاج السلوكي المعرفي بالتحليل النظُمي” منهجية واعدة في علاج الحالات المركبة المزمنة، يمكن أن يعيد للشخصية تكامُلها. وعلى مستوى المجتمع يؤدي انحلال “الجهاز” الإداري إلى إنتروبيا اجتماعية، أي تفكك الدولة. أما ظل السياق فهو فشل النظام في أن يتضمن دلالة ما، أو دلالة محددة. وحين نلاحظ هذا الفشل ننعته بصفة “اللا معنى“، مثلما نقول: “الفقر في حالة اللا فقاريات”؛ فإن وضع اللا فقاريات كسياق للفقر، إذا كنا نعني ذلك حرفيًا، يؤدي إلى كون كلامنا بلا معنى. وهو ما يعني كذلك أن حالة المعنى مرهونة بحالة السياق.
وفي كل من الطبيعة والمجتمع، في الجمادات والأحياء، لا يمكننا معرفة شيء له معنى إلا إذا كان له سياق. وقد تساءل هيدجر يومًا -في “الكينونة والزمان”- عما إذا كان هناك شيء بلا عالَم weltlos، وما نستنتجه حتى هذا الحد على نموذج تساؤل هيدجر هو أنه لا يوجد معنى بلا سياق. وما يلج بنا إلى الميتافيزيقا مباشرةً حقيقة أن الشيء ينتقل من حالة العدم -بالنسبة لنا- إلى حالة الوجود حين يكون له معنى، أيّ معنى، في عقولنا، أيْ حينما تكون له بيئة معنى، أيْ سياق.
ثانيًا
العمارة الميكانيكية الكبرى: أرسطو
1– الغائية الطبيعية وخاصية الدوران
من أهم المفارقات التي تفاجئنا حين نفكك ميتافيزيقا أرسطو من خلال نظرية النظُم هي أن ميتافيزيقاه ليست غائية بالمعنى الدقيق، بينما تتجذّر الغائية في نسقه في طبيعياته. وسبب المفارقة أن طرح مسألة الغائية في الوجود عادة ما يرد في سياق الميتافيزيقا، أما الطبيعيات (الفيزياء القديمة) وكذلك الفيزياء الحديثة فهي محل للميكانيكية العمياء، التي تعمل كماكينة معقدة عظيمة بلا إرادة وبالتالي بلا غاية.
كي نفسر سبب استمرار أي نظام علينا أن نلجأ إلى آليتين بلا ثالث: إما الدوران، وإما النَّسْخ. وبينما يعتمد الدوران على آلية لإعادة التدوير، يعتمد النسخ على آلية لإعادة طباعة المعلومات. وإننا نجد بالفعل كلاً منهما في الطبيعة؛ فدوران الأفلاك، ودورات الكربون والماء من الآليات الأساسية لفهم الطبيعة حاليًا، أما النسخ فهو ما يلتقينا بأوضح صوره في مجال البيولوجيا كآلية أساسية لتوارث الصفات من خلال الجينات الوراثية وعملية تخليق البروتين المعتمدة على قراءة الشريط الوراثي ونسخه بالدرجة الكافية من الدقة. فإذا تعطلت أي من الآليتين انهار النظام. مثلاً إذا اختلت دورتا الماء الكربون صار الكوكب غير صالح للحياة، وإذا اختلت عملية نسخ الجينات وصارت النسخ الجديدة باهتة بدأت عملية الشيخوخة، التي هي موت بطيء، أما إذا صارت مشوهة يحدث السرطان، الذي هو موت سريع.
