• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الجمعة, يوليو 3, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

بناء الجمهورية لدى كلود نيكوليه | كليمنت بور

بواسطة معنى
29 ديسمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
بناء الجمهورية لدى كلود نيكوليه | كليمنت بور

ترجمة/ شروق درّاج

مراجعة/ محمد بن علي الزهراني


ترك كلود نيكوليه تأثيره العميق عبر أعماله عن روما، وكذلك من خلال مقالاته، المعروفة جدًّا والملتصقة بفكرة الجمهورية. كما أسس مدرسةً تمنهج استخدام البروسبوغرافيا.

وصفه فيبلي مورو Philippe Moreau في نقد له عام ١٩٨٨م بـ«نيكوليه الجمهوري ا» [١] تجدر الإشارة إلى أن كلود نيكوليه كان آنذاك أكثر المتخصصين شهرة في تاريخ الجمهورية الرومانية في فرنسا، بل حتى أكثرهم دراسة لمفهوم الجمهورية عمومًا، وذلك بفضل عمله فكرة الجمهورية في فرنسا (١٩٨٢م). أدت مكانته هذه، إلى جانب نضاله السياسي، إلى تكليفه من جان-بيير شوفينمان Jean-Pierre Chevènement، وزير الدفاع في تلك الفترة، بمهام التأسيس المدني للجيوش. وهكذا، تمثل الثمانينيات الفترة التي تتقاطع فيها بوضوح الجوانب الثلاث الرئيسة في عمله ومسيرته: مؤرخ لروما القديمة، ومثقف جمهوري، ومواطن ملتزم. 

كان كلود نيكوليه، المولود عام ١٩٣٠م في مارسيليا، أصغر من أن يشهد على مآسي الحرب العالمية الثانية، لكنه حمل دومًا شعورًا بالأسى لانتمائه إلى جيل “تخلى عنه التاريخ” [٢]. مما جعل حلم شبابه هو أن يكون «سياسيًّا نزيهًا» [٣]، فانطلق في رحلته السياسية خلال حقبة الجمهورية الرابعة في أوج الحرب الباردة. ومع تخرجه من المدرسة العليا للأساتذة في شارع أولم Ulm وحصوله على شهادة التبريز في التاريخ[1] عام ١٩٥٤م، اختار الانضمام إلى الحزب الراديكالي وإلى بيير منديس فرانس Pierre Mendès France، معتبرًا أن هذا الخيار يمثل “رفضًا للكنيسة وثأرًا للفعل”[٤]. خلال خدمته العسكرية عام ١٩٥٥م، تواصل مباشرة مع مانديس فرانس الذي شجعه على تأسيس وتحرير مجلة دفاتر الجمهورية Les Cahiers de la République (١٩٥٦-١٩٦٣م)، مما مهد له الطريق للانضمام إلى الدائرة المقربة من رجل الدولة، ليصبح لاحقًا عضوًا في مكتبه الوزاري عام ١٩٥٦م، وأخيرًا إلى مكتب بيير أنكسيونا Pierre Anxionnaz، كاتب الدولة لشؤون البحرية (١٩٥٦-١٩٥٧م). كان لمشاركته في تحرير المجلة إلى جانب نشر كتاب من أنا؟ Que sais-je? عن الراديكالية (١٩٥٧م) أثر بارز في تطوير الفكر النظري للمنديسية، التي سعت إلى إحياء الراديكالية النضالية الجمهورية. وفي خضم الأزمة الجزائرية، أطلق نيكوليه ندوة حول مفهوم اليسار، خلص من خلالها إلى قناعة مزدوجة: أولًا، حسب رأيه، تتمثل في أن الفلسفة السياسية لعصر التنوير تقدم جسرًا للمصالحة بين اليسار الماركسي وغير الماركسي، وكونه راديكاليًّا مخلصًا، رأى في التعليم “القضية الأساسية للديموقراطية”، لتجنب الحكم البوليتكنيكي [٥[ إلا أن التجربة المنديسية لم تدم طويلًا، فسرعان ما عاد إلى ميدانه الأكاديمي، بعد أن خلّف شهادة نقدية لاذعة لديغول Gaulle في كتابه بيير منديس فرانس أو مهنة كاساندرا Pierre Mendès France ou le métier de Cassandre (١٩٥٩م) حيث كان نيكوليه يرى أن المواطنة مستحيلة في ظل حكم ديغول [٦]، ومع اختفاء الأخير عن المشهد، حاول العودة إلى الساحة السياسية من خلال ترشحه للانتخابات التشريعية لعام ١٩٧٣م، إلا أن الحظ لم يكن حليفه.

على الرغم من أن مسيرته الأكاديمية جاءت بمحض الصدفة تقريبًا، حيث اختصر صديقه بيير فيدال-ناكيت Pierre Vidal-Naquet، الذي عرفه منذ صيف عام ١٩٥٠م [٧]، هذه المسيرة في كلمات وجيزة: “إن ما أسعد كلود نيكوليه… هو أنه ينشر كتابًا جديدًا تقريبًا كل عام، كتابًا دائمًا ما يكون مليئًا بالمعرفة، ويحدد بدقة المجالات التي اختارها. ما أسعد كلود نيكوليه”[٨]. وبالفعل، شكّل كلود نيكوليه شخصيةً محورية في المشهد التاريخي الفرنسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ نادرًا ما نعثر على مؤرخ ترك بصمته بوضوح في كلٍّ من التاريخ القديم والتاريخ الحديث، في زمنٍ باتت فيه التخصصات الدقيقة تهيمن على العلوم التاريخية. وقد تناولت أعماله الغنية فترات زمنية متباينة وموضوعات متعددة، إلى حدّ أن فيدال-ناكيت أشار إلى إمكان الحديث عن «شخصيات» عدة لنيكوليه.

كرّس كلود نيكوليه أعماله في الغالب لعالم روما القديمة، وهو ما يبدو مفاجئًا بالنظر إلى انخراطه السياسي في شبابه واهتمامه المبكر بشخصيات مثل مانديس-فرانس والراديكالية. غير أن صديقته أوديل روديل Odile Rudelle أوضحت هذا التوجه قائلة: «ثقل الزمن الذي يتبدل: تلك هي الحكمة المستمدة من هذا النجاح الممتد عبر العصور، والذي أُعجب به كلود نيكوليه إلى حدّ أنه، عند مفترق خياراته، آثر دراسة روما، المدينة الألفية التي استطاعت توسيع مفهوم المواطنة ليشمل أقاصي العالم المعروف» [٩]. كانت الكليات بالفعل هي صميم تأملاته، سواء فيما يتعلق بالعالم الروماني أو بالفكر السياسي الحديث، ففي مقدمة طبعة عام ١٩٩٥م من كتاب الفكرة الجمهورية في فرنسا L’idée républicaine en France، وجّه نيكوليه نقدًا لصعود الفردية والنزعات الهوياتية، وكذلك لعودة الدين، محذرًا من أخطار «الإفراط في زرع الفروقات». وكما كتب في تلك المقدمة، مبررًا اهتمامه بالتاريخ الحديث: «نغفل أيضًا عن ثقل الامتداد الزمني البعيد، وعن الوحدة الضرورية للجنس البشري، تلك الوحدة التي لا تتجلى فقط في المكان، بل تمتد عبر الزمن أيضًا.» [١٠]

على الرغم من قِصر تجربته السياسية، فقد تركت أثرًا بالغ العمق في تساؤلاته التاريخية. إذ انصبّ اهتمام نيكوليه، على نحو يكاد يكون حصريًا، على مفهوم الجمهورية، سواء في روما القديمة أو في فرنسا الحديثة، مع تركيز خاص على مسألة المواطنة. وقد تساءل عن طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بالدولة، واختار الضرائب موضوعًا مركزيًا لأبحاثه، بوصفها خيطًا ناظمًا امتدّ من أطروحته الأكاديمية الأولى إلى آخر أعماله.

