ترجمة: بندر التليدي
وعي الشركات لأهمية دور لجان مجلس الإدارة تعينها في أمور الحوكمة.
بقلم: راندال بيترسون وبيدرو فالكاو
قد ترسم لنا عبارة “الحوكمة الفعالة للشركات” لوحةً لمجلس إدارة مكتمل متحلّقين حول طاولة، ولكن معظم العمل والجهود تنجزه وتشتغل به لجان مجلس الإدارة، فاللجان مجموعات صغيرة تعمل في صمت وخفاء؛ إذ تتيح اللجان فرصًا للأشخاص للسؤال والاستفسار، والنظر في المقايضات، وفيها يتناقشون ويصوغون التوصيات لعرضها على مجلس الإدارة مكتمل العدد. ولأن اللجان مجموعات صغيرة، فعملها أساسي ووجودها مهم لزيادة إسهام كل مدير ومشاركته بالرأي والمشورة؛ لذا فمعظم المديرين يطيلون العمل في اللجان مقارنةً باجتماعات مجلس الإدارة.
إن التركيز على اجتماعات مجلس الإدارة بدلًا من اللجان لأمرٌ مؤسف، فهو يدل على قلة الأبحاث عن أهمية لجان مجلس الإدارة. وعلى مدى عقود من خبرتنا المهنية، ناقشنا وسألنا مئات المديرين، وبذلنا جهدًا مضنيًا لدعم لجان مجلس الإدارة والمشاركة فيها، فبعض تلك اللجان كانت ناجعة ونشيطة، غير أن الأغلبية لم يكونوا كذلك للأسف، فما الذي يميز اللجان الفعّالة عن غيرها؟
دور اللجان في مجالس الإدارة الفعّالة
اللجان أداةٌ مفيدة لإدارة مجالس الإدارة وزيادة قيمتها لعدة أسباب، وبادئ ذي بدء، فاللجان هي المنصة الأساسية لمشاركة المديرين وانخراطهم في المنظومة، فاجتماعات مجلس الإدارة لا يحبذها أعضاء مجلس الإدارة للمساهمة بكامل قواهم وأفكارهم، ولهذا الأمر أسبابه المختلفة، مثل: اختلاف شخصيات أعضاء مجلس الإدارة، أو عدم المبادرة لاحتواء الأعضاء الجدد أو التغافل عن رأي الأقلية، أو احتمال هيمنة بعض أعضاء مجلس الإدارة على الاجتماعات، حتى لو لم يعدّوا العدّة للاجتماع. فمثلًا، ينحو من يبحث عن المنزلة والمكانة، أي الأشخاص الذين يؤمنون بأن سمعتهم كافية لإقناع الآخرين، ويسعون لمغالبة الآراء المعارضة.
يغلب على اجتماعات مجلس الإدارة قِصَر مدتها، مما يسّهل الاعتماد على أحد الخبراء في الاجتماع لحل موضوع محدد، بدلًا من النقاش وطرح أسئلة مفصلة.
تؤثر قرارات مجالس الإدارة على عدة أشخاص من أصحاب المصلحة؛ لذا فرأي كل مدير له أهميته وقيمته، ولنتأمل مجلس إدارة لشركة ناشئة، فقد أجرت لجنة المكافآت دراسةً معياريةً مفادها أن راتب الرئيس التنفيذي الجديد دون المستوى المحدد. ولقد طرح المدير غير المتخصص في السوق أسئلة دقيقة عن تفاعل الموظفين والمستثمرين مع أي زيادة في الرواتب، مما ساهم في توقع الاعتراضات وحُسْن إدارتها.
سألنا أناسًا كثيرين عن آرائهم، وخرجنا بخمس طرق متميزة لضمان الاستفادة من لجان مجلس الإدارة وتسخير جل إمكانياتها.
