ترجمة: عبدالملك البلادي
تأتي التوقعات والخطط والاستطلاعات من شركات الاستشارات مع بداية كل عام؛ إذ تشير العديد من الاستطلاعات الحديثة المختصة بالذكاء الاصطناعي إلى أن الشركات لا تخطط لإنفاق مبالغ طائلة على الذكاء الاصطناعي في عام 2022م فحسب، بل تجني بالفعل أموالًا طائلة من التكنولوجيا.
وقد يكون من المفيد أن نتباحث ببعض المضامين. فعلى الرغم من نجاحات الذكاء الاصطناعي، فإن أحد التحديات في السنوات الأخيرة هو أن المشاريع التي تنطوي على التكنولوجيا تفتقر في كثير من الأحيان إلى العوائد الاقتصادية الكافية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أجرت مؤسسة (MIT Sloan Management Review) ومجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) عام 2019م دراسة استقصائية للذكاء الاصطناعي، أفادت خلالها 7 من كل 10 شركات بقيمة ضئيلة أو معدومة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وكان أحد أسباب العوائد الضعيفة هو أن عددًا قليلًا نسبيًا من المشاريع طُبقت في الإنتاج، وكانت في كثير من الأحيان تمارين بحثية. ومن المسلّم به أن تطبيق الإنتاج قد يصعب؛ إذ يتطلب عادة التكامل مع الأنظمة والعمليات القائمة، وإعادة تأهيل العمال، والقدرة على توسيع نطاق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ولكن بدأت الأمور تأخذ اتجاهًا إيجابيًا مؤخرًا؛ إذ أفاد استطلاع أجرته شركة (NewVantage Partners) عام 2022م على كبار المسؤولين التنفيذيين في مجال البيانات والتكنولوجيا (حيث يشغل راندي بن منصب الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك، وتوم دافنبورت زميل له) أن 92% من الشركات الكبرى تحقق عوائد على استثماراتها في البيانات والذكاء الاصطناعي. وهذا أعلى بشكل ملحوظ من 48% في عام 2017م. وأظهرت النسبة نفسها (92%) أنها تزيد من استثماراتها في البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يعادل نسبة العام الماضي. وتمتلك 26% من الشركات أنظمة الذكاء الاصطناعي في الإنتاج على نطاق واسع وهي أكثر من ضعف ما نسبته 12% في استطلاع العام الماضي. كما سأل الاستطلاع المشاركين عما إذا كانت المؤسسات تعتم على البيانات اعتمادًا أساسيًا، فأجاب 26% منهم بالإيجاب، ومع ذلك، لا يبدو أن هذا يمنعهم من إحراز تقدم ملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعي.
العوائد من الذكاء الاصطناعي في شتى أقطار العالم
تمثل الشركات المشاركة من أمريكا الشمالية النسبة الأعلى في استطلاع (NewVantage). لكن تشير استطلاعات أخرى إلى أن الشركات في أقطار العالم جميعها تقدّر الذكاء الاصطناعي حق قدره. إذ وجد استطلاع أجرته شركة (Deloitte) في منتصف عام 2021م لحالة الذكاء الاصطناعي في المؤسسة (حيث يعمل توم مستشارًا أولًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي) أن نوعين من الشركات يحصلان على قيمة من استثماراتهم. وصُنّف 28% من المشاركين أنهم محولون (transformers) وتعرف بأنها شركات تبلغ عن نتائج عالية وعدد مرتفع نسبيًا من عمليات نشر الذكاء الاصطناعي في الإنتاج (ستة في المتوسط). وحددت هذه المجموعة وتبنت إلى حد كبير الممارسات الرائدة المرتبطة بأقوى نتائج الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك وجود استراتيجية للذكاء الاصطناعي، وبناء نظام بيئي حول الذكاء الاصطناعي، ووضع الهياكل والعمليات التنظيمية (مثل عمليات التعلم الآلي MLOps) لإبقاء الذكاء الاصطناعي على المسار الصحيح.
أما المجموعة الأخرى والتي حصلت على قيمة تعادل 26% من المشاركين، فقد صُنفت على أنها من الباحثين عن المسار الصحيح. وقد أفادوا بنتائج عالية ولكن بعدد أقل من عمليات النشر. كما تبنوا قدرات وسلوكيات أدت إلى النجاح مع الذكاء الاصطناعي، ولكن في عدد أقل من المشاريع. ولم يتوسعوا بالدرجة نفسها التي توسع بها المحولون.
ومع ذلك، فإن هذا يمثل أكثر من نصف المشاركين العالميين الذين أفادوا بنتائج إيجابية من الذكاء الاصطناعي، وكما لاحظنا، فإنه يصعب أو يكاد يستحيل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون تطبيقه، ولكن هذه النتائج تشير إلى أنك لست بحاجة إلى الكثير من عمليات التطبيق للحصول على القيمة.
كما وجد استطلاع عالمي أجرته شركة (ماكينزي) عام 2021م حول الذكاء الاصطناعي أن تبني الذكاء الاصطناعي وتقديره آخذان في الازدياد. وأوضح الاستبيان أن عدد الشركات التي أبلغت عن تبني الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل قد ارتفع إلى 56% بعد أن كان 50% في عام 2020م. والأهم من ذلك، يشير الاستطلاع أيضًا إلى أن العائد الاقتصادي للذكاء الاصطناعي آخذ في النمو. كما ارتفعت حصة المشاركين الذين أبلغوا عن 5% على الأقل من الأرباح (قبل خصم الفوائد والضرائب) التي يمكن نسبتها إلى الذكاء الاصطناعي إلى 27%، ارتفاعًا من 22% في الاستطلاع السابق. لسنا متأكدين من كيفية حساب المشاركين للاستطلاع لنسبة الأرباح المنسوبة إلى الذكاء الاصطناعي، لكن ردودهم تشير إلى قيمة عالية.
