يمكن للشعور بالهدف الذي يتجاوز تحقيق المال أن يحفز الموظفين، ولكن للحفاظ على كل من الشعور بالهدف ومستوى قوي من الربحية على المدى الطويل، تحتاج الشركات إلى الانتباه إلى عدة مبادئ تنظيمية أساسية.
جوليان بيركنشو، ونيكولاي جي. فوس، وزيجوارت ليندينبرغ
إنها فكرة قديمة: إذا كنت تريد بناء شركة تحفز موظفيها حقًّا، فلا بد أن يكون لديها شعور بالهدف. الهدف، وفقًا لراتان تاتا، الرئيس التنفيذي المتقاعد حديثًا لمجموعة تاتا Tata Group، هو “دعوة روحية وأخلاقية إلى العمل؛ إنه ما يمثله الشخص أو الشركة”. عندما يوجد مثل هذا الهدف، فإنه يمنح الموظفين إحساسًا واضحًا بالاتجاه، ويساعدهم على تحديد الأولويات، ويُلهمهم لبذل جهد إضافي؛ وهذا، كما يُقال، يجب أن يكون في النهاية مفيدًا للأرباح.
يتجاوز الهدف، بطبيعته، تحقيق المال: إنه يتعلق باجتماع الناس معًا للقيام بشيء يؤمنون به، والسماح للأرباح بأن تأتي كنتيجة، وليست كغاية في حد ذاتها. لكن ثمة مفارقة هنا؛ من الصعب تحقيق الهدف في غياب المال، لذا يجب على المؤسسات الموجهة بالهدف؛ إما أن تعتمد على التبرعات وإما على الرعاة للبقاء (كما تفعل معظم الجمعيات الخيرية ومؤسسات الإغاثة)، وإما يجب أن تصبح مكتفية ذاتيًّا من خلال أرباحها الخاصة.
هل من الممكن أن تسعى الشركة إلى هدف أسمى في حين تحقق أيضًا أرباحًا قوية؟ لقد جادل البعض بأن السعي لتحقيق أهداف أخرى غير تحقيق المال يعني، بحكم التعريف، الإنفاق على أشياء لا تعظم الأرباح. وقد رد آخرون بأن الاستثمار في قضايا جديرة بالاهتمام، يعني أن الشركة تقوم بشيء ذي قيمة جوهرية سيحقق عائدًا طويل الأجل لجميع الأطراف.
لكن، في نهاية المطاف، هذا نقاش متكرر وممل، وهناك كثير من الأدلة لدعم كلا الجانبين. السؤال المهم ليس هل كان هناك بعض التوتر بين الهدف والأرباح؛ فهناك توتر بالفعل. بدلًا من ذلك، السؤال الذي يجب طرحه هو: كيف يمكن إدارة التوتر بين الهدف والأرباح بأفضل طريقة؟ وما الهياكل التي يجب أن تضعها الشركة لضمان ألا يطغى السعي وراء الأرباح قصيرة الأجل على الهدف الأعلى؟ وكيف يمكن للمديرين التنفيذيين التأكد من أن الموظفين يحتفظون بهذين الهدفين المزدوجين في أذهانهم بشكل يومي؟ وكيف يمكن تحقيق هذا التوازن على المدى الطويل؟
هذه المقالة مبنية على بحث أجريناه خلال السنوات الخمس الماضية حول التحديات التنظيمية المتعلقة بإدارة هدفين مختلفين في الوقت نفسه (انظر “حول البحث”). لقد اكتشفنا أن هناك بعض المبادئ التنظيمية الأساسية التي تساعد الشركة على الحفاظ على شعورها بالهدف بمرور الوقت، مع تحقيق مستوى قوي من الربحية. هذه المبادئ، بدورها، مبنية على منظور يُعرف بنظرية تأطير الأهداف. توفر نظرية تأطير الأهداف فهمًا عميقًا لسبب أن السعي وراء ما نسميه الأهداف “المؤيدة للمجتمع” –التي نعرفها بأنها الأهداف التي تتعلق بالعمل من أجل قضايا مشتركة تتجاوز مجرد تحقيق المال والبقاء في العمل– يخلق أساسًا تحفيزيًّا أقوى للعمل في المؤسسات، مقارنة بالسعي وراء الأهداف الذاتية التي تركز على المكاسب المالية، أو المتعة الشخصية.
تتبع المقالة الهيكل التالي: نقدم لمحة موجزة عن نظرية تأطير الأهداف، ثم نصف ثلاث شركات حافظت على التوازن بين الهدف والأرباح على مر الزمن. وبناءً على هذا المزيج من النظرية والأدلة، نصف بعد ذلك بعض الطرائق العملية لتطبيق هذه الرؤى داخل شركتك الخاصة.
حول البحث
تعتمد هذه المقالة على برنامج بحثي استمر خمس سنوات أجريناه لفهم كيف تضع الشركات طرائق مبتكرة لإدارة المتطلبات الاستراتيجية المتضاربة، أو “الثنائيات”؛ مثل الهدف مقابل الربحية، والتوافق مقابل القدرة على التكيف، والعولمة مقابل المحلية، والاستغلال مقابل الاستكشاف. أُجرِي هذا البحث تحت رعاية مختبر الإدارة في كلية لندن للأعمال، وقسم الإدارة الاستراتيجية والعولمة في كلية كوبنهاغن للأعمال. أجرينا أكثر من 80 مقابلة شخصية مع مديرين تنفيذيين من 15 شركة، مذكورة أدناه. كُتب بعض هذه الدراسات كحالات في منشورات أكاديمية وكتب، في حين استُخدم البعض الآخر كمواد تعليمية. بالإضافة إلى ذلك، أجرينا أبحاثًا تجريبية ونظرية حول تأطير الأهداف، وهي النظرية النفسية الرئيسة وراء الأفكار الواردة في المقالة (انظر الحواشي للمراجع المتعلقة بهذا العمل).