١– مساعدة المديرين غير التنفيذيين الجدد على البوح بآرائهم
يتشارك المديرون بمختلف أفكارهم وثقافاتهم سمةً واحدة، ألا وهي القلق من المشاركة في الاجتماعات بما أنهم أعضاء جدد في مجلس الإدارة، فكل ما يأملون به هو تحقيق أثر حسن وسمعة طيبة عند بقية أعضاء مجلس الإدارة، أو تجنب ما يسوء الحاضرين على الأقل. الأمر ليس حكرًا على هؤلاء المديرين الجدد، بل إن المديرين ذوي المكانة والمنزلة الرفيعة اجتماعيًّا وثقافيًّا، كمن لديه خبرة في منصب الرئيس التنفيذي، أو أدار شؤونًا سياسية أو تنظيمية غاية في الأهمية، أو من له خبرة سابقة عتيقة في مجالس الإدارة، فكل هؤلاء يصرحون بشعورهم بالحرج في باكورة اجتماعاتهم؛ ولذا عادةً تقل إسهاماتهم وتأثيرهم في اجتماعات مجلس الإدارة مع قدراتهم الوافرة وإمكانياتهم الكثيرة.
غالبًا ما نلاحظ أن المديرين غير التنفيذيين يجتهدون في المشاركة حينما تتوافق خبراتهم مع عمل اللجان، فسعادتهم بهذا الأمر هي ما تدفعهم للمشاركة الفعّالة. كما أن تسمية أعضاء مجلس الإدارة في اللجان ومراعاة خبراتهم تعزز من رغبتهم في المشاركة ومناقشة الأفكار ونقدها نقدًا سليمًا مع أعضاء اللجان.
لا بد كذلك من توضيح ما يتوقع تحقيقه، وتحديد مهام كل مدير وعمله المتوقع في كل لجنة يشارك فيها، ودعوته والترحيب به للتعبير عن أفكاره وشكوكه؛ لذا فتوضيح هذه الأمور له أهمية بالغة في مساعدة المديرين التنفيذيين الجدد على الهدوء والطمأنينة، وعدم الحرج في الاستفسار، والتدقيق في السياسات والإجراءات الحالية، وتقليل مخاوفهم من احتمال الإساءة إلى المديرين الحاليين.
٢- الحرص على نجاح المديرين غير التنفيذيين من فئات اجتماعية مغلوب على أمرها
بما أن جميع المديرين غير التنفيذيين الجدد يجتهدون في بداية وظيفتهم للانضباط والعمل الجادّ والمشاركة الفعّالة، إلا أن قضية الفئات المغلوب عليها لها تاريخ معقّد وتأثير بيّن على النساء والمديرين المنحدرين من فئات مهمّشة، فالموظفون غالبًا ما يحتقرون مكانتهم الاجتماعية ويفضّلون أعضاء مجلس الإدارة الآخرين عليهم، أي يفضّلون الرجال البيض؛ لذا تنهج مجالس الإدارة الناجحة لتطوير أعضاء مجلس الإدارة الجدد بتنصيبهم رؤساء لجان، مما يفيد النساء والمديرين غير التنفيذيين المهمشين، حيث يُطلب منهم رئاسة إحدى اللجان في مستهل عملهم، مما يُعْلي مكانتهم بين أعضاء مجلس الإدارة، ويقرّبهم من مركز العمل في مجلس الإدارة، ويزيد من مساهماتهم.
إن العمل في هذه المهام ورئاسة اللجان تزيد من بروز هؤلاء المديرين المهمّشين وعرض مساهماتهم في مجلس الإدارة، باشتغالهم بدقائق المسائل وعملهم على مشكلات يعرفونها ويحسنون التعامل معها، فاشتغالهم بما يتقنونه يزيد من حبهم للعمل، فيؤثرون في اجتماع مجلس الإدارة بما أجادوه وأتقنوه في رئاسة اللجان.