وربما كان أرسطو بين الفلاسفة أول من انتبه إلى أن الدوران ضروري لتفسير حالة الاستمرار المستقر في الطبيعة. صحيح أن بعض الطبيعيين كإنبادوقليس Empedocles قد أقروا قبله بما يعتبر دورة حياة كبرى للكون، بين التفكك التام حين تسود قوى التنافر، وبين الانضغاط المطلق حين تطغى قوى التجاذب، في شكل دورة متكررة، لكنها لا تشبه الدائرة هندسيًا، ولا هي دورة “داخل” الطبيعة، ولا يمكن تفسيرها اعتمادًا على مبادئ أولى بسيطة كما قدم أرسطو فيما بعد. يمكن تلخيص الفارق بينهما من منظور نظرية النظم كالتالي: فبينما قدم إنبادوقليس دورة تاريخية/زمانية/ديناميكية، قدم أرسطو دورة بيئية/مكانية/استاتيكية. وبحسب العلوم الحديثة يعد كل منهما على صواب جزئيًا بشكل عام جدًا؛ ففيزياء الفلك حاليًا تعتدّ بتأثير الطاقة المظلمة dark energy (التي تناظر قوى التنافر عند إنبادوقليس)، وبعض الكوزمولوجيين المعاصرين كروجر بنروز قد قدم بالفعل نموذجًا للكون الدوري cyclical universe يتشابه بصورة عامة مع نظرية إنبادوقليس؛ حيث يتمدد الكون في مرحلة -كمرحلتنا الحالية- ليعود وينخسف نحو مركزه، ثم يتمدد، وهكذا. ويعرف هذا النموذج في ضوء نظرية النظم بالنظام المتذبذب oscillating system، أي الذي يحافظ على وجوده ذاتيًا عن طريق مروره بمراحل متناقضة، لكنّ كلاً منها متوازنة مع نقيضتها بطريقة أو بأخرى. ولإكمال الصورة الحالية لا بد من ذكر نظرية هيراقليطس -سيتطلب الأمر ذكره عند التطرق إلى الديالكتيك- الذي رأى أن النار هي العنصر الوحيد من العناصر الأربعة، الذي لا يوجد إلا وهو في حالة حركة، وبالتالي تسمح بتدفق المعلومات كمدخلات ومخرجات في نظام للتوازن الديناميكي dynamic equilibrium جوهريًا، بينما يمثل اللوجوس مُعامل إعادة ضبط reset. غير أن النار الهيراقليطية مجرد “رمز” لحالة التغير في شكل اضطرام كوني Ecpyrosis، والفرق واضح بين هذه الرؤية ورؤية أرسطو، بل وحتى رؤية إنبادوقليس.
وكي يستقر نظام ما ذاتيًا لا بد من أن يتوافر له “جهاز” لبلوغ حالة حفظ التوازن الذاتي Homeostasis، وهذا الجهاز في طبيعيات أرسطو هو المحرك الأول الذي لا يتحرك unmoved prime mover. ولتقريب الفكرة من غير المختص فهو أقرب من وجهٍ معين للإله في التراث الإبراهيمي. هذا الوجه هو على التحديد كونه هو نفسه بلا سبب ولا غاية إلا نفسه. إنه غير مخلوق، غير خاضع لشروط الكون والفساد والسببية والزمان والمكان. لكنه يختلف عن الإله الإبراهيمي في بقية الأوجه؛ فهو لا يريد شيئًا من العالم، ولا يخلقه من عدم، ولا يتدخل فيه، ولا يعلم عنه شيئًا تقريبًا، فهو في حالة تأمل ذاتي-داخلي، عقل يتعقل نفسَهNoesis Noeseos. ومذهبيًا-تاريخيًا لم يقصد أرسطو أصلاً وضع تصوُّر عن الإله عن طريق فكرته المتعلقة بالمحرك الأول.