ولم تكن الضرائب، في نظره، مسألة تقنية فحسب، بل شكّلت محورًا لقضايا متعددة شملت إدارة الإقليم والمالية العامة، ودرجة قبول المواطنين لها، فضلًا عن النقاشات السياسية التي أحاطت بتطبيقها وتحديد قيمتها، بل وحتى صلاتها بالحروب والغنائم. وعلى امتداد مسيرته الفكرية، لجأ نيكوليه إلى المناهج والمقاربات الحديثة في العلوم التاريخية لتعميق فهمه لهذا الثلاثي المحوري: الجمهورية، والمواطن، والضرائب، وهو ما يعكس استمراره في الالتزام بموقف فكري ذي نزعة راديكالية واضحة.

مسيرة أكاديمية منضبطة

بعد خيبة أمله في التيار المنديسي، التحق نيكوليه بالمدرسة الفرنسية في روما عام ١٩٥٧م للعمل على أطروحته حول الدولة، التي دافع عنها لاحقًا في عام ١٩٦٦م، وخلال إقامته في روما، كان يميل إلى الزيارة أكثر من المشاركة المباشرة في عمليات التنقيب الأثرية، وهي سمة تركها للعديد من تلاميذه: «التاريخ كان، أولًا وقبل كل شيء، مرتبطًا بالكتابة. ومن هنا جاء اهتمامه المعروف بالنقوش، ولكن بعد أن تخرج من الأرض، ويُفضل أن تكون قابلة للقراءة» [١١]. بعد روما، بدأ نيكوليه مسيرته الأكاديمية في جامعة تونس عام ١٩٥٩م، إلا أن مقاله الذي نُشر في لو موند Le Monde الذي انتقد فيه القصف الذي تعرضت له بنزرت في يوليو ١٩٦١م أدى إلى استدعائه إلى فرنسا بتهمة انتهاك واجب التحفظ. هناك، تولى منصبًا في كاين Caen، وذلك بعد موافقته، خلفًا لفيدال-ناكيت Vidal-Naquet، الذي كان قد أُعفي من منصبه بعد توقيعه على “بيان الـ١٢١ Le manifeste des 121” المناهض لحرب الجزائر. عام ١٩٦٩م، بلغ نيكوليه ذروة مسيرته الأكاديمية، حيث خلف أستاذه ويليام سيستون William Seston في منصب الأستاذية بجامعة السوربون، وظل فيها حتى تقاعده عام ١٩٩٧م. بالإضافة إلى ذلك، تقلد منصب مدير الدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا (École Pratique des Hautes Études (EPHE، واختار موضوع “المؤسسات السياسية في روما” فترة تقلده المنصب، ما سمح له بتناول العديد من المواضيع في ندواته التي كانت الحاضنة الأساسية لأبرز أعماله، وساهمت في تدريب العديد من تلاميذه.

مؤرخ بروسبوغرافي للفرسان الرومان

بدأ نيكوليه العمل على أطروحته حول النظام الفروسي في روما منذ عام ١٩٥١م، متناولًا طبقة الفرسان التي جرت العادة على مقارنتها بالبرجوازية (حتى إن هوارد هيل كان لا يزال يُشير إليهم عام ١٩٥٢م باعتبارهم بـ«الطبقة المتوسطة»). جاء اختيار هذا الموضوع باقتراح من مشرفه، ويليام سيستون، حيث رأى فيه فرصة لإنجاز ما وصفه بأنه «تاريخ اجتماعي على خلفية اقتصادية ومع تأثيرات سياسية»، أو كما عبر عنه: «التاريخ وفقًا لأحلامه» [١٢]. لم يكن شغوفًا بعلم الآثار، الذي كان يفتح آفاقًا واسعة لدراسة تاريخ سلاح الفرسان، وهو مجال لم يستهوِه كثيرًا، ومع ذلك، أدرك سريعًا أن الاقتصار على دراسة النصوص الأدبية والقانونية، مهما بلغت دقتها وصرامتها، لن يكون كافيًا. ولهذا السبب، اختار منهج البروسبوغرافيا، وهو أسلوب يقوم على تجميع البيانات الفردية وتحليلها ضمن سياق مشترك لأفراد ينتمون إلى مجموعة محددة. على الرغم من أن هذه المنهجية لم تكن منتشرة على نطاق واسع آنذاك، إلا أنها أثبتت فاعليتها، لا سيما في دراسة العصر الإمبراطوري، بفضل النقوش التي مكّنت من تتبع المسارات الفردية. كما في أعمال هانز-غيورغ بفلاوم Hans-Georg Pflaum، وأما فيما يتعلق بالعهد الجمهوري، فقد سبقه إلى هذا النهج أسماء بارزة، اعتمدت في الغالب مقاربة وظيفية لدراسة التحالفات داخل الأرستقراطية، من بينهم فريدريش مونتسر Friedrich Münzer ورونالد سايم Ronald Syme.

أتاحت له هذه المنهجية أن يُثبت أن ما كان يحدّد رتبة الفارس الروماني لم يكن قائمًا على مستوى الثروة، كما كان يُعتقد، بل على معيار مدني يتمثّل في شرف الحصول على «الحصان العام» الذي يمنحه الرقباء، وهم الجهة التي كانت تشرف دوريًا على تسجيل المواطنين الرومان وتصنيفهم. كما بيّنت الدراسات البروسبوغرافية أن الفرسان الرومان لم يكونوا جميعًا من كبار المُلّاك أو التجار، على خلاف التصوّر الشائع الذي قدّمهم بوصفهم «برجوازية» رومانية. فقد كانوا، في الغالب، مُلّاك أراضٍ، عاش بعضهم بأسلوب حياة لا يختلف كثيرًا عن أسلوب حياة أعضاء مجلس الشيوخ، بل إن من بينهم شخصيات مثقفة بارزة، كما في حالة أتيكوس، صديق شيشرون. وقد جاء هذا التحليل في سياق فكري وسياسي كانت تطغى عليه التأثيرات الماركسية، وهو ما اعترف به نيكوليه لاحقًا حين وصف نفسه، عام 2000م، بأنه ماركسي، على الأقل من حيث اعتماده الأدوات التحليلية المستمدة من الماركسية.[١٣])، أعاد نيكوليه التأكيد على أن روما كانت مجتمع طبقات، حيث شكل الفرسان الرومان المرتبة الثانية ضمن هذا النظام، ولم يكونوا مجرد طبقة اجتماعية تعادل الرأسماليين أو من عامة المزارعين. كانت السير الفردية الـ٣٧٠ عنصرًا أساسيًّا في دعم أطروحته، حيث جُمعت في مجلد ثانٍ نُشر عام ١٩٧٤م، أي بعد ثماني سنوات من مناقشة أطروحته ونشر المجلد الرئيسي عام ١٩٦٦م.

يتناول المجلد الأول قضايا تتجاوز نطاق البروسبوغرافيا والتاريخ الاجتماعي، إذ يركّز على المؤسسات وعلى الدور الذي اضطلع به الفرسان في الحياة المدنية. ويشمل ذلك النظام الضريبي، حيث كان جُباة الضرائب (publicains)، الذين يتولّون تحصيل الأموال العامة بموجب عقود، ينتمون في الغالب إلى صفوفهم؛ وكذلك المجال القضائي، إذ منذ عهد الأخوين غراكوس بين عامي 133 و121 ق.م، بات الفرسان يشغلون الغالبية في هيئات المحلّفين بالمحاكم السياسية الكبرى. وينسحب الأمر أيضًا على الاقتراع، حيث كان الفرسان يصوّتون أولًا، وهو ما منحهم قدرة ملموسة على توجيه نتائج الانتخابات.

