مقابلات وحوارات

السينما قصيدة – حوار مع أمين صالح

حاورته: بلقيس الأنصاري

لتحميل الحوار :حوار أمين صالح


1- الناقد السينمائي والسيناريست والشاعر الأستاذ أمين صالح يسعدنا ويشرّفنا استقبالك لإجراء هذا الحوار؛ بدايةً حدّثنا عن بداياتك مع النقد الشِّعري / السينمائي، وعن تجربتك الشخصية لمحاولة دراسة السينما في فرنسا؟

كما هو الحال مع أبناء جيلي، في الخمسينيات، لم تكن لدينا من وسائل الترفيه غير الأفلام التي تُعرض من خلال عددٍ من الصالات التي كانت تحرص على عرض أفلامٍ مصرية وهندية وأميركية. وكنا نشاهدها بولعٍ لا يضاهيه غير ولعنا بلعب كرة القدَم.

عشقت السينما منذ الصغر، عشقت كل ما تعرضه من سحرٍ ومغامرات وبطولات ومطاردات وصور آسرة وحركة لا تنقطع. لساعاتٍ معدودة كنا نعيش في واقعٍ مختلف، مغاير، متجدّد باستمرار. واقع آخر غير متداخل مع واقعنا اليومي، الرتيب والمتكرّر، لكن موازٍ له، وقريب جدًا من عالم الحلم. كنا نعيش حياةً أخرى، حافلة بكل ما يأسر القلب ويفتن اللبّ ويحرّك المشاعر ويفعّل العاطفة.

هذا العشق لم يتعرّض، مع مراحل النموّ والنضوج، للخبو والخفوت، أو التغيّر والتحوّل، بل ظل متوهجًا ومشعًّا وشابًّا، حتى هذه اللحظة.

لكن ما طرأ من تغيّر، كان على الدافع من المشاهدة السينمائية، من الترفيه والتسلية والهروب من الواقع والهيام بالقصص، في مرحلة الطفولة والصِبا، إلى محاولة البحث في طبيعة وآليات الفن السينمائي، في طرح الأسئلة حول وظيفة الفيلم ودوره، بدافع الفضول أولاً، ثمّ بدافع الرغبة في المعرفة.

كنت أتساءل عن الطاقات الفنية الإبداعية التي تتولّى إنتاج وصنع هذه الأفلام. وراء الطاقم التمثيلي، الذي هو في الواجهة دائمًا، ثمّة عناصر فنية تتآزر في ما بينها لتقديم عمل متناسق، محكم، متكامل. ورحت أبحث في معنى ودور المخرج والسيناريست والمصوِّر والمونتير وغيرهم من العناصر الذين يساهمون في تأليف العمل الفني. بدأت أنظر إلى الفيلم، ليس كعمل يهدف إلى الترفيه والتسلية والمتعة فحسب، بل أيضًا كشكل فني ووسيلة تعبيرية لها لغتها الخاصة وعناصرها الجمالية ومصادرها الإبداعية، ورؤاها الغنية والعميقة، واتجاهاتها الزاخرة بالتعدّد والتنوّع. إلى جانب المشاهدة، وبدافع الفضول وحبّ المعرفة، رحت أبحث وأقرأ، وأحاول التعرّف على إبداع مخرجين، من مختلف أنحاء العالم، لم يتسنّ لنا مشاهدة أفلامهم بحكم عوامل العرض والتوزيع.

وقتذاك، شعرت برغبة في الكتابة عن الأفلام، وعن المخرجين، بدافع نقل المعرفة إلى الآخرين، والتعرّف على أفلام وأسماء مغايرة. في العام 1974، كنت في الرابعة والعشرين، دفعتني حماسة الشباب (تهوّره وطيشه ورعونته ونزقه)، إلى ضرورة التوجّه نحو دراسة السينما، مع عددٍ من الأصدقاء. لقد رغبت في الانتقال من النظرية إلى التطبيق، الممارسة. الانتقال من معرفة الأفلام نظريًا إلى ممارستها، والمساهمة في صنعها، والتعبير عن الذات والواقع من خلال شكلٍ فني استحوذ على مخيلتي ونفسيتي لسنوات.

ذهبنا إلى فرنسا على أمل الحصول على منحة لدراسة السينما في معهد السينما (الإيديك) الشهير. وكان بالفعل قرارًا طائشًا وأخرقًا (أتحدث هنا عن نفسي)، ذلك لأنني اخترت بلدًا غنيًا للإقامة والدراسة فيه وأنا لا أملك من المال ما يغطّي بضعة أشهر من العيش المتقشف جدًا، ودون أيّ ضمان للحصول على المنحة. أمضيت شهرين هناك، خلالها درست اللغة في معهدٍ خاص، فتعلّمت بضع جُمل وعددٍ من الكلمات نسيتها حال عودتي إلى البلاد خائبًا ومستسلمًا لقدري (أنني لن أكون أبدًا مخرجًا سينمائيًا)، لكي أتابع شغفي بالسينما عبر مشاهدة الأفلام والكتابة عنها وعن صانعيها.

 في ما يتعلّق بسؤالكِ عن النقد، أودّ أن أوضّح بأنني لست ناقدًا بالمعنى الأكاديمي/ الأدبي، أعني بالمعنى الحقيقي. النقد هو فعل إبداعي يستدعي الرصد الدقيق، والتحليل العميق، والمعرفة الشاملة للحقل الأدبي أو الفني، والرؤية الثاقبة التي تخترق سطح العمل لتنفذ إلى الجوهر، والكشف عن المخفيّ والمستتر. وأنا لست موهوبًا ولا مؤهلاً لكتابة النقد. لذا لا أعتبر نفسي ناقدًا، أنا أكتب في السينما (وأحيانًا، أكتب سيناريوهات سينمائية وتلفزيونية).

عندما أكتب عن الأفلام فإنّي أنتقي الأفلام التي أحبّها. وقلت هذا مرارًا: النقد، في رأيي، فعل حبّ. من العبث، ومن غير المجدي، الكتابة عن نصٍّ أو فيلم تكرهه. هذا لن يفيد أحدًا. من الأفضل أن تتجاهل العمل وتتجنّب التوتر الذي تحدثه الكتابة عن شيء لا تطيقه. لذا أغلب كتاباتي في السينما هي محاولة لتحريض المتفرج على مشاهدة الفيلم، إنها عملية إغواء أكثر مما هي نقد.

2- «يسألني الكثير من الشباب عن معنى الشِّعر، ولكن لا يمكنك تعريف الشِّعر على الإطلاق، الشِّعر شيءٌ عام، تشعر به من ثقافتك وحساسيتك تجاه الصورة والحوار والموسيقى». من منطلق أن الشِّعر هو الشِّعر، متى أصبحت الطاقة الشِّعرية المحسوسة والمتذوِقة للأشياء مرئية؟

الشِّعر لا يمكن حصره في شكلٍ معيّن، أو إطارٍ معيّن. لا يمكن تقييده أو إلحاقه قسرًا ببنيةٍ ما. حيث ارتبط بالقصيدة وحدها، لذا يتمّ إطلاق صفة الشِّعر على كل قصيدة مهما اتسمت بالضعف والفقر، وتجرّدت من الطاقة الشِّعرية. وكل من يكتب القصيدة يُسمى شاعرًا، حتى لو افتقرت أعماله للروح الشِّعرية والحساسية الشِّعرية. أيّ أن القصيدة احتكرت ما لا يمكن احتكاره: أعني الشِّعر.

لكن لنتذكّر ما أعلنه الشاعر نرفال من أنّ الشِّعر يهرب من القصيدة، ويستطيع أن يوجد بدونها. وتعريف الشاعر أوكتافيو باث للشِّعر بأنه مادة غير محسوسة وعصيّة على التحديد. إذا كانت القصيدة كتابة موزونة، أو خاضعة لبُنى جاهزة أو لأشكالٍ مألوفة، وهي فن نظم الأبيات، حيث القافية والوزن من الشروط الضرورية، والصورة تكون مقيّدة ضمن متطلبات الوزن والقافية. الشِّعر لا يكمن في أيّ شكلٍ محدّد سلفًا، ليس له مفهومًا واحدًا أو لغةً واحدة، ليس قالبًا لأيّ شيء موجود. لذا الشِّعر في جوهره، يفلت من أيّ قياسٍ ومعيار.

