ترجمة: غيداء العبودي
يُعتبر التاريخ الطبيعي من أقدم التخصصات في العالم، ويركز على ملاحظة البشر للطبيعة وفهمهم لها والاستفادة منها. أثنى العالم الإنجليزي روبرت هكسلي على الفيلسوف اليوناني أرسطو، ووصفه بأنه “عالم التاريخ الطبيعي الأول العظيم”. بعد سكون القرون الوسطى، شهد التاريخ الطبيعي “ولادة جديدة” مع استعادة الاهتمام بالطبيعة خلال عصر النهضة، وبحلول القرن الثامن عشر، أصبح التاريخ الطبيعي علمًا حقيقيًّا لدى الغرب، وظهر علماء الطبيعة السويدي كارولوس لينيوس، وبوفون الفرنسي، والبريطاني جوزيف بانكس. كان هدفهم المشترك اكتشاف ووصف وتصنيف وفهم المخلوقات الحية جميعها، وإبراز سحر التاريخ الطبيعي الشامل والخلاب. ساهم المجتمع الطبي في بناء متحف التاريخ الطبيعي في القرن الثامن عشر، وكوّنوا مجموعة لا يمكن الاستغناء عنها. سواءٌ أكان أحد أفراد الأسرة المالكة، أم طبيبًا، أم طبيبًا مشهورًا أسس مدرسة، أو طبيبًا عاديًّا تدرب جيدًا، عند الصعود إلى قمة الطب، فإنهم يتوقون لدراسة التاريخ الطبيعي الذي يزهر بجاذبية لا تقل عن الإنجازات الطبية.
كان السير هانز سلون نشطًا خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر ممثلًا للأطباء الملكيين وعلماء التاريخ الطبيعي، وكان الطبيب الملكي للملكة آن وجورج الأول، وشغل منصب رئيس الجمعية الملكية في إنجلترا بعد إسحاق نيوتن، وجامعَ تحف مشهور وعالم تاريخ طبيعي، كما أنه أيضًا كان من ضمن قائمة “أعظم علماء تاريخ طبيعي” لهكسلي.
لم تكن استكشافات سير هانز سلون في التاريخ الطبيعي مجرد نزوة، بل كانت نابعةً من الشغف من البداية حتى النهاية، فقد كان يحب مراقبة الطبيعة منذ طفولته، ولم يغفل عن دراسة التاريخ الطبيعي عند دراسته الطب في شبابه. كما سافر سلون إلى جزر الهند الغربية لمراقبة وتسجيل وجمع وتصنيف ظواهر الطبيعية، ممَّا جعل عالم التاريخ الطبيعي جون غراي يثني عليه قائلًا: “أجد نفسي مجددًا معجبًا باجتهادك بصدق، فلقد جمعتَ العديد من الأنواع في هذا الوقت القصير، ليس هذا فحسب، بل أيضًا راقبتها ووصفتها بدقةٍ شديدة”. يُعد كتاب سلون “التاريخ الطبيعي في جامايكا” أفضل توضيح لهذه الكلمات. علاوةً على ذلك، انضم سلون لنادي علم النبات، وكان يتبادل المعلومات وعينات أنواع النباتات الجديدة بانتظام مع زملائه، وعلى مر السنين، تراكمت مجموعة سلون التي جمعها من أنحاء العالم جميعها المكتشف في ذلك الوقت والتي كان معظمها عينات نباتية متنوعة، صنفها في مجموعة من ٣٦٥ مجلدًا تحتوي على عينات من النباتات المجففة، التي وفرت لعالم التاريخ الطبيعي السويدي لينيوس أساسًا لوصف وتسمية أنواع النباتات الجديدة. وما زالت مجموعة سلون التي جمعها طوال حياته سليمة وموجودة في المتحف البريطاني ومتحف التاريخ الطبيعي تاركًا خلفه ثروةً ثمينة لمحبي التاريخ الطبيعي.