وقد كانت الامتيازات المرتبطة بالرتبة الفروسية تثير أحيانًا توترات، بل وصراعات، بين الفرسان وأعضاء مجلس الشيوخ، أي داخل الطبقة الحاكمة الرومانية نفسها. غير أن ذلك لا يعني وجود مواجهة بين «برجوازية» تجارية تسعى إلى توسيع الإمبراطورية لتعظيم الفرص الاقتصادية والمالية، وأرستقراطية سيناتورية تعتمد على ريع الأراضي. فالصراع كان سياسيًا في جوهره، لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا، ولا سيما أن الروابط بين الفرسان وأعضاء مجلس الشيوخ كانت وثيقة؛ إذ إن الشيوخ أنفسهم كانوا في الأصل منحدرين من طبقة الفرسان.

ومن هنا، خلص نيكوليه إلى أن الهوية الحقيقية للفارس الروماني تتجسّد في أدواره المدنية، بوصفها ثمرة مكانة شرفية، في حين كانت المناصب السياسية، وعلى رأسها تقلّد الوظائف القضائية، هي التي تُعرّف عضو مجلس الشيوخ.

حظيت أطروحته بصدًى واسع، رغم أن بعض التفسيرات لها أثارت الجدل في بعض الأحيان، إلا أن قيمة المنهج الذي قدّمه برزت بوضوح منذ البداية؛ إذ وضع أسس المنهج البروسبوغرافي، الذي تناول ملامحه في مقدمة أطروحته، وفي مقال نشره حول “السجلات Annales” [١٤]، حيث تخطى المقال حدود دائرة المتخصصين في الدراسات القديمة [١٥]. لم تكن التأملات الاجتماعية المنبثقة عن أطروحته في مؤتمر “المجموعات الاجتماعية، المراتب والطبقات في العصور اليونانية والرومانية القديمة Groupes sociaux, ordres et classes dans l’antiquité gréco-romaine” الذي عُقد عام ١٩٦٩م، سوى امتداد لما طرحه في أعماله، ونُشرت هذه الأعمال والتأملات لاحقًا تحت عنوان بحث في الهياكل الاجتماعية في العصور القديمة الكلاسيكية les structures sociales dans l’Antiquité Classique (١٩٧٠م)، حيث عاد نيكوليه في هذا العمل إلى المفردات والتصنيف الذي اعتمده في تحديد المجموعات في العصور القديمة، مُنتقدًا التصور الطبقي الذي دافعت عنه الماركسية، ومُشككًا في إمكانية إسقاط الفئات الاجتماعية المُستخدمة في المجتمعات الصناعية على العالم القديم.

على غرار ما فعله الجيل الجديد من المؤرخين في ذلك العصر، سعى نيكوليه، منتهجًا أسلوب المقارنة، إلى إثراء فكرته مستفيدًا من أعمال الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع واللغويين مثل (كلود ليفي شتراوس Claude Lévi-Strauss، وإميل بنفينيست Émile Benveniste، ورولان موسنييه Roland Mousnie)، ورغم تأثره بالبنيوية السائدة آنذاك، رفض نيكوليه الرؤية الجامدة للمجتمع، وركّز على أهمية الحراك الاجتماعي. في نهاية المطاف، كشفت مساهماته حول العَالم اليوناني الإيطالي عن فردانية المجتمعات القديمة، حيث تبين أن “التسلسل الهرمي الاجتماعي كان مستقلًّا نسبيًّا عن العوامل الاقتصادية” [١٦]. كما بيّن أن البُعد المدني كان عنصرًا جوهريًّا في فهم الهياكل الاجتماعية، كما رآه في نظام الفرسان، إلا أن تلك التصنيفات المدنية تصادمت مع الهيكل الاقتصادي الفعلي القائم.

التاريخ السياسي

بفضل خلفيته النضالية، ظلّ نيكوليه مفتونًا بتاريخ السياسة. ففي عام 1964م نشر كتابه الأفكار السياسية في روما في ظلّ الجمهورية (Les idées politiques à Rome sous la République)، واضعًا نصب عينيه إبراز النصوص المؤسسة للفكر السياسي الروماني. وعلى الرغم من توجّه الكتاب إلى جمهور واسع، فإنه تميّز بأصالة الأسئلة التي طرحها؛ إذ افتتحه باستعراض الموضوعات التقليدية المتجذّرة في الفكر الشعبي، قبل أن ينتقل إلى الفكر الشيشروني، مقدّمًا بذلك قراءة جديدة للحياة السياسية الرومانية من منظور الصراع بين الشعب والأرستقراطية.

وإلى جانب اهتمامه بتراث شيشرون، منح نيكوليه أفكار بوليبيوس مكانة محورية في تحليلاته، وهو المؤرخ الذي أسهم إسهامًا حاسمًا في بلورة فهمنا الحديث للسياسة الرومانية. وقد كان نيكوليه قارئًا نهمًا لبوليبيوس، ويتجلّى ذلك بوضوح في تأمّلاته للكتاب السادس من التواريخ، حيث تناول بوليبيوس المؤسسات الرومانية في القرن الثاني قبل الميلاد. وفي هذا السياق، شارك نيكوليه في نشر هذا الكتاب ضمن سلسلة «بودي» عام 1977م.

كان نيكوليه أيضًا شديد الاهتمام بفترة الجراتشي[2] التي تمثل بداية الحروب الأهلية في روما؛ إذ بدأ إسهاماته في هذا المجال عبر تجديده كتابًا حول الجراتشي Autour des Gracques (١٩٢٨م) لجيروم كاركوبينو Jérôme Carcopino، قبل أن يُصدر عمله الخاص الجراتشي: الأزمة الزراعية والثورة في روما Les Gracques: Crise agraire et révolution à Rome (١٩٦٧م)، الذي نُشر ضمن سلسلة تستهدف العوام. ورغم أن الكتاب قد يبدو أنه عفا عليه الزمن اليوم، إلا أن نيكوليه استحق التقدير لإبرازه عمق التناسق والابتكار في أفكار الجراتشي، خاصة فيما يتعلق بالعدالة وسيادة الشعب التي رأى أنها استُلهمت من الفلسفة اليونانية. كما تميّز بمعارضته للصورة النمطية التي وصفت الجراتشي باعتبارهم ديماغوجيين انتهازيين démagogues [3]opportunistes أو ميكافيليين machiavéliques[4]. وأعاد أيضًا ترتيب الأحداث بدقة متناهية واضعًا إياها ضمن سياق أزمة شاملة، حيث بيّن أن الجراتشي حاولوا الاستجابة لهذه الأزمة عبر تدابير جذرية وعميقة هددت بتغيير الريسبوبليكا[5] respublica، أي أنها كانت، كما هو عنوان غلاف كتابه، ثورة حقيقية.

