ترجمة: عبدالملك البلادي
تكشف متطلبات بناء نموذج لغوي ضخم عن أكبر المستفيدين من الشركات الكبرى، والجوانب التي قد تكسب منها الشركات الجديدة في المجال.
اُستُثمرت أموال ضخمة في الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي إبان إطلاق (شات جي بي تي). إضافة إلى الشركات التي تزيد من الإنفاق على التكنولوجيا على أمل أتمتة عناصر سير العمل الخاصة بها، وهي استثمارات مثيرة في موضعها؛ إذ أظهرت الدراسات المبكرة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يحقق زيادات كبيرة في الإنتاجية وتأتي بعض الزيادات من زيادة الجهد البشري، والآخر من الاستعاضة عنه.
ولكن الأسئلة التي تظل قائمة هي: من الذي سيستحوذ على قيمة هذه السوق المتفجرة؟ وما العوامل التي تحدد عملية الاستحواذ على القيمة؟ ولإيجاد إجابات للأسئلة السابقة، حللنا مجموعة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والمصنفة على نطاق واسع على أنها البنية الأساسية للحوسبة، والبيانات، ونماذج الأساس، والنماذج الدقيقة، والتطبيقات؛ لتحديد النقاط الناضجة للتمييز. وفي حين توجد نماذج ذكاء اصطناعي توليدي للنصوص والصور والصوت والفيديو، فإننا نستخدم النص (نماذج اللغة الكبيرة) بوصفه سياقاً توضيحيًا لمناقشتنا طوال الوقت.
البنية الأساسية للحوسبة: في قاعدة مجموعة الذكاء الاصطناعي التوليدي توجد بنية أساسية متخصصة للحوسبة مدعومة بوحدات معالجة رسومية عالية الأداء تُدَرب من خلالها نماذج التعلم الآلي وتُشَغل. من أجل بناء نموذج أو خدمة ذكاء اصطناعي توليدي جديد، قد تفكر الشركة في شراء وحدات معالجة رسومية وأجهزة ذات صلة لإعداد البنية الأساسية المطلوبة لتدريب وتشغيل برنامج نماذج اللغة الكبيرة محليًا. ومع ذلك، من المحتمل أن يكون مكلفًا وغير عملي، ونظرًا لأن هذه البنية الأساسية متاحة عادةً من خلال كبار مزودي التخزين السحابي، بما في ذلك (أمازون ويب سيرفس)و (جوجل كلاود) و (مايكروسوفت أجور Microsoft Azure).
البيانات. تُدَرب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على بيانات ضخمة على نطاق الإنترنت.فعلى سبيل المثال، تضمنت بيانات التدريب لبرنامج (شات جي بي تي 3 من أوبن إيه آي) برنامج (Common Crawl)، وهو مستودع متاح للعموم لتصفح الويب، بالإضافة إلى ويكيبيديا والكتب الإلكترونية ومصادر أخرى. كما يشير استخدام مجموعات البيانات مثل (Common Crawl) إلى أن البيانات من كثير من المواقع الإلكترونية مثل تلك الخاصة بنيويورك تايمز وريديت اُستوعِبت أثناء عملية التدريب. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن نماذج الأساس أيضًا بيانات خاصة بالمجال تُتصفح من خلال الويب، أو تُرَخص من الشركاء، أو تُشترى من أسواق البيانات مثل (Snowflake Marketplace). في حين يصدر مطورو نماذج الذكاء الاصطناعي معلومات عن كيفية تدريب النموذج، فإنهم لا يقدمون معلومات مفصلة عن مصادر بيانات التدريب الخاصة بهم. ومع ذلك، تمكن الباحثون من استخدام تقنيات مثل هجمات الحقن الفوري (prompt injection attacks) للكشف عن مصادر البيانات المختلفة المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
النماذج الأساسية: النماذج الأساسية هي شبكات عصبية مدربة على نطاق واسع على مجموعات بيانات ضخمة دون تحسينها لمجالات محددة أو مهام لاحقة مثل صياغة العقود القانونية أو الإجابة عن الأسئلة الفنية حول منتج ما. تتضمن نماذج لغة الأساس نماذج مغلقة المصدر مثل (شات جي بي تي 4) من (أوبن إيه آي) و (جيميناي) من (جوجل) بالإضافة إلى نماذج مفتوحة المصدر مثل (Llama-2) من (ميتا) وFalcon 40B من معهد الابتكار التكنولوجي في الإمارات العربية المتحدة. تستند كل هذه النماذج إلى بنية المحول الموضحة في ورقة بحثية رائدة عام 2017م أخرجها باحثون في مقدمتهم (فاسواني) وفي حين يمكن للمرء أن يحاول دخول مجموعة الذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال بناء نموذج أساسي جديد، فإن البيانات وموارد الحوسبة والخبرة الفنية المطلوبة لإنشاء وتدريب نماذج عالية الأداء تشكل حاجزًا كبيرًا للدخول؛ مما أدى إلى عدد صغير من نماذج الأساس الكبيرة عالية الجودة.