أهم آثار المحرك الأول في العالم الطبيعي هو كونه الجاذب Attractor الأكبر للطبيعة من كل الجهات نحو مركزها الذي يحتل هو موضعه (وهو تصور مبسَّط سنعود لتفصيله فيما بعد). إنه بحسب أرسطو السبب العام للدوران في الطبيعة. إنه إذن “غاية” مجازية، لأن الطبيعة عند أرسطو غير حية، غير مريدة، ولا يمكن أن تكون لها عند نفسها غاية، ولكنْ يمكن أن يكون لها محرك. وعليه فإن المفهوم الغائي للإله -الإله بما هو غاية- عند أرسطو لا يعني أن أنطولوجياه غائية بالمعنى الحقيقي، ولم يؤدِّ إلى أن تكون ميتافيزيقاه ككل كذلك. مع ذلك فالفهم الغائي للإله عنده -كما قلنا- يتحقق في طبيعياته لتفسير الدوران في الطبيعة كطريقة للاستمرار في نظُم معقدة بالغة التركيب لفترات طويلة بالغة الطول، من دون إمكانية للحل الثاني لبلوغ مرحلة الاستمرار المستقر للنظام عن طريق النسخ (ما سيفترض أن الكون يُنسَخ من حالة أصلية كل لحظة ليستمر). وإذا كان الدوران هو التفسير الوحيد الصالح لظاهرة حفظ التوازن الذاتي في الطبيعة، فإن في الطبيعة “اتجاه” حقيقي عند أرسطو، اتجاه في المكان على المستوى الطبيعي الأكبر، وهو علاقة الطبيعة بما هو من حيث التعريف مركز حركتها الدائرية، أو علاقتها بـ “مَن” هو في هذا المركز. إذن فإن “المحرك الأول” لا يرادف “الإله” مفهوميًا، بل هو مجرد محرك، غير أنه أوَّل، وغير أنه لا يتحرك هو نفسه وإلا صار جزءًا من الطبيعة. وهنا نجد أن المحرك الأول يختلف في طبيعته عن أي شيء نعرفه، فكل ما في الطبيعة متحرك بغيره، لكن المحرك الأول محرِّك بذاته. إجمالاً فالمحرك الأول فرضية في فلسفة الطبيعة، لكنه هو نفسه خارج الطبيعة كما نفهمها.
الطبيعة إذن كنظام مستقر مستمر عند أرسطو اتجاه للحركة، بينما المحرك الأول مجرد موجِّه لهذه الحركة. ولم يضطر أرسطو لافتراض صفات أو أفعال إسنادًا إلى ذلك لهذا المحرك الأول؛ إذ إن الطبيعة لديه تفسر نفسها بنفسها بصورة كافية عدا تلك الخاصية العجيبة والأساسية، ألا وهي الدوران. ولأن الطبيعة لا تفسر دورانها ككل بنفسها، صارت تلك الخاصية “خارجية”، أي تتطلب تأثيرًا خارجًا عن الطبيعة، هو تأثير المحرك الأول. المحرك الأول إذن مجرد محرك، لكنه لسبب ما، أو من دون سبب أصلاً على مستوى وجوده، لا بد من أن يكون الأول؛ إذ لو كان يسبقه شيء في الوجود زمانيًا ومكانيًا، لصار ذلك السابق هو المحرك الأول، ما يترتب عليه أن المحرك اللاحق، الذي كنا نظنه المحرك الأول، في الواقع هو “متحرك أول”. وهذه هي النقطة التي تمثل موضعين للتمفصل: الأول تمفصل أرسطي-أرسطي: حيث يمثل المحرك الأول فرضية لتفسير الطبيعة، لكنه هو نفسه خارج هذه الطبيعة، ويحتل في الوقت نفسه موضع القلب من “ما بعدها”، والثاني أرسطي-أفلوطيني: حيث تسمح فرضية المحرك الأول بافتراض وجود متحرك أول، كما سنرى في القسم التالي الخاص بأفلوطين. وهذا نُرجئ موضعه؛ فالأجدر ها هنا بالذكر هو مسألة الاتجاه كخاصية جوهرية في الطبيعة، هي التي تحفظ نظامها واستمرارها المتوازن. وهي من أهم نتائج الطرح الحالي.
2– هل كان بإمكان أرسطو استنباط أفق الحدَث والسفر عبر الزمن؟[1]
فعلى سبيل التجربة الذهنية: ماذا لو كانت فرضية أرسطو صحيحة، ثم استطاع كائنٌ ما أن يسير عكس اتجاه دوران الطبيعة؟ هل سيسير عكس الزمان إلى الماضي من حيث المبدأ في ضوء طبيعيات أرسطو؟ ما الزمان عند أرسطو؟ الزمان بصياغة أرسطو مجرد مقياس كمي بحت scalar “عدد الحركة من جهة ما تقدم وما تأخر”، حيث تعني “الحركة” kinesis في لغة فلسفة العصور القديمة والوسطى “التغيُّر” بشكل عام. ولهذا لم يفترض أرسطو أن الزمان كيان حقيقي كما هو مثلاً في فيزياء آينشتين، ولم يفترض بالتالي أنّ للزمان “اتجاهًا” حقيقيًا. بالتالي لا يمكن في ضوء طبيعيات أرسطو أن يتحرك جسم إلى الماضي عن طريق حركته عكس حركة عقارب الساعة الكونية الكبرى، التي يتمركز المحرك الأول في محورها. ولكنْ مع تعديل إجباري على طبيعيات أرسطو يتغير المشهد جذريًا.
