ترجمة: غيداء العبودي
تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمثلها التعلم العميق سريعًا، وأصبحت تُستخدم في المجالات جميعها، مثل ظهور نموذج ChatGPT المذهل الذي يتمتع بميزة الكتابة التلقائية والتحسين اللغوي، والذي ربط الواقعين المعزز والافتراضي بعضهما ببعض في “الميتافيرس” كمساحة حياة رقمية، وولادة الإنسان الرقمي الذي أصبح جزءًا أساسيًّا في التعليم. على البشر إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم والتكنولوجيا لمواجهة هذا الواقع، لأن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم ينتشر أكثر وأكثر، ويشمل ذلك مشاركة المعنيين جميعهم في مجال التعليم وإداراته في جمع واستخدام البيانات الضخمة الخاصة بالتعليم، ومساهمة التكنولوجيا الذكية في تعزيز التعلم الذاتي لدى الطلاب ومساعدة المعلمين في شرح الدروس عن بُعد، والتعرف على السلوكيات في الفصل الذكي وغيرها.
من الناحية النظرية، يهدف تمكين الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى تعزيز استخدام تقنيات الإنترنت في التعليم ومعالجة المشكلة الحالية لقلة استخدام التكنولوجيا في التعليم. أبدى الباحثون اهتمامًا كبيرًا بالبحوث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في التعليم، يُشار إلى هذا التطبيق وعملية استخدامه عادةً بمصطلح تمكين التعليم بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ويشير بشكل رئيسي إلى المجالات المتخصصة التي تشكَّلت من اندماج الذكاء الاصطناعي والعلوم التربوية، ويهدف إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف آليات التعلم، وتعزيز التعلم الفعال وتطوير عملية إصلاح وتطوير التعليم. نتيجةً للتحول الرقمي والابتكار في أساليب التعليم، ستتأثر علاقة المعلم بالطالب وبيئة التعليم حتمًا وستحدث تغييرات عند تمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم، وستبرز قضايا أخلاقية جديدة في التعليم في ظل بيئة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
فما المخاطر الأخلاقية التي قد يجلبها الذكاء الاصطناعي في التعليم؟ يهدف هذا المقال إلى استكشاف هذه المسألة وبناء نموذج جديد لأخلاقيات التعليم الذكي من خلال البحث في المسألة لأخذ الحيطة والحذر ومنع المشكلات قبل وقوعها.
إن تمكين التكنولوجيا في مجال التعليم قد يؤثر على اتخاذ القرارات التعليمية وعلى تطبيقات التعليم والبيئة التعليمية ممَّا يؤدي إلى تعزيز إصلاح التعليم، وبينما تقوم تقنيات الذكاء الاصطناعي بتحليل البيئة التعليمية الحالية، فإنَّها تعمل أيضًا على بناء نظام جديد للتعليم وتكنولوجيا التعليم المعتمدين على الذكاء الاصطناعي، بما أن الذكاء الاصطناعي يحاكي دور البشر في البيئة التعليمية التكنولوجية الجديدة، فإنَّه لم يغير العلاقات الإنسانية في البيئة التعليمية التقليدية فحسب، بل شجع على تغيير معايير الحكم على القيم السلوكية الأخلاقية في أخلاقيات التعليم، وحتى لو دُمجت أخلاقيات التكنولوجيا مع أخلاقيات التعليم، فيجب أن تكون أساسيات أخلاقيات التعليم والذكاء الاصطناعي قائمة على الإنسان كنقطة انطلاق. ويجب تقييد سلوكيات البشر عند استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن الأفراد المستهدفين في العملية التعليمية هم البشر وليس التكنولوجيا، ولا يمكن تغيير طبيعة “الإنسان” من أجل تطبيق التكنولوجيا، لذا علينا استخدام ‘التعليم كنشاط تربوي يصقل البشر” كمعيار أساسي للاختبار والتفكير. قد يؤدي تمكين الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم إلى حدوث أخطار أخلاقية في علاقة المعلمين بالطلاب، والبيئة التعليمية وغيرها من الجوانب.
تُعَدُّ قضية الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الصندوق الأسود وأمن المعلومات من أكثر القضايا التقنية المقلقة في هذا العصر. أولًا، سنناقش تأثير الصندوق الأسود على أخلاقيات التعليم. من المعروف أن العالم الواقعي يُعاد بناؤه من خلال البيانات الضخمة، تتكون خوارزميات الصندوق الأسود الذكية من ثلاثة عناصر رئيسية: الواجهة، والبيانات، والنموذج، والخوارزمية وهي نظام تشغيل البيانات في الواجهة الداخلية التي تعتبر مجهولة وتفتقر للشفافية، وغياب الشفافية هو من أهم عيوب الصندوق الأسود لأنه قد يسبب أخطارًا أخلاقية في مجال التعليم، ومن أهمها:
1. غياب الشفافية، وقد يؤدي إلى نقص الثقة في التكنولوجيا الذكية لدى الجهات التعليمية، وعندما تكون قواعد حساب الدرجات، وأسباب التقييم، وأساس التنبؤ مجهولة في نظام التدريس الذكي، فإنَّ المعلمين والطلاب سُيشككون في مصداقية وفعالية أنظمة التعليم الذكي ممَّا يؤدي إلى إعاقة التفاعل بينهم وبين النظام.