التوليد المعزز بالاسترجاع (RAG) والنماذج المعدلة: تتميز النماذج الأساسية بتعدد الاستخدامات، كما تتمتع بأداء عالٍ لمجموعة واسعة من مهام اللغة، ولكنها قد لا تتمتع بأعلى أداء في سياقات ومهام محددة. وقد يتعين على المرء إحضار بيانات محددة المجال للأداء الجيد في مهام محددة السياق. كما يمكن للخدمة التي تهدف إلى استخدام نماذج اللغة الكبيرة لغرض محدد، مثل مساعدة المستخدمين في استكشاف المشكلات الفنية المتعلقة بمنتج ما، أن يتخذ أحد النهجين التاليين. يتضمن النهج الأول بناء خدمة تسترجع مقتطفات من المعلومات ذات الصلة بسؤال المستخدم النهائي، وتضيف المعلومات إلى التعليمات الفورية Prompt)) المرسلة إلى النموذج الأساسي. ففي مثالنا لمساعدة المستخدمين في استكشاف المشكلات وإصلاحها، يستلزم هذا كتابة كود يستخرج المواد ذات الصلة من دليل المنتج الأكثر ارتباطًا بسؤال المستخدم النهائي ويوجه نماذج اللغة الكبيرة للإجابة على سؤال المستخدم بناءً على مقتطف المعلومات هذا. ويُطلق على هذا النهج اسم التوليد المعزز بالاسترجاع (RAG). إن النماذج الأساسية لها حدود على حجم المطالبات التي يمكنها قبولها، ولكنها قد تصل إلى نحو مئة ألف كلمة. تشمل النفقات المتكبدة في هذا النهج تكاليف واجهة برمجة التطبيقات لنموذج الأساس، التي تزداد بناءً على حجم مطالبة الإدخال وحجم الناتج من نماذج اللغة الكبيرة . ونتيجة لذلك، كلما زادت المعلومات من أدلة المنتج المرسلة إلى نماذج اللغة الكبيرة زادت تكلفة استخدامها.
النهج البديل والأكثر تكلفة من حيث التكاليف الحسابية الأولية هو ضبط النموذج. فعلى النقيض من توفير مقتطفات المعلومات من دليل المنتج (المعروف أيضاً باسم السياق) من خلال المطالبات، فإن هذا النهج يعيد تدريب الشبكة العصبية لنموذج الأساس باستخدام بيانات محددة للمجال. يُضبَط (شات جي بي تي) بدقة لقبول التعليمات وإجراء تفاعل محادثة مع الأشخاص، كما سيتضمن الضبط الدقيق إعادة تدريب نموذج أساس مدرب مسبقًا مثل Llama)) أو (شات جي بي تي 4) على مجموعة بيانات محددة للمجال.