عام ١٧٩٨م، أعلن طبيب يعمل في الأرياف يدعى جينر من مقاطعة غلوسترشير، عن فعالية لقاح الجدري البقري للوقاية من الجدري، وكانت هذه بداية تغلب البشرية على مرض الجدري، وبذلك انضم جينر إلى قائمة “أشهر الأطباء”. في الحقيقة، سبقت نجاحات جينر في التاريخ الطبيعي اكتشافاته الطبية، وقدّمت إلهامًا لها.
يُعرف جينر عالميًّا بأنه مكتشف تطفل طيور الوقواق على أعشاش الطيور الأخرى في مجال التاريخ الطبيعي، وتُعتبر طيور الوقواق منتشرة في أوروبا ويعيش معظمها في المناطق الاستوائية والمعتدلة. بعد 14 عامًا من المراقبة والتسجيل الدؤوب، في الثالث عشر من مارس 1788م، وفي سن التاسعة والثلاثين، نشر جينر مقالًا بعنوان “دراسة في التاريخ الطبيعي للوقواق”، يُناقش عادة تطفل طيور الوقواق على الأعشاش وأسبابها. واكتشف أنه في كل عام خلال فترة الربيع والصيف، لا تبني إناث الوقواق أعشاشًا، بل تضع البيض في أعشاش الطيور الأخرى، مثل أعشاش طيور السنونو الموجودة على أغصان الأشجار وغيرها، وأوضح جينر أن سبب هذا التطفل يعود إلى التركيب الفسيولوجي، لأن طيور الوقواق تتميز بشكلها الصغير ومعدتها الكبيرة، وتنتفخ معداتها الأربع بعد تناول الطعام، فيُصعب عليها تأدية واجباتها كبناء الأعشاش وتربية الفراخ، فتضطر إلى الهرب بعد وضع البيض في الأعشاش المستعارة. يُلقي هذا المقال الضوء على ظاهرة التطفل على الأعشاش، ليصبح مفتاحًا لقبوله في الجمعية الملكية.
بدأت رحلة جينر في التاريخ الطبيعي وتقدمت تحت إشراف معلمه في الطب جون هانتر، وكان جينر طبيبًا ملكيًّا للملك جورج الرابع، ويصنف من بين “أشهر الأطباء” بفضل إنجازاته كـ”أب الجراحة”، كما كان عضوًا في الجمعية الملكية وعالم تاريخ طبيعة بارز، ولديه علاقات وثيقة مع عالم التاريخ الطبيعي المشهور جوزيف بانكس وغيره من العلماء. شارك هانتر في إنشاء منظمة غير رسمية للتاريخ الطبيعي وتولى رئاستها، ونجح في استقطاب أعضاء مثل بانكس وغيره، وأقاموا اجتماعات أسبوعية لمناقشة مسائل التاريخ الطبيعي، وما زالت مجلة “النباتات” التي أنشأها هانتر تصدر حتى الآن، وتُخزن مجموعته التي جمعها طوال حياته في المتحف الذي سُمي باسمه، لتُفيد الأجيال القادمة.
تزامنت فترة دراسة جينر للجراحة مع هانتر، مع عودة بانكس من رحلته الاستكشافية العالمية إلى إنجلترا، وقد عاد بانكس حاملًا بيده كميات كبيرة من العينات الحيوانية والنباتية الغريبة، ودعا هانتر للمشاركة في تصنيف وفهرسة الأنواع الجديدة، وأوصى هانتر الذي كان منشغلًا بشدة بجينر، هناك تشكلت رابطته الوثيقة مع التاريخ الطبيعي. قام جينر الذي أحب التاريخ الطبيعي من أعماق قلبه بتوسيع مجال البحث في هذا العلم وقبل مئة عينة من الحشرات من الأصدقاء، جمع العديد من عينات الأحجار الكلسية (oolite) والأحجار الجيرية الزرقاء، وناقش دراسات حول الكلاب والثعالب، واستكشف تركيب المعادن والمخلفات العضوية في المراحل الأولى من علم الجيولوجيا، ومن خلال سنوات من المراقبة الدقيقة للتاريخ الطبيعي، اكتشف جينر أن سر مناعة مربيات الماشية ضد الجدري هو الإصابة بجدري البقر، بعد ذلك كرَّس جهوده لحملة تطعيم الجدري وجدري البقر، ولفترة لم يكن لديه وقت للتركيز على التاريخ الطبيعي. في سنواته الأخيرة، استمر جينر في أبحاثه الدؤوبة عن سُبات الطيور وهجرتها، ورأى بأن هجرة الطيور ليست ناتجة عن تغير المناخ أو نقص الغذاء وحسب، بل بسبب تغيرات في الأعضاء التناسلية، وتغير المناخ، ومتطلبات التفريخ والعناية بالفراخ، كما لخص كيفية التمييز بين السُبات والهجرة من خلال التغيرات في مظهر فصائل الطيور.
