نحتاج إلى نهج أكثر دقة للتنبؤ بالأداء الوظيفي.
ريب ريبل
ملاحظة المحرر: هذه المقالة جزء من سلسلة جديدة من MIT SMR حول تحليلات الأشخاص.
هل سبق لك أن خضعت لاختبار كفاءة أو اختبار شخصية في العمل؟ ربما كان ذلك جزءًا من طلب وظيفة، كواحدة من الطرائق العديدة التي حاول فيها صاحب العمل المحتمل معرفة أكنت الشخص المناسب. أو ربما خضعت له ضمن برنامج تطوير قيادي، في ملتقى لبناء فرق العمل خارج مقر الشركة، أو كاختبار في كتاب أعمال الأكثر مبيعًا. بغض النظر عن الظروف، كان الأمل على الأرجح متشابهًا: أن يكشف اختبار قصير عن رؤية عميقة حول من أنت وكيف تعمل، ما يؤدي إلى وظيفة مثالية، وقفزات غير مسبوقة في إنتاجيتك ومهاراتك الاجتماعية، وإمكاناتك بشكل عام.
كيف سار الأمر معك ومع مؤسستك؟
أظن أن النتائج كانت متباينة في أفضل الأحوال. من ناحية، يمكن لاختبار نفسي جيد أن يتفوق بسهولة على مراجعة السيرة الذاتية، والمقابلة في التنبؤ بالأداء الوظيفي والاستمرارية في العمل. على سبيل المثال، وجدت أحدث مراجعة لأبحاث استمرت قرنًا حول أساليب الاختيار أن اختبارات القدرات العقلية العامة (الذكاء) هي أفضل المؤشرات المتاحة للأداء الوظيفي، خصوصًا عند إقرانها باختبار النزاهة. ومع ذلك، فإن تقييم إمكانات المرشحين والموظفين يواجه تحديات كبيرة. سنستعرض بعضًا منها هنا.
مقاييس الأشخاص من الصعب إتقانها
على الرغم من الوعود التي تحملها هذه التقنيات، من الصعب قياس شيء معقد مثل الإنسان لعدة أسباب:
ليست كل التقييمات تجتاز اختبار المصداقية. تمت معايرة العديد من اختبارات الشخصية الموثوقة والصحيحة بعناية لقياس سمة أو أكثر من السمات التي تتنبأ بنتائج مهمة في العمل والحياة. لكن العديد من الاختبارات الأخرى لا تقدم أكثر مما يسميه بعض العلماء “هراء زائف العمق“. تبدو النتائج ملهمة وذات معنى، لكنها لا تشبه الحقيقة الموضوعية بأي حال.
غالبًا ما يختلف الناس عن أنفسهم أكثر من اختلافهم بعضهم عن بعض. صُمِّمت التقييمات النفسية التقليدية عادةً للمساعدة في معرفة هل كان الأشخاص الذين يتمتعون بقدر أكبر، أو أقل من صفة معينة (املأ الفراغ: الذكاء، أو الانبساطية، أو المثابرة، وما إلى ذلك)، يحققون نتائج أفضل في المجالات التي تهم المؤسسة أو الباحث. بعبارة أخرى، تهدف هذه التقييمات إلى رصد الفروقات بين الأشخاص. لكن عدة دراسات وجدت أنه خلال مدة أسبوعين، قد يكون هناك تباين أكبر داخل شخصية الفرد الواحد مقارنة بالتباين بين الأشخاص. كما ذكرت إحدى الدراسات: “الفرد النموذجي يظهر بانتظام وروتينية جميع مستويات جميع السمات تقريبًا في سلوكه اليومي”. الفروقات بين الأشخاص قد تكون كبيرة وذات معنى، لكن التغيرات داخل الشخص الواحد غالبًا ما يُقلَّل من شأنها.
