ترجمة: رجاء الرشيدي
روما، العصور القديمة، الإمبراطورية
يشبه تدهور مجتمعنا الحالي إلى حد كبير أزمة الجمهورية الرومانية؛ منذ القرن الثاني قبل الميلاد، أدت أعمال العنف ورفض التغيير والتعصب إلى تصاعد التطرف، وكأن الرومان فقدوا القدرة على العيش معًا في مجتمع واحد.
كان تاريخ الجمهورية الرومانية (509-27 قبل الميلاد) تاريخ مدينة مضطربة، ومن المثير للاهتمام أن الصراعات التي شهدتها القرون الأولى من هذه الفترة، والتي كانت بين البطارقة والدهماء، قد ساهمت، وفقًا للرومان أنفسهم، في بناء مجتمعهم السياسي، بينما أدت صراعات القرن الأخير إلى دفع المدينة نحو العنف، بينما اتهمت نخبة من مجلس الشيوخ الإصلاحيين بالفتنة، بسبب رفضها للإصلاح وعدم تسامحها مع أي معارضة سياسية، سارع الإصلاحيون إلى تشديد برامجهم وأساليبهم، وهكذا بدأت تظهر بوادر التطرف.
من المهم التمييز بين هذا المفهوم ومفهوم التطرف الذي كان يشير في القرن التاسع عشر على وجه الخصوص إلى حركات اجتماعية وسياسية تحمل طابعًا نقديًّا وتقدميًّا وديمقراطيًّا، أن يكونوا مُصلحين مطلقين كنظرائهم الإنجليز، أو ثوريين كما هو الحال مع الأناركيين الفرنسيين والحركات العمالية، وأولئك كلهم الذين “يبحثون عن بدائل ثورية للمؤسسات السياسية والاجتماعية المهيمنة، ويستخدمون أساليب عنيفة أو سلمية لمقاومة السلطة وتحقيق التغيير في النظام السياسي والاجتماعي”. [1] نحن نشير باستخدام مصطلح “التطرف” إلى عملية انجراف نحو التطرف، يمكن أن تكون رد فعل عنيف من قبل الأوليغارشية تجاه مشروع إصلاحي أو ثوري، أو تشديد مشروع كان في الأصل ديمقراطيًّا. بلغت العلاقة بين القوتين في روما درجة من التناقض جعلت هذه العملية تخرج عن السيطرة ويتزايد تطورها بشكل هائل. التطرف، كما هو محدد، يحدث عندما ترفض مبدئيًّا جماعة ما الحوار والتفاوض، ويستبدل الحوار والحق بإعلان أحادي للسبب العادل، أي يُختزل العالم إلى صوت واحد بهدف القضاء على ما يعد “الآخر المطلق”، مما يؤدي، وفقًا لـ هانا آرنت، إلى تدمير الحياة السياسية. هذا ما حدث في نهاية الجمهورية الرومانية؛ ففي قصص من التاريخ أو في “مؤامرة كاتيلينا”، وصف المؤرخ سالوست مظاهر هذا الانحطاط في اللغة: فقدان معنى الكلمات، والأكاذيب والخداع، والتظاهر، وانحراف الكلام، وكان هذا أيضًا ما أشار إليه شيشرون عندما أعلن في الأربعينيات أن “الجمهورية قد هلكت (res publica periit)… لِيَكُونوا أحرارًا”، لم يَعُد أمام المفكرين في ذلك الوقت سوى اللجوء إلى نوعٍ من جمهورية الأدب، أو إلى عزلة الفكر.
هذه العملية المتمثلة في تدهور الحياة السياسية تشبه إلى حد ما ما يجري في عصرنا الحالي؛ حيث تزايد وحشية العلاقات الإنسانية، وتكاثر الرقابة والأخبار الزائفة، وتزايد التعصب، والعنف في الشوارع وفي العقول؛ لذلك، هذا اللحظة الرومانية تستحق اليوم التفكر والتأمل؛ فكما كتبت نيكول لورو، من المبرر استحضار حدث من الماضي ما دام يسمح بطرح أسئلة لم يطرحها القدماء بشكل صريح.