في الفيزياء الحديثة كل القوانين تقريبًا متماثلة symmetrical أي تعمل في كلا الاتجاهين الزمانيين (من الماضي إلى المستقبَل t+، من المستقبَل إلى الماضي t-) ما عدا القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي يصف ظاهرة القصور الحراري سالفة الذكر؛ فهو وحده الذي لا يتمتع بالتماثل، ويقضي بأن يكون للطبيعة اتجاهٌ زماني واحد إجباري: من الماضي إلى المستقبَل؛ فلا يمكن لقطرة الحبر التي انتشرت في الماء مثلاً -وهو التشبيه البسيط الدقيق المعتاد لوصف هذه الظاهرة- أن تتجمع تلقائيًا، إلا مع ضخّ طاقة بقدر معين في اتجاه معين عكس حركة الانتشار البسيط diffusion معلوماتيًا، أي بحساب حركة كل جزيء من حيث القوة والاتجاه (كمية التحرك)، بحيث نعكس الاتجاه، وبحيث نضخ من الطاقة في هذا النظام ما يتناسب مع القوة. لكن في حالة النظام الفيزيائي المعزول لا يوجد ضخ تلقائي للطاقة، ولا حساب تلقائي في الطبيعة لتلك الحركة، وبالتالي لا مفر -في حدود العلم الحالية- من انتشار نقطة الحبر، ومستحيل أن تتجمع مرة أخرى تلقائيًا. وهذا هو تحديدًا معنى “اتجاه حركة الزمان” في الفيزياء الحديثة حاليًا.[2] الزمان عند أرسطو مجرد كمية بلا اتجاه، أما في الفيزياء الحديثة فالزمان مُتَّجَه vector (قوة ذات اتجاه).
بيد أنه، ولكي يكون للزمان عند أرسطو -كعدد للحركة من جهة ما تقدم وما تأخر- معنى، لا بد من أن يكون للحركة في العالم كله اتجاهٌ موحَّد؛ إذ كيف نعرف ما تقدم وما تأخر إذا كانت الأشياء تتغير في أكثر من اتجاه؟ كيف نقول عن تفاحة مثلاً إنها تحللت قبل تفاحة أخرى، ما لم يكن التحلل هو مصير الاثنتين؟ أبعدَ من ذلك: لا معنى للدوران حول المحرك الأول كآلية لحفظ التوازن الذاتي في نظام الطبيعة، ما لم تكن تلك الحركة المكانية (الدوران بالمعنى الحرفي)في اتجاه عام واحد؛ إذ لو كانت في أكثر من اتجاه لصارت بلا معنى كدوران، ولصار وجود المحرك الأول أصلاً كمُعامل استقرارٍ للنظام بلا أي فائدة. وهي من المسائل، التي غفل عنها أرسطو في خضم انشغاله بتأسيس مذهب متكامل في صورته العامة، حتى لو جاء ذلك على حساب الاتساق حين نتطرق إلى التفاصيل، كما رأينا.
لذلك، ونحن ما زلنا في كون أرسطو وبقوانينه ولكن مع هذا التعديل الأخير، فإن حركة جسم ما عكس حركة العالَم في دورته الأبدية حول المحرك الأول سوف تؤدي به فعلاً إلى الرجوع إلى الماضي؛ فلو كان الجسم هو تلك التفاحة المتحللة، فسوف تعود لسيرتها الأولى من ناحية المبدأ؛ لأن السير عكس حركة العالم حول المحرك الأول معناه السير عكس اتجاه التغير. و”من ناحية المبدأ” لأنّ رجُلاً -على سبيل المثال- لو تحرك عكس اتجاه حركة العالم، عكس الزمان، ومع مد خطوط طبيعيات أرسطو على استقامتها، لاصطدم كل جزيء في جسده بكل جزيء يقابله مع انعكاس الحركة، ولتداعى ذلك الجسد تمامًا في لحظات. والحل الوحيد لرجوع هذا الرجل، الذي يحيا في الكون الأرسطي، إلى الماضي بمسيرته عكس اتجاه الحركة مع حفظه لنظامه الداخلي هو عزل نظامه الفيزيائي، أي تكوين غلاف عازل، عازل تمامًا، عازل ليحميه من التفاعل مع أي من العالم المحيط، وهذا العازل الطبيعي هو أفق الحدَث event horizon.