الناس يتغيرون، وليس دائمًا في الوقت الذي تتوقعه. تكمن جاذبية اختبارات الكفاءة والذكاء والشخصية، في أنها تدعي إخبارنا بشيء ثابت ودائم عمن هم الأشخاص وما يمكنهم فعله. غالبًا ما يبذل واضعو الاختبارات جهودًا كبيرة للتأكد من أن من يخضع للاختبار أكثر من مرة، يحصل على نتيجة مماثلة في كل مرة. ومع ذلك، تشير أدلة قوية إلى أننا يمكننا أن نتعلم كيف نتعلم، وأحيانًا بطرائق لم نكن نتوقعها. كما يمكننا أيضًا تغيير شخصياتنا في اتجاه أو آخر (على الأقل إلى حد ما، وإن لم يكن دائمًا بلا تكلفة) من أجل فوائد قصيرة الأجل وأهداف طويلة الأجل. ومن المثير للاهتمام، أن دراسة حديثة شملت أكثر من 13,000 مشارك وجدت أن الناس يميلون لأن يصبحوا أكثر التزامًا مباشرة قبل حصولهم على وظيفة جديدة، وهو ما يصادف عادة الفترة التي يحاول فيها مدير التوظيف معرفة مدى اجتهادهم إذا حصلوا على الدور.
قد تكون طبيعة المهمة أكثر أهمية من طبيعة الشخص. معظمنا سمع النظرية التي تقول إن لكل منا أسلوب تعلم مفضلًا، وكلما استخدمنا الأسلوب الذي يناسبنا أكثر، تذكرنا المعلومات بشكل أفضل. للأسف، لا يوجد تقريبًا أي دليل يدعم هذه النظرية. هذا لا يعني أن جميع طرائق الدراسة فعّالة بالقدر نفسه؛ بل إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية غالبًا ما تعتمد على المهمة أكثر من اعتمادها على الشخص. وبالمثل، يمكن لأجزاء مختلفة من شخصياتنا أن تخدم أنواعًا مختلفة من الأهداف. نتصرف بانفتاح عندما نرغب في التواصل مع الآخرين أو اغتنام فرصة، ونصبح منضبطين عندما نريد إنجاز شيء أو تجنب الأخطاء. في إحدى الدراسات، ظهر الضمير الحي بشكل خاص عندما كانت المهام التي يجب إنجازها صعبة وملحّة، حتى بالنسبة للأشخاص الذين لم يكونوا منظمين، أو مجتهدين بشكل خاص عادةً.
يمكن قراءة هذه القائمة من التحديات على أنها إقناع بأن تحليلات الأشخاص مهمة عبثية. لكن ذلك يتجاهل حقيقة أن كل واحدة من هذه التحفظات اكتُشِفت من خلال تحليل دقيق لبيانات الأشخاص.
بدلًا من ذلك، ربما يكون من الأكثر فائدة أن نتذكر ما قاله عالم النفس المتخصص في الشخصية براين ليتل، مستلهمًا من عالم النفس هنري موراي والأنثروبولوجي كلايد كلوكهون، في خطابه الشهير على TED: “كل واحد منا… من بعض النواحي، مثل جميع الناس الآخرين، مثل بعض الناس الآخرين، ومثل لا أحد غيره”. بعبارة أخرى، تحليلات الأشخاص تحتاج إلى أن تتضمن تحليلًا أفضل للشخص نفسه.
ما الذي يتطلبه الأمر للوصول إلى مستوى أكثر تفصيلًا؟
كيف يمكن أن تبدو تحليلات الأشخاص الأفضل؟
أولًا، يجب أن نأخذ السياق في الاعتبار. غالبًا ما تروج الشركات التي تبيع التقييمات الجاهزة لآلاف المهنيين المتنوعين الذين أجروا استباناتهم بالفعل، لإثبات أنها تصلح لجميع أنواع الأشخاص والظروف. قد يكون الجهد الكبير في التحقق دليلًا على أداة عامة لا تقدر بثمن، لكن ذلك لا يعني أنها مناسبة لكل وظيفة. أحيانًا تتطلب الحالة التخصيص.
