ترجمة: أثير القحطاني
بقلم بوبي توماسون وتراسي سيتزمان
يجب على القادة معالجة أوجه عدم المساواة بشكل مباشر، والتخلص من مخاوف “اليقظة” لبناء أماكن عمل عادلة ومتنوعة ومزدهرة.
بينما يستمر الجدل حول مصطلح “اليقظة”، يواجه قادة الأعمال تحديات في فهم معناه ودلالاته. (تنويه: “اليقظة” تعني الوعي بالظلم وعدم العدالة). لقد تبع العديد من المديرين التنفيذيين المحافظين مثال السياسيين في استخدام هذا المصطلح كأداة هجومية، متهمين الآخرين بالإصابة بـ”فيروس العقل اليقظ”، أو زاعمين أن الاهتمام بـ”تنوع اليقظة” يتجاهل النتائج الاقتصادية. ومع ذلك، حتى المديرون التنفيذيون المعتدلون سياسيًّا أصبحوا سريعين في رفض هذا المصطلح. حيث أوضح لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك الرائدة في مجال الاستثمارات متعددة الجنسيات، والذي يقود بدوره الجهود العالمية لتعزيز الأهداف البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات ((ESG. ففي رسالته السنوية إلى نظرائه من الرؤساء التنفيذيين في عام 2018م، سأل فينك: “ما الدور الذي نلعبه في المجتمع؟ كيف ندير تأثيرنا على البيئة؟ هل نعمل على خلق قوة عمل متنوعة؟” استمرت بلاك روك في قيادة الجهود لجعل ESG ركيزة رئيسية في الاستثمار، وتبدو تلك الجهود واعية اجتماعيًّا، ومع ذلك، أصر فينك على أن تلك المبادرات “ليست استيقاظية” (أي ليست نتيجة للاتجاهات الاجتماعية المتطرفة أو المبالغة في الوعي).
أو خذ على سبيل المثال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان تشيس. في أعقاب مقتل جورج فلويد في صيف عام 2020م، شارك ديمون شخصيًّا في وقفة تضامنية مع موظفيه في أحد فروع البنك في نيويورك، كما أرسل مذكرة إلى جميع موظفي الشركة أكد فيها: “نحن ملتزمون بمكافحة العنصرية والتمييز أينما وكيفما وجدا”. ومع ذلك، قام ديمون بجهود ملحوظة مثل فينك لفصل مفهوم رأسمالية أصحاب المصلحة عن الوصف الاستيقاظي، ورغم ذلك، فقد أظهر وعيه بالتفاوت والظلم من خلال التزاماته، بما في ذلك استثمار جي بي مورغان تشيس البالغ 30 مليار دولار لتعزيز العدالة العرقية.
من اللافت للنظر تردد قادة الشركات في تبني مصطلح “اليقظة”، رغم أن الوعي بالظلم والتمييز يتماشى مع التزاماتهم المتزايدة تجاه القضايا الاجتماعية الواعية، وهو ما يعد أحد العوامل التي أسهمت في تطور هذا المصطلح. ففي القرن الحادي والعشرين، برز مصطلح “اليقظة” كمفهوم رئيسي لدى الأمريكيين من أصل إفريقي في نضالهم ضد وحشية الشرطة والتمييز العنصري. ومع ذلك، في السنواتخ الأخيرة، تمت إعادة تشكيله ليصبح أداة يستخدمها التيار اليميني المحافظ في خوض ما يُعرف بالحروب الثقافية. حيث تظهر نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة أن غالبية الأمريكيين يفهمون مصطلح “اليقظة” على أنه يشير إلى “الاطلاع، والثقافة، والوعي بالظلم الاجتماعي”، بدلًا من أن يُنظر إليه كدعوة للمبالغة في تصحيح السياسات. ومع ذلك، يتبين أيضًا أن الكثيرين يرون في وصف شخص بأنه “متيقظ” أكثر من مجرد إهانة، مما يجعله غالبًا لا يُعد مجاملة.
