ترجمة: عبدالملك البلادي
يجدر بالمديرين اتخاذ خطوات إضافية لتعزيز النقاشات الحضارية بين الموظفين من مختلف التوجهات الأيديولوجية قبيل حظر الحديث السياسي مباشرة.
شاعت المناقشات السياسية في مقرات العمل في عصر الاستقطاب المتزايد حيث أصبحت الأيديولوجية السياسية والهوية متداخلتين، لكنها قد تؤدي إلى نتائج غير محمودة. إذ أضرب موظفو شركة (Coinbase) -وهي شركة لتبادل العملات المشفرة- إبان تباطؤ الرئيس التنفيذي (برايان أرمسترونج) في دعم حركة حياة السود مهمة (Black Lives Matter) بعد وفاة (جورج فلويد). ولكن لاحقًا وتحديدًا في شهر سبتمبر 2020م، أعلن (أرمسترونج) عن سياسة جديدة تحظر النشاط الاجتماعي داخل الشركة وعرض لاحقًا حزم تعويضات نهاية الخدمة للموظفين غير الراضين عن مهمة الشركة غير السياسية. ونتيجة لذلك، خسرت شركة (Coinbase) في النهاية 60 موظفًا وهو ما يعادل 5% من موظفيها البالغ عددهم 1200 موظفًا.
كما أثار النقاش الداخلي في شركة البرمجيات (Basecamp) حول قائمة بأسماء العملاء “المضحكة” مناقشات سياسية حول التنوع والشمول والتسامح. إذ أدى الخلاف بين الموظفين وأحد المؤسسين المشاركين بشأن خطورة الموقف إلى حظر مماثل للمناقشات السياسية في مكان العمل، وردًا على ذلك، فضّل ما يقرب من 30% من موظفي الشركة المغادرة.
يدور سؤالٌ عمّا إذا أمكن إجراء مناقشات سياسية مثمرة في مكان العمل في مناخ سياسي مضطرب؟ وأكّد أكثر من باحثٍ ومستشارٍ بإمكانية ذلك. ويتضمن الحل استخدام الأسلوب والتقنية المناسبين. وإذا تبنى الناس الإنصات وتعاطفوا وقدموا قواعد أساسية للمناقشة تتيح للموظفين الاختلاف باحترام، فستقل حدة النقاشات السياسية. وكنا لنتبع هذه الخطوات دائمًا إن كنا في عالم مثالي، لكن الواقع المؤسف هو أن العديد من المناقشات السياسية محكوم عليها بالفشل منذ البداية. إذ إن الأشخاص الأقل ميلًا إلى التنازل في موقف ما -الحزبيون الأكثر تطرفًا من الناحية الأيديولوجية- هم أيضًا أولئك الذين يرغبون في التحدث عن السياسة مرارًا.
تُظهر المناقشات السياسية ما هو غامض ومستور ألا وهو الحزبية. فحينما تُعرف الهويات السياسية للموظفين، سيوصمون ويُصنفون بوصفهم حزبيين معارضين. بدلًا من عدهم أفرادًا عاديين. وفي استطلاع حديث، قال أكثر من ثلث الموظفين (34%) إن مكان عملهم لا يشمل وجهات النظر السياسية المختلفة.
وتُظهِر الدراسات العلمية والبيانات القصصية العديد من الأمثلة على التحيز السياسي في العمل، فقد وجد استطلاع حديث أجرته شركة (Glassdoor) بين الموظفين في الولايات المتحدة أن 60% من الديموقراطيين و50% من الجمهوريين يعتقدون أن مناقشة السياسة في العمل قد تؤثر سلباً على فرصهم المهنية. وعلاوة على ذلك، لا يرغب 23% من الموظفين في العمل مع زميل ينوي التصويت لمرشح رئاسي لا يحبونه، كما خلصت دراسة إلى أن الحزبيين يعترفون باستعدادهم للإضرار بالحزبيين المعارضين في عملية التوظيف والتقييم، والتهديد بالتمييز شديد لدرجة أن يقارب 16% من الموظفين يشعرون بأنهم مجبرون على الكذب بشأن آرائهم السياسية في العمل.
كما تُظهر الإحصائيات أن الموظفين يتأثرون عندما يتم الكشف عن هويتهم الحزبية. يقول 19% من العمال إنهم يجدون صعوبة في العمل مع زميل بسبب معتقداتهم السياسية، وذكر 13% أنهم يشعرون بالتنمر من قبل زملائهم بسبب معتقداتهم السياسية، وذكر 22% أنهم يشعرون بعدم احترام زملائهم بسبب معتقداتهم السياسية، وذكر 38% أنهم يشعرون بعدم الارتياح في العمل بسبب المناقشات السياسية؛ إذ إن الشعور بأنهم معزولون بسبب آرائهم السياسية في المكتب يمكن أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة، مما يؤثر على المشاركة الفاعلة ويمكن أن يؤدي إلى التغيب والاستنزاف. وغالبًا ما يخشى هؤلاء الموظفون أيضاً قلة فرص التقدم والترقيات أو الطرد.
وعلاوة على ذلك، يبدو أن الأبحاث حول الاستقطاب السياسي تشير إلى أن هذا السلوك التمييزي قد يصعب اقتلاعه، نظراً لاستعداد المشاركين المستمر للانخراط في التمييز السياسي، حتى وإن كان الثمن المعنوي باهظًا، كما وجد الباحثون تحديداً أن الناس كانوا على استعداد للعمل لصالح من يوافقهم الانتماء الحزبي مقابل راتب أقل وكان حماسهم أكثر بنحو الضعف للتعامل مع البائع الذي يشاركهم حزبيتهم. بالإضافة إلى ذلك، قال معظم الحزبيين إنهم لن يشاركوا في معاملة من شأنها أن تفيد المشتري من حزب معارض، حتى عندما عرض المشتري مبلغًا أعلى، وخلص المؤلفون إلى القول: “من المرجح أن يكون تأثير الارتباطات الحزبية على الخيارات الاقتصادية أقوى وأكثر انتشارًا مما هو معترف به عموماً”.
وتظهر هذه القصص والإحصاءات والدراسات أنه على الرغم من أن المناقشات السياسية قد لا تستمر سوى بضع دقائق، فإنها قد تخلف عواقب طويلة الأجل. وبعبارة أخرى، لا تشكل المناقشات الحضارية ترياقًا للتمييز بعد المناقشة.
ويبقى السؤال بناء على ما سبق، ما الذي بوسع المديرين أن يفعلوه إلى جانب تقديم المبادئ التوجيهية للحوار السياسي الحضاري؟ أطرح لكم خمس توصيات لعلها تعود بالفائدة.
1. إنشاء فريق إدارة عليا متنوع ايديولوجيًا. فمن المهم أن يكون صناع القرار الرئيسيون في المنظمة متنوعون سياسياً، للأسباب الموضحة أعلاه. إذ إنه يصعب اتخاذ موقف موثوق به للتنوع السياسي والتسامح عندما لا يتم تقديم التمثيل المتنوع في صفوف الإدارة العليا للشركة.
2. تجنب التحيز السياسي في اتخاذ القرارات الرئيسية: فيجب أن يتخذ القرارات المهمة مجموعة متنوعة سياسيًا، وعندما يتم اتخاذ القرارات المهمة من قبل فرد واحد فقط، فهناك احتمال أكبر للخطأ أو الإغفالات. وعلاوة على ذلك، قد تتسلل التحيزات والأحكام المسبقة -سواء أكان ذلك عمدًا أم لا- إلى هذه القرارات، وبالتالي تقليل جودتها الإجمالية.
3. توفير الموارد المتعلقة بالحوار السياسي البنّاء للموظفين: إذ إنه باستطاعة الشركات والمديرين القيام بالتدخلات اللازمة للحد من العداء السياسي، والذي ينبع غالبًا من الصور النمطية الخاطئة والتفكير التبسيطي. ولتشجيع التفكير المركب والحوار المعقول، ينبغي النظر في رعاية سلسلة من المناقشات أو مجموعات الكتب التي تدعو إلى المشاركة وتقدم وجهات نظر مختلفة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقدم دار نشر جامعة (أكسفورد) سلسلة من المناقشات الأخلاقية التي تتناول مجموعة واسعة من المواضيع من منظورين، وقد تتبدد الصور النمطية الخاطئة وتنمو التعاطف عندما يستمع الحزبيون إلى الجانب الآخر.
4. تسليط الضوء على قيمة التعاون بين الحزبين: تستطيع الشركات والمديرون ملاحظة أن أكثر من 65% من الحزبيين لديهم أصدقاء يدعمون حزبًا معارضًا. ويمكن للمديرين تعزيز هذه النقطة من خلال تبادل قصص الصداقات عبر الخطوط الحزبية. وينبغي أن تكون الرسالة الشاملة هي أن الخلاف لا ينبغي أن يمنع التعاون في السيناريوهات التي تتقاسم فيها الأحزاب المعارضة أرضية مشتركة مثل الأطباء عند إنقاذ الأرواح، وأفراد الخدمة العسكرية عند الدفاع عن بلادهم، والموظفين عند خدمة العملاء.
5. وإذا فشلت كل الحلول الأخرى، ضع حدودًا للمناقشات السياسية في العمل. ولست وحدي من يطرح هذا الاقتراح إذ يتفق معي 70% من الأميركيين ويؤيدون فرض حدود للمناقشات السياسية في مكان العمل. وإن بعض الصراعات والخلافات مستعصية على الحل. ونتيجة لهذا فإن إعادة النظر في المواضيع التي لا توجد فيها أرضية مشتركة لا قيمة لها، بل قد تترتب عليها أضرار بالغة. فما الذي يمكن عمله في مثل هذه السيناريوهات؟ فقط تجنب المحادثات التي تهدد العلاقات وغيرها من المساعي التعاونية. وفي دراسة أجريت حول المناقشات السياسية، قال أحد المشاركين عن أفضل أصدقائه: “لن أناقش السياسة معه؛ فهو يقف على الجانب الآخر من الميزان .“متحمسًا كما هو حالي”.
وبالتالي فإن الخيار الأفضل لبعض الأصدقاء وزملاء العمل والأزواج هو تجنب المناقشات السياسية التي تبرز اختلافاتهم والتركيز بدلًا من ذلك على نقاط الاتفاق أو حيث يمكن التوصل إلى نقطة مشتركة.
ورغم أن هذه القاعدة قد لا تكون مثالية أو الخيار الأشجع، فإنها تحفظ السلام، وتسهل التعاون بين الحزبين في مجالات أخرى، والأهم من ذلك أنها تحافظ على سلامة العلاقة. وقد تعلم الكثير منا الدرس نفسه خلال عطلة عيد الشكر حين نمرر الكاتشب وما شابهه، ونتجنب الخوض في السياسة. وعلى هذا، فإذا فشلت التدخلات وتفاقمت الفوضى التنظيمية، فقد يكون وضع حدود للمناقشات السياسية في العمل خيارًا أفضل من مشاهدة المنظمة تتفكك.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