الطاقة الشِّعرية توجد في الأشكالٍ الفنية، مثل اللوحة والموسيقى والنصّ الأدبي والفيلم السينمائي. يقول السينمائي أورسون ويلز: «الفيلم لن يكون جيدًا حقًا، ما لم تكن الكاميرا عينًا في رأس شاعر». أما السينمائي بونويل فيؤكد أن في كل فيلم تكمن روح شِعرية تناضل من أجل البروز إلى السطح، والكشف عن نفسها. عندما نشاهد الصورة السينمائية، عندما نتطلّع إلى اللوحة التشكيلية، حينها بوسعنا أن نرى الشِّعر.

3- «الإيقاع هو العنصر الأساسي المكوِّن للسينما». استنادًا إلى ذلك، كيف يتم دمج حوار السرد الشِّعري مع شاعرية الصور البصرية بجانب الصوت لتمثيل وتأويل أعلى للمعنى المُراد سينمائيًا؟

هذا سؤال يمكن أن يجيب عليه مخرج سينمائي على نحو أفضل، وأكثر عمقًا وإقناعًا مني ككاتب، ذلك لأن دمج (أو التنسيق بين) حوار السرد الشِّعري مع الصورة البصرية، هي من وظيفة المخرج. من جهةٍ أخرى، ليس هناك – حسب اعتقادي، أو حسب معلوماتي – أيّ قانون أو قاعدة أو معيار محدّد، على ضوئه يعمل المخرج على توليد المعنى من خلال دمج الحوار والصورة.

في خلق الصورة الشِّعرية، لكل مخرج أسلوبه أو طريقته الخاصة في إبداع الصورة، وفق رؤيته الفكرية، وحساسيته الفنية، ووعيه الجمالي، ومدى التأثير الذي يريد إحداثه في جمهوره. لذلك عندما نشاهد عددًا من الأفلام، التي يتميّز مخرجوها بصورهم الشِّعرية الباهرة، نجد أمامنا عددًا متباينًا ومتنوعًا من الصور، وليس صورة شِعرية واحدة فقط. مما يعني أن الطرائق، في تشكيل الصورة ومعناها، تتعدّد وتتغاير، ولا تحكمها قاعدة أو معيار محدّد وثابت.

 الحوار، في النصّ الأدبي، عنصر أساسي ومهم في تكوين وتشكيل الصورة الشِّعرية (الأدبية)، لأنه قائم على اللغة التي تحتوي أو تتضمّن البلاغة والاستعارة والمجاز والرمز والتشبيه، وبها تشكّل الشخصيات وتصوغ الأحداث وتصف الأمكنة وتنقل الأفكار والصور الذهنية. أما في الفيلم، فيفقد الحوار تلك الأهمية والمكانة، ولا يملك الوظيفة نفسها، رغم أنه يظلّ من المكوّنات الأساسية، فتوظيفه يتمّ على مستوىً آخر، إيجازي، ويتسم بالبساطة والاقتصاد والتركيز. من ثمّ فإن الصورة السينمائية ليست بحاجةٍ دائمًا إلى الحوار لكي تكشف عن طاقتها الشِّعرية، وتوصل معناها الخاص، وتمدّد أو تعمّق المنظور. الصورة الشِّعرية تتولّد من التمازج بين البصري والسمعي، من دون الاستعانة بحوارٍ مستعار من سردٍ أدبي لن يكون متناغمًا، أو حتى مقنعًا، في علاقته بالعناصر السينمائية.

4- باعتبار بازوليني أحد روّاد هذا الفن، كيف فصل بازوليني بين الشِّعر والسينما، ما الصعوبة التي تجدها السينما لتحويل الصورة إلى جُمل شِعرية، وكيف حمَل بازوليني السينما على فهم العالم من خلال استيعاب نموذج اللغة المتمثّل في القصائد؟

بيير باولو بازوليني، إلى جانب أنه شاعر وروائي وسينمائي، كان واحدًا من أبرز المنظّرين السينمائيين الذين حاولوا في الستينيات تحديد طبيعة لغة الفيلم أو اللغة السينمائية. وكان الأكثر نشاطًا وفعالية في هذا المجال. في مهرجان بيزارو السينمائي، العام 1965، قدّم بحثًا عن السينما الشِّعرية، يستنطق فيه جوهر اللغة السينمائية وطبيعتها، كما أثار البحث اهتمامًا بالمفاهيم السيميولوجية.

حاول بازوليني إظهار أن اللغة السينمائية، تختلف عن نظيرتها الطبيعية في كون وحدتها الأساسية ذات حضور سابق في العالم. في الواقع. انطلاقًا من هذا، هو يستنتج أن اللغة السينمائية كانت، على نحوٍ متأصل، لا عقلانية وغير منطقية. لم يكن هناك أيّ معجم للصور ولا أيّ مجموعة من القوانين والقواعد التي بها يمكن تقييم الحالة المنطبقة على قواعد اللغة لأيّ قول سينمائي. لكن في التطبيق، هذا الاحتمال التعبيري سرعان ما تمّ كبح جماحه مع بزوغ السينما الهوليوودية المهيمنة، أو ما أشار إليه بازوليني بوصفها «سينما النثر». هوليوود فهمت السينما على أساس أنها مجال لرواية القصص، بطريقةٍ لا تلفت الانتباه إلى طبيعتها الاعتباطية المركّبة.

يميّز بازوليني بين سينما الشِّعر وسينما النثر، ساعيًا إلى إلقاء الضوء (نظريًا) على تعددية أبعاد الفيلم،  وتطويرها (في تطبيقه عبر أفلامه)، محرّرًا إيّاها من مسائل الموضوعية أو الخطّ الطولي. هذا التمييز أيضًا يدعو المرء إلى اعتبار النصّ والصورة المتحركة مرتبطين بإحكام، كما هما في المثال الذي يقدّمه بازوليني، والذي يشمل أعماله هو، إضافة إلى أعمال أنتونيوني، وعلى نحوٍ قوي ومعبّر، أعمال جان لوك جودار. إنه يصنّف أفلامهما تحت تسمية سينما الشِّعر.

علاوة على ذلك، جودار نفسه يقوم بمثل هذا الربط بين الشِّعر والفيلم، إذ يقول: «السينما ينبغي أن تكون أكثر شِعرية، الشِّعرية بالمعنى الأرحب. كما ينبغي على الشِّعر نفسه أن يكون مفتوحًا وغير مطوّق بحواجز».

إنّ بازوليني، في استخدامه تعبير «سينما النثر»، لا يشير إلى الفيلم الوثائقي أو أفلام الواقعية الجديدة، لمحاولاتها في فرض الموضوعية،   بل يشير إلى ما يمكن أن يؤول كنقيض للأشكال الجديدة في التعبير السينمائي. في عالم بازوليني السينمائي، تختفي الأحداث العادية أو المبتذلة، والشخصيات لا تترسّخ بشكلٍ تدريجي، بل تكون محتجزة في لحظاتٍ من التأزم، تكون فيها حيوات الناس ونفوسهم في تأرجح دائم. لقد صوَّر، في أعماله الأدبية والسينمائية، من خلال رؤية راديكالية يسارية، عوالم الأحياء الفقيرة والمناطق العمّالية، ومن هذه الأجواء والأوساط استمد شخصياته المأساوية المنتمية إلى  البروليتاريا الرثّة، والشبان العاطلين عن العمل واللصوص الصغار.

من خلال ذلك، لم يرد بازوليني تصوير الواقع فحسب. بالأحرى، أفلامه تصبو إلى وضع المشاهدين في وضعٍ يجعلهم يطرحون على أنفسهم أسئلة عن الواقع. إنّ عوالم بازوليني ليست اجتماعية وتاريخية، بل مفتوحة على المقدّس، الأسطوري، الملحمي.