الشركات التي أجرينا مقابلات مع مديريها التنفيذيين لهذا البحث هي: جريدة الغارديان نيوز آند ميديا، وإتش سي إل تكنولوجيز، وإيكيا، وإيرديتو، وشراكة جون لويس، ومجموعة ليغو، وإن آر إم إيه، ونوفو نورديسك، وروش، وريو تينتو، وسيفينث جنيريشن، وسفينسكا هاندلسبانكن، ومجموعة تاتا، وَوُول فودز ماركت، ودبليو إل جور آند أسوشيتس.
كيف تؤثر أهداف الشركة في سلوك الموظفين؟
يتطلب فهمُ كيف تؤثر أهداف الشركة في أدائها، فهمَ ما الذي يحفز سلوك الموظفين على أساس يومي. من المهم أن يكون الأفراد محفزين لأداء عملهم بشكل جيد، لكن الشركة التي لديها هدف أسمى، تطلب منهم عادة أن يتبنوا رؤية أوسع، وأن يؤثروا في جهدهم المشترك نحو تحقيق أهداف عامة. الجهد التعاوني من هذا النوع، يتطلب أكثر بكثير من مجرد أداء المهمة بشكل جيد؛ فهو يحتاج أيضًا إلى فهم والتزام بالهدف المشترك، ويتطلب مرونة في استخدام الذكاء، خصوصًا عند ظهور مواقف جديدة. لهذا النوع من العمل، يجب أن يكون الموظفون محفزين بطريقة خاصة.
هناك العديد من الآراء المتداخلة جزئيًّا حول ما الذي يدفع التحفيز في الشركات، ومع ذلك، فإن معظمها لا يتناول الروابط بين أهداف الشركة والدوافع الفردية؛ أي ما الذي يحفز الموظفين على التصرف بطرائق تساعد -أو لا تساعد- الشركة أو المجموعة التي ينتمون إليها. وهناك وجهة نظر أقل شهرة، ولكنها ذات صلة كبيرة تتناول هذه القضايا تناولًا مباشرًا؛ وهي نظرية تأطير الأهداف.
تبدأ نظرية تأطير الأهداف من فكرة أن الناس، في أي لحظة، لديهم مجال رئيس من الاهتمام، يجعلهم يركزون على جوانب محددة من عملهم، ويهملون جوانب أخرى. عندما يهتم الموظفون بالشعور بالرضا، فإنهم سيبحثون عن الجوانب الممتعة في عملهم، أو عن النشاط الذي يثير حماسهم فعلًا، وسوف يهملون الأمور التي يشعرون بأنها مملة، أو غير مؤكدة قليلًا. يُطلق على هذا هدف “اللذة” hedonic. وعندما يكون الاهتمام الرئيس هو الدخل و/أو الترقية، سيركز الموظف على الفرص لكسب مال إضافي، أو ترك انطباع جيد يساعد على زيادة فرص الترقية، وسيهمل الجوانب الأخرى من العمل. يُطلق على هذا هدف “الكسب”. وعندما يكون الاهتمام الرئيس تحقيق هدف مشترك، مثل إطلاق منتج ضمن جدول زمني ضيق، أو إنجاح حملة لجمع التبرعات، سيركز الموظفون تركيزًا أساسيًّا على هذا الهدف، وسيقللون من أهمية الاسترخاء، أو كسب مزيد من المال، أو الحصول على منصب أفضل. يُطلق على هذا هدف “اجتماعي-تعاوني”. وجوهر الهدف الاجتماعي-التعاوني أنه يحفز الموظف على أن يسأل: “ماذا يجب أن أفعل لكي ننجح نحن؟”، بدلًا من “ماذا يجب أن أفعل لكي أتقدم أنا؟”، أو “ما أكثر شيء ممتع يمكنني فعله؟”.
ما العوامل التي تؤثر في قوة هذه الأنواع الثلاثة من الأهداف نسبيًّا؟ من الواضح أن الفروق الفطرية بين الأفراد تؤدي دورًا، لكن التأثير الأقوى عادة هو المحفزات الفورية التي يتلقاها الموظفون من محيطهم في بيئة العمل، ومن رؤسائهم. إذا كان الحديث كله يدور حول حجم المكافأة السنوية، فسوف يهيمن هدف الكسب مباشرة على الأهداف الأخرى. لكن العديد من الشركات ترغب في أن يساعد موظفوها المؤسسة على تحقيق الأهداف المشتركة، بدلًا من إعطاء الأولوية للكسب الشخصي أو المتعة في العمل. لذا، يصبح التحدي هو كيفية جعل هذه الأهداف المشتركة أكثر وضوحًا ومعنى للموظفين في جميع أنحاء الشركة. إلى حد كبير، يتعلق الأمر بمحاولة نقل هدف الشركة للموظفين، حتى يتمكنوا من رؤية كيف تتكامل جهودهم مع جهود الآخرين لتحقيق الهدف العام للشركة. ويعمل هذا بشكل أفضل إذا كان الهدف اجتماعيًّا-تعاونيًّا، لأن ذلك يوفر رابطًا مباشرًا بين أهداف الشركة والتوجه الاجتماعي-التعاوني للموظفين.
لسوء الحظ، وهذه نقطة أساسية، فإن الدافع لتحقيق الأهداف الاجتماعية-التعاونية هش بطبيعته. يتطلب الأمر كثيرًا من الجهد لتأسيس هذه الأهداف والحفاظ عليها، وهي سهلة الإزاحة بأهداف الكسب أو اللذة. لا يوجد حل بسيط، لأن أهداف الكسب واللذة لا يمكن التخلي عنها بالكامل. العمل من أجل أهداف الشركة دون مكافأة ودون الشعور بالرضا، ليس اقتراحًا مستقرًّا على المدى الطويل. لذا هناك توازن دقيق مطلوب هنا، وتوفر نظرية تأطير الأهداف بعض الرؤى القيمة حول كيفية الحفاظ عليه.
كإرشاد أولي، يجب أن تعطي بيانات الشركة الأولوية للأهداف الاجتماعية-التعاونية على الأهداف المالية. على سبيل المثال، إذا كانت شركة منتجات طبية تسعى إلى “وضع المرضى في المقام الأول”، يجب أن يكون هذا الهدف في صدارة جميع الاتصالات الخارجية والداخلية. أما الأهداف المالية، فيجب التعامل معها بطريقة غير مباشرة أو جانبية؛ ويجب النظر إليها كنتيجة طبيعية لتحقيق الأهداف الاجتماعية-التعاونية، وليست كغايات بحد ذاتها. إذا أُعطِيت الأهداف المالية أهمية كبيرة، فإنها عادة ما تزيح الأهداف الاجتماعية-التعاونية.