مكانة الآخر في السياسة
لقد اعتقد الرومان أن الصراعات التي نشبت في بداية الجمهورية قد غيرت مجتمعهم تغييرًا جذريًّا؛ ففي المدى القصير، أدت سلسلة الانشقاقات إلى إنشاء مؤسسات جديدة خاصة بالطبقة العامة، وعلى المدى الطويل، أدى الاعتراف بالمساواة القانونية للمواطنين جميعهم إلى توحيد الشعب الروماني تحت مظلة القانون، ولم تتعاقب هاتان الحركتان المتضادتان؛ الانفصال والتوحيد، فحسب، بل تراكمتا أيضًا؛ فقد استمرت “المدينة العامة” حتى نهاية الجمهورية، وكأنها داخل المدينة الرومانية الكبرى، رمزًا للوحدة المستحيلة. تمثل هذه الثنائية أحد أبرز جوانب التجربة السياسية الرومانية، وهي تشهد بلا شك على قدرة روما على استيعاب التغيير والاختلاف.
الثنائية تعبر بالفعل عن أهمية التغيير (التحول) ودور الانقسام الاجتماعي (الغيرية) في تطور المدينة، وهذا ما أشارت إليه أيضًا أسطورة تأسيس مدينة روما التي كانت في الأصل عالمًا مفتوحًا، ملجأ للفارين جميعهم، سواء كانوا من العبيد أو الأحرار على عكس أسطورة أثينا التي اعتمدت على السكان الأصليين؛ فدون الغيرية (والهجرة)، لا توجد مدينة، أي لا توجد سياسة، وبالتالي لا يوجد تقدم، ولا إمكانية للتحول…
تُظهر روايات النزاعات الأولى وعي القدماء بدور التعددية في بقاء المجتمع: هل ستكون مدينة “نقية”، مدينة يتشابه سكانها، مدينة حقيقية؟ وهل سيكون شعب بلا اختلاط شعبًا سياسيًّا؟ شدد المؤرخ اليوناني دينيس داليكارنس على هذه النقطة عندما وصف أول انفصال؛ فقد هدد عامة الشعب الأرستقراطيين بالذهاب لتأسيس شعب في مكان آخر، للانضمام إلى أرض أخرى، لشعب آخر يرحب بهم؛ فكان على الأرستقراطيين التفاوض. إن تهديد الانفصال يلفت الانتباه إلى أهمية مسألة الآخر في حياة المدينة، حتى لو كان هذا “الآخر” مخصصًا لمكانة أدنى؛ فالتقسيم يقترن دائمًا بعدم المساواة.
يؤكد مفهوم “الجمهورية” أخيرًا هذا الدور للتقسيم الاجتماعي في التاريخ الروماني؛ فهي لم تكن “ممتلكات” مشتركه ولا وحدة متشكلة مسبقًا، بل كانت تُعرَّف في الأصل كقضية أو شأن يهم المواطنين جميعهم، والتي لم تتجسد إلا من خلال تفاعلاتهم، بما في ذلك تلك التفاعلات التي تتسم بالصراع، ومن هنا، انبثقت ثلاث تصورات: “أفقية” المجتمع السياسي، وأدائية للمواطنة، وصراعية للعلاقات الاجتماعية.
اغتيال تيبيريوس غراكوس من قبل أعضاء مجلس الشيوخ، نقش على المعدن، في: Bilder-Gallerie zur allgem. Weltgesch von C. von Rotteck, Karlsruhe et Fribourg (B. Herder) 1842م، برلين، مجموعة أرشيف للفنون والتاريخ.
وها نحن في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد؛ حيث تعرّض أفراد من النخبة الرومانية، الذين كانوا يحملون إصلاحات اجتماعية وسياسية كأعضاء في منصب “الترابيون” للعامة، تيبيريوس غراكوس وشقيقه كايوس، أحدهما في عام 133 والآخر في 123-122، لأعمال عنف مفاجئة وغير مسبوقة من قبل بعض أعضاء مجلس الشيوخ؛ وُصِفوا بالمتمردين، أي الخارجين عن القانون، وتم اغتيالهم وقتل أنصارهم أو إجبارهم على المنفى؛ كانت هناك طرق قانونية لمواجهة الاضطرابات الداخلية، لكن أعضاء مجلس الشيوخ اختاروا التعصب والاستثناء. تحويل النزاع إلى رفضه خارج المجال السياسي، بحسب معارضة جورج زيمل، كانت علامة على تغير ملحوظ في الخيال؛ إذ إن رفض النزاع لم يكن له أي علاقة بالنزاعات السابقة، بل كان يدل على اختفاء الاختلاف بشكل نهائي. في خطاب النخبة المعادية للإخوة غراكوس، كان الدفاع بأي ثمن عن وحدة الجمهورية وعدم قابليتها للتقسيم هو الهدف الأساسي؛ حيث تم تدريجيًّا إضفاء الطابع المثالي عليها، ورفعها إلى مبدأ التراتبية، الذي كان الحفاظ عليه يبرر الوسائل كلها، بما في ذلك قتل المواطنين دون محاكمة، وهو ما كان يتعارض مع أقدس قوانين روما، وهكذا استقر العنف باسم إنقاذ الدولة نفسها.