5- هل هناك علاقة بين تأمل الجماليات السينمائية، والانحياز إلى الإنسان في عذاباته؟ ما الأثر الذي تخلّفه هذه الصدامات على هذه العلاقات ذات الممكنات والأساليب السردية، وما دور الفن السابع في الارتقاء بروح الإنسان؟ حدثنا.

عندما نريد التحدّث عن وظيفة الفن السينمائي، ودوره، وعلاقته بالإنسان، وإمكانية ارتقائه بروح الإنسان، وغير ذلك من القضايا التي تتصل بالناس، فإننا بطبيعة الحال نتحدّث عن العلاقة بين هذا الفن وجمهوره. عندئذ، من بين أشياء أخرى، نكتشف هذه المفارقة العجيبة: الأفلام التي تتناول قضايا الإنسان والواقع المُعاش، بكل جماله وقبحه، بكل أفراحه وأحزانه، وبكل ما يزخر به من تناقضات وعلاقات قائمة على الاستغلال والاضطهاد بين طبقاته وفئاته، عبر معالجة جادة، مطروحة بصدق وجرأة، وبرؤية نقدية واضحة، هذه الأفلام لا تجد الإقبال الجماهيري الذي تحظى به الأفلام الخيالية التي تقوم على الإثارة والأكشن، والتي تنأى عن القضايا الإنسانية الحقيقية، لتتناول واقعًا فنتازيًا، غريبًا، ولا يمتّ بصلةٍ للواقع الحقيقي.

هذا يعني أنّ النسبة العالية من الناس لا ترغب في رؤية واقعها الفعلي على الشاشة، بل تريد الهروب منه إلى عالمٍ آخر، ينتسب إلى الحلم والخيال، ومن ثمّ لا تكترث بمن يريد أن يعرض مشاكلها وعذاباتها على الشاشة، ولا بالكشف عن مظاهر الاستغلال ومصادر الفساد، ولا بحلّ تناقضات الواقع، ولا بالتسامي الروحي. هذه النسبة العالية تبحث عن الترفيه والتسلية، وقضاء وقت ممتع وحالم.

بالطبع، هناك فئات أخرى، تشكّل الأقلية، تذهب إلى السينما لترى ما يعبّر عن واقعها ومشاكلها وتناقضاتها ومعضلاتها، ولتعيش تجارب إنسانية أخرى، ليست بعيدة عنها، أو غريبة عن عالمها، بل هي متصلة على نحوٍ وثيق بما تعايشه. هذه النسبة القليلة تشعر بالحاجة الإنسانية لمعرفة العالم وفهمه، واستيعاب التعدّد والتنوّع. إنها ترغب في مشاهدة أفلام تكثّف تجربة الفرد وتمدّدها، وتوسّع مداركه، دون أن تتغاضى عن عنصر المتعة الذي يوفّره الفن الجميل. إنها تذهب إلى الصالة لتحقّق اتصالاً مع فنّ يساعدها على الاحتكاك بتجاربٍ أخرى مماثلة تقريبًا لتجربته، وهذا الاتصال يجري على مستوىً فكري وعاطفي.

من جهةٍ أخرى، الفن عمومًا، والسينما خصوصًا، لا تستطيع أن تعلّم أحدًا السلوك الحسن، والتصرّف الإنساني السليم، والتعامل مع قضاياه بوعي وفهم ونبل وتحضّر. لا تستطيع أن تجعله يتجنب استخدام العنف في حلّ مشاكله الشخصية والعامة. لا تستطيع أن تطهّره من أحقاده وشروره، وترشده إلى كيفية التعايش مع أعدائه وخصومه ومنافسيه. لا تستطيع أن تغيّره ليكون أفضل وأرقى وأنقى.

6- «القصيدة وأبياتها أداة راقية، لنقل همس الإنسان للإنسان».  ما الفرق بين الصور التي تشكّلت مجازيًّا بين الطاقة الشِّعرية للسينما والقصيدة، وما أمثلة الإحالات المعقدة التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في الكثافة والإيحاء بينهما؟

إذ لا علاقة جدلية قائمة على التفاعل المتبادل، وتزاوج العناصر والمصادر بينهما، لذا شِعرية السينما أيّ الطاقة الشِّعرية الكامنة في الصورة السينمائية، تختلف عن الطاقة الشِّعرية المتوفرة في القصيدة.

بالطبع، هناك أفلام تفاعلت مع قصائد معيّنة، واستفادت منها. ويمكن هنا إيراد بعض الأمثلة. المخرج سيرجي أيزنشتاين استفاد من قصائد الهايكو اليابانية في توليد نظريته في المونتاج، فقد رأى في تلك المقاطع الشِّعرية، ذات الأبيات الثلاثة، كيف أن تركيب ثلاثة عناصر منفصلة يخلق شيئًا مختلفًا في النوع أو الطبيعة. تاركوفسكي أيضًا استفاد من قصائد الهايكو. كما وظّف قصائد والده أرسيني تاركوفسكي في عددٍ من أفلامه. والتوظيف هنا بمعنى تعميق الحالات، والتعبير عن تحولات الأزمنة عند الشخصيات، وليس الترجمة السينمائية، أيّ البصرية، الحرفية للأبيات والصور الشِّعرية. كذلك استفاد عباس كيارستمي من الهايكو، حيث وجد في هذا الشكل الشِّعري، الشكل الذي يتلاءم مع خاصيات صوره السينمائية، ومن خلاله يعبّر عن رؤيته وفلسفته وعاطفته وأمزجته وتأمّلاته.

وفي عددٍ من أفلام كيارستمي، مثل: «أين منزل الصديق؟»، و«الريح سوف تحملنا»، نجد الحضور الصريح والمباشر للشِّعر الفارسي، الحديث والكلاسيكي، المتمثّل في قصائد سهراب سبهري وفروغ فروخزاد وعمر الخيام. إذ يستعير عناوين أفلامه من تلك القصائد، أو   يقتبس أبياتا ويستشهد بمقاطع، إما كتضمين أو تلاوة، ومن خلالها يسعى كيارستمي إلى الربط بين الماضي والحاضر، بين القديم والجديد، بين الاستمرارية والتغيير، بين الحياة والموت. إن تكييفه للمقاطع الشِّعرية تمدّد حقل التحوّل النصي، التحوّل من نصٍ سابق إلى جديد، موظّف سينمائيًا. وقد حذّر كيارستمي من الاستخدام الفج للشِّعر في السينما، وشدّد على خطورته، وأكّد على الاستفادة من الانطباعات والأفكار التي يمكن الحصول عليها من أعمال شاعر معيّن، وذلك في صياغة الحوارات.

وهناك أمثلة أخرى على استفادة السينما من القصائد، كما في فيلم ألان رينيه القصير عن جيرينيكا، حيث استعان بلوحة بيكاسو الشهيرة، وبقصيدةٍ للشاعر بول إيلوار، لتوصيل رؤيته عن التراجيديا الإنسانية. كذلك في استيحاء المخرج جودار فيلمه «الفافيل» من قصيدة لبول إيلوار، مستفيدًا من لغتها السوريالية المضادة للعقلانية في مقاومة العالم الاستبدادي الذي يصوّره الفيلم.

7- ما أثر شِعرية «النحت في الزمن» في توظيفك للشِّعر بكثافة، كيف يمكن كتابة قصيدة ما بالأدوات البصرية، كيف أكّد تاركوفسكي الوحدة التركيبية للسينما، وما المخاطر التي قد تواجهها حين تبتعد عن ذاتها؟

عندما قرأت كتاب تاركوفسكي «النحت في الزمن»، تكشّفت أمامي أمور كثيرة، في الفن عمومًا، وفي السينما خصوصًا، لم أكن أعيها أو أدركها. وأمور أخرى كنت اعتقد بصحتها، لكن الكتاب نجح في رجّ عدد من المسلمّات والأوهام لدي، بل واستطاع هدمها. إن قيمة الكتاب، وثراء محتواه، وجدّة أفكاره وتأملاته، وأهميته البالغة، حثّتني على ترجمته كي يصل إلى عددٍ أكبر من الأشخاص. من ثمّ أستطيع أن أؤكد أنه مارس تأثيرًا كبيرًا عليّ، وغيّر نسبة كبيرة من قناعاتي.