2. التحيز الخوارزمي يعرقل العدالة في التعليم، لأن تأثير آراء المُبرمج الشخصية على تصميم الخوارزمية حتمي، والتي يتم موازنتها بوجهات نظر العديد من الأطراف المعنية في المجال التعليمي، مثل مطوري البرامج، فيتأثر تصميم الخوارزمية بالوعي الذاتي؛ ممَّا يؤدي إلى التحيز الخوارزمي الذي يعرقل عدالة التعليم.
3. تصميم الخوارزمية يُصفِّي العوامل الغنية بالقيم الإنسانية في التعليم، وعادةً ما تتبع تصميم الخوارزمية صيغًا ثابتة، لذا لا يمكن حساب وقياس العديد من هذه العوامل بدقة في أثناء عملية تنفيذ الخوارزمية ممَّا يُسبب بعض التحيز في الخوارزمية، ويُثير قضايا جديدة تتعلق بعدم المساواة في التعليم.
تنعكس المخاطر الأخلاقية لتمكين التقنية الذكية في التعليم أيضًا في المخاطر الأخلاقية للبيانات. تُعتبر بيانات الذكاء الاصطناعي أساسًا لتشغيل نظام التعلم الذكي بسلاسة، ومع ذلك فقد تحولت تقنية البيانات الذكية المساعدة التي تهدف إلى تحسين التعليم إلى أداة لمراقبة الموظفين بوساطة مديري التعليم، نتيجةً لهذا، صار عالم التعليم جافًّا وفُقد الإحساس بالواقع في الحياة التعليمية. تُعتبر أغلب البيانات والمعلومات المختلفة المسجلة في نظام التعليم الذكي متعلقة بالمعلمين والطلاب خاصة، وقد يؤدي الاحتفاظ بها أو استخدامها بشكل غير ملائم إلى القضايا الأخلاقية التالية:
1. مخاطر أمن البيانات التعليمية: من السهل أن يواجه مستخدمو النظام الذكي مشكلة تسرب البيانات، بالإضافة إلى مشكلات أمن البيانات المختلفة كالتلاعب بالبيانات وغيرها. إن تسريب البيانات أو تعديلها دون إذن يتسبب في أضرار غير متوقعة للمعلمين والطلاب كأطراف معنية؛ نظرًا لغياب حق المعلمين والطلاب كأطراف معنية في معرفة كيفية جمع بياناتهم وطرق استخدامها.
2. ضعف الوعي لدى مسؤولي إدارة البيانات فيما يخص أخلاقيات البيانات: حتى لو كان لدى مسؤولي إدارة البيانات وعي أساسي بأخلاقيات البيانات، فلا يمكننا استبعاد احتمال تجاوزهم المبادئ الأخلاقية وتسريب معلومات شخصية من أجل تحقيق الربح.
3. مُبالغة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في قياس السلوك التعليمي بشكل كَمِّي: إذا سيطرت تقنية الذكاء الاصطناعي على البيئة الإنسانية للتعليم فستقيس سلوكيات المعلمين والطلاب -جميعهم- التعليمية وحالة عملهم في التعلم، ممَّا يؤدي إلى نتيجة حتمية لا مفر منها، أَلا وهي فقدان إنسانية وجوهر التعليم.
إن وجود المخاطر الأخلاقية التقنية المذكورة سابقًا يُسبب معضلة المساءلة الأخلاقية لمجال التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي، وتتضمن: أولًا: عدم القدرة على تحديد المسؤولية الأخلاقية الرئيسية في الذكاء الاصطناعي. وحاليًّا، هناك آراء مختلفة في الأوساط الأكاديمية فيما إذا كان يجب على الذكاء الاصطناعي الذي يحاكي أفكار وسلوك البشر أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية. عند حدوث مشكلة في تطبيقات التعلم الذكي في ممارسة العملية للتعليم، قد يتملص أصحاب المنفعة من المسؤولية ويظل المسؤول الحقيقي عن هذه المشكلة مجهولًا. ثانيًا: أصبحت المسؤوليات الأخلاقية مجهولة بسبب اختلاف الآراء بين الأفراد الذين أنشؤوا نظام التعليم الذكي، ويتضمن الأفراد مطوري البرامج ومصممي الأنظمة وغيرهم، لكن المسؤولية الأخلاقية للأعضاء لم تُحدد بوضوح، وبسبب وجود أنواع عديدة من المصالح والاختيارات خلال عملية تطوير النظام، تتأثر هذه الاختيارات جميعها بالفلسفة التجارية لمطوري النظام، لذا عند حدوث أي مشكلة في نظام التعليم الذكي فإنه يصعب تحديد من ينبغي عليه تحمل المسؤولية. ثالثًا: بالإضافة إلى مرحلة تطوير المنتجات الذكية، فإن المسؤوليات الأخلاقية لمقيّمي النظام والمستخدمين والمشرفين أيضًا مجهولة.