يسمح أفق الحدث بعزل أقوى الموجودات الكونية –المتفردة singularity في مركز الثقب الأسود ذاتها- من التأثر أو التأثير بالنسبة لكل ما هو خارج محيط هذا الأفق.[3] ولم يكن لأرسطو، ولا لغيره من معاصريه أو تابعيه لحوالي ألفَي عام، أن يعرف طبعًا ما أفق الحدث، لكن كان بوسعه استنتاجه كاستنتاجنا السابق. ولو كان قد فعل، لكان ذلك أخطر سبق علمي وفلسفي في تاريخ العلم والفلسفة، ولكان وصل به إلى درجة مهيبة من القدرة على الاستبصار المؤسَّس على المشاهدات والاستنباطات. على كل حال يحتاج أفق الحدث كي يتكون حول جسم محدد طاقةً هائلة مهولة، لا تقل عن طاقة ثقب أسود. ولو حدث ذلك، لو استطاع ذلك المسافر في الاتجاه المعكوس أن يصنع أفق حدثٍ خاصًا به، لما عرفنا عنه، حتى لو مرّ أمام أعيننا، أي شيء، لأن أفق الحدث غشاء أحادي الاتجاه one-way membrane، أي يسمح بالدخول ولا يسمح بالخروج. والطاقة الوحيدة التي لا تزال فاعلة في وجوده هي الجاذبية (لأنها هندسة للزمكان لا طاقة في الحقيقة)، مما يعني أننا سنشعر بقوة جذب هائلة، سنشعر بالبصمة الهندسية لهذا المسافر عند اقترابه منّا، لكنّ هذا سيكون كلَّ ما سنحس به، وربما -مع قوة الجذب المهولة- آخِرَ ما سنحس به، أو نعرفه. تعمل الجاذبية هنا كالخيط الأنطولوجي الوحيد، الذي يربط النظام المعزول المتمرد (الذاتي) بالنظام الكوني الشامل (الموضوعي)، مما يمنع الانفصال الكلي للكائن عن الوجود، ويجعل لتمسكه بكتلته وهويته أثرًا ماديًا حقيقيًا في نسيج العالم.
3– النظم الثلاثة في مذهب أرسطو: الأخلاق والطبيعة وما بعد الطبيعة
ولكن إذا كانت ميتافيزيقا أرسطو غائية مجازيًا؛ فعلامَ تقوم الأخلاق لديه؟ يمكن القول إن الأخلاق عند أرسطو علمانية/دنيوية بصورة خالصة؛ فهي تستهدف سعادة الفرد، وسعادة المدينة في الحياة الأرضية. ومع ذلك ففي الكتاب العاشر من “الأخلاق إلى نيقوماخوس” يوضح أرسطو أن أرقى درجات السعادة هي التشبه بالمحرك الأول عن طريق التأمل Theoria، وهو موضع التغذية الراجعة في هذا النظام، إضافة إلى استنباط وجود هذا المحرك من قبَل البشر. إن وجود المحرك الأول هو الذي يؤدي بذاته إلى معرفته، وإلى التشبه الإرادي به، عبر المرور بكل نظام الطبيعة بالغ التعقيد، وقد عرفنا، وسنعرف في المستقبل أكثر، أنه نظام أعقد بكثير مما تصور أرسطو. غير أنه في تصوره البسيط، في رسم العقل الأرسطي، ومهما كان معقدًا، يبدأ من المحرك الأول كحركة، ويرتد إليه كمعرفة.
عند هذا الحد يمكن القول إن مذهب أرسطو من وجهة نظر نظرية النظم نظام كوني يتكون من نظامين فرعيين مستقلين ذاتيًا Autonomous Subsystems لكنهما محتويان عن طريق نظام الطبيعة داخل نظام كلي واحد:
- النظام الميتافيزيقي/الفلكي: وهو نظام مغلق، غايته الانجذاب نحو “نقطة التوازن المطلقة” (المحرك الأول).