عندما نشاهد فيلمًا مغمورًا بالروح الشِّعرية، بالإحساس الشِّعري، نقول عنه أنه أشبه بقصيدةٍ بصرية. هذا توصيف نقدي، انطباعي، مشروع. لكن الفيلم بحدّ ذاته ليس قصيدة. ذلك لأن لغة الشكليْن مختلفة، و العناصر الجمالية مختلفة، فكل شكل فنّي يولد ويعيش وفقًا لقوانينه الخاصة المستقلة.

تاركوفسكي يعترض على وصف السينما بأنها فنّ مركب،  مبني على تشابك عدد من الأشكال الفنية المتجاورة، ويؤكد أن مثل هذا  التشابك، أو الاتصال بين هذه الأشكال، يمكن أن يسيء على نحوٍ خطير إلى السينما بحيث يحيلها إلى أشياء مختلطة ببعضها، أو – في أفضل الأحوال – إلى مجرد مظهر خارجي، فيه تتناسق الأجزاء لكن لا يمكن العثور فيه على جوهر السينما،  لأن في تلك الحالات بالذات، يكفّ ذلك الجوهر عن الوجود. إذا كانت السينما فنًّا فلا يمكن لها أن تكون مزيجًا من مبادئ أو عناصر خاصة بأشكالٍ فنية مجاورة أخرى.

السينما تبتعد عن ذاتها عندما يتمّ نقل عالم الأدب كله تقريبًا إلى الشاشة،  إضافة إلى العدد الهائل من الحبكات المسرحية، فيتّخذ الفيلم اتجاهًا خاطئًا، وتنحرف السينما عن الفن، ويتمّ اختزال السينما إلى مجرد صورة إيضاحية. إن التشكيلة المتجانسة من الفكرة الأدبية والصيغة التشكيلية لن تشكل صورة سينمائية، بل  تنتج هجينًا عقيمًا أو مدّعيًا.

ويوضّح تاركوفسكي أن ثمّة تباينًا جوهريًا بين الكلمة والصورة السينمائية، فالأدب يستخدم الكلمات لوصف العالم، بينما لا يتعيّن على الفيلم أن يستخدم الكلمات، فالعالم يُظهر نفسه بشكل مباشر. الفيلم يولد من رصدٍ مباشر للحياة، والصورة السينمائية هي جوهريًا رصد لظاهرة تمرّ عبر الزمن. لا يوجد فنّ آخر قادر على أن يضاهي السينما في القوة والدقة والوضوح والصرامة التي توصل بها السينما الوعي بالوقائع والبُنى الجمالية الكائنة والمتغيّرة ضمن الزمن.

8- «إنّ الشِّعر اللغوي فعلٌ انفرادي متوحد، بينما الشِّعر في الفيلم فعلٌ جماعي». الفيلم الشِّعري الذي لم يكن معالجًا عن قصيدة، والحوار الشِّعري في فيلم غير شِعري، والشِّعر الذي تمّت معالجته لأن يكون فيلمًا غير شِعريّ، ما موقع الإعرب لهذه الأدوار الخارجة عن المألوف في السينما الشِّعرية؟

هناك اعتقاد بأن مصدر شِعرية السينما يكمن في الأدب، وتحديدًا في القصيدة. وهذا الاعتقاد نابع من الخلط بين الشِّعر والقصيدة. هناك شِعرية سينمائية، وشِعرية تشكيلية، وشِعرية موسيقية، إلخ. وعندما نقول الشِّعرية فإننا لا نعني نوعًا أدبيًا معيّنًا، إنما هو – كما يقول تاركوفسكي – الوعي بالعالم،  طريقة خاصة للاتصال بالواقع. هكذا يصبح الشِّعر فلسفة ترشد الإنسان طوال حياته. ومن خلال الصلات الشِّعرية يتم تصعيد الشعور وتعميقه، واختراق المعنى الأعمق للظواهر المركّبة، ويصير المتلقّي فعالاً ومشاركًا في عملية اكتشاف الحياة.

إذن، كما قلنا، لا علاقة لشِّعرية السينما بالقصيدة، والفيلم شكل فنّي مستقل، يكشف عن طاقته الشِّعرية، دون وسيط، سواءً أكان أدبًا (قصيدةً) أو مسرحًا أو تشكيلاً، ومن دون أن يستمد مادته من قصيدةٍ أو غيرها.

وبالنسبة للحوار، فهو قابل لأن يكون شِعريًا أو يخلو من الحسّ الشِّعري، ويمكن أن يكون وجيزًا أو مسهبًا، عاديًا أو متسِمًا بالبلاغة، وكل هذا يعتمد على مادة الفيلم، موضوعه، أحداثه. على سبيل المثال، حوارات إنجمار بيرجمان فكرية وفلسفية، بها يحلّل الذوات المتصارعة، ومن خلالها يعرّي شخصياته بقسوةٍ وعنف، وهي تساعده على الدخول في أعماق النفس البشرية وتجسيد النوازع المتباينة، مع ذلك، أفلامه لا تخلو من الحالات الشِّعرية الراقية.

ليس على الفيلم أن يكون شِعريًا بالضرورة لكي تتّسم حواراته بالشاعرية. الأفلام المأخوذة من أعمال شكسبير ليست شِعرية الطابع والتوجّه، لكنها تحتوي على حوارات شِعرية. في المقابل، هناك أفلام شِعرية المنحي لكنها لا تحتوي على حوارات، أو تحتوي القليل منها، من ثمّ فإن الحوار لا يحدّد كينونة الفيلم وطبيعته، إن كان شِعريًا أم لا، كما أن الحوار السينمائي يختلف كليًا عن الحوار الأدبي.

في ما يتعلّق بالشِّعر «الذي تمّت معالجته لأن يكون فيلمًا غير شِعريّ»، إذا كان القصد توظيف قصيدة ما في فيلم لا يطمح لتصنيفه ضمن الأعمال الشِّعرية، فلدينا مثال هو فيلم: «عواء» Howl الذي يدور حول قصيدة شهيرة كتبها الشاعر الأميركي ألن جنسبرغ في خمسينيات القرن الماضي، وبسببها قُدّم للمحاكمة في 1957، بتهمة نشر مادة فاحشة. مثل هذا التناول والمعالجة أمرٌ مشروع في السينما.

بتعبيرٍ آخر، لكي يكون الفيلم شِعريًا، هو لا يحتاج إلى القصيدة، أو إلى أيّ مصدر أدبيّ، أو أيّ عون من جهةٍ خارجية، بل عليه أن يعتمد على أدواته ووسائله وعناصره الفنية الخاصة.

9- «المعنى سيظلّ في عمق الشاعر». من هذا المبدأ هل تعتمد السينما الشِّعرية مبدأ عدم تفكيك وتحليل الرمزية، هل يجوز للمخرج ما يجوز للشاعر؟

الرمز لا يوجد كمادة ثابتة وملموسة في النصّ، أو في أيّ عمل فني، بحيث يسهل إدراكه واستقباله، وبحيث يتفق الجميع في تحليله وتفكيكه وتأويله وفهمه. الرمز يخضع للتأويل الشخصي، النابع من ثقافة المتلقي ووعيه ومخيّلته، ولذلك تتعدّد وتتنوّع التفسيرات. إن استجابات الجمهور إلى الفن هي دائمًا ذاتية بعمق، من ثمّ هي تختلف وتتباين مع اختلاف وتباين الفرد عن الآخر.  والرمز كما يؤكد أدونيس، لا يوجد إلا في ذهن القارئ (المتلقي) بعد الانتهاء من قراءة النصّ، وليس أثناء ذلك. أيّ مع ولادة المعنى في ذهنه، فالمعنى لا يوجد في العمل الأدبي والفني، إنما يتخلّق في ذهن المتلقي من خلال تفاعله العميق مع العمل.