ثانيًا، تعني هشاشة الأهداف الاجتماعية الإيجابية أنها بحاجة إلى تعزيز ودعم بشكل منتظم ومستمر من خلال أنظمة الحوافز والمكافآت، ومن خلال المحادثات والنقاشات غير الرسمية، ومن خلال الإدارة الرمزية، ومن خلال الهياكل الرسمية التي نسميها “أوزانًا مضادة”. فعلى سبيل المثال، يجب ربط المكافآت الفردية بأداء المجموعة أو وحدة العمل، أو الشركة ككل، وليس فقط بالنتائج الفردية. وينبغي للمديرين السعي للاعتراف بالسلوكات التي تدعم الأهداف الاجتماعية الإيجابية للشركة، وتسليط الضوء عليها، من خلال إدخالها في التقييمات السنوية والاحتفاء العلني، ومكافأة الموظفين الذين يسعون بنجاح لتحقيق الأهداف الاجتماعية الإيجابية للشركة. ومن دون هذا التعزيز، سيلاحظ الموظفون وجود فجوة بين متطلبات وظائفهم المباشرة والأهداف المعلنة للشركة، وستنتهي الأهداف الاجتماعية الإيجابية بأن تُستبدل بها أهداف الربح أو الأهداف اللذائذية hedonic.
نماذج الإدارة الاجتماعية الإيجابية المستدامة
تقدم نظرية تأطير الأهداف طريقة جديدة ومفيدة للنظر إلى التحديات التي تواجهها الشركات في مواءمة السلوك حول الأهداف. وقد وجدت أبحاثنا العديد من الشركات ذات هدف واضح، يُعبر عنه عادةً بمجموعة من الأهداف الاجتماعية الإيجابية؛ مثل إعطاء الأولوية للموظفين أو الاستثمار في المجتمعات المحلية. ولكن، في معظم الحالات، لم يكن هناك تأثير واضح في سلوك الموظفين الفعلي. وأحيانًا كان الهدف الاجتماعي الإيجابي مجرد مجموعة من الكلمات؛ في الواقع، مجرد قشرة فوق شركة مدفوعة بالربح.
وفي بعض الأحيان كان الهدف الاجتماعي الإيجابي حقيقيًّا في وقت ما من تاريخ الشركة، لكنه فقد معناه مع مرور الوقت مع بروز أهداف أخرى. ومع ذلك، وجدنا أيضًا عددًا قليلًا من الشركات الناجحة للغاية التي بدت أهدافها الاجتماعية الإيجابية حقيقية. (انظر “حول البحث” للحصول على قائمة بأسماء الشركات الخمس عشرة التي أُجريت معها المقابلات). ومن خلال التحدث مع الموظفين على مستويات متعددة ومراقبة سلوكهم والقيم التي يعتزون بها، استطعنا أن نرى أدلة على أن الأهداف الاجتماعية الإيجابية لهذه الشركات تؤثر في دوافع وسلوك الموظفين. نركز هنا على ثلاث حالات.
مصرف هاندلسبانكن Handelsbanken.
في قطاع البنوك الذي يعاني الأزمات، يبرز مصرف “سفينسكا هاندلسبانكن”، الذي تأسس في استوكهولم عام 1871م، كعملية ناجحة ومرنة بشكل استثنائي. فخلافًا لعدد من منافسيه، تمكن هاندلسبانكن من اجتياز الأزمة المالية السويدية في أوائل التسعينيات دون مساعدة حكومية، كما اجتاز السنوات الخمس الماضية من الاضطرابات بنمو مستمر في حقوق المساهمين لكل سهم، وبأفضل تقييمات لرضا العملاء.
كيف تمكن هاندلسبانكن من تحقيق هذا النجاح المستمر؟ إن هدفه الاجتماعي الإيجابي ليس مبتكرًا جدًّا: فهو ببساطة أن يكون مصرفًا متمحورًا حول العميل. وكما يعلن المصرف على موقعه الإلكتروني: “منذ أوائل السبعينيات، كانت بنية هاندلسبانكن لا مركزية بقوة، وتستند العمليات دائمًا إلى متطلبات العميل. وهذا يعني أن جميع القرارات المتعلقة بعلاقات العملاء الأفراد مع البنك تُتخذ بالقرب من العميل”.
لكن بدلًا من الاكتفاء بالكلام عن التركيز على العميل، شيَّد هاندلسبانكن نموذجًا إداريًّا يدعم أهدافه. أولًا، هيكل البنك لا مركزي بدرجة كبيرة، فلدى مديري الفروع الفردية حرية أكبر بكثير فيما يتعلق بالقروض ورواتب الموظفين، مقارنة بما هو معتاد في القطاع. ويقلل ذلك من تكلفة نقل المعلومات ويدعم الاستجابة السريعة لظروف السوق المتغيرة. كما كان البنك رائدًا في حركة “ما بعد الميزانية”؛ فقد انتقل بعيدًا عن تحديد الميزانيات من الأعلى إلى الأسفل، وأصبح يتوقع من مديري الفروع تحديد أهدافهم بأنفسهم.
ولا يوجد تركيز على تعظيم العوائد أو عوائد المساهمين؛ بل الأهداف ببساطة هي تتبع هدف متحرك من خلال تحقيق رضا العملاء، وربحية أعلى دائمًا من متوسط المنافسين المرجح. ثم تُربط هذه الأهداف بنظام مشترك لتقاسم الأرباح وملكية الموظفين للأسهم يُسمى “أوكتوغونن”. تُوزع الأرباح بالتساوي عبر المؤسسة (بدلًا من توزيعها على أساس فردي)، وعندما يكون العائد على حقوق المساهمين بعد الضرائب أعلى من متوسط القطاع، تُمنح الأسهم لجميع الموظفين. وقد طُبِّق هذا النموذج منذ السبعينيات، بحيث أصبح الموظفون اليوم يمتلكون أكثر من 40% من إجمالي حقوق الملكية، وأصبح العديد من الموظفين القدامى مليونيرات. ويُعد نظام تقاسم الأرباح المتساوي مثالًا ممتازًا على كيف يمكن للمكافآت المالية أن تعزز الهدف الاجتماعي الإيجابي بدلًا من أن تستبدله.