مؤرخ الضرائب والاقتصاد

على الرغم من جهود نيكوليه لإثبات أن الفرسان الرومان لم يكونوا رجال أعمال businessmen كما كان يُعتقد، إلا أن أطروحته قادته إلى تناول مسائل اقتصادية تتعلق بالضرائب. ففي وقت احتدم فيه الجدل بين المفكرين البدائيين[6] والحداثيين حول مدى تقدم الاقتصاد الروماني، مثّل عمله في مجال الضرائب «نوعًا من المفارقة»، باعتباره نتيجة، دون شك، لالتزامه بنهج مانديس، وعلاقته بالاقتصادي غابرييل أردانت Gabriel Ardant  [١٧]. تناول نيكوليه هذه القضايا من زاوية سياسية أيضًا، فلم يقتصر بحثه على دراسة مسألة توزيع الثروات (أي المساواة)، وآليات استخدام الخزانة العامة، بل تساءل أيضًا عن كيفية عمل الدولة فعليًّا، ومن هنا اعتمد نيكوليه على المقارنة كما اتضح ذلك في المؤتمر الذي شارك في تنظيمه، والذي أسفر عن نشر كتاب الجيوش والضرائب في العالم القديم Armées et fiscalité dans le monde antique (١٩٧٧م)، وهو العمل الذي سعى إلى كشف ترابط النظام الضريبي، وتنظيم الدولة من خلال التركيز على الاحتياجات العسكرية وحسب، وكان يُعدّ طرحًا رائدًا آنذاك. تبع ذلك نشره لكتاب ترايبوتوم[7] Tributum (١٩٧٦م) الذي اعترض فيه على الرأي القائل بأن فتوحات الإمبراطورية «أدت إلى تراجع الوعي العام بالضرائب المباشرة»، حيث كان يُعتقد أن المواطن المُساهم في دفع الضرائب أصبح «عالة entretenu»، كما توحي المقولة اللاتينية الشهيرة «الخبز والسيرك[8]Panem et circenses» [١٨]، وقد أظهر نيكوليه مدى وعي الرومان بتزوير الإيرادات الإمبراطورية، ما يدل على اهتمامهم بشؤون الميزانية، ومن خلال دراسة الشكاوى والنزاعات التي أثارتها الضرائب، أعاد نيكوليه هذه المسألة إلى سياقها المدني، وهي زاوية أغفلها المؤرخون قبله. في ختام دراسته، خلص نيكوليه إلى أن الإمبراطورية شهدت تحولًا من الترايبوتوم إلى الفيشيم vicesima، وهي ضريبة دائمة على الميراث تُفرض على جميع المواطنين، مما يعني تحول النظام الضريبي من مدني إلى ملكي، ومن جيش قائم على التجنيد المدني إلى جيش محترف[9]. أسهمت هذه التحولات إلى انحسار دور المواطنة “لتصبح وضعًا قانونيًّا وشخصيًّا بعدما فقدت أهميتها لدى الحكومة” [١٩].

كتاب مهنة المواطن (1976م)

نلاحظ أن مسألة العلاقة بين المواطن والدولة دائمًا ما كانت محور أعماله المتعلقة بالضرائب، وهي قضية محورية في متن كتابه الأشهر مهنة المواطن Le Métier de Citoyen(١٩٧٦م ()[ [٢٠]]. إذ استُهل الكتاب بتساؤل بسيط: «ما المحتوى اليومي، المعيشي، بل الوجودي إلى حد ما، للمواطنة الرومانية؟» [٢١]. كان من المفترض أن يحمل الكتاب عنوان “الحياة اليومية للمواطن الروماني”، لكن الناشر أبدى تحفظًا حيال طوله وتعقيده. في البداية، اقتُرِح عنوان الدولة والمواطن [٢٢] للكتاب، قبل أن يستقر أخيرًا على مهنة المواطن (١٩٧٦م). في المناخ الماركسي الذي ساد السبعينيات، سعى نيكوليه إلى إعادة توجيه الاهتمام بعيدًا عن الطبقة الحاكمة، مسلطًا الضوء على المواطن العادي الذي طالما هُمّش في الظل، متبنيًا منظورًا هيكليًّا يختلف عن “التاريخ السوسيولوجي” الذي طرحه بول فين Paul Veyne، والذي نشر أيضًا عام ١٩٧٦م كتابه الخبز والسيرك: السوسيولوجيا التاريخية للتعددية السياسية Le Pain et le cirque: sociologie historique d’un pluralisme politique.

يبرز في قلب “الآلية الجمهورية machenerie republicaine” التعداد السكاني Census الذي يُعد أداة ضخمة تهدف إلى عد وتصنيف المواطنين. وهنا، يستعيد نيكوليه مفهوم المساواة الهندسية، كما طرحه كل من أفلاطون وأرسطو، معتبرًا إياه المبدأ الجوهري لتنظيم المجتمع المدني الروماني، حيث تتناسب الحقوق مع الواجبات؛ فالأغنياء، بحكم مساهماتهم الضريبية الأعلى وخدمتهم العسكرية، تمتعوا بحقوق سياسية أوسع. ورغم أن جميع المراجع الفرنسية التي تناولت الجمهورية الرومانية باتت تركز اليوم على هذا المفهوم، إلا أن تأثيره يظل محدودًا خارج السياق الفرنسي. ومع ذلك، اقترب نيكوليه، من خلال قراءته للتعداد السكاني بصفته أداة لتأسيس المدينة وترسيخ الإجماع الضروري لاستمراريتها، من أطروحات المؤرخين الألمان في سياق كتابات كريستيان ماير Christian Meier. كما تحصّلت رؤيته لمكانة التعداد السكاني باعتباره الركيزة الأساسية للنظام الجمهوري، والطقس لدمج المواطن، على إشادة كبيرة، إلا أنها نادرًا ما تناولتها الدراسات اللاحقة، سواء باللغة الفرنسية أو غيرها.

وفي سعيه لدراسة جماهير المواطنين، انطلق نيكوليه من الخدمة العسكرية باعتبارها الوسيلة الأساسية لمشاركة الأفراد في الحياة المدنية، إذ دائمًا ما ظلّ الجيش الجمهوري جيشًا مدنيًّا. يُعيد نيكوليه تتبع منهجية كتابه الجيوش والضرائب Armée et fiscalité، مستكشفًا الروابط بين الجيش والمجتمع، دون إغفال العامل الزمني، ليقدم خلاصة للآراء السائدة آنذاك. تبنى نيكوليه الرؤية السلبية للخدمة العسكرية في القرن الثاني قبل الميلاد، والتي كانت تعتبر عبئًا على المواطن، وعاملًا في تأجيج الأزمات الاقتصادية والسياسية، وكذلك فكرة احترافية الجيش وبرتلة[10] طبقة الجنود في القرن الأخير من الجمهورية، والتي ساهمت في سقوط النظام الجمهوري، غير أن هذه الأفكار أصبحت محل رفض اليوم.

 [https://www.u-bordeaux-montaigne.fr/fr/actualites/nouvellespublications/annee-2018/l-armee-imaginaire-et-si-on-repensait-l-histoire.html].

يُعدّ تقسيم الغنائم لحظةً مشحونة بالتوترات، إذ تتقاطع فيها مصالح المدينة مع مصالح جنودها، والأرستقراطيين القادة للجيش، فضلًا عن متطلبات تمويل الحروب ذاتها، وهي مسألة تفتح مباشرة على إشكالية الواجب الضريبي، وما يرتبط به من مفهوم الترايبوتوم. وكان الهدف، في هذا السياق، دراسة موقف المواطن الروماني من الضرائب، سواء من حيث قبوله لها أو اعتراضه عليها، ولا سيما في ما يتعلّق بإعادة توزيع الثروات المتأتية من الانتصارات العسكرية.ومن خلال هذه المقاربة التي كانت مبتكرة في زمانها، أعاد نيكوليه إدخال «البعد السياسي للصراع» إلى الدراسات الخاصة بالمالية العامة.[٢٣]. ويبرز هذه البُعد أيضًا في تحليل نيكوليه للمواطن الناخب؛ إذ أتاحت له إعادة بناء عملية التصويت من منظور المواطن العادي فرصة لتسليط الضوء على الطابع غير العادل للمجالس الرومانية، وتقييم مستوى المشاركة الانتخابية فيها. كما كان من أوائل المهتمين بدراسة الجمعيات التشاورية “أو الكونتيونات contiones”، التي كانت تمثل فضاءً يُمكّن المواطنين من التعبير عن آرائهم، رغم افتقارهم إلى الحق الرسمي في إبداء الرأي.