الرمز ينبغي أن ينبثق من المادة الأدبية أو السينمائية أو التشكيلية، لا أن يكون مفروضًا قسرًا من خارجه، أو مستخدمًا على نحوٍ مقصود. إذا كان الرمز نابعًا من الوعي فسوف يفقد قوته وتأثيره، وقد يكون مبتذلاً أو مستهلكًا.

في مجال السينما، يؤكد المخرج جودار على أنّ الفيلم لا يمكن أن يكون رمزيًا، لأن الفيلم هو الواقع مصوَّرًا، وليس هناك أيّ شيء رمزي يتصل بالواقع. إنها الحياة فحسب. والرمزية شيء تجريدي، وذلك مستحيل في الحياة. ويقول جودار: «لو طلب مني منتج أن أحقّق له فيلمًا رمزيًا، لقلت له أني لا أعرف كيف أفعل ذلك».

ربما يمكن إدراك الرمز، في النصّ الأدبي، بسبب اللغة، لكن يصعب ذلك في السينما، لأن الفيلم تجربة بصرية سمعية، وغير لفظية. وهي تنْفذ مباشرة إلى نطاقٍ ما دون الوعي، لتصل إلى المتفرج في مستوى باطني من الوعي، تمامًا كما تفعل الموسيقى.

الفنان لا يقرّر المعنى الفكري والفلسفي والمجازي لعمله، بل يترك مساحة من الحريّة لمخيّلة المتلقي، لكي يستنبط المعنى وفق تأويله الخاص. إنه يدع الفكرة تصل إلى الآخرين من دون التصريح بها على نحوٍ واضح. الأشياء المباشرة لا تكون دائمًا فعّالة ومقنعة. وهو يتيح للآخر أن يملأ، أو يضيف بنفسه إلى، التجربة البصرية مختلف التفاصيل الضرورية، ويتوصّل إلى استنتاجاته الخاصة، دون أن يفرض عليه تأويلاته الذاتية.

10- برأيك، لمَ يمزج المخرج السينمائي الشِّعري فلسفته الذاتية ومشاعره الشخصية مع الفلسفة العامة للفيلم، وما القواعد والمعايير الثابتة التي يستند إليها الفيلم الشِّعري نصيًّا وإخراجيًا؟

الفلسفة العامة للفيلم نابعة أساسًا من فلسفة المخرج الذاتية، ومشاعره الشخصية، ولا تأتي من خارج الفيلم، وليست مفروضة على المخرج. (أتحدث عن الأفلام التي لا تخضع لشروط المنتج، والتي أساسًا لا تتضمن أيّ فلسفة). الفيلم، بكل ما يطرحه من أفكار ورؤى، هو بيان ذاتي، شظايا من تجربة ذاتية، سواءً أكانت اجتماعية، عاطفية، سياسية أم ثقافية.

من جانبٍ آخر، لا أعتقد أن هناك قواعد أو معايير ثابتة يستند إليها الفيلم الشِّعري. قد تكون هناك مبادئ معيّنة، ناجمة من تأثير واقعه، محيطه، أو تجربته الذاتية. هذه المبادئ قائمة على رصد الواقع، المجتمع، الحياة.. واستجواب كل ذلك.

المخرج – الشاعر يستخدم، عادةً، مادةً بسيطة، موضوعًا لا يبدو معقّدًا في ظاهره، لكن تحت السطح نكتشف طبقات لا نهائية، وأبعادًا ودلالات متعدّدة، لنستشفّ من كل هذا عمقًا وامتلاءً، يثري تجربتنا كمشاهدين. الفيلم، في هذه الحالة، يتيح لنا أن نؤول المشاهد حسب رؤيتنا وقدراتنا التخيلية. مثل هذا المخرج لديه رؤيته الشِّعرية والفلسفية الخاصة، وأسلوبيًا هو يبتعد عن السينما السردية، بكل متطلباتها وإلزاماتها، ليقترب من السينما الخالصة، النقيّة، المفعمة بالشاعرية، الحافلة بالمشاعر المركّبة، والتأملات المشبّعة بالشِّعر، والتي تسبر إمكانيات اللغة السينمائية واحتمالاتها.

يقول كيارستمي: «الدافع الباطني للفنّ هو لانتزاعنا من واقعنا اليومي، وجلبنا إلى الحقيقة الخفيّة التي يصعب الوصول إليها، إلى المستوى الروحي لا المادي. هذا ما يفعله الشِّعر والموسيقى».

11– «غالبًا ما ألاحظ أنَّنا لا نكون قادرين على النظر إلى ما يوجد أمامنا إلاّ إذا كان بداخل إطار».  إلى ماذا يعود ارتباط النزعة التأملية الشِّعرية في سينما كيارستمي، وهل ما يبحث عنه صانع الأفلام الفلسفية التأملية ما هو إلاّ مجرد مكان يتيح له الفرصة لمشاهدة الحياة وتأملها؟

كيارستمي، من خلال شِعرية الصورة وليس السرد، استطاع أن يعبّر على نحوٍ رائع ومدهش، عن رؤيته وفلسفته وتأملاته. وبهذا المنحى الشِّعري، تمكّن من إثراء تجربته وتمديدها، والاحتفاء بالحياة وخفاياها. وجعل ما هو بسيط ظاهريًا يشفّ عن عمقٍ وغنىً فريديْن. إنه يدعونا، بل ويحرّضنا، على رؤية الأشياء بأعينٍ جديدة طافحة بالدهشة والفضول. لقد قدّم لنا  أفلامًا ذات نزعة إنسانية، غنائية، تأملية. حكاياتها بسيطة، متقشفة، لكنها مليئة بالمجازات، مفعمة بالشاعرية، وغنية بصريًا.

وهو يؤكد على ضرورة أن يكون الفيلم مرئيًا بطرقٍ مختلفة، وأن يحتمل العديد من القراءات، ومن التأويلات. وأن يفتح للمشاهدين نوافذ يطلّون منها على المدهش، وعلى ما يلهب مخيلتهم.

يقول كيارستمي: «أشعر بأن السينما التي سوف تدوم لفترة أطول هي السينما الشِّعرية، لا السينما التي تروي قصصًا فحسب. ثمّة الكثير من التعويل على سرد القصة في السينما، هذا يجعلها تختلف عن الأشكال الفنية الأخرى، التي لا تأخذ على عاتقها مهمة أن تروي لك قصة. الفيلم وحده الذي قبل القيام بتلك الوظيفة. عندما أتحدث عن السينما الشِّعرية، فإنني لا أعني أن لها علاقة بالقصيدة، ولا أتحدث عن إرسال رسالة إنسانية. إنما أتحدث عن السينما في كونها كالشِّعر، تمتلك خاصيات الشِّعر المركّبة، ولديها أيضًا الإمكانية الواسعة للشِّعر.. لديها قدرات الموشور».

كيارستمي كان يعوّل كثيرًا على فكرته بشأن «الفيلم المصنوع جزئيًا»، أو مفهومه عن «الفيلم المتحقّق نصفه»، حيث تختفي بعض العناصر، أو تُترك ناقصة وغير مكتملة على نحوٍ متعمد، بحيث  تستدعي مشاركة المتفرج في ملء الفراغات  في السرد الناقص، المكثّف، غير المباشر، والمساهمة في إكمال الصورة باستخدام مخيلته وحدسه. إنّ ما تقترحه أفلام كيارستمي الشِّعرية، على نحوٍ متزايد، هي سينما التأمل.