مجموعة تاتا Tata Group.
تُعد مجموعة تاتا، واحدة من أكبر التكتلات في الهند، وقد بلغت إيراداتها أكثر من 90 مليار دولار في عام 2012م، موزعة على قطاعات مثل خدمات تكنولوجيا المعلومات، والصلب، والسيارات، والكيماويات، والفنادق. تأسست المجموعة في عام 1868م على يد جامسيتجي تاتا، وقد تأثرت دائمًا بشكل كبير بعائلة تاتا. تمتلك الصناديق التي أسستها العائلة 66% من رأس مال شركة “تاتا سونز”، وهي شركة قابضة. وتندرج تحتها شركات تشغيلية تابعة لتاتا، بعضها مملوك بالكامل لتاتا سونز، والبعض الآخر شركات عامة تمتلك تاتا سونز فيها حصة أقلية. الهدف الاجتماعي لشركة تاتا هو “تحسين جودة الحياة للمجتمعات التي نخدمها”. كما ورد في الموقع الإلكتروني للشركة: “المجتمع ليس مجرد طرف معني آخر في الأعمال التجارية؛ بل هو في الواقع الغاية الأساسية لوجودها”. وكما هي الحال مع بنك هاندلسبانكن، فإن هذا ليس بيان هدف أصلي للغاية، لكنه مدعوم بآليات داعمة تضمن أخذه على محمل الجد.
تقوم الصناديق الخيرية التي تملك 66% من أسهم تاتا سونز بإنفاق أرباحها على قضايا خيرية؛ مثل توفير المياه النظيفة، ومحو الأمية، والرعاية الصحية. ومن المتوقع بعد ذلك أن تستثمر شركات تاتا التشغيلية استثمارات كبيرة في المجتمعات المحلية التي تخدمها. وفي السنة المالية 2009م، قُدّر إجمالي الإنفاق الاجتماعي عبر المجموعة بنحو 159 مليون دولار.
تمارس مجموعة تاتا تأثيرها في الشركات التشغيلية بعدة طرائق غير رسمية؛ حيث تقدم وظائف المجموعة التدريب والتعليم وخدمات إدارة الجودة، ويجلس المديرون التنفيذيون لشركة تاتا سونز في مجالس إدارات الشركات التشغيلية. كما أن مجموعة تاتا بارزة للغاية في التزامها بتنمية المجتمع، على سبيل المثال، من خلال إطلاق سيارة نانو ومنقّي المياه منخفض التكلفة “سواتش”.
إتش سي إل تكنولوجيز HCL Technologies.
كانت شركة إتش سي إل تكنولوجيز، التي يقع مقرها الرئيس في نويدا بالهند، لاعبًا من الدرجة الثانية في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات شديد التنافسية، عندما أصبح فينيت ناير رئيسًا في عام 2005م. قرر ناير، الذي أصبح الرئيس التنفيذي في عام 2007م، أن يميز إتش سي إل من خلال جودة إدارتها، بوضع موظفيه في المقام الأول، وتمكينهم من خلق القيمة في علاقاتهم مع العملاء. بدأ برنامج تحول كبير، حيث دفع الجميع أولًا لقبول أن الشركة كانت تؤدي دون المستوى المطلوب وتحتاج إلى التغيير، ثم وضع سلسلة من المبادرات المحددة المصممة لمساعدة الموظفين على خدمة عملائهم بشكل أفضل. على سبيل المثال، دفع جميع المديرين إلى نشر نتائج تقييماتهم الشاملة عبر الإنترنت لجعلهم أكثر مساءلة أمام موظفيهم؛ كما أنشأ نظام “تذكرة الخدمة”، بحيث إذا لم يكن الموظف راضيًا عن شيء ما، يمكنه فتح تذكرة لجذب انتباه المدير المعني. كان ناير يتابع عدد التذاكر المفتوحة وسرعة إغلاقها كمؤشر على رفاهية الموظفين.
ومع بدء هذه المبادرات في الترسخ، جسّد ناير فلسفته بشعار “الموظفون أولًا، العملاء ثانيًا”، الذي أعلنه –مع بعض التردد– في الاجتماع العالمي السنوي للعملاء. أضيفت مبادرات أخرى؛ مثل استطلاع مؤشر شغف الموظف (EPIC)، الذي كان يُستخدم لتحديد “الشغف” الرئيس للموظفين، وتوجيههم نحو وظائف يمكنهم فيها استغلال هذه الشغف.
وبحلول عام 2012م، سجلت إتش سي إل معدل نمو سنوي مركب رائد في الصناعة بلغ 24%. وفي مناقشاتنا مع موظفي إتش سي إل، كان من الواضح أن العديد منهم (وإن لم يكن جميعهم) قد تبنوا نموذج ناير “الموظفون أولًا”، ورأوا الشركة كجهة عمل جذابة للغاية. كانت معدلات دوران الموظفين أقل من الشركات المنافسة، وكانت أعلى التقييمات في استطلاع EPIC تدور حول التعاون وخدمة العملاء. (استقال ناير من منصبه كرئيس تنفيذي في عام 2013م).
تحقيق العائد من الأهداف الاجتماعية
ما الدروس المستفادة من هذه الدراسات الثلاث الموجزة؟ الفرضية الأساسية أن ما يحفز الموظفين باستمرار لتحقيق أهداف الشركة هو أيضًا منطقي اقتصاديًّا. تعمل الشركات التي ناقشناها في صناعات مختلفة جدًّا، ويختلف طول المدة الزمنية التي تسعى فيها لتحقيق أهدافها الاجتماعية بشكل كبير. ومع ذلك، هناك بعض المبادئ الأساسية هنا، ومن نظرية تأطير الأهداف بشكل عام، يمكن تطبيقها في العديد من السياقات الأخرى.