يطور نيكوليه هذا الفكرة المتعلقة بالعلاقات بين الشعب والأرستقراطية في فصل مبتكر مخصص لـ«اللغات الموازية». في هذا الفصل، يتناول مواكب مهمة مثل (الجنائز، والانتصارات…)، والعروض والمحاكمات باعتبارها فرصًا للمواطنين لممارسة مواطنتهم، بصفتهم جماهير نشطة مستعدة للتعبير عن آرائها بصوت عالٍ. لقد مهدت هذه التحليلات الطريق لتطوير أنثروبولوجيا سياسية لروما، أي تحليل من أجل السياسة https://doi.org/10.4000/anabases.11242 وليس فقط تحليل السياسة ذاتها، وهي المقاربة التي شهدت تطورًا في كل من فرنسا وألمانيا. كما يمكن اعتبار نشر مهنة المواطن والخبز والسيرك Métier de citoyen et du Pain et le cirque لبول فين Paul Veyne من اللحظات المفصلية التي أطلقت ما يُعرف بـ«التحول الاتصالي Communicative Turn»، وهو التوجه الذي لا يزال يؤثر على الأبحاث المتعلقة بتاريخ السياسة الرومانية. كما أن اهتمام نيكوليه بالاتصال السياسي ورغبته في استكشاف التجربة الملموسة للمواطنة، دفعاه إلى دراسة الجوانب الطبوغرافية التي غالبًا ما كانت مهملة في فرنسا، بينما حظيت باهتمام أكبر في إيطاليا، حيث كان فيليبو كواريللي Filippo Coarelli، الذي استشاره نيكوليه، قد بدأ مسيرته اللامعة.

يُعد مهنة المواطن بلا شك التحفة الفنية لنيكوليه، حيث تُرجم إلى الإنجليزية والإيطالية عام ١٩٨٠م، وتلقى عشرات المراجعات، التي نالت إشادة غالبية النقاد. مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن جون كروك John Crook في نقده، وصف نيكوليه بـ”الخنزير الشوفينيMale Chauvinist Pig “[11] وذلك بسبب تهميشه للنساء في عمله [٢٤]..

روما وغزو العالم المتوسطي (١٩٧٧ – ١٩٨٧م)

على منوال مقاربته لمهنة المواطن، وبالأسلوب الخاص نفسه، تناول نيكوليه في المجلد الأول من عمله المزدوج المنظور البوليبي، فاستعرض هيمنة روما على البحر الأبيض المتوسط من خلال تحليل شامل لمؤسساتها. وقد صدر هذا المجلد بتكليف من مجلة «نوفيلو كليو» (Nouvelle Clio)، وتناول فيه موضوع روما وغزو العالم المتوسطي (Rome et la conquête du monde méditerranéen)، ونُشر عام 1977م تحت العنوان الدالّ هياكل إيطاليا الرومانية (Les structures de l’Italie romaine). وفي هذا العمل، ركّز نيكوليه على التنظيمين الاقتصادي والاجتماعي لإيطاليا خلال القرنين الأخيرين من الجمهورية، موضحًا أنه «انتقل من الأرض إلى الشعب، ومن الاقتصاد إلى السياسة” [٢٥]. كما تخلى عن السرد التقليدي للأحداث، متبنيًا بدلًا من ذلك خطة مواضيعية وفقًا لمدرسة الحوليات l’école des Annales[12]. وأوضح قناعته، التي قد تبدو مبتذلة نوعًا ما، بأن روما غزت البحر الأبيض المتوسط لأنها ضمت جمعًا من المواطنين القادرين على دمج المهزومين في الحروب، وأنه على الرغم من هيمنة النظام الهرمي في المجتمع الروماني، إلا أن المجتمع تمكن من الموازنة بين الحقوق والواجبات.

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن كلًّا من مهنة المواطن والهياكل يفتقران لعنصر واحد: الدين الروماني. أوضح نيكوليه ذلك الغياب بالإشارة أحيانًا إلى قلة اهتمامه ونقص معرفته بهذا المجال [٢٦]، وأحيانًا أخرى بسبب نقص التقدم في النصوص التاريخية (في الوقت الذي شهدت فيه الأديان القديمة تجديدًا بفضل أعمال جورج دوميزيل Georges Dumézil وجان بيير فيرنانت Jean-Pierre Vernant). لذلك من المحتمل أن يعود هذا الغياب للدين الروماني إلى علاقة نيكوليه الشخصية بالدين؛ إذ إن علاقته بهذا الأخير هي علاقة طفل اضطر إلى إخفاء يهوديته أثناء الحرب، ناهيك عن كونه عضوًا في الحزب الراديكالي المدافع عن العلمانية (والذي خصص له بعض التقارير الوزارية)، لدرجة أنه قدم نفسه على أنه «مقاوم لأيّ فكرة تتعلق بالدين» [٢٧].

من جوانب عدة، تُعد أعماله مهنة المواطن والهياكل خاتمة النصف الأول من مسيرته المهنية؛ إذ تُمثل خلاصة ثلاثين عامًا من الأبحاث التي ركزت على التنظيم الاجتماعي والسياسي للعالم الروماني، فضلًا عن دراسة مفهومي المواطنة والضرائب. من الغريب أن نيكوليه تخلى عن أبرز المواضيع المبتكرة في مهنة المواطن، والتي كانت تحمل آفاقًا واعدة، مثل التصويت أو اللغات الموازية، مفضلًا استكشاف مسارات أخرى بما يتماشى مع اهتمامه بقضية الضرائب.

اختيار الإمبراطورية

في الواقع، إن تراجع نيكوليه التدريجي عن الانشغال المباشر بالسياسة الرومانية، إلى حدّ اكتفائه بمتابعة الجدل الذي أثاره المؤرخ البريطاني فيرغوس ميلر حول الطابع الديمقراطي للجمهورية الرومانية من موقع المراقب عن بُعد، يعود أساسًا إلى انصرافه نحو دراسة الأنثروبولوجيا المكانية للسياسة، وهو حقل كان لا يزال حديث النشأة نسبيًا آنذاك. وقد تجلّى هذا التحوّل في نشره، للمرة الأولى وبالاشتراك مع بيير غروس، أعمال مؤتمر عام 1985م تحت عنوان: L’Urbs. Espace urbain et histoire .

ومن خلال هذا المسار، وسّع نيكوليه نطاق التحليلات الطبوغرافية التي كان قد شرع فيها في مهنة المواطن، بما أتاح له الإحاطة بجوانب متعددة من الحياة اليومية للمواطن، وفهم كيفية تشكّل الممارسة السياسية داخل الفضاء الحضري ذاته.

شهدت مسيرة نيكوليه نقطة تحول جديدة في نفس الفترة خلال الثمانينيات، حيث بدأ التوجه تدريجيًّا إلى دراسة الإمبراطورية الرومانية، إلا أنه ظل مخلصًا للمواضيع المالية والاقتصادية التي شغلته طوال مسيرته المهنية كما يتضح من نشره لمقالين: ما لقيصر Rendre à César (١٩٨٨م) والرقباء والعاملون في جباية الضرائب Censeurs et publicains (٢٠٠٠م). تعكس هذه الأعمال نهجه الفريد، كونه «واحدًا من القلائل الذين يضعون الاقتصاد قبل كل شيء في علاقاته مع المجتمع السياسي» [٢٨]، كما دافع فيها أيضًا عن إمكانية بناء التاريخ الكمي، رافضًا التصور القائل بوجود «عصر ما قبل الإحصاء». إلا أنه كانت هناك حاجة إلى مصادر لدعم هذا النهج، وهو ما قد يُفسر تحوله نحو دراسة الإمبراطورية التي توفر مصادر أكثر مقارنة بالجمهورية، لا سيما بفضل الكم الكبير من الوثائق المكتوبة التي لم يكتشف بعضها مؤخرًا. بعد أن درس الروابط بين الضرائب والغزو في الحقبة الجمهورية (الترايبوتوم والهياكل)، أقام نيكوليه حوارًا مع علماء العصور الوسطى في الثمانينيات حول نشأة الدولة الحديثة، وركز بشكل أكبر على إدارة المدينة والإمبراطورية.