12- لتعقيد عملية تشكيل القصيدة بصريًا، ما قدرة هذا النوع من السينما على إظهار حقيقة اللاّواقع واللاّمعقول، ما نسبة ربطه بين المشاهد  والصورة، وهل يُدفع المشاهد إلى الانتباه والتأمل واستخدام الخيال للفهم والإحساس وإدراك المعاني المتعددة؟

في السينما، الصورة لا تتحقّق إلا في أشكالٍ واقعية،  طبيعية،  من الحياة المرئية والمسموعة. مع ذلك، الفنان قادر أن يتبيّن خطوط التصميم الشِّعري للوجود، وعلى تجاوز قيود المنطق المتماسك،  وكشف التعقيد العميق، وما يخفى من ظواهر وروابط. من خلال الربط العضوي بين انطباعات المخرج الذاتية (وتصوّراته ومفاهيمه ورؤاه)، وتصويره الموضوعي للواقع، يتمكن هذا المخرج من استكشاف عمق الحياة، واستنطاق ما يكتشفه.

وجهة نظر الفنان لا بد وأن تكون ذاتية. إنه يفكك الواقع من خلال رؤيته الثاقبة، وعبر مخيلته وذاكرته وتجربته، إضافة إلى تقنياته الخاصة، وذلك للكشف عن جوانب مختلفة من الواقع. لكن يجب التأكيد على أن كل فيلم جوهريًا، هو إعادة تمثيل للواقع، وليس الواقع ذاته.

ثمّة مخرج لا يكتفي بالتلاعب بمظاهر الواقع الخارجية، المرئية والموضوعية، إنما أيضًا يسبر مظاهر اللاوعي ويدمجها بالحياة اليومية. وبهذا يتمكن من تمديد الواقع، وإضفاء أبعاد جديدة. ليس كل مشاهِد يرى الأشياء ذاتها التي يراها الآخرون. الأشياء تكتسب أشكالاً ومظاهر ومعانٍ مختلفة حسب اختلاف المشاهدين، إذ أن كل شخص يُسقط مشاعره الذاتية على الشيء الذي يراه، حسب ما تمليه حالته الذهنية، ومن هنا تتعدّد المنظورات والمعاني.

هذه السينما، لما تملكه من سُلطة تتركّز في الصورة، تتيح للمرء اكتساب رؤية شاملة عن الواقع، وتعمّق معرفته بالعالم من حوله.. العالم المرئي والخفي.

الصورة، بما تحتويه من عناصر ومكوّنات متناغمة وفعّالة، قادرة على إحداث استجابات فورية، مباشرة، واعية، وأخرى لا شعورية أو غير واعية، وفق طبيعة المشهد وغايته. ولا شك أن للصورة السينمائية قوتها وفعاليتها وتأثيرها. وهذا ما نجده واضحًا ومحسوسًا، أثناء مشاهدتنا للفيلم في الصالة، حيث تتجلّى قدرة الصور في إثارة مختلف الانفعالات والمشاعر، مثل الفزع والضحك والبكاء والتهيّج الحسي عند أفراد من الجمهور المتفاعل. الصورة تنقل إلى المشاهدين مشاعر متنوعة ومتباينة. ونوعية وخاصية الصورة هي التي تتضمن المعاني المتعدّدة.

13- السينما الشِّعرية، ما أعظم الأفلام التي نبعت من هذا الفن، وهل تمكنت السينما العربية بدورها من إيجاد شاعريتها الخاصة، واتخاذ صفة قصائد بصرية يُمكن مشاهدتها؟

هناك أفلام، ليست كثيرة، لكنها مهمة وعظيمة، تندرج ضمن هذه النوعية المسماة: «السينما الشِّعرية». في أفلام تاركوفسكي، تتجلّى الشِّعرية في أبهى صورها. سينماه هي السينما في حالتها الصافية والنقية، المتحرِّرة من ثوابت ومسلّمات السينما التجارية، ومن تقاليد البناء الدرامي والسرد والمونتاج.

من أكثر أعماله ذاتية وشعريةَ، فيلم «المرآة»، الذي من خلاله ندخل عالمًا غنيًا بالصور والسحر والأحلام، نعايش تجربة تثير فينا البهجة والنشوة، وتحثنا على التأمل في واقعنا الخاص، ورؤية علاقاتنا بالمحيط والآخرين من وجهة نظرٍ جديدة، طريّة، مختلفة. تاركوفسكي هنا يتذكر، يحلم، يتخيل، ويعترف. لكنه كعادته، لا يلجأ إلى السرد القصصي التقليدي والحبكة المألوفة والتتابع أو الترابط المنطقي، إنما يعتمد ما يشبه تقنية تيار الوعي، حيث الصور تتداعى وتتدفق وتتشظّى ضمن نسيج فني يتلاحم فيه الواقع والحلم والرؤى والذكريات.

وهناك فيلم «الأم والابن» (1997) لألكسندر سوكوروف، فيلم لا يعتمد على قصة، لا يقوم على «حبكة» بالمعنى التقليدي أو المتعارف عليه، لا يعتمد على المقومات التقليدية للسرد، بل يرتكز على كثافة المشاعر، والعواطف المتقدة، بين كائنين يوحّد بينهما حبّ بالغ وألم لا يوصف، وحسّ المشاركة العميقة والحميمة بينهما تفضي بهما إلى أن يتقاسما الأحلام نفسها. إنه فيلم متقشف، بسيط في إنتاجه. لكنه سخيّ في صوره، باذخ في تعبيره عن المشاعر، غني في شاعريته وغنائيته، جميل في تكويناته البصرية، آسر في إيقاعه كما لو في حالة حلم. إنه نموذج للسينما في أنقى وأصفى وأجمل حالاتها.

وهناك فيلم «الريح سوف تحملنا»، حيث يعرض عباس كيارستمي رحلة روحية من خلالها نتعرّف على عالم لا يكشف نفسه بسهولة. هنا نحن لسنا أمام قصة بالمعنى التقليدي، إذ لا يحدث إلا القليل. لكن الفيلم يعجّ بالحياة اليومية. وهو يتسم بجماليةٍ بصرية مدهشة.

أما «لون الرمان» الذي حقَّقه سيرجي بارادجانوف فلا يحتوي على قصة. ثمّة خطّ قصصي لكن لا يخضع لتسلسل منطقي. الفيلم يتميّز ببناءٍ غير مألوف من الصور الآسرة، المركّبة على نحوٍ جميل، وبتكويناتٍ بصرية رائعة، حافلة بالمجازات. المشاهد تتعاقب في جمالٍ أخّاذ وغرابة مذهلة. فيضٌ من الصور والمجازات البصرية تغمر الشاشة والمشاهِد. وهناك، بالطبع، أفلام أخرى لكن المجال لا يتسع للإشارة إليها.

في السينما العربية، صادفتنا أفلام – قليلة للأسف –  يمكن إدراجها ضمن الاتجاه الشِّعري.. مثل بعض أفلام خيري بشارة، ومحمد خان، وعبد اللطيف عبد الحميد. لكن، من وجهة نظري، خير من يمثّل السينما الشِّعرية عربيًا، هو التونسي ناصر خميّر الذي تشفّ أفلامه عن حساسيةٍ جمالية عالية، وترتكز على ثيمةٍ رئيسية ومتكررة، هي البحث عبر رحلة مركّبة في الزمن والمكان. هناك بحث عن الهويّة، عن ماضٍ مفقود، عن ماهية الحبّ، عن الذات ومحاولة استعادتها، وعن الجذور. في فيلمه «بابا عزيز» يطرح مجموعة متداخلة من الحكايات، القريبة من عوالم ألف ليلة وليلة، حيث داخل كل حكاية تنشأ حكاية أخرى، وعبر هذا النسيج  يتشكّل البناء السردي. الصور تتحرك عبر إطارٍ شِعري أكثر مما هي تعاقب للأحداث.