الأهداف الاجتماعية يجب ألا تكون معقدة أو مبتكرة. النقطة الأولى أن هناك عددًا محدودًا فقط من الأهداف الاجتماعية التي يمكن للشركة أن تستهدفها بشكل هادف. بالنسبة لهاندلسبانكن، كل شيء يتمحور حول العميل؛ أما بالنسبة لتاتا، فهو يتعلق بالمجتمعات التي تعمل فيها الشركة؛ وبالنسبة لإتش سي إل، فإن الهدف الاجتماعي هو رفاهية الموظف. تشمل الأهداف الاجتماعية الشائعة الأخرى التركيز على سلامة الموظفين (شركة التعدين ريو تينتو) أو البيئة الطبيعية (شركة المنتجات الاستهلاكية سيفينث جينيريشن). لم نجد دليلًا على أن الشركات تزدهر لأنها ابتكرت هدفًا اجتماعيًّا فريدًا لم يفكر فيه أحد من قبل؛ بل تشير الأدلة إلى أن الشركات الناجحة هي تلك التي تمكنت من تحويل الأهداف الاجتماعية التي قد تبدو عادية إلى عمل متسق وملتزم.
الأهداف الاجتماعية تحتاج إلى أنظمة داعمة إذا كان لها أن تبقى. نحن نعلم أن الناس يستمدون الإشارات ممن حولهم، لكن الناس متقلبون وسريعو الارتباك، ويمكن أن تدفع أهداف الكسب والمتعة بسرعة، الأهداف الاجتماعية إلى الخارج. لذا، فإن الرؤية الأساسية هنا أن هذه الشركات الثلاث قد أنشأت ثروة من الأنظمة الداعمة لمساعدتها على تنفيذ أهدافها الاجتماعية على مستويات مختلفة، وبالتالي جعلها ثابتة. في بنك هاندلسبانكن، الأنظمة الداعمة رسمية نسبيًّا: هيكل الفروع اللامركزي للغاية، وإلغاء الميزانيات، ونظام تقاسم الأرباح بالتساوي. أما في تاتا، فالأنظمة الداعمة أكثر غير رسمية، وتُعزَّز من خلال المبادرات والتصريحات الواضحة من كبار التنفيذيين. وفي شركة HCL، كانت الأنظمة الداعمة في البداية هي الترويج الشخصي لناير لأجندة “الموظفون أولًا”، بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات المبتكرة المصممة لتعزيزها. وفي المؤسستين الأوليين على وجه الخصوص، كان هناك اتساق في هذه الأنظمة على مدى سنوات عديدة، ما يعزز قيمتها أكثر. هذا الاتساق مهم؛ لأنه يشير إلى أن الإدارة صادقة.
تحتاج الأهداف إلى أنظمة دعم لتعزيزها. أحد أشكال أنظمة الدعم المهمة هو دمج تجليات ملموسة لأهداف الشركة الاجتماعية في العمل اليومي للموظفين. على سبيل المثال، ترسل شركة IBM مديريها المستقبليين للعمل مع مؤسسات غير حكومية في مشاريع تنموية بنيجيريا وغانا وتنزانيا والفلبين، لإضفاء المصداقية على برنامجها الأساسي للمواطنة المؤسسية. لقد رأينا أيضًا شركات الرعاية الصحية تدعو المرضى إلى مكاتبها للحديث عن كيف ساعدتهم منتجات الشركة. وتطلب شركة نوفو نورديسك، الرائدة عالميًّا في إنتاج الإنسولين، من جميع الموظفين الجدد قضاء يوم مع مريض بالسكري. أما بالنسبة للموظفين الذين يعملون في الصفوف الأمامية لشركتهم، فهذه الأنظمة غير ضرورية، لكن العديد من موظفي المكاتب الخلفية يفقدون الاتصال بسبب وجود شركتهم، لذا فهذه طريقة جيدة لجعل ذلك مرئيًّا.
ثمة نظام دعم مهم آخر هو إيجاد طرائق لقياس التقدم في الأهداف الاجتماعية، والإبلاغ عنها علنًا. بالنسبة للشركات التي ترى أن التركيز على العملاء هو هدفها، أصبح مؤشر صافي المروجين مقياسًا شائعًا؛ أما بالنسبة لأولئك الذين يسعون لوضع الموظفين أولًا، فغالبًا ما تُستخدم درجات التفاعل؛ وللشركات التي تركز على السلامة، عادةً ما يكون عدد الإصابات التي تؤدي إلى فقدان وقت العمل، هو المقياس المفضل. ولسوء الحظ، لا توجد حتى الآن مقاييس معتمدة للأهداف الاجتماعية المجتمعية أو البيئية، رغم أن بعض الشركات تجربها؛ ومن الأمثلة على ذلك التقرير السنوي للاستدامة لشركة Guardian News & Media. بغض النظر عن المقياس المستخدم، فإن المهم أن تُشارَك المعلومات بطريقة شفافة ومتسقة مع أصحاب المصلحة المعنيين. ومبادرة HCL لمشاركة التغذية الراجعة حول أداء المديرين أمام جميع الموظفين، مثال جيد.
الأهداف الاجتماعية تحتاج إلى “قوة موازنة” لتدوم. تظهر نظرية تأطير الأهداف مدى سهولة دفع الأهداف الاجتماعية للخروج بوساطة أهداف الكسب أو المتعة، لذلك حتى مع أنواع أنظمة الدعم المذكورة أعلاه، من الشائع أن نرى التنفيذيين يرضخون للضغوط المالية قصيرة الأجل. لذا، فإن عاملًا رئيسًا في خلق أهداف اجتماعية دائمة هو “قوة موازنة”، نعني بها أي آلية مؤسسية موجودة لفرض استمرار التركيز على هدف غير مالي. أما بالنسبة لهاندلسبانكن، فنظام تقاسم الأرباح أوكتوغونين هو قوة الموازنة. وبالنسبة لمجموعة تاتا، فهي الصناديق الائتمانية الممولة من العائلة. وفي شركة جون لويس البريطانية للبيع بالتجزئة، القوة الموازنة هي مجلس الموظفين الذي يمثل الموظفين كمالكين نهائيين للشركة. أما في صحيفة الغارديان، فالقوة الموازنة هي المحرر الذي تعيّنه الجهة المالكة النهائية للصحيفة (Scott Trust Limited)، وله حرية ممارسة السيطرة التحريرية على المحتوى، بغض النظر عن أولويات الشركة التجارية. وتعمل القوة الموازنة على كبح سلطة المكتب التنفيذي، وتضمن عدم التضحية بالمصالح طويلة الأجل للمؤسسة من أجل مكاسب قصيرة الأجل. والمفتاح هو أن يكون للقوة الموازنة تأثير حقيقي؛ يجب أن تحاسب القائد.