قدّم الأطباء العاديون الذين دُرّبوا جيدًا مساهمات كبيرة ومفيدة للتاريخ الطبيعي في ذلك العصر، فهناك الطبيب جون لاثام الذي درس الطب أيضًا تحت إشراف جون هنتر، وكان مغرمًا بدراسة الطيور كجينر، ونشر كتابًا من أربعة مجلدات بعنوان “مقدمة في فصائل الطيور”. كان أمين مكتبة الكلية الملكية للأطباء جورج إدواردز يتبادل الرسائل مع لينيوس باستمرار، واستغرق تأليف كتابه المكون من أربعة مجلدات بعنوان “علم الطيور” الغني بالصور والنصوص ثماني سنوات، ونشر لاحقًا كتابًا بعنوان “مقتطفات من تاريخ الطبيعة”، وكان مشهورًا في أوساط التاريخ الطبيعي في أوروبا. غيّر جيمس إدوارد سميث مجال الطب الذي درسه في شبابه وانتقل إلى التاريخ الطبيعي، وفي أثناء دراسته الطب في جامعة إدنبرة، جمع الذين يشاركونه أهدافه لتأسيس “جمعية دراسة التاريخ الطبيعي”، وأُعيد تسميتها لاحقًا بـ”جمعية إدنبرة للتاريخ الطبيعي”، وكانت مكرسة لتبادل المعرفة حول التاريخ الطبيعي. بعد وفاة لينيوس عام 1778م، اشترى سميث مجموعته للتاريخ الطبيعي وكتبه، ونقلها إلى إنجلترا، وبعد عشر سنوات أسس جمعية لينيوس في لندن، لتُصبح بذلك أقدم جمعية للتاريخ الطبيعي في العالم.
كرّس الأطباء الملكيون والأطباء المشهورون والأطباء العاديون جهودهم لدراسة التاريخ الطبيعي وشكّلوا ظاهرة اجتماعية. لماذا فُتن المجتمع الطبي البريطاني في القرن الثامن عشر بالتاريخ الطبيعي؟ يعتقد الكاتب بأن ذلك بسبب تأثيرات مشتركة للأبحاث الطبية وعوامل تخص هذه الحقبة.
منذ عصر النهضة، أدى فصل الطب عن السحر إلى دفع المجتمع الطبي إلى التركيز على التجارب الطبية وملاحظات الطبيعة، كما أصبح التركيز على مراقبة الطبيعة وخاصة النباتات بداية ارتباط المجتمع الطبي بالتاريخ الطبيعي. يُعد جمع النباتات واستكشافها، وتصنيفها، وتمييزها ودراسة قيمتها الطبية من المهارات الضرورية لدراسة الطب وممارسته، ويُعد النُبيت (Flora) دليل البحث عن النباتات الطبية، ومرجعًا مهمًّا للصيدليين والأطباء. من هناك، أبدى المجتمع الطبي اهتمامًا بجمع النباتات وتسميتها وتصنيفها لتغطية الاحتياجات الطبية، وبالتالي تطورت التنمية المشتركة بين الطب وعلم النبات، وحديقة تشيلسي للنباتات الطبية (Chelsea Physic Garden) التي تأسست عام 1673م تُعد دليلًا على ذلك. بحلول القرن الثامن عشر، توسعت مجالات البحث في المجتمع الطبي تدريجيًّا لتشمل علم الحيوان وعلم الجيولوجيا وغيرها من فروع التاريخ الطبيعي.