يُعدّ الوعي والانتباه لقضايا الظلم واللامساواة معيارًا خالدًا ينبغي على جميع القادة السعي للوصول إليه. فعندما يتوقف القادة عن التلاعب اللفظي ويعترفون بانتشار الظلم في عالم الأعمال، سيكون بإمكانهم الاعتماد على الأدلة العلمية الدقيقة لقيادة المساعي الرامية إلى جعل منظماتهم أكثر عدلًا. وعلى الرغم من أن استعادة مفهوم “اليقظة” قد يبدو أمرًاعبثيًّا، كمن يحاول الإمساك بقطار هارب، فإن الحاجة الملحة لمعالجة قضايا اللامساواة في أماكن العمل وما يتجاوزها تظل أمرًا لا يمكن تجاهله.
كيف وصلت اليقظة إلى هنا؟
من حالة الاستيقاظ إلى الوعي الثقافي، هكذا تطوّر مفهوم “اليقظة” بفضل رائد هذا المصطلح، الكاتب الأمريكي الإفريقي ويليام ميلفين كيلي. فقد كان أول من استخدم هذا المصطلح في عام 1962م في مقاله الشهير في صحيفة “نيويورك تايمز” بعنوان “إذا كنت مستيقظًا، فأنت تدرك ذلك”. وقدّم كيلي تعليقًا تنبؤيًّا حول كيفية أن اختراع وإعادة اختراع اللغة العامية السوداء كانا في كثير من الأحيان ردًّا مباشرًا على الاستيلاء الثقافي من قبل الأمريكيين البيض.
ففي أعقاب أحداث فيرغسون المشحونة عام 2014م، شهدت عبارة “ابق متيقظًا” تحولًا دلاليًّا عميقًا ؛ حيث انتقلت من كونها تعبيرًا عن الوعي العام إلى رمز للتضامن مع حركة “حياة السود مهمة”، لتصبح بذلك جزءًا لا يتجزأ من قاموس أكسفورد الإنجليزي عام 2017م بمعناه الجديد: “اليقظة: صفة، في الأصل: مطّلع، على اطلاع. بشكل رئيسي: منتبه للتمييز العنصري أو الاجتماعي والظلم؛ ففي الآونة الأخيرة، غالبًا ما يستخدم في عبارة “ابق متيقظًا”. وقد أصبح المصطلح يُستخدم بشكل متزايد في وسائل الإعلام الرئيسية ومحادثات الأعمال.
ردًّا على الاحتجاجات الوطنية من أجل العدالة العرقية في عام 2020م التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد، تعهدت العديد من الشركات بمكافحة العنصرية النظامية. فعلى سبيل المثال، في عامي 2020م و2021م، تعهدت أكبر 50 شركة عامة في الولايات المتحدة ومؤسساتها الخيرية معًا بتخصيص 50 مليار دولار أمريكي لمعالجة قضايا التفاوت العرقي، وهو مبلغ غير مسبوق من حيث حجمه. فوفقًا لجمعية الموارد البشرية، شهد عدد الوظائف المتعلقة بالتنوع والإنصاف والشمولية (DEI) زيادة بنسبة 55٪ بعد الاحتجاجات الوطنية التي دعت إلى العدالة العرقية.
وبينما عملت الشركات على تعزيز تنوع فرقها، اكتشف العديد منها ما أثبتته الأبحاث على مدار عقود: التنوع قد يرفع مستوى ذكاء الفرق وزيادة ربحية الشركات. ومع ذلك، فإن جني هذه الفوائد يتطلب تنفيذًا دقيقًا وتوافر الظروف الملائمة.
بخلاف ذلك، قد يؤدي التنوع إلى تعقيد عملية التنسيق، وزيادة النزاعات، وتعميق التوترات الاجتماعية. ولا تقتصر هذه التحديات على حدود المنظمة فقط، بل تتجاوزها. فقد تعرضت بعض الشركات للانتقاد بسبب ما يُعرف بـ”غَسْل اليقظة”، وهو ترويج نشاط اجتماعي يتناقض مع ممارساتها الفعلية أو أهدافه، في حين تم انتقاد منظمات أخرى لمشاركتها فيما يُسمى بـ”رأسمالية اليقظة”، حيث يُستخدم النشاط الاجتماعي في الغالب لخدمة مصالحها الذاتية.