قاده هذا التحول المزدوج، من حيث الموضوع والزمن، إلى إصدار مسح العالم. الجغرافيا والسياسة في أصول الإمبراطورية الرومانية L’Inventaire du monde. Géographie et politique aux origines de l’Empire romain (١٩٨٨م). يطرح نيكوليه في هذا العمل «تأملًا تاريخيًّا لدور المكان في تشكيل وتوجيه وإدارة الإمبراطورية الرومانية» [٢٩] ساعيًا إلى تحديد ما إذا كان أغسطس Auguste قد نجح في إقامة دولة إقليمية حديثة، وفهم دوافعه لوضع حد للتوسع الروماني ، ويقدّم ذلك كـ «تاريخ الاستيلاء الإداري على المنطقة الجغرافية» [٣٠]  إلى امتداد أعماله حول الضرائب ودورها في تنظيم الدولة، إلا أن «تاريخ التمثيل الجغرافي للرومان» [٣١] الحقيقي، الذي يُعد «لقاءً بين السياسة والجغرافيا» على نهج روجر ديون Roger Dion، هو في الواقع ابتكار ومدرسة جديدة. وبعد أن أصبح مديرًا للمدرسة الفرنسية في روما https://www.efrome.it))، واصل نيكوليه هذه «الجغرافيا التاريخية» [٣٢] من خلال مشروعه للمدن المتوسطية الكبرى Mégapoles méditerranéens الذي بدأه عام ١٩٩٢م. كما يظهر شغفه بالمدى الزمني الطويل؛ إذ يتناول دراسة المدن الاستثنائية في منطقة البحر الأبيض المتوسط منذ نشأتها في القرن العشرين باعتبارها «كائنًا حضريًّا organisme urbain» . [٣٣]

تُرجم L’Inventaire إلى الإيطالية (١٩٨٩م) والإنجليزية (١٩٩١م)، مما أثار نقاشات حول مدى حداثة الدولة الرومانية أو مدى الفجوة بين الجمهورية والقيادة، كما ولّد العمل دراسات حول العلاقة بين الجغرافيا والإمبريالية أو الحدود، وأيضًا حول إدارة الإمبراطورية. انطلاقًا من هذه الرؤية، أطلق نيكوليه برنامج الذاكرة المفقودة La mémoire perdue الذي يهدف إلى العثور على آثار الأرشيفات الرومانية والممارسات الأرشيفية، مقتنعًا بأن الإدارة الرومانية كانت أكثر تطورًا مما كان يُعتقد بل وحتى «مثقلة بالوثائق» paperassière»» [٣٤]، يندرج هذا المشروع حول «الإدارة المكتوبة للسلطة» [٣٥] تمامًا ضمن الأعمال المتزايدة نحو محو الأمية literacy لا سيّما عمل (جاك قودي Jack Goody، العقلانية الخطيةLa Raison Graphique ١٩٧٧م ثم ترجم للفرنسية بعدها بعامين)، كما يمد هذا المشروع جسور الحوار مع برنامج عالم القرون الوسطى جان فيليب جينيه Jane Philipe Genet حول «نشأة الدولة الحديثة». رغم أن البعض اعتبر هذه الرؤية للدولة الرومانية مفرطة في الحداثة أو حتى مثالية، إلا أن المشروع ألهم دراسات لاحقة حول كل من العالم الروماني واليوناني حتى يومنا هذا.

الجمهوري

على الرغم من أن نيكوليه استسلم في النهاية لإغراءات الإمبراطورية التي لم يكن قد اهتم بها كثيرًا في الماضي، لأنه وفقًا لأغسطس «مع الحرية، ماتت السياسة والبلاغة» [٣٦]، إلا أنه عاد إلى تاريخ الجمهورية الفرنسية. كان نيكوليه، بصفته مؤرخًا للمواطنة، مؤرخًا للجمهورية في المقام الأول، ولم يصبح مؤرخًا للإمبراطورية إلا بسبب نقص المصادر. ومع ذلك، اعتقد أن “أحداث السياسة الداخلية الرومانية تحتفظ، بعد كل هذه القرون، بقيمة نموذجية” [٣٧]، خصوصًا فيما يتعلق بالثوار الفرنسيين. ولذلك، فإن الانتقال من الجمهورية الرومانية إلى الجمهورية الفرنسية بدا أمرًا يسيرًا بالنسبة لمن كان يسعى ليكون جزءًا من المدينة.

عام 1982م، استهل نيكوليه كتابه الفكرة الجمهورية في فرنسا L’idée républicaine en France بسؤال استفزازي «هل لكلمة جمهورية معنًى في اللغة الفرنسية؟». [٣٨] فيما كان يهدف إليه باعتباره «تاريخًا نقديًّا للأيديولوجية الجمهورية» [٣٩] وتحديدًا العقيدة الراديكالية، حيث استحضر المفكرين الفرنسيين للجمهورية، من أيديولوجيي الديركتوار [13]Directoire إلى جمهورية جول[14]، المُتخلى عنهم منذ صعود الماركسية والليبرالية. ما الذي دفعه لذلك؟ بالنسبة لنيكوليه فضل الفكرة الجمهورية كونها أكثر تكيفًا واستمرارية من التقليد الذي يقيدها ويجمدها، والتي كانت دائمًا ما تسبق النظام المؤسسي. وعلى خطى آلان Alain، وامتدادًا لكتابه مهنة المواطن، يُكرر نيكوليه أن الجمهورية هي «ممارسة عملية Praxi [٤٠]. ومع ذلك، فإن رؤيته، المتأثرة بالنزعة الراديكالية، تكشف عن ذات الحدود التي برزت في مهنة المواطن بتجاهله للقضية الدينية والاجتماعية، لا سيما أنه اختتم دراسته عام 1924م، ربما لتجنب الخوض في قضايا الاشتراكية والشيوعية.

بصفته «المرجع» في ميدان الجمهورية [٤١]، كلفه جان بيير شيفنيمنت Jean-Pierre Chevènement بمهمة إدخال التربية المدنية في المدارس والكليات (١٩٨٤م)، ثم بمهمة التدريب المدني للجيش (١٩٨٨م) بالإضافة إلى كتابة الكتيب «من أجل ممارسة مهنتك باعتبارك مواطنًا Pour faire votre métier de citoyen» الذي أُرسل إلى جميع المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية (١٩٩٩م). وفي ١٩٩٧م، وبعد مهمة كُلف بها من قبل فرانسوا فيون François Fillon قبلها بعامين، قدم نصيحة لـكلود أليجر Claude Allègre حول توسيع التربية المدنية لتشمل المدرسة الثانوية. كما أصبح كتابه الفكرة الجمهورية من الكلاسيكيات، تمامًا مثل مهنة المواطن، وما يزال يظهر في مختارات الكتيب الذي أعدّه مجلس العلمانية عام 2024م:
(https://eduscol.education.fr/document/11192/download) [٤2].

وردًّا على النقاشات حول الحصول على الجنسية في التسعينيات، يُعيد في كتابه صناعة الأمة. فرنسا بين روما والألمان (2003م) La fabrique d’une nation. La France entre Rome et les Germains، تتبع «التشكيل العرقي» لفرنسا وألمانيا، أو كيف بُنيت الهوية الوطنية لهاتين الدولتين عبر مرآة روما والبرابرة. ويُشير إلى وعيه بأنه لفهم الجمهورية فهمًا كاملًا، «لا ينبغي فصلها عن سياق التاريخ الوطني». [٤٣]

التأثير الدولي والأجيال القادمة

في نهاية هذا المسار، يبدو من الصعب ربط اسم نيكوليه بعمل واحد فقط؛ إذ كتب عدة كتب مهمة أثارت الجدل وفتحت آفاقًا جديدة للبحث. فهو لم يكن مبتكرًا لأسلوب جديد أو لمجال غير مسبوق، ولكنه استطاع تجديد مجاله عبر طرح أسئلة حول المصادر التقليدية لدى مؤرخي روما من خلال الآفاق الأصلية. ساهمت مؤلفاته في نشر بعض المقاربات المبتكرة في دراسات روما، مثل “التوجه المكاني Spatial Turn” أو “التوجه الاتصالي”، وتناولت مجالات تركها للآخرين لاستكشافها بعمق أكبر.