في حين أن نهج التوليد المعزز بالاسترجاع قد ينطوي على تكاليف عالية لواجهة برمجة التطبيقات بسبب الحاجة إلى تزويد النموذج بمطالبات طويلة، فإنه أسهل في التنفيذ من نهج الضبط الدقيق ولا يتكبد تكاليف الحوسبة لإعادة تدريب الشبكة العصبية على مجموعة بيانات جديدة. ونتيجة لذلك، فإن نهج التوليد المعزز بالاسترجاع له تكاليف إعداد أقل، ولكن رسوم متغيرة أعلى من إرسال المعلومات إلى النموذج الأساسي في كل مرة يطرح فيها المستخدم النهائي سؤالًا. ومع ذلك، فإن نهج الضبط الدقيق، على الرغم من أنه أكثر تكلفة في البداية، لديه القدرة على إنتاج نتائج أفضل، وبمجرد اكتماله، يكون متاحًا للاستخدام في المستقبل دون الحاجة إلى مشاركة السياق لكل استعلام، كما هو الحال مع التوليد المعزز بالاسترجاع. قد تجد الشركات ذات الخبرة الفنية أن هناك قيمة يمكن الحصول عليها في إنشاء الأدوات الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تمكن الأساليب مثل الضبط الدقيق والتوليد المعزز بالاسترجاع، إما لمنتجاتها الخاصة وإما كخدمة لمنتجات أخرى.
تطبيقات نماذج اللغة الكبيرة: تتكون الطبقة الأخيرة من الحِزم من تطبيقات يمكن إنشاؤها فوق النموذج الأساسي أو النموذج الدقيق لخدمة حالة استخدام محددة. وقد بنت الشركات الناشئة تطبيقات لصياغة العقود القانونية مثل تطبيق (Evisort)، أو تلخيص الكتب وسيناريوهات الأفلام ألا وهو تطبيق (Jumpcut)، أو حتى الرد على أسئلة استكشاف الأخطاء الفنية وإصلاحها كتطبيق (Alltius). وتُسَعر هذه التطبيقات مثل تطبيقات البرمجيات كخدمة تقليدية (مع رسوم استخدام شهرية)، وترتبط تكاليفها الهامشية في الغالب برسوم استضافة التطبيقات على السحابة ورسوم واجهة برمجة التطبيقات من نماذج الأساس.
قامت شركات التكنولوجيا العملاقة ورأس المال الاستثماري في الأشهر القليلة الماضية باستثمارات ضخمة في كل طبقة من هذه الحِزم. واطُلِقت العشرات من نماذج الأساس الجديدة. وعلى نحو مماثل، أنشأت الشركات نماذج محددة للمهام تم ضبطها بدقة على بيانات خاصة على أمل أن تمنحها ميزة على المنافسين. وتقوم آلاف المشاريع الناشئة ببناء تطبيقات فوق نماذج أساسية أو دقيقة مختلفة.
دروس من الخدمات السحابية
ولكن ما هي الجهات التي قد تستفيد أكثر من هذه الاستثمارات؟ اُطِلقت العشرات من نماذج الخدمات السحابية في الأشهر القليلة الماضية، والعديد منها قادر على تقديم أداء مماثل للنماذج السحابية الأكثر شعبية. ومع ذلك، نعتقد أن سوق نماذج الخدمات السحابية قد تشهد اندماج عدد قليل من الجهات بالطريقة نفسها التي استحوذت بها شركات مثل أمازون وجوجل ومايكروسوفت على معظم حصة السوق (والقيمة) للخدمات السحابية.
هناك ثلاثة أسباب لفشل معظم شركات البنية التحتية السحابية الناشئة (أو شرائها من قبل منافسين أكبر)، وتنطبق هذه الأسباب على الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضًا. الأول هو التكلفة والقدرة المطلوبة لإنشاء البنية التحتية التقنية عالية الجودة والحفاظ عليها وتحسينها. ويتفاقم هذا في حالة نماذج اللغة الكبيرة نظرًا لأن تكلفة البيانات وموارد الحوسبة المطلوبة لتدريب هذه النماذج مرتفعة للغاية. وهذا يشمل تكلفة وحدات معالجة الرسوميات، والتي تكون قليلة العرض نسبيًا مقارنة بالطلب عليها. كانت التكلفة الحسابية لتشغيل التدريب النهائي لنموذج (PaLM) الذي يحتوي على 540 مليار عاملًا من جوجل في مكان ما بين 9 ملايين دولار و23 مليون دولار، بناءً على تقدير خارجي (وكانت تكلفة التدريب الإجمالية على الأرجح عدة أضعاف ذلك). وبالمثل، تقدر استثمارات (ميتا) في وحدات معالجة الرسوميات في عامي 2023م و2024م بأكثر من 9 مليارات دولار. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب بناء نموذج أساسي الوصول إلى كميات هائلة من البيانات، فضلاً عن التجارب والخبرة الكبيرة، وكلها يمكن أن تكون مكلفة للغاية.