أفاد المشاركون في الاستطلاع أيضًا بتوفير تكاليف أكبر من الذكاء الاصطناعي مقارنة بما فعلوه سابقًا في كل وظيفة، مع تحقيق أكبر التحسينات في تطوير المنتجات والخدمات والتسويق والمبيعات والاستراتيجية والتمويل المؤسسي.
وعلى غرار دراسة (ديلويت) وجدت (ماكينزي) أن ممارسات الذكاء الاصطناعي التقدمية تفضي إلى أرباح، فالشركات التي شهدت أكبر زيادات في الأرباح من الذكاء الاصطناعي لم تكن تتبع فقط الممارسات التي تؤدي إلى النجاح، بما في ذلك عمليات التعلم الآلي (MLOps)، بل كانت تنفق أيضًا بكفاءة أعلى على الذكاء الاصطناعي وتزداد استفادتها من تقنيات الحوسبة السحابية.
يقدم استطلاع أجرته شركة (IBM) بعض الرؤى حول تأثير جائحة كوفيد-19 على تبني الذكاء الاصطناعي، مع التركيز بشكل خاص على التقنيات الموجهة للأتمتة. ووجد أن 80% من الشركات تستخدم بالفعل شكلًا من أشكال تكنولوجيا الأتمتة أو تخطط للقيام بذلك خلال العام المقبل. وصرحت أكثر من ثلث المنظمات التي شملها الاستطلاع: بأن الجائحة أثرت على قرارها بتبني الأتمتة وسيلةً لتحسين الإنتاجية. وكان المستجيبون لاستبيان (IBM) من محترفي تكنولوجيا المعلومات، وهو ما قد يكون أثر على النتائج؛ حيث تعد أتمتة عمليات تقنية المعلومات (المعروفة باسم الذكاء الاصطناعي لعمليات تقنية المعلومات، AIOps) من الاستعمالات الشائعة للتقنية.
المزايا غير المالية
وعطفاً على ذكر الاستبيانات، ينبغي أن نذكر أيضًا استطلاعًا مثيرًا للاهتمام أجراه معهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا (MIT Sloan Management Review) ومجموعة (بوسطن الاستشارية) في عام 2021م، والذي كان يهدف إلى تقييم التحسينات الثقافية للذكاء الاصطناعي بعيدًا عن فوائده المالية. ولأنه لم يسبق لأحد -فيما نعلم- أن طرح مثل هذه الأنواع من الأسئلة من قبل، فلا يمكننا إجراء مقارنات مع الماضي.
في ذلك الاستطلاع العالمي، وافق 58% من المشاركين جميعهم الذين شاركوا في تنفيذ الذكاء الاصطناعي على أن حلول الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم تعمل على تحسين الكفاءة واتخاذ القرار بين الفرق. كما أفادت غالبية هذه المجموعة (78%) بتحسن التعاون داخل الفرق. فهل يعد تحسين اتخاذ القرار والتعاون مؤشرات على الفائدة الثقافية؟ لسنا متأكدين، لكن من المؤكد أنها يمكن أن تترجم إلى قيمة اقتصادية.
ووجد الاستطلاع أيضًا أن الذكاء الاصطناعي يحقق فوائد استراتيجية، لكنها تعود في الغالب على الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستكشاف طرق جديدة لخلق القيمة بدلًا من خفض التكاليف. وكان أولئك الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي في المقام الأول لخلق قيمة جديدة أكثر احتمالية بمقدار 2.5 مرة للشعور بأن الذكاء الاصطناعي يساعد شركتهم على المنافسة مقارنة بأولئك الذين قالوا إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في المقام الأول لتحسين العمليات الحالية؛ وكانوا أيضًا أكثر احتمالية بمقدار 2.7 مرة للموافقة على أن الذكاء الاصطناعي يساعد في اغتنام الفرص في القطاعات المجاورة. ومن السهل أن نرى كيف تتحول هذه السمات إلى قيمة اقتصادية.
أما بالنسبة لمن يسعى لازدهار ربيع الذكاء الاصطناعي الحالي إلى الأبد، فهذه كلها أخبار رائعة وتدعو للتفاؤل؛ إذ لا يزال هناك مجال كبير لتحسين العوائد الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي، وهذه الاستطلاعات لا تتطرق إلا إلى التصورات الذاتية. ولعل أكبر عقبة متبقية هي أن غالبية نماذج التعلم الآلي لا تزال غير مستخدمة في بيئات الإنتاج داخل المنظمات وفقًا لمسح صغير أجري مؤخرًا لعلماء البيانات. ولا تزال الشركات وقادة الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى العمل على هذه القضية.
ومع ذلك، يشعر العديد من قادة الأعمال الذين شاركوا في استطلاعات شتى حول هذا الموضوع بأن مؤسساتهم تقتبس قيمة عظيمة من الذكاء الاصطناعي في تحسن واضح مقارنة بالأعوام المنصرمة، كما أنها إشارة قوية إلى أن الذكاء الاصطناعي وُجِد ليتسيد مشهد قطاع الأعمال.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