فكر في مشروع نفذه فريق أبحاث تحليلات الأشخاص في وارتون مع مؤسسة Global Health Corps (GHC)؛ وهي مؤسسة تطوير قيادي تهدف إلى تحسين العدالة الصحية. كل عام، تقوم GHC بفرز آلاف الطلبات للعثور على أكثر المرشحين وعدًا لزمالات مدتها عام واحد، وكان لدى فريق الإدارة حدس بأن سمة شخصية معينة قد تكون مؤشرًا على أداء الزميل في العمل. لذلك وضعنا عدة طرائق لقياسها. كانت أولاها مقياسًا عامًّا لهذه السمة طُوِّر وتُحقِّق منه، ونشره سابقًا في مجلة محكمة، أما الثانية فكانت اختبارًا جديدًا للحكم على المواقف (SJT) طورناه مع GHC، حتى نتمكن من البحث عن أدلة على هذه السمة في كيفية استجابة الأشخاص لعدد من السيناريوهات ذات الصلة بالعمل. كما جربنا تحليلًا لغويًّا أكثر تقدمًا لتحديد مؤشرات هذه السمة في مقالات المتقدمين. وبينما كان للمقياس المعتمد أفضل الأدلة، وكان التحليل اللغوي الأكثر تطورًا تقنيًّا، فإن اختبار الحكم على المواقف كان في النهاية المؤشر الوحيد المهم لأداء المرشحين في العمل.
عند التفكير في سبب نجاح هذا الاختبار، نعتقد أن الأمر لا يعود فقط إلى أن اختبار SJT أخذ في الحسبان السياق الفريد للمؤسسة؛ بل لأنه أيضًا التقط مدى ظهور هذه السمة في عديد من المواقف المختلفة، وليس فقط في المتوسط. المقاييس المخصصة ليست دائمًا هي الحل، لكن أحيانًا يكون السياق مهمًّا حقًّا.
بعد ذلك، سنصمم مقاييس جديدة مع مراعاة التغير والتنوع. بالنظر إلى النتائج المذكورة أعلاه حول مدى تغير سلوك الأشخاص من موقف إلى آخر، قد يبدو من المفارقات محاولة إيجاد شيء ثابت في شخصية الإنسان. لكن مجرد أن الشخصية ديناميكية لا يعني أنها غير قابلة للاكتشاف. اقترح بعض الباحثين استخدام استبانات “إذا-فإن” للكشف عن أنماط دقيقة في ملف شخصية كل فرد، على الرغم من أن هذه الأساليب لم تُختبر جيدًا بعد في بيئة العمل. قد يكون النهج الأفضل هو أخذ قياسات متكررة من الموظفين أنفسهم بمرور الوقت. وغالبًا ما يكون ذلك أسهل قولًا من فعل، نظرًا للتحديات التي تواجهها العديد من المؤسسات في جعل الموظفين يملؤون حتى استبانة واحدة. ومع ذلك، إذا تُجووِزَت مشكلة المشاركة، يمكن أن تؤدي القياسات المتكررة إلى رؤى —حول ما يكون عليه الأشخاص عمومًا والطرائق التي يختلفون بها— لا يمكن للاستبانات لمرة واحدة أن تولدها ببساطة. في وقت سابق من هذا العام، على سبيل المثال، اتخذت الباحثة جينيفر غرين وزملاؤها من جامعة جورج ميسون نهجًا مبتكرًا لفهم العلاقة بين شخصيات الموظفين وسلوكات المواطنة المؤسسية لديهم (تلك الطرائق الإضافية التي غالبًا ما لا تحظى بالتقدير الكافي، والتي يدعم بها الموظفون زملاءهم ومؤسساتهم فوق واجباتهم الوظيفية). من خلال استخدام منهجية أخذ عينات الخبرة، حيث جمعوا تقارير متعددة من أكثر من 150 موظفًا على مدار عشرة أيام عمل، تمكنوا من إظهار أن الموظفين ذوي الشخصيات الأكثر اتساقًا كانوا، بدورهم، أكثر اتساقًا في تجاوز حدود الواجب، حتى بعد التحكم في ميولهم العامة. وفي الوظائف التي يكون فيها الاتساق مفتاحًا للنجاح، جادل هؤلاء الباحثون بأن القياسات المتكررة تتيح فرصة لإيجاد الاستقرار في تباين شخصيات الموظفين.
أخيرًا، كنا سنمنح الأشخاص بياناتهم الخاصة بطرائق تساعدهم في التطور. رغم أن معظم الموظفين لن يمتلكوا المهارات، أو حتى الاهتمام بتتبع وتحليل بياناتهم الخاصة، فإن هذا لا يعني أنهم لن يكونوا قادرين على استخدامها إذا لُخِّصت بشكل جيد، وعُرِضت بوضوح.