السبب الثاني هو تأثيرات الشبكة من جانب الطلب. مع نمو النظام البيئي المحيط بهذه البنى الأساسية، ستنمو الحواجز التي تحول دون دخول الشركات الجديدة إلى السوق. ولنأخذ على سبيل المثال موقع (PromptBase) وهو سوق على الإنترنت توفر المطالبات التي يمكن إدخالها إلى نماذج اللغة الكبيرة. إن أكبر عدد من المطالبات المعروضة متاحة لبرنامج (شات جي بي تي) ومولدات الصور الشهيرة (Dall-E) و(Midjourney) و(Stable Diffusion). وقد تكون نماذج اللغة الكبيرة الجديدة مقنعة من وجهة نظر تكنولوجية، ولكن إذا كان لدى المستخدمين مجموعة من المطالبات التي تعمل جيدًا في برنامج (شات جي بي تي) ولم يكن لديهم مطالبات مثبتة لبرامج نماذج اللغة الكبيرة ، فمن المرجح أن يلتزموا ببرنامج (شات جي بي تي). وفي حين أن البنى الأساسية متشابهة في جميع نماذج اللغة الكبيرة، فإنها مصممة بشكل كبير، وقد لا تعمل استراتيجيات المطالبات التي تعمل بشكل جيد مع النماذج. وفي الوقت نفسه، فإن أعداد المستخدمين هي الهدية التي تستمر في العطاء؛ حيث يجذب برنامج (شات جي بي تي) بقاعدة مستخدميه الكبيرة، المطورين لبناء مكونات إضافية فوقه. وعلاوة على ذلك، تُكوِن البيانات المستمدة من استخدام نماذج اللغة الكبيرة انطباعات ومراجعات تسمح للنماذج بالتحسن. بشكل عام، سوف تتحسن أنظمة إدارة التعلم الآلي الأكثر شعبية بشكل أسرع من الأنظمة الأصغر حجمًا لأنها تحتوي على مزيد من بيانات المستخدمين للعمل بها، وتؤدي هذه التحسينات إلى جلب مزيد من المستخدمين.
أما العامل الثالث فهو اقتصاديات الحجم. إذ ستسمح فوائد جانب العرض المتمثلة في تجميع الموارد وتجميع الطلب لأنظمة إدارة التعلم الآلي ذات قواعد العملاء الكبيرة بتكلفة أقل لكل استعلام من أنظمة إدارة التعلم الآلي الناشئة. تتضمن هذه الفوائد القدرة على التفاوض على أسعار أفضل من بائعي وحدات معالجة الرسوميات ومقدمي الخدمات السحابية.
وللأسباب المذكورة أعلاه، على الرغم من إصدار نماذج أساسية جديدة بشكل منتظم، نتوقع أن تتوحد نماذج سوق الأساس حول عدد قليل من الأطراف الفاعلة الرئيسية في المجال.
البناء أم الاقتراض؟
سيتعين على الشركات التي تتطلع إلى اقتحام سوق خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تقرر ما إذا كانت ستبني تطبيقات على نماذج أساسية تابعة لجهات خارجية مثل (شات جي بي تي 4) أو تبني نماذج اللغة الكبيرة الخاصة بها (إما بالبناء على بدائل مفتوحة المصدر وإما تدريبها من الصفر). قد يأتي البناء على نماذج تابعة لجهات خارجية بمخاطر أمنية، مثل التعرض المحتمل للبيانات التي تملكها الشركة. يُخفف هذا الخطر جزئيًا من خلال استخدام موفري السحابة نماذج اللغة الكبيرة الموثوق بهم الذين يمكنهم ضمان بقاء بيانات العملاء سرية وعدم استخدامها لتدريب وتحسين نماذجهم.