الاصطفاف يعمل بطريقة غير مباشرة، وليس خطية. في معظم الشركات، هناك اعتقاد ضمني بأن جميع الأنشطة يجب أن تكون مصطفة بطريقة خطية ومنطقية، من نقطة نهاية واضحة إلى نقطة البداية. واللغة المستخدمة -من أهداف متسلسلة إلى مؤشرات الأداء الرئيسة- مصممة لتعزيز هذا المفهوم للاصطفاف. لكن نظرية تأطير الأهداف تشير إلى أن أنجح الشركات توازن بين أهداف متعددة (اجتماعية، وكسب، ومتعة) ليست متوافقة تمامًا بعضها مع بعض، ما يجعل النهج الخطي البسيط صعب الاستمرار. لذا فإن قفزة عقلية مهمة يجب القيام بها؛ هي فكرة أن الأرباح طويلة الأجل غالبًا ما تتحقق بشكل مباشر أو غير مباشر. كما لاحظ راتان تاتا، الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة تاتا: “الأرباح تشبه السعادة من حيث كونها نتيجة ثانوية لأشياء أخرى… [الشركات] بحاجة إلى استراتيجيات استدامة تعترف بأنه يمكنك جني المال من خلال القيام بأشياء جيدة بدلًا من العكس”. في كتابهما الأكثر مبيعًا بمجال الأعمال “بُنيت لتدوم”، يجادل جيم كولينز وجيري بوراس بأن الشركات “الرؤيوية” ذات الأهداف الاجتماعية، حققت ربحية طويلة الأجل أفضل من منافسيها الذين عادةً ما يختارون أهدافًا مالية أضيق.
ماذا يعني هذا عمليًّا؟ إذا كنت تريد من موظفيك أن يتوحدوا حول هدف اجتماعي، فعليك أن تتجنب التفكير الضيق والخطي، وبدلًا من ذلك توفر لهم مساحة أكبر ليختاروا طريقهم غير المباشر، وهذا يعني تأكيد الجانب الاجتماعي من القصة باستمرار، مع النية في أن تشجيع الأفراد على القيام بـ”الخير” سيؤدي بجهدهم الجماعي، وكأنه نتيجة جانبية، إلى نتائج مالية أفضل. يجب أن تتغلغل منطقية “الاجتماعية أولًا، الربحية ثانيًا” بعمق في الوعي الجماعي للشركة.
على سبيل المثال، بينما سعت شركة كارلسبرغ إيه/إس، وهي شركة مقرها كوبنهاغن في الدنمارك، لتحقيق طموحات كبيرة للربحية والنمو، فإن غالبية أسهمها مملوكة لمؤسسة كارلسبرغ، علاوة على ذلك، فإن المؤسسات المرتبطة بشركة كارلسبرغ هذه قد شكلت الحياة الثقافية الدنماركية لأكثر من 100 عام.
يمكن تنفيذ المبادرات الاجتماعية على جميع المستويات. من المسؤول عن متابعة الأجندة الاجتماعية؟ إذا كنت ترأس قسمًا أو وحدة عمل، فمن الواضح أن وظيفتك هي تحديد أهدافك الاجتماعية، ووضع الهياكل والأنظمة الداعمة الموضحة هنا. لكن ماذا لو كنت في مرتبة أدنى بالتسلسل الإداري؟ قد يكون من المغري الاعتقاد بأن هذه “مشكلة شخص آخر”، لكن في الواقع لا يوجد سبب يمنعك من اتباع نسختك الخاصة من العملية نفسها. لقد رأينا عددًا غير قليل من المديرين المتوسطين يحدثون فرقًا حقيقيًّا، وغالبًا بسرعة كبيرة، باستخدام المبادئ الموضحة هنا (انظر “متابعة الأهداف الاجتماعية في وحدة تشغيلية”).
متابعة الأهداف الاجتماعية في وحدة تشغيلية
يمكن للمديرين تطبيق نظرية تأطير الأهداف ضمن وحداتهم التشغيلية الخاصة. خذ مثلًا حالة ياسبر إيك Jesper Ek، مدير متوسط المستوى في شركة روش السويسرية للأدوية. طلب منه رئيسه في عام 2012م، أن يتولى قيادة فريق السكري المتعثر المكون من 20 شخصًا في السويد، والذي شهد انخفاضًا في المبيعات عامًا بعد عام منذ عام 2006م. عندما تولى المهمة، كان معدل مشاركة الموظفين في الفريق 22%، والأكثر إثارة للقلق أن نسبة عدم المشاركة بلغت 66%. “أدركت أن الموظفين فقدوا إحساسهم بالهدف”، كما يتذكر.
خلال الأشهر الثلاثة الأولى، ركز إيك فقط على فهم الفريق، ومخاوف ودوافع واهتمامات أعضائه. “كانت لدي اجتماعات فردية مع الجميع، عادة ساعتان لكل اجتماع، وكثير من اجتماعات الفريق”. بحلول يونيو، شعر بأنه أصبح لديه فهم جيد لفريقه، وانتقل من التركيز الداخلي إلى الخارجي. عقد ورشة عمل لمناقشة الأهداف الجماعية للفريق، واتفقوا على هدف مشترك: “تمكين مرضى السكري من عيش حياتهم بأقل قدر ممكن من القيود”.