لقد جرى تصميم بعض الأدوات خصيصًا لهذا الغرض. على سبيل المثال، تعد Microsoft MyAnalytics إضافة إلى Office 365 تهدف إلى تقليل عبء الإرهاق التعاوني، من خلال إرسال تقارير عن جدولك الزمني وأنماط تواصلك. وبينما توجد تلميحات وتوصيات مدمجة، فإن الفرضية الأساسية وراء هذه الخدمة، هي أن تزويدك بملخص لبياناتك الخاصة سيساعدك في تحديد استراتيجياتك الخاصة لتحسين حياتك العملية. وبطريقة مماثلة، حصلت شركة Ambit Analytics على تمويل تمهيدي في أوائل عام 2018م، لتقنيتها التي تستخدم تحليل الصوت في الوقت الفعلي لتدريب المديرين مباشرة على مهاراتهم في التواصل. وبينما لا تزال الجدوى والمنفعة طويلة الأمد لهاتين الأداتين قيد التقييم، فإنهما تشيران إلى إمكانات منح الأفراد مزيدًا من الفرص للتعلم من بياناتهم الخاصة.
بالتأكيد، إن اتباع نهج أكثر تفصيلًا في تحليلات الأفراد يحمل مخاطرة. فمن جهة، نظرًا لأن الأفراد يمكن التعرف إليهم بسهولة أكبر من خلال بياناتهم، فقد تصبح الخصوصية مصدر قلق أكبر مما هي عليه عادة، وهذا قلق مشروع، ويؤكد الحاجة إلى اليقظة. يجب على المؤسسات تطوير سياسات وممارسات قوية لتنظيم جمع البيانات والوصول إليها، واستخدامها بشكل أخلاقي. كما يجب أن تكون شفافة مع الموظفين؛ ليس فقط بشأن أنواع البيانات التي تُجمَع، بل أيضًا بشأن ما تكشفه هذه البيانات عنهم. يجب أن تكون الحوارات المفتوحة والمستمرة حول تكاليف وفوائد التحليلات الأكثر تخصيصًا شائعة بقدر شيوع بيانات الخصوصية القانونية التي كثيرًا ما ينقر الناس عليها دون قراءة.
أما القلق الأكبر فهو خطر التخصيص المفرط. تميل المؤسسات إلى انحياز التفرد غير الدقيق غالبًا، حيث تفترض أنه لم تكن هناك مجموعة أخرى من العاملين مماثلة لهم تمامًا. قد يؤدي ذلك إلى مواقف كتلك التي وجدت نفسي فيها قبل عدة سنوات، عندما سألني قادة كبار من مؤسستين مختلفتين —في الأسبوع نفسه— عن فكرة قياس مستويات “المثابرة” لدى موظفيهم. عندما شرحت أن المثابرة عادة ما تُقاس بالشغف والمثابرة لتحقيق الأهداف طويلة الأمد، سارع كل منهما إلى القول إنهم يعرفونها بشكل مختلف في سياقهم. قالت إحداهن إنها تتعلق حقًّا بالمرونة والإصرار في مؤسستها غير الربحية؛ في حين أصر الآخر على أن الطموح هو جوهرها. ربما حدد كل منهما سمات مهمة لمؤسسته؛ لكن المشكلة كانت أن كليهما أصر على أنه يريد قياس شيء يسمى “المثابرة”. إذا بدأت القياسات المصممة خصيصًا والتي تحمل أسماء متطابقة في الانتشار، فسيصبح من الصعب علينا جميعًا التحدث بعضنا مع بعض، والتعلم بعضنا من بعض.
وفي النهاية، فإن التعلم هو السبب الأساسي لتحليلات الأفراد. تستثمر المؤسسات فيها لأنها تأمل أن تخبرها بشيء عن موظفيها الحاليين أو المستقبليين، من شأنه أن يزيد من احتمالية بناء علاقات طويلة الأمد ومنتجة معهم. ويتفاعل الموظفون معها عندما يكون لديهم توقع معقول بأنها قد تكشف لهم شيئًا عن أنفسهم، وعمن قد يصبحون عليه في مسيرتهم المهنية. كلا هذين الهدفين سيخدم بشكل أفضل إذا سعينا لفهم أكثر دقة لإمكانات الإنسان.
عن الكاتب
ريب ريبل (@rebrebele) هو زميل أبحاث أول في مبادرة تحليلات الأفراد بكلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، وطالب دكتوراه يدرس عمليات الشخصية في جامعة ملبورن بأستراليا.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