البديل هو الاستفادة من نماذج اللغة الكبيرة مفتوحة المصدر، مثل(Llama 2) و (Falcon 40B) دون الاعتماد على موفري الطرف الثالث مثل (أوبن إيه آي). وتكمن جاذبية النماذج مفتوحة المصدر في أنها توفر للشركات وصولًا كاملًا وشفافاً إلى النموذج، وغالبًا ما تكون أرخص، ويمكن استضافتها على سحابات خاصة. ومع ذلك، فإن النماذج مفتوحة المصدر تتخلف حاليًا عن (شات جي بي تي 4) من حيث الأداء في المهام المعقدة مثل إنشاء التعليمات البرمجية والمنطق الرياضي. علاوة على ذلك، تتطلب استضافة مثل هذه النماذج مهارات ومعرفة تقنية داخلية، في حين أن استخدام نماذج اللغة الكبيرة التي تستضيفه جهة خارجية قد يكون بسيطًا مثل الاشتراك في خدمة، واستخدام واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بالموفر للوصول إلى الوظائف. بدأ مزودو الخدمات السحابية بشكل متزايد في استضافة نماذج مفتوحة المصدر وتقديم الوصول إليها عبر واجهة برمجة التطبيقات لمعالجة هذه المشكلة، والبديل الأخير هو أن تبني الشركات نماذج خاصة بها من الصفر. ويتوقف السؤال حول ما إذا كانت الشركة لديها الموارد اللازمة لنشر وإدارة وصيانة وتحسين هذه التكنولوجيا بشكل مستمر. وقد ظهرت شركات توريد للمساعدة في هذه المهام غير التافهة، ولكن جاذبية التعامل المرن مع مزودي البنية الأساسية السحابية الكبار الذين يقدمون نماذج أساسية جاهزة للاستخدام على منصاتهم ستكون جذابة.
الفرص الخاصة بالمجال
إن أداء نماذج اللغة الكبيرة يتحدد من خلال بنية الشبكة العصبية -النموذج- وكمية ونوعية البيانات التي تُدرب عليها.
تتطلب نماذج المحولات كميات كبيرة من البيانات. تعمل نماذج المحولات عالية الأداء -تلك التي تولد محتوى دقيقاً ووثيق الصلة ومتماسكًا وغير متحيز وأقل عرضة للهلوسة- على نطاق يزيد عن تريليون رمز(Tokens) والتي تعرف بأنها وحدة أساسية من النص لنماذج اللغة الكبيرة، غالبًا كلمة أو جزءٍ منها)، من بيانات الإنترنت ومليارات العوامل (متغيرات نماذج اللغة الكبيرة التي يمكن تعديلها من خلال التدريب). تتمتع أكبر نماذج اللغة الكبيرة بأفضل أداء في مجموعة واسعة من المهام. لكن جودة البيانات وتميزها يمكن أن يكونا بالقدر نفسه من الأهمية لفاعلية نماذج اللغة الكبيرة، ويمكن للنماذج المدربة أو المضبوطة على بيانات محددة المجال أن تتفوق على النماذج العامة الأكبر حجمًا في المهام المتخصصة في مجالات محددة. لهذا السبب، قد تتمتع المنظمات التي لديها إمكانية الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات عالية الجودة في مجالات محددة بميزة على الأطراف الفاعلة الآخرى في إنشاء نماذج متخصصة لقطاعاتها.