على الصعيد الدولي، كان الحوار مع العالم الأنغلو-ساكسوني والإيطالي، الذي بدأ في وقت مبكر، مدعومًا أيضًا بترجمات لبعض مؤلفاته وإقامته في روما، وآن أربور وبرينستون وأكسفورد. من ناحية أخرى، كانت التبادلات محدودة أكثر مع الزملاء الألمان، بما في ذلك مع كريستيان ماير Christian Meier وطلابه، على الرغم من أن منهجه في التاريخ السياسي للجمهورية (الثقافة السياسية ((https://journals.openedition.org/trivium/6971)) تقاطع في العديد من النقاط. وعليه، لم يزر ماير فرنسا إلا بدعوة من المؤرخ الفرنسي الكبير لروما في القرن العشرين الثاني؛ بول فين.

من المحتمل أن يكون نيكوليه أقل شهرة خارج دائرة الرومانسيين مقارنة بفين، الذي لا يحظى بقراءة كافية من قبل المتخصصين في روما، ومع ذلك، تكمن الفروقات بين هاتين الشخصيتين الرئيسيتين في التاريخ الروماني في فرنسا في مكان آخر؛ إذ إن نيكوليه، بخلاف فين، كان ملتزمًا تمامًا بدوره كأستاذ في الجامعة. أولًا، لأنه كان شغوفًا بنقل المعرفة، سواءٌ من خلال محاضراته أو كتبه التي غالبًا ما كانت تستهدف الجمهور العام، حتى أكثرها ابتكارًا مثل مسح العالم. فمنذ ما يقارب خمسين عامًا، ظل كتاب مهنة المواطن، إلى جانب روما وغزو العالم جزءًا أساسيًّا من قوائم المراجع الجامعية لدراسة الجمهورية الرومانية، ولا يزالان من المصادر التي لا غنى عنها لكل من يدرس هذه الفترة.

تولى نيكوليه أيضًا مسؤوليات مهمة، حيث تولى إدارة مركز غوستاف غلوتز Gustave Glotz من ١٩٨١م إلى ١٩٩٢م بعد أن ساهم في تطويره، وعمل على تحويله إلى وحدة بحثية متعددة التخصصات UMR (تُعرف اليوم باسم أنهيما Anhima) (https://www.anhima.fr/)). كان قلب المركز هو المكتبة، التي عززها نيكوليه بإضافة مجموعة سيستون Seston، التي ورثها بوصية. وفي ١٩٨١م، دافع عن هذا المفهوم في رسالة إلى جاك لانج Jack Lang، مؤكدًا أن «المكتبات هي مختبراتنا» [٤٤]. كما ساهم في إطلاق مجلة دفاتر مركز غوستاف غلوت Cahiers du Centre Gustave Glotz (https://www.anhima.fr/publications/revue/cahier-glotz/40-cahiers-du-castro-gustave-glotz )، وهي مجلة سنوية أصبحت اليوم ذات تأثير دولي واسع. بالإضافة إلى ذلك، تولى منصب مدير المدرسة الفرنسية في روما (١٩٩٢-١٩٩٥م)، وكان أيضًا عضوًا في أكاديمية النقوش والآداب الجميلة Académie des Inscriptions et Belles-Lettres، التي ترأسها في عام ١٩٩٧م.

مع ذلك، فإن الفارق الجوهري بين فين ونيكوليه يكمن في أن الأخير سعى إلى تأسيس مدرسة فكرية خاصة به، فقد أشرف نيكوليه على ٢٢ أطروحة دكتوراه، ولا يمكن إغفال أهمية الندوة العلمية التي نظمها في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا [EPHE]، والتي جذبت ما يصل إلى أربعين مشاركًا، كان بعضهم جزءًا مما سُمّي بجماعة نيكوليه «La Bande à Nicolet»، التي أصدرت عدة مؤلفات جماعية تحت إشرافه، من بينها الطبقات الاجتماعية في روما Des Ordres à Rome عام ١٩٨٥م. كان تأثيره بالغًا، حتى على غير تلاميذه مثل جان لويس فيرار Jean-Louis Ferrary (https:///j ournals.openedition.or g /anabases/16031 ) أو فيليب مورو Philippe Moreau، بحيث يمكن القول إنه شكّل غالبية الجيل التالي من المتخصصين في دراسة الجمهورية وعصر البريـنكيبات[15] (Principat).

يُفسر هذا التأثير، إلى جانب أعماله، المكانة البارزة التي احتلها نيكوليه في دراسة التاريخ الروماني في فرنسا، حيث أدت هذه السلسلة الفكرية إلى تعزيز بعض المواضيع والمناهج على حساب غيرها. فقد أسهمت المنهجية البروسوبوغرافية في تحديد مواضيع العديد من طلابه مثل (ميراي سيبيلاك جيرفاسوني Mireille Cébeillac-Gervasoni، وجان ميشيل ديفيد Jean-Michel David، وسيغولين ديموجين Ségolène Demougin، وإليزابيث دينياليس Élisabeth Deniaux…) لينقل هؤلاء بدورهم هذه المقاربة إلى طلابهم. أما التمكن العلمي، فقد كان إرثًا آخر مثمرًا لمن يحتمي بحصنٍ من الكتب خلال ندواته [٤٥].

ومع ذلك، لم يكن الهدف الانجراف نحو الإيجابية، بل كان يسعى إلى تغذية الفكر. وقد شكل أيضًا شرطًا لتحقيق العدالة للمفكرين السابقين؛ إذ إنه كان لديه إلمام بالببليوغرافيا الخاصة بالقرن التاسع عشر، بل وتفوق في فهم أعمال أقدم من ذلك. في هذا السياق، ساهم في إعادة إحياء أعمال مومسن Mommesn (١٨١٧-١٩٠٣م) في فرنسا من خلال إعادة طبع “القانون العام Le droit public” (١٩٨٤م) والتاريخ الروماني l’Histoire Romaine(١٩٨٥م). أما على صعيد الإرث الموضوعي، فلا يقل أهمية؛ إذ حافظ نيكوليه على الدراسات المتعلقة بالقضايا الكلاسيكية مثل القانون، والأرستقراطية، والحياة السياسية، أو المؤسسات، ولكنه ساهم أيضًا في تطوير البحوث حول الدولة، والضرائب، والثقافة السياسية، والإدارة، والتضاريس، والجغرافيا… إلا أن لهذا التأثير جانبًا سلبيًّا؛ إذ كان قويًّا لدرجة أنه صرف انتباه المؤرخين الفرنسيين، سواء بوعي أو بغير وعي، عن مواضيع معينة. وساهم نيكوليه، رغم راديكاليته، في علمنة دراسة التاريخ الروماني، ففصل بين السياسة والدين رغم ارتباطهما الوثيق، كما ظهر في أعمال جون شايد John Scheid (https://jjournals.openedition.org /anabases/17863). بالحديث عن «القرون المظلمة» للنظام الملكي وبداية الجمهورية، تجاهل نيكوليه هذه المرحلة، كما فعل طلابه، رغم أن هذه الفترة شهدت انتعاشًا كبيرًا آخر عشرين عامًا في العالمين الأنغلو-أمريكي والإيطالي. أبعد هذا التجاهل نيكوليه وطلابه عن علماء الآثار، رغم أن علم الآثار كان الأداة الوحيدة التي تُمكن من إثراء المصادر المتعلقة بتلك الفترة. على العكس من ذلك، انجذب، بجانب نيكوليه، بعض المؤرخين المتخصصين في تاريخ الجمهورية، الذين أولوا اهتمامًا بالفترة الإمبراطورية التي بدأها أغسطس، حتى إن عددًا كبيرًا من الجمهوريين الذين يشغلون المناصب في فرنسا اليوم يركزون على آخر مراحل الجمهورية، بما في ذلك الحروب الأهلية وعهد أغسطس. كانت هذه التأثيرات عميقة وطويلة الأمد، ولم يبدأ الجيل الجديد من المؤرخين، الذي يمكن تسميتهم “أحفاد نيكوليه”، بمناقشة هذا الإرث إلا مؤخرًا، كما يتضح من ملف حديث تناول تلقيهم للكتاب “مهنة المواطن” (https://www.anhima.fr/publications/cahiers-du-centre-glotz- xxx-2019).