لا تزال بعض الشركات تواجه استهدافًا صريحًا من قبل السياسيين من خلال التشريعات “المعادية لليقظة “، ورغم أن تنفيذ أي تغيير تنظيمي يمثل تحديًا، فإن إدخال مبادرات التنوع يشكل تحديًا خاصًّا. فقد كشفت سنوات من البحث عن الآثار المترتبة على الانتقادات الحالية والانكماش في مبادرات التنوع. بداية، يأتي جزء من الرفض من أولئك الذين يعارضون هذه المبادرات. على سبيل المثال، هناك دلائل تشير إلى أن أيديولوجية التعددية الثقافية في المنظمات قد لا تُعد شاملة من قبل الموظفين البيض. ورغم أن التركيز على الجدوى الاقتصادية لمبادرات التنوع قد يساعد في تقليل حدة الانتقادات، إلا أنه لا يُلغيها تمامًا.
الجماعات الحاكمة تسعى إلى الاعتقاد بأن الأنظمة القائمة على الجدارة والفضائل الشخصية هي التي تحدد مصائر الأفراد، لذلك، يسعى دماغنا جاهدًا للحفاظ على هذا الاعتقاد. فقد أظهرت سلسلة من الدراسات أن جماعة البيض استفادت من الامتياز بتنصلهم من المشاركة، مدعين معاناتهم في محاولة لإنكار استفادتهم من الامتياز العرقي.
حيث ينبع الانتقاد أيضًا من أولئك الذين يهتمون فعلًا بمبادرات التنوع، ويضغطون على المنظمات لتكون أكثر فاعلية أو اتساقًا في أفعالها. وقد أشار موظفو عدة شركات، مثل أديداس وآبل وهوول فودز، إلى أن البيانات العامة لهذه الشركات الداعمة للمساواة العرقية لا تتماشى مع ممارساتها الداخلية وسياسات الترقية لذلك، فإن عمليات التسريح الأخيرة والمستمرة في قطاع التكنولوجيا، التي تستهدف بدورها أدوار التنوع والشمول (DEI)، وتشمل أيضًا عمالقة مثل أمازون وتويتر، جعلت الكثيرين يشككون في مدى صدق والتزام تلك الشركات بالوعود التي قطعتها قبل بضع سنوات فقط.
سواء أدركت شركتك الحاجة لاتخاذ خطوات إضافية وتطمح للمزيد، أو لم تبذل الجهد الكافي، أو قامت بمحاولات غير مكتملة، فإن الاستجابة الصحيحة يجب أن تكون في تعزيز الوعي بالظلم وتطبيق مبادرات فعّالة؛ لا في تقليل الوعي، أو إنكار الحاجة للتغيير، أو التهرب من المساءلة لأن البعض لا يشعر بالارتياح لوصفهم باليقظة الاجتماعية.
كيف يمكن للقادة والشركات امتلاك الوعي بالظلم؟
إذًا، كيف يمكن للقادة زيادة وعيهم بالظلم والعمل على معالجة التفاوتات العرقية والجندرية؟ ندعو القادة، على وجه الخصوص، إلى أن يكونوا واعين بمواقعهم الفردية وأثر أفعالهم الجماعية، وكخطوة أولى، يجب على القادة أن يتأملوا بعناية في علاقتهم بالظلم وانعدام المساواة، وكذلك في مفهوم اليقظة الاجتماعية.
يتطلب هذا التأمل الذاتي استكشاف افتراضاتهم ومشاعرهم وأفكارهم وإدراكهم حول العرق والهوية الاجتماعية. فمن إطار العمل الخاص بالمساواة الجندرية والعرقية الذي طورته تينا أوبي وبيث ليفينغستون، يظهر أن كلمة “استكشاف” مستعارة، لذلك، إذا شعر القادة بميل للتراجع عن تسمية “اليقظة الاجتماعية” أو التفاعل مع مبادرات التنوع والشمول، فيمكنهم الاستكشاف لاكتشاف السبب. هل هم قلقون من التسميات السياسية؟ أم يشعرون بأنه ينبغي عليهم بذل المزيد؟ هل يخشون ارتكاب أخطاء أو إثارة حساسيات عند التعامل مع القضايا الاجتماعية؟ من خلال زيادة وعيهم بتحيزاتهم ودوافعهم الشخصية، يستعد القادة لقيادة فعّالة في القضايا الاجتماعية.