خلق هذا الهدف الاجتماعي وضوحًا حقيقيًّا للفريق، ما مكنهم من التركيز على عرضين محددين يرتبطان بحلول لهذا الهدف المشترك (جهاز قياس متنقل متكامل ونظام مضخة بتحكم عن بعد يتيح حياة غير مقيدة مع السكري)، وتقليل اهتمامهم ببقية المنتجات الخمسة عشر في محفظتهم. مكَّنَ هذا التركيز الفريق من الوصول إلى عيادات كانوا يواجهون صعوبة في دخولها سابقًا، وعندما دخلوها، أصبحت لديهم اجتماعات أكثر فاعلية وهدفًا. بعد عام واحد فقط، ارتفع معدل المشاركة إلى 75%، وانخفضت نسبة عدم المشاركة إلى 0%، وغادر فقط اثنان من الأعضاء العشرين الأصليين. كانت هناك مكاسب في الحصة السوقية تجاوزت 3%، ونمو مثير للإعجاب بنسبة 250% مع الجهاز المتكامل، ونمو في إجمالي المبيعات والأرباح التشغيلية.
قال إيك: “منهجي كان ألا أفكر في الربحية على الإطلاق خلال الأشهر الستة الأولى. من خلال جمع فريقي حول هدف مشترك، تمكنا من الوصول إلى هدف وفر وضوحًا وحفز الجميع. ساعدني أن لدي رئيسًا داعمًا منحني تفويضًا واضحًا للقيام بما أراه ضروريًّا، ثم ترك لي المجال، لكن اتضح أن التحول كان سريعًا بما فيه الكفاية؛ بحيث لم يكن بحاجة إلى أن يمنحني كثيرًا من التساهل”.
على الرغم من مواجهة العديد من المنافسين بمنتجات متشابهة جدًّا، ساعد تركيز إيك على الرؤية والهدف، في تمييز موقع العمل في السوق. كما أشار إيك، مقتبسًا من خبير القيادة سايمون سينك: “الناس لا يشترون ما تفعله؛ الناس يشترون لماذا تفعله”.
هدف الشركة والربحية
في مقال شهير في مجلة تايم، نقل روبرت أجميان رد فعل جورج بوش الأب المنزعج تجاه الاقتراحات الودية التي نصحته بأن يستثمر وقته في التفكير بعناية حول رئاسته المرتقبة: “آه، موضوع الرؤية”. يتفاعل العديد من الرؤساء التنفيذيين بالطريقة نفسها تقريبًا: فهم يعلمون أنه من المفترض أن تكون لديهم رؤية أو هدف للشركة، لكنهم يعتقدون سرًّا أن التصريحات المطولة حول هدف أعمالهم ليست سوى خطابات جوفاء. ولا يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى يدرك الموظفون والمراقبون الآخرون للشركة ذلك.
هدف هذا المقال هو مساعدتك على فهم لماذا وكيف تكون لهدف الشركة أهمية، وإظهار كيف يمكن تحقيقه دون التضحية بالربحية؛ بل وقد يؤدي في الواقع إلى ربحية أعلى. تظهر نظرية تأطير الأهداف أن أهداف الشركة تحدث فرقًا فقط عندما تؤثر في معتقدات الموظفين، وأن أكثر الأهداف قيمة هي تلك التي تدعم العمل التعاوني؛ وهي ما سمّيناها الأهداف المؤيدة للمصلحة الاجتماعية. ومع ذلك، فإن هذه الأهداف تتنافس مع أهداف أخرى على اهتمام الأفراد، ويسهل أن تطغى عليها الأهداف المتعلقة بالمكاسب والمتعة. ونتيجة لذلك، يتعين على المديرين التنفيذيين في الشركات أن يبذلوا جهدًا مضاعفًا؛ لتأكيد الأهداف المؤيدة للمصلحة الاجتماعية وتطوير أنظمة وهياكل تعززها. والأهم من ذلك؛ إن ترسيخ هذه الأهداف يتطلب تطوير قدرة على تقبل الغموض؛ أي الفكرة المتناقضة التي تقول إنه إذا اتبعنا الأهداف المؤيدة للمصلحة الاجتماعية، فإننا لا نتخلى فعليًّا عن أهداف المكاسب؛ بل نحققها بشكل أكثر فعالية.
حول المؤلفين
جوليان بيركنشو أستاذ الاستراتيجية وريادة الأعمال في كلية لندن للأعمال. نيكولاي جي. فوس أستاذ الاستراتيجية والتنظيم في كلية كوبنهاغن للأعمال وكلية الاقتصاد النرويجية في بيرغن، النرويج. زيغوارت ليندنبيرغ أستاذ علم الاجتماع الإدراكي في جامعة خرونينغن وجامعة تيلبورغ، كلتاهما في هولندا.
المراجع
1. R. Tata, S.L. Hart, A. Sharma and C. Sarkar, “Why Making Money Is Not Enough,” MIT Sloan Management Review 54, no. 4 (summer 2013): 95-96.
2. نعترف بأن دراسات أخرى قدمت نصائح مفيدة للمؤسسات الاجتماعية، خصوصًا حول مفهوم القيمة المشتركة، مثل:
M. Pfitzer, V. Bockstette and M. Stamp, “Innovating for Shared Value,” Harvard Business Review 91, no. 9 (September 2013): 100-107.
تنطلق هذه الدراسة من منظور نظري حول الدوافع البشرية، ونتيجة لذلك تقدم توصيات مختلفة نوعًا ما، لكنها مكملة، حول كيفية توازن المؤسسات من جميع الأنواع —وليس المؤسسات الاجتماعية فقط— بين الأهداف المتنافسة.
3. كمجال بحثي، غالبًا ما يُطلق عليه “بحث الدافعية في العمل”. لدى ج. ب. لاثام ملخص ممتاز لمختلف نظريات الدافعية في العمل. فيما يتعلق بنظرية تحديد الأهداف، يؤكد إي. أ. لوك وج. ب. لاثام أيضًا، أهمية الأهداف، لكنهما يركزان تركيزًا أساسيًّا على آثار وجود أهداف محددة صراحة من قبل المؤسسة، بدلًا من التغير في أهمية الشواغل الرئيسة. ويمكن قول الشيء نفسه عن أعمال آدم غرانت: فعلى الرغم من أنه ركز كثيرًا على السلوكات المؤيدة للمصلحة الاجتماعية، وبالتالي فهو قريب من منظورنا في بعض النواحي، فإنه لا يتناول ديناميكيات الشواغل المتنافسة. انظر:
G.P. Latham, “Work Motivation: History, Theory, Research and Practice” (Thousand Oaks, California: Sage, 2012); E.A. Locke and G.P. Latham, “Building a Practically Useful Theory of Goal Setting and Task Motivation: A 35-Year Odyssey,” American Psychologist 57, no. 9 (September 2002): 705-717; A.M. Grant and S.K. Parker, “Redesigning Work Design Theories: The Rise of Relational and Proactive Perspectives,” Academy of Management Annals 3, no. 1 (2009): 317-375; and A.M. Grant, J.E. Dutton and B.D. Rosso, “Giving Commitment: Employee Support Programs and the Prosocial Sensemaking Process,” Academy of Management Journal 51, no. 5 (October 2008): 898-918.