14- ما علاقة تطور التفاعل الجدلي ما بين النقد السينمائي العالمي والإنتاج بنشوء الموجات السينمائية العالمية، وهل لضعف تفاعل النقد العربي علاقة بتأخّرها عربيًا؟

في أميركا وأوروبا، وربما مناطق أخرى، كان للنقد السينمائي حضورًا قويًا، فعّالاً، ومؤثرًا، وثمّة علاقة جدلية بين النقد وصناعة الأفلام، وهي أيضًا علاقة قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل. وإذا أخذنا التجربة الفرنسية، كمثال، خصوصًا في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، سنلاحظ بروز حركة نقدية فعّالة ونشطة، في موازاة فعل سينمائي يشهد تحولات جذرية.

حينذاك ظهرت مجموعة من النقاد الشباب، المتحمسين لسينما جديدة مختلفة، رأوا في المناخ السينمائي القائم مجالاً لا يتلاءم مع طموحاتهم ورغباتهم ورؤاهم الجديدة المختلفة، إذ كانت السينما التقليدية هي السائدة، وأساليب الإنتاج المتبعة قديمة. لذلك، عبر  مقالاتهم النقدية، شنّوا هجومًا عنيفًا على رموز السينما التقليدية، سواءً في أميركا أو فرنسا، وعلى الأفلام التجارية عمومًا، ومختلف المفاهيم البالية في المضامين والتقنية.

أغلب هؤلاء النقاد تحولوا إلى الإخراج السينمائي، لتحقيق أفلامهم بطرائقهم الخاصة التي تتعارض  مع قوانين وتقاليد صناعة السينما. السينما بالنسبة لهم كانت شكلاً فنيًا وليس وسطًا جماهيريًا. كانوا يهدفون إلى تقديم أفلامٍ «فنية» لا أفلام رائجة تجاريًا. أفلام مختلفة، بميزانية ضئيلة. بلا تجربة أو خبرة تقنية، فقط مواهب طموحة، صادقة، ونوايا نقية.

هؤلاء الشباب، الذين جاء أغلبهم من النقد، شكّلوا بأفلامهم الحديثة، المغايرة، حركة الموجة الجديدة، وهي الحركة التي حرّرت السينما من قيود الأستوديو، وأحدثت ثورة فنية أثّرت في السينما العالمية ككل. هنا تداخلت العلاقة بين النقد وصنع الفيلم إلى حدّ محو التخوم بينهما، فمارس الناقد صنع الفيلم. وفي أميركا، شكّل النقد قوة لم يكن ممكنًا الاستهانة بها وتجاهلها في الأوساط السينمائية، التي – على العكس – كانت تحرص على معرفة رأي النقاد في أعمالهم، وتعتبر التقييم النقدي معيارًا لنجاح أعمالهم، حتى النجاح التجاري.

عندما نأتي إلى العلاقة بين النقد والسينما العربية، فسوف نجد أمامنا علاقة مضطربة، غير مستقرة، غير متنامية، وغير قائمة على أسسٍ صلبة وخلفية ثقافية واضحة ومتماسكة. وهي في مجملها ليست علاقة صحية، أو مؤثرة. عندما نتابع أغلب ما يُكتب عن الأفلام العربية، باسم النقد، نجدها مجرد انطباعات صحفية سريعة، بلا قيمة فكرية، ولا غاية فنية، وتغلب عليها روح المجاملة والتملّق أو المناكفة والسخرية.

في أواخر الستينيات، في السينما المصرية، كان النقد السينمائي يشهد حضورًا لافتًا، ولعب دورًا هامًا في تفعيل المناخ السينمائي، عبر إصدار المجلات والنشرات، والكتابة المنحازة إلى الحداثة، ومن ثمّ مارس تأثيرًا على السينمائيين الشبان خصوصًا. غير أن هذه الحركة النقدية لم تستمر طويلاً، بل تعرّضت إلى التوقف والانحسار. ولم يعد النقد، في السنوات اللاحقة يمارس التأثير الملحوظ، رغم استمرار المحاولات النقدية الجادة، لكن الفردية. هذا الغياب، أو على الأقل، هذا الخفوت النقدي، كان أحد أسباب تخلّف السينما العربية.

في مقالةٍ سابقة لي، في النقد، قلت: لقد نشأت الحركات أو الموجات السينمائية العالمية نتيجة التلاقح الجدلي الطبيعي بين ما هو نظري/ نقدي/ فكري، والتطبيق أو التحقيق العملي لتلك الرؤى. في الواقع السينمائي العربي لا نجد ذلك التفاعل الجدلي بين ما يطرحه النقد والإنتاج السينمائي الذي في مجمله، يستهين بالنقد ويزدريه ويعاديه.

15- ما سبب غياب السينما ضمن النسيج الثقافي العربي، لماذا ظلَّت السينما العربية كموضوع ثانوي على هامش الاهتمام العربي النقدي والإبداعي؟

ذلك لأنّ السينما لم تؤخذ بجديّة، ليس فقط من قِبل المثقفين، بل حتى من قِبل غالبية السينمائيين أنفسهم، خصوصًا المنتجين والموزعين والمخرجين، الذين يحرصون على تقديم أعمال تقليدية واستهلاكية من أجل تحقيق الربح فحسب.

المكتبة العربية، في ما يتعلق بالكتب السينمائية، شحيحة جدًا. دور النشر لا تزال تنظر إلى الثقافة السينمائية بوصفها هامشية، غير ضرورية، ولا قرّاء لها. قسم كبير من المثقفين يرون السينما كشكل ترفيهي أقلّ قيمة وأهمية من الأشكال الفنية الأخرى، ولا يرونها – كما هي في حقيقتها وجوهرها –  كنتاج ثقافي، فكري ورؤيوي وجمالي، يضاهي الأشكال الأخرى، كالأدب والموسيقى والتشكيل.

قلت في مقالة سابقة: من يراقب المشهد الثقافي العربي، عن قرب أو عن بُعد، سوف يلاحظ، بلا عناء، تجاهل السينما كوسطٍ ثقافي وفكري، إلا في حالاتٍ نادرة، غالبًا ما تكون غير مؤثرة، واعتبارها وسطًا ترفيهيًا بحتًا.

المثقف العربي، في غالبيته، يتقاسم مع المتفرج العربي، تلك النظرة الاستعلائية، الازدرائية، المهينة، إلى السينما بوصفها وسيلة للترفيه والتسلية وتبديد أوقات الفراغ، ومن ثمّ لا يشعر بحاجةٍ إلى الاطلاع، أو حتى التعرّف بالمشاهدة، على التجارب العالمية في حقل السينما، وبقراءة ما يتصل بالسينما من نظرياتٍ وحواراتٍ وتحليلاتٍ ووجهات نظر نقدية. من ثمّ لم يُسمح للسينما بأن تكون ضمن النسيج الثقافي، القائم على أشكالٍ فنية متكرسة ومُعترف بها، كالأدب والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي، فلا تجد السينما غير موضع ثانوي على هامش الاهتمام النقدي والإبداعي في الثقافة العربية.

16-  «مناخ محبط ومثبِّط يحكمه متلقٍ اعتاد على نمطٍ محدّد من الأفلام، تنتجها السينما التجارية السائدة». هل مازالت الأفلام التجارية المتحكمة في الذائقة والتوجّه العام للمشاهد العربي؟

طبعًا. ليس في السوق المحلية فحسب، بل حتى العالمية. السينما التجارية، بكل عناصرها المغوية، وأشكالها المبهرجة، وما توفره من متعةٍ وتسلية وتشويق، ودغدغتها للغرائز، هي الأكثر جذبًا للجمهور، لذا تظلّ سائدة ومهيمنة، وطاردة لما هو جادّ ومختلف. غالبية الجمهور يفضلون مشاهدة الأفلام التي تحتوي على خطوطٍ قصصية قوية، وحبكة مكشوفة،  واضحة وظاهرة للعيان، والتي تحتوي أيضًا على مواقفٍ كوميدية، وفواجع ميلودرامية. الجمهور الذي اعتاد على السهولة والبساطة في التلقّي، لا يحبذ المضامين المعقّدة والأشكال المركّبة. لا يميل إلى الإيقاعات البطيئة، والأحداث العادية التي تخلو من المبالغات والمصادفات. أو التغيّرات المفاجئة في الاتجاه العام.