تُعدّ هذه الخطوة الأولى تمهيدًا للقادة لتطبيق حلول تعالج التفاوت داخل مؤسساتهم. ومن الجدير بالذكر أنه إذا أراد القادة تحقيق ذلك، فهناك تدخلات مثبتة لتعزيز تنوع القوى العاملة والتقدم نحو العدالة. فليست كل مبادرات التنوع ذات فاعلية متساوية، وعلى المؤسسات أن تكون مطلعة على الأدلة حول كيفية تنفيذ مبادرات التنوع والشمول بفاعلية، ثم بناء الأدوار والهياكل على هذا الأساس. فعلى سبيل المثال، توظيف مسؤول رئيسي للتنوع يُعد خطوة مهمة، ويحقق أكبر أثر عندما يعمل هذا المسؤول جنبًا إلى جنب مع فرق عمل متعددة في جميع أنحاء المؤسسة.
تعدّ برامج التدريب على التنوع من التدخلات التي تعتمدها المؤسسات بشكل متكرر، ولكن فاعليتها تعتمد على كيفية تنفيذها. فعندما يُنظر إلى الموظفين كعوامل تغيير محتملة، يمكن أن يصبح التدريب على التنوع أداة قوية لتعزيز الشمول والتمثيل. أما إذا شعر الموظفون بأنهم يُعاملون كمذنبين أو وكأنهم يُوبّخون على سلوكيات غير مرغوبة، فإن التدريب يفقد فاعليته. وبمجرد أن يفهم القادة سبب تنفيذ هذه التدخلات وما الذي يرغبون في تحقيقه، يصبحون أكثر قدرة على اختيار المبادرات التي تتماشى مع أهدافهم.
يُعدّ هذا التدقيق الداخلي أيضًا تحضيرًا للقادة لمواجهة الآراء التي تتجاوز جدران مؤسساتهم. فعقب انهيار بنك سيليكون فالي SVB، ألقى بعض النقاد المحافظين باللوم على “يقظة” البنك كسبب لانهياره، لكن الواقع هو أن هناك قضايا أعمق كانت تتطلب انتباه البنك، ويجب على القادة والشركات أن يروا في انهيار SVB مثالًا على ضرورة عدم الانشغال بما يُسمى بـ “فزاعة اليقظة الاجتماعية”. ففي الحقيقة، تناولت العديد من المصادر كيف انهار البنك بسبب استراتيجيات استثمار ومخاطر جعلته يفتقر إلى السيولة الكافية لمواجهة سحب جماعي للأموال. علاوة على ذلك، كان SVB بعيدًا عن أن يكون نموذجًا مثاليًّا لمؤسسة متنوعة؛ إذ كان 6% فقط من موظفيه في الولايات المتحدة من ذوي البشرة السوداء، بينما كان مجلس إدارته المكون من 12 عضوًا يضم مديرًا واحدًا فقط من ذوي البشرة السوداء.
يلعب القادة دورًا حيويًّا في تعزيز بيئات العمل التي تقدر التنوع والمساواة والشمول؛ وهي صفات تؤدي بالفعل إلى بناء منظمات أكثر مرونة وقادرة على التكيف في مواجهة التحديات بصفتهم عوامل تغيير. وعلى الرغم من أنّ مصطلح “اليقظة الاجتماعية” قد تم تحريفه ليصبح سلبيًّا، فإن ذلك لا يعني أن على المؤسسات التوقف عن التحرك أو التهرب من الاعتراف بوعيها وجهودها في معالجة الظلم الاجتماعي.
لا أحد يريد لحياته أن تمضي غافلة، ولا قائد يرضى أن يُذكر عهده بالصمت أمام التحديات.
في عالمنا اليوم، يجب أن نكون يقظين للظلم الاجتماعي وعدم المساواة، وأن ندرك تأثيرهما في مكان العمل، وأن نسعى لإيجاد طرق لتفكيكهما داخل مؤسساتنا.
نبذة عن الكاتب
بوبّي ثوماسون، دكتوراه، أستاذ مساعد في العلوم السلوكية التطبيقية في كلية بيبرداين غرازياديو للأعمال.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