4. انظر:
S. Lindenberg and N.J. Foss, “Managing Motivation for Joint Production: The Role of Goal Framing and Governance Mechanisms,” Academy of Management Review 36, no. 3 (July 2011): 500-525; and K. Keizer, S. Lindenberg and L. Steg, “The Spreading of Disorder,” Science 322, no. 5908 (December 12, 2008): 1681-1685.
5. بدقة، تتحدث نظرية تأطير الأهداف عن الأهداف المعيارية التي تكمن وراء دافعية الموظفين للإنتاج المشترك بدلًا من الأهداف المؤيدة للمصلحة الاجتماعية. الأهداف المعيارية هي أهداف يحملها الأفراد. ومع ذلك، غالبًا ما تُسمى أهداف الشركة ذات التوجه المعياري “مؤيدة للمصلحة الاجتماعية”. لتبسيط المصطلحات هنا، نستخدم مصطلح “مؤيد للمصلحة الاجتماعية” لكلا المستويين: أهداف الشركات المؤيدة للمصلحة الاجتماعية تُفعّل الأهداف المؤيدة للمصلحة الاجتماعية (“المعيارية”) لدى الموظفين.
6. في تجربة يكون فيها من الأفضل للأفراد (من الناحية المالية) ألا يتعاونوا، لاحظ الباحثون نسبة أعلى بكثير من المشاركين يتعاونون عندما أُطلق عليها “لعبة المجتمع”، مقارنةً عندما أُطلق عليها “لعبة وول ستريت”. تسمية اللعبة “المجتمع” أو “وول ستريت” عبّرت في الوقت نفسه عن هدف اللعبة، ونوع السلوك المتوقع، وكيف من المرجح أن يتصرف المشاركون الآخرون. انظر:
V. Liberman, S.M. Samuels and L. Ross, “The Name of the Game: Predictive Power of Reputations Versus Situational Labels in Determining Prisoner’s Dilemma Game Moves,” Personality and Social Psychology Bulletin 30, no. 9 (September 2004): 1175-1185.
٧. انظر:
A. Fuster and S. Meier, “Another Hidden Cost of Incentives: The Detrimental Effect on Norm Enforcement,” Management Science 56, no. 1 (January 2010): 57-70; and S. Lindenberg, “Cognition and Governance: Why Incentives Have to Take a Back Seat,” chap. 3 in “Handbook of Economic Organization: Integrating Economic and Organization Theory,” ed. A. Grandori (Cheltenham, U.K.: Elgar, 2013).
8. See Lindenberg and Foss, “Managing Motivation.”
9. N.J. Foss and S. Lindenberg, “Microfoundations for Strategy: A Goal-Framing Perspective on the Drivers of Value Creation,” Academy of Management Perspectives 27, no. 2 (May 2013): 85-102.
10. See Lindenberg and Foss, “Managing Motivation.”
11. B.S. Frey, “Giving and Receiving Awards,” Perspectives on Psychological Science 1, no. 4 (December 2006): 377-388.
١٢. يبدو أن العديد من الشركات تستخدم لغة الأهداف الاجتماعية في تقاريرها السنوية كستار لإخفاء ممارسات غير أخلاقية. انظر:
T. Loughran, B. McDonald and H. Yun, “A Wolf in Sheep’s Clothing: The Use of Ethics-Related Terms in 10-K Reports,” Journal of Business Ethics 89, no. 1 (May 2009): 39-49.
13. “Handelsbanken in Brief,” n.d., www.handelsbanken.us.
١٤. هناك كثير من الأدلة على أن عمليات إعداد الميزانية التقليدية معيبة. انظر، على سبيل المثال:
M.C. Jensen, “Paying People to Lie: The Truth about the Budgeting Process,” European Financial Management 9, no. 3 (September 2003): 379-406.
١٥. دراسة حالة مجموعة تاتا تستند إلى بيانات جُمعت بالاستناد إلى مقابلات مع مديري الشركة، بالإضافة إلى:
A. Graham, “Too Good to Fail,” Strategy + Business 58 (spring 2010).
16. “Values and Purpose,” n.d., www.tata.com; and “The Quotable Jamsetji Tata,” March 2008, www.tata.com.
17. Graham, “Too Good to Fail.”
18. Keizer et al., “The Spreading of Disorder.”
19. M. Useem and S. Palmisano, “Always Put the Enterprise Ahead of the Individual,” January 18, 2013, http://knowledge.wharton.upenn.edu.
٢٠. طُوِّر مفهوم الانحراف تطويرًا أكثر تفصيلًا في:
J. Kay, “Obliquity: Why Our Goals Are Best Achieved Indirectly” (London: Profile Books, 2010); see also J. Birkinshaw, “Setting Objectives: From Alignment to Obliquity,” chap. 5 in “Reinventing Management: Smarter Choices for Getting Work Done” (San Francisco: Jossey-Bass, 2012).
21. Tata et al., “Why Making Money Is Not Enough.”
٢٢. انظر الفصل الأول من:
J. Collins and J.I. Porras, “Built to Last: Successful Habits of Visionary Companies” (New York: HarperCollins, 1994).
23. R. Ajemian, “Where Is the Real George Bush?” Time Magazine, Jan. 26, 1987, 20.
i. S. Sinek, “Start With Why: How Great Leaders Inspire Everyone to Take Action” (Portfolio/Penguin, 2009).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