استحالة تكوين مجتمع
كيف نفسر هذا التحول الجذري؟ لقد اقترح القدماء أنفسهم إجابات؛ فبعضهم أعتقد أنه بعد تدمير قرطاج عام 146 قبل الميلاد، تحول الخوف من العدو (لوميتوس هوستيليس) إلى أزمة داخلية، وإنهاء التوافق بين المواطنين، بينما ركز آخرون على التدهور الأخلاقي المرتبط بالفتوحات وازدهار المدينة. على الرغم من اختلاف هذه التحليلات، فإنها كانت تستند إلى مثالية الماضي؛ قبل القرن الثاني، ربما كانت الفضيلة والتوافق قد سادا… وبعد ذلك، لم يعرف الرومان سوى الفوضى. عظمة وانحطاط، كما سيقول رجال التنوير…
دون الاقتناع بهذه النظرة الثنائية، يمكننا أن نستخلص نقطة مثيرة للاهتمام من هذه التحليلات: دور حروب البحر الأبيض المتوسط في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد؛ من المؤكد أن الرومان لم يتوقفوا عن الحروب منذ نشأتهم، لكن تلك الحروب تحديدًا، التي كانت أخطر على روما وأطول وأبعد، قد أثمرت نتيجتين على الأقل: من ناحية، خلقت هذه الحروب في إيطاليا تفاوتات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ما أدى إلى حرمان داخلي حقيقي، اقتصادي وسياسي على حد سواء، ومن هذا الواقع نشأ برنامج الأخوين غراكوس، القائم على مشروع للعدالة الاجتماعية، من ناحية أخرى، غيرت هذه الحروب السياسة الخارجية للرومان؛ روما كانت قد أبرمت، حتى ذلك الحين، العديد من المعاهدات للتحالف أو السلام، وسعت، بما في ذلك بطرق غير رسمية، إلى جعل هيمنتها معترف بها، أي قدرتها على التحكيم وجعل الآخرين يطيعونها، وهكذا، خطوةً بخطوة، من خلال الاتفاقيات والوساطات، قامت ببناء شبكتها وأدخلت العالم المأهول في مدارها، لقد كانت هانا أرندت محقة في وضع فكرة العقد، أو المجتمع (societas)، أو الشراكة، في صلب النظام الدبلوماسي الروماني؛ إذ إن هذه الفكرة، حتى وإن كانت غير متكافئة أو غير رسمية، كانت تُدخل التنظيم والثقة في العلاقات الدولية، ما اكتشفه الرومان، أو ظنوا أنهم اكتشفوه، وبذلوا كل ما في وسعهم من إيمان ليقنعوا أنفسهم به، هو استحالة بناء “شراكة” مع أعداء مثل القرطاجيين، وسرعان ما انضم إليهم المقدونيون وغيرهم، وحتى مع بعض الإيطاليين، أقرب حلفائهم (socii) حتى ذلك الحين، ولا حتى شراكة غير متساوية، ويرجع سبب هذا الاستحالة، وفقًا لخطاب طبقة رومانية معينة، إلى “الخيانة” الجوهرية لدى هذه الشعوب.
لما أحس الرومان بالخطر الداهم، لم يعودوا يتسامحون مع أي مقاومة؛ فلم يقتصروا على قمع كل من ثار عليهم، بل عاقبوا بشدة كل من اتخذ موقف الحياد، بل شنوا حروب إبادة ضد أعدائهم، وانتهت هذه الحروب إلى تدمير هائل لمدن كبرى (قرطاج، وكورنث سنة 146، ونومانتيا سنة 133، وقبلها 70 مدينة في إيليريا سنة 167)، واستعباد أعداد كبيرة من الناس، وضم أراضٍ بحيث لا يمكن لأحد استعادتها، وكأن الرومان، بهذا التدمير الشامل، كانوا يحاولون طرد الخوف من قلوبهم، ذلك الخوف الذي ولدته فكرة العدو المطلق؛
كان الخيار أمام الشعوب المهزومة بسيطًا: إما الخضوع التام أو الفناء، وهذا ما نظَّر له فيرجيل لاحقًا: “العفو عن الخاضعين ومحاربة المتكبرين”، “parcere subiectis et debellare superbos”، فـ”المتكبر”، سواء كان طاغية داخليًّا أو عدوًّا عنيدًا، كان يعد خارجًا عن دائرة الإنسانية، وبالتالي يمكن عدّه عدوًّا مطلقًا.