إن تمكين الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تغيير البيئة التعليمية، ويُقدّم نماذج جديدة لتنمية المواهب وإصلاح طرق التدريس في المستقبل، كما أنه سيدعم التعلم الذاتي بقوة، وفي الوقت ذاته قد يؤدي ذلك إلى خلق معضلات أخلاقية معقدة وصعبة في التعليم. إن الإفراط في الاعتماد على التقنيات الذكية في التعليم غالبًا ما يؤدي إلى تجاوز العقلانية الأداتية على العقلانية القيمية، وإهمال تطوير شخصيات الطلبة والتواصل بين المعلمين والطلاب، ممَّا يؤدي إلى تقييد وتضييق مساحة التواصل العاطفي والتنشئة الأخلاقية. من السهل أن ينحرف التعليم عن غايته الأساسية؛ أَلا وهي تهذيب البشر، مما يؤدي إلى سلسلة من المشكلات الأخلاقية، ومع ذلك علينا أن نتعامل بموضوعية مع هذه القضايا الأخلاقية في التعليم والناجمة عن التطور التكنولوجي. من ناحية علينا توضيح أن تطور واستخدام التقنيات الذكية في البيئة التعليمية الحديثة اتجاه حتمي لا مفر منه. ومن ناحية أخرى، إذا اُتبعت القيم والقوانين عند تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التعليمية والتدريسية، فيُمكننا حينها تعزيز التنمية المستدامة للتعليم.
يجب على الأفراد المعنيين في قضية الصندوق الأسود للخوارزميات الذكية تحسين التكنولوجيا وجعل آليات التشغيل الداخلية واضحة وشفافة، لرفع مستوى ثقة الجهات التعليمية في نظام التعليم الذكي حيال مسألة أمن البيانات التعليمي، ولا يمكن إلَّا الاعتماد على إصدار القوانين والمعايير الأخلاقية المتعلقة بالتكنولوجيا الذكية وتنمية القيم الأخلاقية للأطراف المعنية جميعها، حينها يُمكن بناء بيئة جديدة لإدارة الأخلاقيات التعليمية قائمة على القانون وجعلها تتمحور حول الإنسان. أمَّا بخصوص القضايا الأخلاقية حول علاقة المعلمين والطلاب، فنحن بحاجة إلى أن نسترشد بالمفهوم الأخلاقي لـ”التناغم” المتجذر في الثقافة الصينية التقليدية، والدعوة لبناء علاقة أخلاقيةٍ خيّرةٍ قائمة على التعاطف بين المعلم والطالب في عصر الذكاء الاصطناعي وجعل التعليم الذكي أكثر وُدًّا.
كما يجب على البشر أن يؤمنوا إيمانًا تامًّا بأن المعلم البشري سيظل دائمًا الكيان الأخلاقي والمسؤول الرئيسي في النظام التعليمي الجديد المبني على الذكاء الاصطناعي، وينبغي على العاملين في قطاع التعليم أن يجعلوا تهذيب وصقل شخصية الطلاب وتطويرهم في حياتهم مهمتهم الرئيسية، والتمسك بالقيمة الأساسية للتعليم، وتدريس الطلاب بسماحة وإحسان، وأن يتكيفوا مع دمج التعليم بالتكنولوجيا الذكية. علينا أن نحقق التوازن بين العقلانية التكنولوجية والعقلانية القيمية، وتوضيح وتقوية المكانة الأخلاقية للمعلمين في أخلاقيات التعليم بالذكاء الاصطناعي. كما بإمكاننا حل ظاهرة التكيف العكسي من خلال تحسين مستوى الوعي بالذكاء الاصطناعي لدى المعلمين والطلاب، والقضاء على الشعور بالاستنفار تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي غير التعليمية، وبالتالي فإن هذا سيدفع التكنولوجيا الذكية لدعم الأنشطة التعليمية بفعالية.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