- النظام الأخلاقي/الإنساني: وهو نظام فرعي له “غائية محلية داخليّة” Local Teleology، فيه يتحرك الإنسان داخل نظامه الاجتماعي والبيولوجي الخاص لتحقيق توازنه واستقراره (السعادة)، دون أن تتلقى دوائر التغذية الراجعة لديه أي “مدخلات” Inputs مباشرة من المحرك الأول.
وبينهما تقع الطبيعة ككل، كنظام وسيط بين النظامين: الغائي المجازي (الميتافيزيقي الفلكي)، والغائي الحقيقي (الأخلاقي الإنساني). وكي يكتمل معمار النظام الأرسطي يجب التطرق إلى أربعة نقاط أساسية بمنظور نظرية النظم، تمثل كل منها مواضع للتمفصل بين طبيعياته وما بعدها:
أ. نظرية العلل الأربع كهندسة معمارية للنظام System Architecture
يقر أرسطو في كتاب “الطبيعة” أن فهمنا لأي شيء يتطلب معرفة علله الأربع: (المادية والصورية والفاعلة والغائية). وفي نظرية النظم لا ينظَر إلى هذه العلل كأسباب منفصلة، بل كأبعاد متكاملة لتعريف أي نظام وتشغيله:
- العلة المادية Causa materialis: هي النظم الفرعية أو المواد الخام للنظام Subsystems/Hardware.
- العلة الصورية Causa formalis: هي العلاقات والبنى التنظيمية، التي ترتب هذه المكونات وتمنحها هويتها الفلسفية والمعلوماتية System Structure/Software.
- العلة الفاعلة Causa efficiens: هي مُدخلات الطاقة والتحفيز الديناميكي التي تبدأ تشغيل النظام Energy Inputs/Drivers.
- العلة الغائية Causa finalis: هي مخرجات النظام، أو نقطة الاستقرار والتوازن الجاذبة التي يهدف النظام للوصول إليها System Output/Attractor.
وكما قال أرسطو فإنك لكي تفهم نظامًا ما، لا يمكنك الاكتفاء بالنظر إلى خاماته (بعكس النظرة الاختزالية المادية للطبيعيين الأوائل)، بل يجب أن تفهم بنيته وعلاقاته ومحركه والغاية من تشغيله ككل متكامل.
ب. الوجود بالقوة والوجود بالفعل: ديناميكية الانتقال المرحلي Phase Transitions
من أهم إسهامات أرسطو الميتافيزيقية هو حله لمعضلة الصيرورة عبر مفهومي “الوجود بالقوة” (Potentiality/Dynamis) و”الوجود بالفعل” (Actuality/Energeia). (البذرة هي شجرة كامنة بالقوة، والشجرة هي بذرة ظاهرة بالفعل). يتطابق هذا المفهوم مع ما يسمى في علم النظم الديناميكية وفيزياء التعقيد بـ “الانتقال المرحلي” Phase Transitions و”فضاء الحالات” State Space. بحسب أرسطو من منظور نظرية النظم فإن النظام المعقد لا يتحرك عشوائيًا، بل يتحرك داخل خطوط احتمالية مرسومة مسبقًا في بنيته (الوجود بالقوة). عندما يتلقى النظام محفزًا بيئيًا، يحدث تحول مفاجئ في حالته ليتحقق مسار معين (الوجود بالفعل). يصف أرسطو بهذا كيف تنبثق الخصائص الكامنة في النظام وتتحول من مجرد معلومات احتمالية إلى واقع فيزيائي مشهود.
ج. مفهوم “الكلية” Wholeness ومناهضة الاختزال
يمكن القول إن أرسطو هو الصائغ الأول لأشهر عبارة تختصر نظرية النظم العامة اليوم، حيث يقول في كتاب “ما بعد الطبيعة”: “الكل أكمل من مجموع أجزائه”. ولهذا يرفض أرسطو في طبيعياته التفسير الذري لديمُقريطس، الذي يرى أن الكائنات الحية مجرد تجمع آلي للذرات. يرى أرسطو أن العضو الحي لا يمكن فهمه إذا فصلناه عن الجسد (لا يمكنكَ أن تصافح يدًا مقطوعة مثلاً). هذا هو المبدأ التأسيسي لـ “الكلية العضوية” Organicism التي بنى عليها فون برتالانفي نظرية النظم؛ حيث يفرض النظام قيودًا تنظيمية على أجزائه؛ فالأجزاء تكتسب وظيفتها ومعناها فقط من خلال شبكة العلاقات الكلية التي تدمجها كأجزاء فاعلة داخل النظام.