على سبيل المثال، استفادت بلومبيرج من قدرتها على الوصول إلى البيانات المالية لبناء نموذج متخصص للمهام المالية. إن نموذج (بلومبيرج شات جي بي تي) هو نموذج يحتوي على 50 مليار عاملًا، مقارنة بـ 475 مليار عاملًا تقريبًا في (شات جي بي تي 3.5) ومع ذلك أظهرت الأبحاث المبكرة أنه يتفوق على (شات جي بي تي 3.5) في سلسلة من المهام المالية المعيارية. يُدرَب كلا النموذجين على مجموعات بيانات كبيرة؛ يُدرَب (بلومبيرج شات جي بي تي) على 700 مليار رمز، فيما (شات جي بي تي 3.5). على 500 مليار. لكن أكثر من 52٪ من مجموعة بيانات تدريب (بلومبيرج شات جي بي تي) تتكون من مصادر مالية مختارة، مما يمنحها ميزة في المهام الخاصة بالمجال. ومع ذلك، أظهرت دراسة حديثة أن (شات جي بي تي 4) مع المطالبات المحسنة، يتفوق على (بلومبيرج شات جي بي تي) في المهام المالية البسيطة، مثل تحليل المشاعر. ونعزو هذا إلى الحجم الأكبر لنموذج (شات جي بي تي 4) (الذي ورد أنه يحتوي على أكثر من تريليون عاملًا). باختصار، في حين أن النماذج المبنية على بيانات محددة المجال يمكن أن تحقق أداءً قويًا باستخدام نماذج أصغر وأرخص، فإن تدريبها لا ينبغي أن يكون تمريناً لمرة واحدة وسوف يتطلب استثمارًا مستمرًا، نظرًا لأن النماذج العامة تنمو وتتحسن باستمرار.
ومن المرجح أن تستفيد الشركات القائمة في قطاعات أخرى ذات بيانات محددة المجال من نماذج اللغة الكبيرة، ومن أمثلة تلك القطاعات: التأمين والإعلام والرعاية الصحية.
أهمية واجهة المستخدم
تواجه الشركات التي تبني تطبيقات على نماذج أساسية (غالبا ما يشار إليها باسم مغلفات شات جي بي تي) معضلة مفادها أن المنافسين يمكنهم بسهولة تكرار وظائف تطبيقاتهم من خلال البناء على النماذج الأساسية نفسها أو نماذج متفوقة. وفي غياب التمييز القائم على النموذج أو البيانات، ستحتاج الشركات إلى تمييز نفسها في نهاية سلسلة المعالجة، وهي الواجهة حيث يلتقي فيها ذكاء الآلة بالمستخدم.
نعتقد أن الميزة هنا تكمن في التطبيقات ذات الجمهور الراسخ. خذ مثال (GitHub Copilot)، وهي أداة توليدية تعمل بالذكاء الاصطناعي تكتب التعليمات البرمجية. تعمل على مولد التعليمات البرمجية (كوديكس) من (أوبن إيه آي) ومؤخرًا (شات جي بي تي 4) وتُوزَّع من خلال (GitHub)، وهي منصة تطوير برمجيات مملوكة لشركة مايكروسوفت. يوفر 100 مليون مطور يستخدمون (GitHub) ميزة توزيعية هائلة على الشركات الناشئة التي تعمل على منتجات توليد التعليمات البرمجية المماثلة. كما تمنح التحليلات من قاعدة المستخدمين الكبيرة هذه ميزة من حيث تحسين النموذج ودمجه في منصة تطوير البرمجيات الخاصة بهم. (ومع ذلك، ستواجه الشركات تحديًا في موازنة تحسين نموذج الذكاء الاصطناعي مع مخاوف خصوصية المستخدم. ومن الأمثلة على ذلك الغضب العام الذي دفع زووم إلى التراجع عن تغيير في شروط الخدمة الخاصة بها والذي كان سيسمح لها باستخدام محتوى العملاء لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي).
وسيكون لدى شركات التكنولوجيا الحالية ميل طبيعي نحو التكامل الرأسي؛ حيث يمتلك منشئ نماذج اللغة الكبيرة التطبيق أيضًا. تعمل (جوجل) بالفعل على دمج قدرات النماذج اللغوية الخاصة بها في كلٌ من (مستندات جوجل وجيميل) تماماً كما تفعل مايكروسوفت مع مجموعة منتجاتها من خلال شراكتها مع (أوبن إيه آي).