هذا المنطق الهستيري هو الذي تم استيراده بطريقة ما إلى المدينة، مما أدى إلى اختفاء مفهوم التعايش المتبادل، حتى بين الرومان أنفسهم، لم يعد بإمكانهم الحفاظ على الروابط الاجتماعية، كما تُظهر الحرب الروسية اليوم، فإن الممارسات الإمبراطورية لها تأثيرات على المجتمع المدني للإمبراطورية. كان شيشرون يفهم هذا تمامًا؛ ففي رسالته عن الواجبات التي كتبها عام 45، أشار مثلًا إلى وجود علاقة بين وحشية سولا تجاه الشعوب الأجنبية وعنفه تجاه مواطنيه (2.26-27)، هذا التفسير، الذي يحمل أهمية كبيرة، كان ينطبق بالفعل على الفترة السابقة.
كيف نفهم بطريقة أخرى السرعة التي تم بها اغتيال الإصلاحيين، وإلغاء قوانينهم، وانتهاك المؤسسات الأساسية؟ كيف نفهم الظهور الفوري لخطاب رسمي ومهيمن حول هذه الأحداث، يتهم “زعماء العامة” بمحاولة إسقاط الدولة، وكأنها وسيلة لرسم حدود لا يمكن تجاوزها “بينهم وبيننا” ولتبرير الإجراءات الطارئة؟
أدى رد الفعل العنيف من مجلس الشيوخ إلى افتتاح عملية إغلاق للمجتمع: بما أن الخصم السياسي أصبح يُصنَّف مجرمًا أو عدوًّا، لم يعد هناك نقاش سياسي ممكن، ولا صراع أيديولوجي يمكن تصوره، ولا إجراءات قانونية قابلة للتطبيق، بل أصبحت التدابير الاستثنائية وحدها تبدو ملائمة؛ فقد كان الهدف حقًّا هو جعل المصلحين غير مسموعين، بل وغير مرئيين، أي القضاء على التعددية والانقسام في المجال العام؛ هذا هو ما كان يعنيه استخدام مصطلح “المتمردين”، لكن ما هي معايير التمرد، ومن المؤهل لتحديده؟
المحاولة الأولى لخنق الإصلاحيين بالوسائل جميعها كان لها تأثير كبير؛ فقد أدت إلى استقطاب حاد داخل المجتمع، أي تكوين فصائل (إصلاحيين ومحافظين) كانت هي نفسها مصدرًا للعنف السياسي في كلا الجانبين، وكانت حركة الإصلاحيين، التي سأطلق عليها اسم “الشعبوية” (popularisme) نسبةً إلى مصطلح Populares التي أطلقت عليهم، قد تأسست في الأصل على برنامج ذو طابع ديمقراطي؛ حيث كان الهدف هو إتمام مهمة منصب “التريبيون” الخاص بالعامّة، والذي تتمثل مهمته في الدفاع عن مصالح الشعب وحقوقه السياسية.
وإذا بنا نجد أن الشعبيين من الجيل الثاني قد وقعوا في فخ العداء الذي فرضه عليهم خصومهم، وتبنوا أساليبهم، ويمكننا أن نرى في ذلك ما يسميه روجر إيتويل “تأثير التطرف المتراكم” [4]؛ فمن جهة، لم يتردد الإصلاحيون في نفي خصومهم السياسيين، بل وتصفية حساباتهم، وإثارة معارك الشوارع لإقرار قوانينهم، ومن جهة أخرى استخدم المحافظون الوسائل كلها لمنع الشعب من التعبير عن رأيه، وتدمير المرافق الانتخابية، وإبطال القوانين، وإصدار المراسيم الاستثنائية بشكل متكرر لتكليف القضاة بـ”حماية الجمهورية من أي ضرر”، وصولًا إلى وصف الخصم بـ”العدو العام”، ولم يعد الهدف هو إنقاذ المواطنين، بل إنقاذ الجمهورية؛ وهو شعار إيديولوجي، أو ما يسميه رولان بارت “إيديولوجيم”، يحمل في طياته بذور ظهور رجال أقوياء.