لقد كان لهذا التأثير وقعٌ عميق ودائم، إلى حدّ أن الجيل الذي يُشار إليه اليوم بـ«أحفاد» نيكوليه لم يبدأ بعدُ في مناقشة هذا الإرث على نحو منهجي، كما يتبيّن من ملف حديث خُصّص لتتبّع تلقي أعماله.

ومن دون الانتقاص من فرادة نيكوليه الإنسانية، يجدر التنويه إلى أن هذا المنجز الكبير ما كان ليتحقق لولا الحضور الحاسم لامرأة عظيمة إلى جانبه، هي زوجته هيلين نيكوليه-بيير، المتخصصة في علم النقود اليونانية، والتي شغلت منصب مديرة مكتب النقود.

وختامًا، يبدو أن بعض العبارات الواردة في خاتمة الطبعة الثانية من كتاب «الفكرة الجمهورية» الصادرة عام 1994م تُلقي ضوءًا كاشفًا على مجمل أعمال نيكوليه، الفكرية منها والنضالية على السواء، وهو الذي رحل عنّا عام 2010م. وهي كلمات ما تزال، للأسف، تحتفظ براهنيتها إلى اليوم: «الجمهورية، التي تتعرّض للهجوم أكثر مما تُدافَع عنها، ما تزال في طور البناء”[٤٦].


[1] التبريز هي أعلى شهادة جامعية للتدريس في التعليم الثانوي أو العالي وهي في الأهمية تأتي مباشرة بعد الدكتوراه – المترجمة.

[2] الجراتشي Gracques: نسبة إلى الأخوين جراتشي، تيبريوس وغايوس، اللذين عُرِفا بمحاولاتهما المثمرة في إصلاح النظام الاجتماعي الروماني خلال منتصف القرن الثاني قبل ميلاد المسيح عليه السلام. المترجمة.

[3] الديماغوجيون الانتهازيون: قادة يستخدمون الخطاب الشعبوي والتلاعب بالعواطف لجذب الدعم وتحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة. المترجمة.

[4] الميكافيليون: مصطلح يشير إلى السياسيين الذين يستخدمون أساليب براغماتية وخادعة لتحقيق السلطة، بغض النظر عن الأخلاقيات. المترجمة.

[5] الريسبوبليكا: مصطلح لاتيني يعني “الشؤون العامة”، ويشير إلى النظام الجمهوري الذي تقوم فيه الحكومة على أساس المشاركة في اتخاذ القرارات لتحقيق المصلحة العامة. المترجمة.

[6] البدائيين Primitivistes: ويمكن ترجمتها أيضًا بالتقليديين أو من يخالفون الفكر الحداثي. المترجمة.

[7] ترايبوتوم tributum: مصطلح لاتيني يُستخدم للإشارة إلى ضريبة مباشرة كان يفرضها الرومان على المواطنين، خاصة في فترات الحرب أو الحاجة لتمويل الحملات العسكرية. المترجمة.

[8] مصطلح الخبز والسيرك: مصطلح لاتيني ورد في قصيدة لشاعر روماني هزلي عاش في أواخر القرن الأول، ويُستخدم المصطلح عادة في السياقات السياسية لنقد سياسة الإلهاء المُنظّم العام التي تقوم بها الحكومات. المترجمة.

[9] الجيش الذي يتكون من أفراد يتخذون الخدمة العسكرية كمهنة دائمة على عكس الجيش الذي يعتمد على المواطنين المؤقتين أو المجندين. المترجمة.

[10] البلورة أو البروليتاريا هي عملية تحول الأفراد أو الفئات الاجتماعية إلى طبقة عاملة تفتقر إلى وسائل الإنتاج، وتعتمد كليًّا على بيع قوتهم العاملة لكسب العيش. المترجمة.

[11] الشوفينية في هذا السياق تعني إظهار تحيز ضد النساء والاعتقاد بتفوق الرجال عليهن. يعكس هذا المصطلح موقفًا استعلائيًّا تجاه النساء ويعبّر عن سلوك تمييزي يتناقض مع مبدأ المساواة بين الجنسين. المترجمة.

[12] مدرسة الحوليات l’école des Annales: منهج تأريخي اتخذه المؤرخون الفرنسيون للتأكيد على أمد التاريخ الاجتماعي. المترجمة.

[13]الديراكتوار Directoire: حكومة المديرين أو مجلس الإدارة أو حكومة الإدارة هو نظام سياسي فرنسي إداري اعتمد من قبل الجمهورية الفرنسية الأولى، من 26 أكتوبر 1795م إلى 9 نوفمبر 1799م أكتوبر، استوحي اسمه من كلمة “directoire” أي الدليل. المترجمة.

[14] جمهورية جول République des Jules إشارة إلى السنوات الأولى من الجمهورية الفرنسية الثالثة (١٨٧٠-١٩٤٠م)، وخاصةً تحت قيادة عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة الذين كانوا يحملون اسم “جول”. المترجمة.

[15] عهد الزعامة (باللاتينية: برينكيبات) هو الاسم الدارج للفترة الأولى من تاريخ الإمبراطورية الرومانية، يمتدُّ هذا العهد بدءًا من تتويج أغسطس قيصر إمبراطورًا لروما وحتى وقوع أزمة القرن الثالث، حيث يدخل وقتها عهد السيادة. المترجمة.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

خمس نصائح لعقد اجتماعات أفضل بين شخصين | من «MIT SMR»

المقال التالي

هفوات آرنت | سيلفي شميت

فلسفة الاعتراف | بدر مصطفى

فلسفة الاعتراف | بدر مصطفى

3 يوليو، 2026

في رائعة المخرج فرانك كابرا «إنها حياة رائعة» (It’s a Wonderful Life, 1946)، يقف جورج بيلي- بطل العمل- عند الجسر...

رَسّام العقول: الميتافيزيقا الكلاسيكية والجدلية من منظور نظرية النظُم | كريم الصياد

رَسّام العقول: الميتافيزيقا الكلاسيكية والجدلية من منظور نظرية النظُم | كريم الصياد

30 يونيو، 2026

أولاً: تمهيد نظرية النظُم كمنظور لتفكيك الأنساق الميتافيزيقية 1- منظور نظرية النظم العامة نظرية النظم العامة (General Systems Theory -...

الحرب الخفية على الأسرة أو كيف تحوّلت العلاقة بين الرجل والمرأة من السكن إلى الصراع؟ | بدر الحمود

الحرب الخفية على الأسرة أو كيف تحوّلت العلاقة بين الرجل والمرأة من السكن إلى الصراع؟ | بدر الحمود

24 يونيو، 2026

ماذا لو كانت الحرب الأكثر نجاحًا في تاريخ الشيطان هي الحرب على الأسرة، قبل أن تظهر آثارها في الدين والأخلاق...

«يوم الإفصاح»: الإنسان أمام فائض العالم | بدر مصطفى

«يوم الإفصاح»: الإنسان أمام فائض العالم | بدر مصطفى

20 يونيو، 2026

في فيلمه الأخير «يوم الإفصاح»، الذي صدر في قاعات العرض يوم 12 يونيه 2026، يعود المخرج الأمريكي الشهير ستيفن سبيلبيرغ...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00