د. النفس الأرسطية كـ “نظام تشغيل هيراركي” Hierarchical OS
يطرح أرسطو في كتابه “في النفس” رؤية أحيائية تعتمد على تدرج النفوس (النفس النامية/النباتية، النفس الحساسة/الحيوانية، النفس الناطقة/العاقلة). وهو ما يتطابق مع مفهوم “الهيراركية التصاعدية لمستويات التعقيد المنبثقة” في النظم الحية: فالنفس النامية تمثل نظامًا فرعيًا مسؤولاً عن إدارة الطاقة والتمثيل الغذائي وتوازن البقاء (السيبرنيطيقا الأساسية)، والنفس الحساسة تضيف مستوى تعقيد أعلى يعالج مدخلات المعلومات البيئية (الحواس) ويولّد مخرجات حركية (السيبرنيطيقا التفاعلية)، بينما النفس الناطقة هي العقل، وهو نظام التحكم الأعلى (Meta-System) الذي يمتلك خاصية المعالجة الرمزية والتجريد، وهو النظام الذي يدير ويحكم النظم الأدنى منه عبر “التحكم النازل” Downward Causation.
وكما أسبقنا أعلاه: تمكننا فرضية المحرك الأول من افتراض وجود متحرك أول. يسمح هذا الاستنباط عند هذا الحد بافتراض تمفصل ممكن في هذا الموضع مع نظرية الفيض لأفلوطين لبناء أطروحة مركبة حتى مع خطأ نسبتها لأرسطو تاريخيًا ومذهبيًا (كتاب أثولوجيا أرسطوطاليس). قد يكون سبب إحداث هذا التوجيه الدوري على هذا المستوى الكوني الأشمل هو “علاقة” المحرك الأول بالمتحرك الأول، ومن ثم علاقة المتحرك الأول بالمتحرك الثاني، وما يترتب على ذلك من افتراض تكرار تلك العلاقة بصورة متسلسلة متدرجة، وافتراض “نفاد” تدريجي لخصائص المحرك الأول والمتحركات الأولى العليا، تلك الخصائص التي تُحرَّف -كالنصوص أو الجينات- تدريجيًا مع عمليات نسخ غير دقيقة ذات نتائج متراكمة، وهي العملية التي تسمح بها بنية النظام نفسها كعيوب جهازية systemic؛ بمعنى كونها تراكمية وهيكلية وحتمية وتتعلق بغاية الجهاز، أي حفظ وجود النظام بخصائصه الجوهرية ككائن أو عملية، كبنية أو كديناميكية. وهو ما يلج بنا مباشرة لميتافيزيقا أفلوطين.
[1]– سنستعمل مرارًا اللفظين “الزمان” و”الزمن” بحسب السياق. ولغير المختصين يعبر “الزمان” عن مفهوم فلسفي في مجال الفلسفة، أو في نقاط التقاطع بين الفيزياء والفلسفة (فلسفة الطبيعة)، وهو غير خاضع للتكميم، بينما يعبر “الزمن” عن المفهوم الفيزيائي القابل للتكميم.
[2]– تعرض الكاتب بتفصيل أكبر للنظريات المختلفة في الزمان في الفيزياء والفلسفة في: “الزمان الموسيقي”، المجلة السعودية للدراسات الفلسفية، عدد 2، سنة 2021، وكذلك في: “أنطولوجيا الموسيقى – دراسة في الموسيقى بما هي كائن”، رسالة دكتوراه غير منشورة، 2022.
[3]– تفسر لنا فيزياء آينشتين كيف يمارس الثقب الأسود فعل الجذب برغم وجود أفق الحدث حوله؛ إذ إن الجاذبية مجرد تشوّه في الزمكان، حرفيًا هي هندسة شكل الزمكان خارج أفق الحدث المحيط بالثقب الأسود. لا شيء يخرج من الثقب الأسود ليجذب الأجسام إليه في الحقيقة.