في تلك الحقبة فعلاً ظهر قادة عسكريون على رأس جيوش ضخمة، متحصنون بحماية إلهية، مقدّمين أنفسهم كمخلّصين للدولة، ثم شكّلوا تحالفات و”تآمرات” أدّت بروما إلى الحروب الأهلية المعروفة.
ومع ذلك، فقد كان لظاهرة التآمر تأثير إيجابي قصير الأمد: أثار رد فعل يمكن وصفه بـ”الجمهوري”، أي شكل من أشكال الدستورية، دافع عن دور القوانين والمحاكم، ودعا إلى توحيد مجلس الشيوخ والشعب الروماني ضد أي قرار تعسفي، أو استبدادي، أو أحادي الجانب، وحلت أسئلة جديدة محل أسئلة الفترة السابقة (ما هو حصول الشعب على الأراضي؟ وما هي العدالة الاجتماعية؟): ما هو مصدر الشرعية السياسية؟ أين تكمن الجمهورية ومن يمثلها؟ بل ما هي الجمهورية بحد ذاتها؟”.
وجه خلفي لدينار بروتوس، سُك في عام 42، لإحياء ذكرى “إديس مارس” (Roman Republican Coinage 508/3).
وصفهم مؤرخ من العصر الإمبراطوري بـ “آخر الرومان” [5]، كان القاتلان بروتس وكاسيوس يصوران نفسيهما على أنهما أبرز المدافعين عن القانون والحرية.
اسم شيشرون ارتبط بهما، ولا يزال عمله السياسي الأبرز يُفسَّر في الغالب بهذا المعنى حتى اليوم، ومع ذلك، فقد جُرِفوا جميعًا بعنف تلك الحقبة: قام بروتوس بإعدام أحد خصومه دون محاكمة، كما فعل شيشرون خلال حياته، وعلى الرغم من أن الأخير دافع عن الحرية والحق في أعماله السياسية، فقد وصف أيضًا القائد السياسي بأنه “دائمًا مسلح” (semper armatus) للدفاع عن النظام الداخلي؛ إذ كان يجب أن تكون الجمهورية موحدة وخالية من الصراعات.
مفهوم “سوسييتاس” (societas)، أي الجمعية الطوعية، كان في صميم الممارسة الرومانية، سواء داخل روما أو خارجها، وكانت الفكرة الأصلية لـ “ريس بابليكا” (res publica) تحمل فكرة قوية عن جمعية مفتوحة، جمعية في طور التكوين، حيث لم يكن التوافق شرطًا مسبقَا أو إجراءً طارئًا، بل كان نتيجة للتفاعلات بين المواطنين. برفضهم الطرق القانونية ولجوئهم إلى سياسة الإقصاء بوحشية، وبوضعهم الجمهورية في مواجهة المتمردين بدلًا من الحفاظ على مساحة مشتركة للنقاش؛ تخلى أعضاء مجلس الشيوخ عن هذه الفكرة، وأغلقوا الفضاء العام أمام التعددية، وبفعل العنف المتزايد، الذي سرعان ما تغلغل في العلاقات الاجتماعية جميعها، ومجالات المجتمع والسلطة كلها، انكمشت هذه المساحة شيئًا فشيئًا حتى اختفت تمامًا Res publica periit… اليوم، تهدد خطابات الإقصاء، والمطالب غير القابلة للتفاوض، والعنف الاجتماعي، وتصاعد معاداة السامية والعنصرية الفضاء العام: حتى الماضي بات يشكل قضية سياسية، بدلًا من أن يكون موضوعًا لخطاب نقدي؛ فمن جهة، يرفض النشاط السياسي إعطاء أي مكان لمن يعد “الآخر غير الشرعي”، سواء كان هذا الآخر من الحاضر أو من الماضي، ومن جهة أخرى، تبدو التدابير الاستثنائية وكأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على إنهاء العنف. ينبغي علينا استعادة معنى “التعايش مع الآخر”، ضد كل محاولة لمصادرة الفضاء العام، والذي أشار إليه القدماء بوصفه نوعًا من “السيطرة”،(dominatio) أي الطغيان.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