السينما نفسها هي التي عوّدتهم على ذلك. والمنتج يبذل كل ما في وسعه لإرضاء هذا الجمهور وإشباع رغباته. والسينما التقليدية، التجارية، تلبّي له كل مطالبه، وتوفّر له ما يحتاجه. هذا على مستوى الجمهور العام. لكن هناك قلة تشكّل جمهورًا  خاصًا، واعيًا، يبحث عن تجارب مختلفة، ويتفاعل مع القضايا الجادة، ويتقبّل الأشكال الجديدة. الكثيرون يتحدثون عن الجمهور كما لو كان كتلة موحدة، متجانسة، متناغمة ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا، ذات خلفيات وذائقة ورؤى ورغبات وأهداف وطرائق تفكير واحدة، في حين أن الواقع يُظهر لنا أن الجمهور متفاوت في مستوياته الثقافية، متباين في أمزجته وأذواقه واهتماماته وتوقعاته ووعيه.

لا أحد يعرف ما يكونه الجمهور. في الغالب هو فكرة مثالية، ذهنية، يتصوّرها منتج العمل، وعلى ضوئها يبني حساباته واستنتاجاته وتوقعاته. الجمهور، بسبب عدم تجانس أفراده، وتباين استجاباته وأمزجته، هو كينونة متحوّلة، متغيّرة، لا يمكن التعويل عليها وعلى أحكامها، ولا يمكن أيضًا التنبؤ بحاجاتها ومطالبها وردود أفعالها، لذلك هي غالبًا ما تفاجئ المنتجين، إذ تُعلي من شأن فيلمٍ وتخيّب أمال الآخرين.

17- كناقد سينمائي، برأيك ضمن النهضة الثقافية الفنية السعودية، ما التطلّعات التي ستعكسها مجلة  «كرّاسات سينمائية»، وما نسبة الطموح في أن تُسهم في ظهور موجة سعودية جديدة على غرار الموجة الفرنسية الجديدة التي ساهمت مجلة «دفاتر السينما» في إطلاقها. وما البانوراما السينمائية البصرية التي  ستسند إليها موضوعات المجلة؟

من السابق لأوانه تقييم مجلة جديدة من العدد الأول، وتقدير ما يمكن أن تنجزه في الوسط الثقافي، لكن هذا لا يحول دون إبداء الرأي حولها. شخصيًا فوجئت بالمستوى الجيد للمجلة، شكلاً ومضمونًا. لقد ساهم الإخراج الفني في إضفاء جمالية لافتة وجذابة ومريحة. أما الموضوعات فقد كانت على درجةٍ عالية من التنوّع، حيث شملت مختلف العناصر والاهتمامات، وحققت التوازن بين المادة العربية والمادة العالمية. كما تميّزت الموضوعات بالجديّة والرزانة، من دون أن تكون أكاديمية بحته. لقد احتوى العدد الأول من «كراسات سينمائية» على العديد من المواد المهمة والقيّمة، وأعتقد أن المجلة ستكون، في المستقبل، مرجعًا مهمًا للمهتمين في السينما، إذا استمرّت، وحافظت على رؤيتها وطموحها.

الحركة النقدية لا تخلق حركة سينمائية. هي تكشف وتكتشف. تبيّن مواضع القوة والضعف في الوسط الفني أو الأدبي. تسلّط الضوء على المواهب، وتنشّط المناخ الثقافي. قد يكون النقد داعمًا «نظريًا» للحركة السينمائية، لكن ليس خالقًا لها. مجلة «كاييه دو سينما» الفرنسية لم تطلق أفلام الموجة الجديدة إنما واكبتها وساندتها نظريًا.

كذلك من المبالغة الاعتقاد بإمكانية أن تساهم مجلة (أيّ فعالية نقدية) في إطلاق موجة سينمائية سعودية جديدة، فعلاوة على استحالة ذلك، لأن الأمر يتصل بالجانب العملي، بالإنتاج والتوزيع ووجود صناعة سينما، أكثر مما يتصل بالجانب النقدي أو النظري، فإن السينما السعودية ذاتها حديثة الولادة، وتحتاج إلى فتراتٍ زمنية حتى تشهد بروز موجاتٍ متعدّدة فيها.

18- باعتبار السينما وسطًا للتفاعل الفكري والفلسفي والرؤى الجمالية، ما أبرز ما يواجهه الناقد والكاتب والمترجم السينمائي أثناء تقديم مادته السينمائية، متى يستطيع الناقد السينمائي أن يمارس تأثيره، وما نسبة أن يُصغي الآخر للحوار النقدي في واقع الوسط السينمائي العربي اليوم؟

في الوسط الثقافي العربي، قلّما يُنظر إلى النقد كفعل إبداعي، هام وضروري، ولا يقلّ قيمةً وشأنًا من الفعاليات الإبداعية الأخرى. الكثيرون من الكتّاب والفنانين يريدون من النقد أن يكون سلّمًا من خلاله يصلون إلى النجاح والشهرة. يميلون إليه إذا كان خادمًا ومجاملاً ومتملقًا وبنّاءً (من وجهة نظرهم)، ويعرضون عنه – باعتباره مادة ثقيلة وغير ضرورية – إذا مارس دوره الطبيعي في محاورة العمل الفنّي، والحفر في جوانبه المتعدّدة لاكتشاف أبعاده ودلالاته، ومن ثَمّ قيمته الحقيقية.

في المشهد السينمائي العربي، ثمّة فجوة كبيرة وعميقة بين النقد وحركة الإنتاج السينمائي، كأن كلاً منهما يعيش في وادٍ بعيد ومنعزل. لذلك لا نجد تأثيرًا عميقًا للكتابات النقدية (التي يعتبرها صنّاع الأفلام مثالية، أو خيالية، وبعيدة عن الواقع)، على منتجيّ الأفلام الذين نادرًا ما يُعيرون اهتمامًا لتلك الكتابات، إلا إذا كانت «إيجابية» وتشيد بأعمالهم وتروّج لها. العلاقة الجدلية لم تعد سارية، الحوار المفتوح أضحى خافتًا جدًا حتى تلاشى. والاتجاه التقليدي في السينما يظلّ هو المهيمن والمتحكم، ومع مرور الوقت، تكوّنت لديه حصانة يصعب اختراقها. وكل المطالب النقدية بضرورةٍ تثوير لغة هذه الأفلام وتقنياتها وموضوعاتها، تظلّ معطّلة أو مؤجلة.

في سينمات العالم هناك حوار، تفاعل، علاقة جدلية، بين النقد والفعل الإبداعي، يؤدي إلى التنامي والتطوّر والتنوّع والتعدّد، في حين لا نجد مثل هذا الحوار في الواقع السينمائي العربي، إلا في حالاتٍ نادرة.

للأسف، لا يشعر الناقد بأن كتابته لها التأثير المطلوب، أو على الأقل تجد صدى عند الأطراف التي يتوجّه إليها بخطابه. ولولا إيمانه القوي بأهمية دوره وضرورته، لتوقّف عن الكتابة، أو توجّه إلى مجالٍ آخر. أما في ما يتعلّق بمجال النشر، فإن الأمر لا يختلف كثيرَا، إذ لا يوجد ذلك الاهتمام الجاد من طرف المطبوعات (من مجلاتٍ وجرائد)، أو دور النشر. دائرة الاهتمام ضيقة ومحدودة. وأنا شخصيًا أعوّل على هذه الدائرة الصغيرة في الاستمرار والمثابرة، فهي التي تمنحني الحافز والتشجيع.

19- كلمةٌ أخيرة لمعنى، وما التطلّعات الأدبية والنقدية التي سنرى نتاجها قريبًا؟

أشكر «معنى» على إتاحتها لي فرصة اللقاء مع قرّائها، راجيًا أن يكون هذا اللقاء واضحًا ومفيدًا. وأتمنى لكم التوفيق والاستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى