ماذا لو كانت الحرب الأكثر نجاحًا في تاريخ الشيطان هي الحرب على الأسرة، قبل أن تظهر آثارها في الدين والأخلاق والمجتمع؟
وماذا لو كان تفكيك العلاقة بين الذكر والأنثى أحد أقدم الأسلحة التي استُخدمت لإضعاف الإنسان منذ فجر التاريخ؟
قد يبدو هذا الطرح غريبًا في عصر اعتدنا فيه تفسير أزمات العالم بالسياسة والاقتصاد والحروب والصراعات الفكرية. غير أن هذه كلها نتائج متأخرة في كثير من الأحيان. أما البذور الأولى فتُزرع في مكان أقرب إلى حياتنا اليومية: في العلاقة بين الرجل والمرأة.
فكل إنسان جاء إلى هذه الحياة عبر هذه العلاقة، وكل أسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحب أو الخوف، والرحمة أو القسوة، والتعاون أو الهيمنة. ومن هذه المدرسة الصغيرة تتشكل المجتمعات والحضارات.
ولهذا فإن السؤال الأهم يتجاوز أسباب فشل بعض الزيجات إلى ما يحدث للمجتمع حين تتحول العلاقة بين الرجل والمرأة من السكن والمودة إلى الصراع والتنافس وسوء الظن.
واللافت أن القرآن يقدّم رؤية مختلفة جذريًا عن كثير من التصورات التي ترسخت في الوعي الإنساني عبر القرون. ففي الوقت الذي حمّلت فيه بعض الموروثات المرأة مسؤولية السقوط الأول، يروي القرآن القصة من زاوية المسؤولية المشتركة:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾
منذ البداية يسقط القرآن منطق الاتهام المتبادل بين الرجل والمرأة. فالمشكلة بدأت بابتعادهما معًا عن الله.
وهنا تكمن مفارقة عميقة؛ فالحرب على العلاقة بين الذكر والأنثى ربما بدأت من تفريقهما معًا عن مصدر الهداية والسكينة.
ولهذا يبدو مدهشًا أن القرآن، حين وصف العلاقة بين الرجل والمرأة، اختصر فلسفتها كلها في ثلاث كلمات:
السكن.
والمودة.
والرحمة.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
هذه الرؤية تواجه كل مشروع يحوّل الشريك إلى خصم، والعلاقة إلى منافسة، والأسرة إلى ساحة صراع على النفوذ.
ومن أكثر الآيات القرآنية عمقًا في هذا السياق قوله تعالى:
﴿وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ يَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤتونَ الزَّكاةَ وَيُطيعونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ أُولئِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾
فالولاية هنا شراكة في المسؤولية، وتعاون على الخير، وتكامل في عمارة الأرض.
ومن أعمق ما في هذه الآية أنها تقرر ولاية متبادلة بين المؤمنين والمؤمنات، وتحملًا مشتركًا للأمانة، من غير أن تجعل أحد الطرفين وصيًا روحيًا أو أخلاقيًا على الآخر بحكم النوع أو الجنس.
إنها ولاية متبادلة، وشراكة في المسؤولية، وتكامل في أداء الأمانة.
وهنا يبرز سؤال مهم:
إذا كان القرآن يقرر أن المؤمنين والمؤمنات أولياء بعض، فمن أين جاءت بعض التصورات الشائعة التي تجعل الولاية امتيازًا ذكوريًا دائمًا، وتجعل المرأة في مرتبة التابع لا الشريك؟
قد تكون بعض هذه التصورات نتاج ظروف اجتماعية وتاريخية معينة، أو قراءات بشرية تأثرت بثقافة عصرها أكثر مما تأثرت بروح النص القرآني نفسه.
فالآية تتحدث عن مؤمنين ومؤمنات يشتركون معًا في حمل الأمانة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وطاعة الله ورسوله.
وكأن القرآن يؤسس لعلاقة تقوم على الولاية المتبادلة والتعاون والمسؤولية المشتركة، وتقاوم الصراع والوصاية واحتكار الفضيلة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من أزمات العصر. فحين تنهار الولاية المتبادلة يحل محلها التنافس، وحين يحل التنافس محل الرحمة يبدأ التصدع داخل الأسرة، ثم يمتد أثره إلى المجتمع كله.
فالأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف يرى نفسه وكيف يرى الآخر، ومنها تتشكل نظرته إلى السلطة والحرية والرحمة والعدالة.
إن التوحيد يظهر في العقائد والشعائر، ويظهر كذلك في قدرتنا على بناء علاقات قائمة على الرحمة والعدل والتكامل. فالإنسان الذي يعيش حربًا دائمة مع أقرب الناس إليه يصعب عليه أن يصنع سلامًا حقيقيًا مع العالم من حوله.
ولهذا كان إصلاح العلاقة بين الذكر والأنثى جزءًا من إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه، وجذرًا من جذور الإصلاح الاجتماعي والروحي.
وربما كان أكبر انتصار للشيطان أن يقنع الرجل والمرأة أن أحدهما عدو للآخر.
فالشيطان يخشى اتحادهما على المحبة والرحمة والعبودية لله؛ لأن هذا الاتحاد ينتج أسرة مستقرة، والأسرة المستقرة تنتج إنسانًا أكثر اتزانًا، والإنسان المتزن أقل قابلية للخوف والكراهية والاستغلال.
ولهذا فإن كل مشروع يزرع الفرقة والعداوة بين البشر يضعف معنى التوحيد في الحياة، وكل مشروع يعيد المودة والرحمة بينهم يعمّقه ويقرب القلوب من الله.
وأمام تصاعد الخطابات التي تؤجّج الصراع بين الرجل والمرأة، يعيدنا القرآن إلى قاعدةٍ أصيلةٍ في وضوحها وعمقها: ﴿وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ﴾.
فصلاح العلاقة بين الذكر والأنثى قضية أسرية وحضارية في آن واحد.
وربما كان الطريق إلى إصلاح العالم أقرب مما نظن.
ربما يبدأ من بيت يسكنه الحب، وقلب يعرف الرحمة، ورجل وامرأة أدركا أن الله خلقهما وليَّين في رحلة العودة إليه، لا خصمين في معركةٍ لا تنتهي.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