٣- تحديد لجان مختصة للنظر في قضايا محددة
تقرر مجالس الإدارة وتحسم قضايا استراتيجية مستفيضة، قضايا ترتبط بحدث محدد يتطلب جهدًا ومعرفةً ووقتًا لبحثه وحلّه، ولا يتوافق مع الأسلوب والنظام الاعتيادي لاجتماعات مجلس الإدارة؛ لذا تعمد مجالس الإدارة إلى تخصيص لجان محددة عند ضيق الوقت وأهمية القضية.
تذكر المصادر التاريخية أن هناك ثلاث لجان في معظم مجالس إدارة الشركات: المراجعة والمكافآت والترشيحات، وبما أن العالم تشوبه كثير من المصاعب والتقلبات، فقد أضافت معظم مجالس الإدارة لجنة للمخاطر، وعملت على إضافات متخصصة أخرى، مثل لجنة الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة، ولجنة الابتكار واللجنة التقنية.
عمِل أحدنا في لجنة مخصصة في مجلس إدارة شركة كانت مهددةً بالاستحواذ عليها دون موافقة مجلس الإدارة، فأراد مجلس الإدارة تأخير وإرجاء أمر الاستحواذ محاولين الحفاظ على استقلالهم أو إيجاد مشترٍ بديل، ولكن كلما طال أمد العملية، زادت المخاطر على العمليات التجارية اليومية، فتمثل الحل في تقسيم مجلس الإدارة إلى لجنتين: لجنة الاستحواذ العدائي، ولجنة عمليات عادية تشرف على الرئيس التنفيذي والأعمال التجارية.
غير أن مجالس الإدارة غير مضطرة لمواجهة تهديدات وجودية لتخصّص لجان محددة، فمثلًا، قد تنشئ الشركات الناشئة في مجال علوم الحياة لجانًا علمية لتضمن اتباع المنظمة لبروتوكول تنظيمي معين، أو قد تنشئ شركة ما لجنة تقنية مخصصة لمراقبة إصلاح واستبدال أنظمة إدارة المعلومات فيه. ويمكن أن تفيد مسألة إنشاء لجان قصيرة الأجل لمعالجة قضايا محددة في تعزيز وحثّ مساهمات أعضاء مجلس الإدارة بانضباط وفاعلية، وتمنح اللجان المخصصة أعضاء مجلس الإدارة الموارد اللازمة لتسريع العمل وتجويده ليتمكنوا فيما بعد من إطلاع كامل مجلس الإدارة على عملهم.
لا بد من توضيح أهداف واختصاصات كل لجنة من لجان مجلس الإدارة، لكن اللجان المخصصة لهدف معين تحتاج إلى تحديد نطاق عملها وضبطه لتجنب الغموض وتداخل المهام وضمان رضا مجلس الإدارة لاختيار أعضاء اللجان.
٤- الاستعانة بخبراء من خارج الشركة
إن تنوع المعلومات والآراء أمرٌ مرتبط دائمًا بعمل مجلس الإدارة، غير أنّ التحدي يكمن في صعوبة تحصيل آراء مختلفة ومتنوعة المشارب، ويزيد الطين بلة قلة المشاركين في اللجان، فقد تكون هناك مواضيع تستلزم البتّ فيها، ولكن ليس هناك من يفطن لها بين أعضاء مجلس الإدارة، مثل موضوع الذكاء الاصطناعي أو الاستدامة أو الأنظمة الحكومية؛ لذا يلزم استقطاب من يفهمها من خارج الشركة.
قد يكون هناك خبراء ومتخصصون في الشركة، ولكن قد تحتاج الشركة للبحث عن خبراء خارج حدودها، فمثلًا، أشرتُ على إحدى لجان المخاطر إلى طرق لاكتشاف ممارسات الحوكمة الخاطئة في بعض لجان مجلس الإدارة لتجنب أسباب فشل اللجان الأخرى، وقد اضطرت هذه اللجنة للبحث عن خبراء من خارج الشركة؛ لأن الاعتماد على أي موظف أو مدير من لجنة أخرى من لجان مجلس الإدارة سينتج عنه ربما تضارب مصالح واضح.
فعندما يحتاج مجلس الإدارة إلى الاستفادة من خبرات أناس من خارج الشركة والاستئناس برأيهم، فقد يحسن بهم إرسال مدير واحد للقاء ذلك الخبير على انفراد والاستماع لرأيه مما يقصّر الوقت والجهد، غير أن الدلائل تشير إلى أن اللجان ومجالس الإدارة غالبًا ما ترفض الخبرات الخارجية التي تطعن وتشكك في عمل المجلس، خصوصًا حينما يكون مصدر الخبرة شخصًا واحدًا، وعندما تُعرض هذه المعلومات على جملة الأعضاء، يرجح أن تقبل اللجنة المعلومات الجديدة ويُجمع عليها الأعضاء، فيتكاتفون لمجابهة الإشكال وفك عقده.
٥- تقييم أداء اللجان وعملها
لا بد من الانتظام في تقييم مجالس الإدارة؛ إذ توصي الجهات التنظيمية بتقييم داخلي كل سنة، وتقييم خارجي كل ثلاث أو أربع سنوات، وعادة ما تقيس هذه التقييمات ثقافة مجلس الإدارة، والعلاقات بين الأعضاء والإدارة، وفاعلية سياسات وإجراءات مجلس الإدارة، ومستوى التحدي والتنافسية الذي ينتجه أعضاء مجلس الإدارة للفريق التنفيذي، وجودة مناقشات الاجتماعات، وجودة القرارات، غير أن الغريب في الأمر أن اللجان غالبًا ما تستبعد من عملية التقييم.
يجب تقييم المهام الرئيسية للجان ومجالس الإدارة على حد سواء، بما في ذلك ثقافتها وحسن أعمالها وعلاقات أعضائها وجودة قراراتها؛ لأنه قد تتباين وتختلف أحيانًا. وإن تقييم اللجان قد يكشف عن جوانب مختلفة مثل آراء الأعضاء وعلاقاتهم وتصرفاتهم، وقد يُستبعد الرئيس التنفيذي من اللجان وكذلك المديرون التنفيذيون الآخرون وأحيانًا رئيس مجلس الإدارة، مما ينتج عنه أسلوبُ عملٍ مختلف عما كان عليه الأمر في وجود كامل مجلس الإدارة. وإن التقييم الحسن لمجلس الإدارة يؤكد على أهمية اللجان ودورها في الحوكمة الفعالة ويركّز على جودة عملها.
الخلاصة: ينسى البعض الدور الأساسي الذي تساهم به اللجان في حوكمة الشركات، فمجالس الإدارة الفعّالة تستفيد من لجانها لإشراك المديرين غير التنفيذيين الجدد وتطويرهم واستبقائهم، فتحصد المجالس فوائد ومنافع كثيرة مما يضيفه ويسهم به كل مدير، وتُحصّل جودة في القرارات، مما يجود عمل الشركة، وإننا نهيب بمن يهمه الأمر التركيز على لجان مجلس الإدارة، فهي المحرك الأساسي لمعظم أعمال مجلس الإدارة، بدلًا من التركيز على اجتماعات مجلس الإدارة فقط لفهم جودة الحوكمة الفعالة للشركات.
مواضيع مشابهة:
القيادة، حوكمة الشركات ومجالس الإدارة، التعاون والتكاتف.
نبذة عن الكاتبين:
- راندال بيترسون، بروفيسور في تخصص السلوك التنظيمي ومدير أكاديمي في معهد القيادة في كلية لندن للاقتصاد.
- بيدرو فونتيس فالكاو، أستاذ مشارك خبير بالتفاوضات في معهد جامعة لشبونة والمدير المعاون في برنامج التعليم التنفيذي وماجستير إدارة الأعمال التنفيذي في الجامعة.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