قد تنجح الشركات القائمة وفي الوقت ذاته في مجالات محددة والتي لا تمتلك نماذج اللغة الكبيرة خاصة بها في بناء تطبيقات مصممة خصيصاً لقاعدة المستخدمين الحالية لديها بالإضافة إلى نماذج اللغة الكبيرة من جهات خارجية. ويمكنها الاستفادة من وصولها إلى المرحلة الأخيرة لتجميع القدرات الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسهولة في عروضها الحالية وإيصالها إلى أيادي العملاء أسرع من المنافسين. وبتعبير آخر، إذا كانت هناك سوق كبيرة وتنافسية لنماذج اللغة الكبيرة توفر ميزات مكافئة تقريبًا، فإن التطبيقات التي تفتخر بقاعدة مستخدمين كبيرة ومخلصة تقف لالتقاط أكبر قيمة من الذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال الاستفادة من ميزتها التوزيعية في أعلى مجموعة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشكل هذه الميزة تحديات للمستجدين في القطاع إلى جانب مزايا البيانات التي تمتلكها الشركات القائمة بالفعل.
ما الآثار المترتبة على المديرين الذين يصوغون استراتيجيات الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاصة بهم؟ إذا كانت شركتهم شركة قائمة في قطاعها فعليهم التفكير مليًا في المهام المعقدة الخاصة بالمجال والتي يمكن معالجتها بشكل أفضل باستخدام البيانات التي تملكها الشركات، وستسمح هذه الميزة الملكية للشركة بتقديم قيمة فريدة لعملائها. عندما يكون من السهل على المنافسين تكرار وظائف الخدمات والمنتجات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي والتي تقدمها شركة ما -إما لأن لديهم بيانات مماثلة وإما لأن نماذج اللغة الكبيرة قادرة على تحقيق قدرات مماثلةـ فإن قدرتها على طرح هذه التطبيقات على الفور على قاعدة كبيرة من المستخدمين والتكرار على أساس كميات هائلة من بيانات العملاء لا بد وأن تكون التنافسية مصدر تميزها. وسيتعين على رواد الأعمال ممن يبنون شركات ناشئة دون الوصول إلى بيانات خاصة أو قاعدة كبيرة من المستخدمين أن يدركوا عيوبهم ويبنوا حولها، كما سيتعين عليهم البناء على نماذج عامة أكبر حجمًا تتطابق مع نماذج دقيقة الضبط، على الأقل في المهام الأبسط الخاصة بالمجال، لبناء منتجاتهم وخدماتهم الأولية. إضافة إلى الاعتماد على مرونتهم وعلى جمود الشركات القائمة للاستفادة من البداية المبكرة مقارنة بالشركات القائمة القوية، لكن الأبطأ.
معضلة حقوق الطبع والنشر
أظهر كثير من صناع المحتوى مخاوفهم بشأن حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما رفعت صحيفة نيويورك تايمز دعوى قضائية ضد شركة (أوبن إيه آي) زاعمة أنها استخدمت محتوى صحيفة نيويورك تايمز لتدريب نماذجها وإنشاء منتجات بديلة. كما رفعت شركات ومؤلفون ومبرمجون آخرون دعاوى قضائية ضد ملّاك نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لأسباب مماثلة، في حين زعمت شركة (أوبن إيه آي) أن تدريب النماذج على المحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر؛ يقع ضمن أحكام الاستخدام العادل لقانون حقوق الطبع والنشر، فقد أدركت أيضًا الحاجة إلى إنشاء نماذج جديدة لاتفاقية استخدام المحتوى، ووقعت صفقة مع شركة الوسائط (أكسيل سبرينجر Axel Springer) لاستخدام محتواها لتدريب نماذج (أوبن إيه آي).
وبغض النظر عن كيفية حل هذه الدعاوى القضائية، من المرجح أن تؤدي المخاوف الأساسية حول نماذج التدريب على الملكية الفكرية التي أنشأتها أطراف أخرى إلى ميزة أكبر للاعبين الراسخين في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. على عكس الكيانات الأصغر أو الأحدث، تمتلك شركات مثل (جوجل) و (مايكروسوفت) و (ميتا) الموارد اللازمة لمحاربة مطالبات حقوق الطبع والنشر في المحكمة، وتوقيع اتفاقيات الترخيص مع منشئي المحتوى، وتعويض المستخدمين عن أي مطالبات بحقوق الطبع والنشر على المحتوى الذي أُنشِئ باستخدام نماذجهم.