فيما يتعلق بخصائص العصر، فقد أكدت الثورة العلمية وحركة التنوير التي بدأت في القرن السابع عشر على أهمية العلم والعقل، مما أدى إلى ازدهار الابتكار العلمي والتحرر الأيديولوجي، واستمرت العلوم الطبيعية كالفيزياء والرياضيات وغيرها بالصعود إلى آفاق جديدة، كما شهد نهضة التاريخ الطبيعي. يُعود هذا إلى المناظر الطبيعية المتنوعة، والزهور، والطيور والحشرات الغريبة التي أثارت فضول البشر، فأصبحت دراسة عجائب الطبيعة نشاطًا عصريًّا يحظى باحترام الناس، وأطلق موجة من الحماسة تجاه التاريخ الطبيعي. ذكر المؤرخ البريطاني كيث توماس في كتابه (البشر وعالم تاريخ طبيعي): ازدادت أعداد النبلاء والسيدات والكهنة الذين انضموا لدراسة التاريخ الطبيعي ممَّا جعله أحد أكثر وسائل الترفيه شيوعًا للطبقة الوسطى في القرن الثامن عشر. عام 1785م، قام جد تشارلز داروين، إراسموس داروين وعدد من جيرانه بتأسيس “جمعية ليتشفيلد للتاريخ الطبيعي”، وفي عام 1798م عبَّر النبيل غيلبرت وايت في كتابه تاريخ “سيلبورن الطبيعي” عن جمال الطبيعة في مسقط رأسه وحبه الشديد للطبيعة.
إن الإنسان جزء لا يتجزأ من عالم الطبيعة، وبمُجرد أن تنمو متعة استكشاف الطبيعة، يصعب كبح الاهتمام بالتاريخ الطبيعي أو تقييده، حتى العاملون في المجال الطبي ليسوا استثناء. اعتبر جون هانتر أن فشله في تحقيق حلمه بتدريس التاريخ الطبيعي أحد أكبر الأشياء التي ندم عليها في حياته، بينما تخلى جيمس إدوارد سميث عن الطب وتوجه نحو التاريخ الطبيعي، فقد واسى التاريخ الطبيعي جينر الذي كان منهكًا من إخفاقات الطب وصعوبات الحياة، وأضاف ألوانًا زاهية لسنوات شيخوخته الرمادية. يُشير هذا إلى أن التاريخ الطبيعي يُعد بمثابة الملاذ الذي يواسي الروح البشرية، وإعادة اكتشاف بهجة الحياة من خلال استكشاف سحر الطبيعة.
باختصار، تحت تأثير احتياجات المجتمع الطبي في دراسة الطب، والرغبة في الاستكشاف العلمي، وانتعاش الاهتمام بالطبيعة، وغيرها من العوامل، قام المجتمع الطبي باستكشاف أسرار الطبيعة بنشاط، ليصبح قوة مهمة تدفع نحو التخصص في التاريخ الطبيعي في المملكة المتحدة. كان افتتان المجتمع الطبي البريطاني في القرن الثامن عشر بالتاريخ الطبيعي الذي لا يمكن تجاهل تأثيره، نتيجةَ تفاعل وإبراز طابع الحقبة واهتمامات الأفراد، ولكن باستثناء هانز سلون الذي أطلق عليه هكسلي “عالم تاريخ الطبيعة العظيم”، لم تحظَ رحلة التاريخ الطبيعي للمجتمع الطبي البريطاني في القرن الثامن عشر باهتمام كافٍ من أوساط المؤرخين ومجتمع علم التاريخ الطبيعي. إن الوعي وتأكيد مساهمة المجتمع الطبي في التاريخ الطبيعي لا يُسهم في اكتشاف العلاقة التفاعلية بين الطب والتاريخ الطبيعي فحسب، بل يُقدم استكشافات حول نشأة التاريخ الطبيعي من منظور جديد، كما يُوفر مرآة تاريخية لتأمّل العلاقة الوطيدة بين البشر والطبيعة.
(الكاتب: ماو لي شيا، أستاذ مساعد في كلية التاريخ والثقافة- جامعة شاندونغ لإعداد المعلمين SDNU)
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