البقاء جماعةً أو منفردًا؟
ماذا يعني هذا للشركات التي تقدم منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ قد تواجه الشركات التي تسعى إلى إنشاء نموذج أساسي جديد صعوبة في المنافسة على أداء النموذج مع الأطراف الفاعلة الحالية. تتمثل الطريقة للتنافس خارج أداء النموذج في بناء النظام البيئي، بالإضافة إلى الأدوات لكل طبقة من ال (Stack) مثل الأدوات التي تجعل من السهل بشكل خاص على مطور التطبيقات ضبط التوليد المعزز بالاسترجاع أو تطبيقه فوق نموذج أساسي. إذا كانت لدى المنظمة بيانات واسعة النطاق خاصة بمجال معين، فإن نماذج اللغة الكبيرة في مجال معين ستسمح لها بالتمييز عن النماذج العامة.
تحتاج الشركات التي تسعى إلى تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي ودمجه في سير العمل أو المنتجات إلى تطوير الوضوح بسرعة بشأن حالات الاستخدام والمهام التي تعد مرشحة جيدة لإثبات المفهوم. وتستند بعض المعايير ذات الصلة إلى إجابات عن ثلاثة أسئلة:
1. هل حالة الاستخدام غير منظمة؟ قد تخضع الشركات في الصناعات الخاضعة للتنظيم الشديد، مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية، لأعباء امتثال وتدقيق كبيرة تجعل من غير الممكن بالنسبة لها التخطيط لتطوير المنتجات وإطلاقها في دورات قصيرة. ونظرًا للتقدم السريع والتغيرات في الذكاء الاصطناعي التوليدي، فمن المهم التكرار بسرعة، وبالتالي فإن دورات المنتج متعددة السنوات ليست منصات اختبار مثالية للذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم.
- هل الأخطاء قابلة للإدارة؟ إن المخرجات الخاطئة أو المتحيزة أمر لا مفر منه مع الذكاء الاصطناعي التوليدي. هناك كثير من الأمثلة على هلوسات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالإضافة إلى التحيزات في النصوص والصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي. وبالمثل، هناك أمثلة على مشكلات سرية البيانات من استخدام المؤسسات لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي من جهات خارجية. سيكون تطوير الكفاءة الداخلية في اكتشاف وتصحيح هلوسات الذكاء الاصطناعي وضمان أمن الذكاء الاصطناعي التوليدي وخصوصية البيانات أمرًا بالغ الأهمية.
3. هل لديك بيانات فريدة ومعرفة بالمجال لتمكين وإدارة الضبط الدقيق أو التوليد المعزز بالاسترجاع؟ إذا كان التطبيق عبارة عن غلاف (جي بي تي) فقط، فإن الوظيفة قابلة للتكرار بسهولة، ومن غير المرجح أن يوفر التطبيق أي ميزة تنافسية أو حل تحديات فريدة خاصة بالصناعة أو الشركة. ستكون الاستفادة من البيانات الخاصة بالطرف الأول أمرًا بالغ الأهمية لتقديم القيمة وبناء التمايز.
بمجرد تحديد حالة استخدام مقنعة، فإن القرار التالي هو ما إذا كان سيتم تصنيع أو شراء نموذج و/أو تطبيقات فوقه، مع مراعاة استراتيجيات البائعين ونضج التكنولوجيا واستراتيجيتها الخاصة بالمنظمة. يعد بناء فريق داخلي لديه وعي بالتقنيات ذات الصلة والمقاييس لتقييم عائد الاستثمار أمرًا ضروريًا لاتخاذ قرار مستنير. ونظرًا للسرعة التي تتطور بها هذه التكنولوجيا، فإن قرار الشركة ببناء نماذجها الخاصة يجب أن يأخذ في الحسبان أن قدرتها لا تنحصر على بناء نموذج، بل وعلى الاستمرار في تطويره لمواكبة السوق.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




