بقلم: فورست تالي، درجة الدكتوراه.
النقاط الرئيسة:
- على الرغم من أن الجميع يتوقون للسعادة، فإنها تبقى بعيدة المنال بالنسبة لكثيرين.
- المسار الذي يتبعه الفرد لتحقيق السعادة يحدد مدى نجاحه.
- الهدف هو تحقيق “السعادة المستمرة”، سعادة تتمتع بكونها عميقة.
يرجو أغلب الناس عيش حياة سعيدة وهانئة، إلا أن كثيرًا منهم يقضون معظم أوقاتهم تعساء؛ إذ إنهم عالقون في وظائف يكرهونها، وعلاقات يستاؤون منها، ويحملون ضغائن تثقل كاهلهم وينجرفون في مسارات حياة لم يتوقعوها قط، وبذلك يصبحون أكثر تعاسة مع مرور كل عام.
ربما يمكنك التعاطف معهم، ففي النهاية، جميعنا مررنا بأوقات كانت الحياة فيها تسير في الاتجاه الخاطئ، وكان من السهل العثور على السعادة مثل سهولة العثور على سيرة ذاتية على موقع Bumble.
عندما يعلق كثيرون في هذه الدوامة، يشعرون بالارتباك حول كيفية تحسين أمور حياتهم، وغالبًا ما يرجع السبب الأساسي لهذا الارتباك إلى تبنيهم لفكرة أن السعادة تتحقق عن طريق إشباع وتلبية رغباتهم الأكثر إلحاحًا، مثل: الحصول على مزيد من المال، أو عدد من الشركاء المختلفين، أو تقبل الآخرين لهم، أو امتلاك حرية شخصية أكبر أو منزل أكبر أو سيارة أفضل، والقائمة تطول، قد يقولون “إذا نجحت في تحقيق هذه الرغبات فعندئذٍ سأكون سعيدًا”.
لا تؤدي هذه الرغبات إلى السعادة الدائمة عندما يجري السعي وراءها بصفتها غاية في حد ذاتها، بل يحتاج الأمر إلى شيء آخر، أكثر من ذلك بكثير.
ما هو إذن؟ عيش حياة ذات معنى، وإدراك الغاية والهدف للحياة. عندما تكون الثروة والحرية والنفوذ وغيرها من الملذات منفصلة عن هدف أسمى في الحياة، فإن السعادة التي تجلبها تكون عابرة.
وقد بشر بذلك علماء اللاهوت منذ قرون، ودعمته الأبحاث على مدى العقد الماضي أو أكثر.
عندما نعيش تجربة التمتع بملذات الحياة اليومية -وذلك ضمن المعنى الأشمل للحياة المليئة بالأهداف- تصبح السعادة ما يمكن أن نسميه “مستمرة”.
يود الجميع عيش حياة بسعادة مستمرة، لنلقِ نظرة خاطفة على كيف يمكننا أن نعيش هذه الحياة حتى نتمكن من معرفة سبب أهميتها، ثم لنلقِ نظرة على كيفية إجراء بعض التغييرات في حياتك التي ستأخذك في الاتجاه الصحيح.
الطريقة التي تنمي بها شعورك بالسعادة تحدث فرقًا
تؤدي كل من الأنشطة الممتعة والأنشطة الهادفة إلى تحقيق شعور غامر بالسعادة، لكن السعادة الناتجة عن المتعة فقط هي سعادة سطحية؛ فالشعور بالإحباط والانتكاس الذي نواجهه كل يوم يقلل بسهولة من الشعور بالرضا.
بينما تكون السعادة الناتجة من عيش حياة ذات معنى سعادة تتميز بالعمق، فهي لا تتغير بسهولة بسبب التقلبات اللحظية، وعلاوة على ذلك، تُظهر الأبحاث أن السعادة الناتجة من عيش حياة ذات هدف تعزز فرص النجاح في مجالات الحياة الأخرى أيضًا.
وقد أشار الإغريق القدماء إلى هذا النوع من السعادة وكانوا يطلقون عليها اليودايمونيا (eudaimonia)، وهي سعادة لا يمكن بناؤها من خلال الجهود الرامية إلى اكتساب الأشياء الدنيوية. وبدلًا من ذلك، فإن أساسها مبني على تشغيل مواهب المرء وقدراته بحكمة للنهوض بالخير، وهذا النهج في الحياة هو النهج الذي تحدّث عنه سقراط بشكل موسع في حوارات أفلاطون.
تأتي السعادة الهيدونية مناقضةً للسعادة اليودايمونية، فهناك كثير من أشكال السعادة الهيدونية، ولكن بصرف النظر عن الشكل النموذجي، تحاول الهيدونية بناء حياة سعيدة عن طريق تحقيق أقصى قدر من المتعة وتقليل الألم.
هذان المفهومان متناقضان؛ إذ إن أحدهما يشير إلى السعي لعيش حياة ذات هدف ومعنى في حين يشير الآخر إلى البحث الدؤوب عن تحقيق أقصى قدر من اللذة والمتعة، وأحدهما يجلب الشعور بالرضا المؤجل والآخر يجلب الملذات اللحظية، أحدهما يصعب السعي وراءه والآخر مباشر، يجلب مفهوم اليودايمونية السعادة العميقة في حين يجلب مفهوم الهيدونية المتعة اللحظية.
يتمثل أحد العوائق الذي يحول دون السعي وراء السعادة المستمرة في دفع ثقافتنا الحديثة إلى سلك مفهوم السعادة الهيدونية، وهي رسالة واسعة الانتشار يمكن العثور عليها في وسائل الإعلام والرياضة والترفيه.
هناك عائق آخر أمام السعي وراء السعادة المستمرة وهو الصعوبة التي يواجهها كثيرون في تمييز “الهدف” الأسمى لحياتهم؛ إذ يجد عمومًا الذين ينتمون إلى مجتمع مؤمن أن تحديد هذا الأمر أسهل بكثير مقارنة بنظرائهم العلمانيين.
لكن، حتى داخل مجتمعات الإيمان هذه يكافح كثيرون في هذه المسألة، وغالبًا ما يكون السبب أنهم لم يتعلموا بعد كيفية استخدام مواهبهم واهتماماتهم الفريدة بطرق تعزز الخير (النهج السقراطي).
علاوة على ذلك، غالبًا ما ينطوي استخدام المرء لقدراته بشكل كامل على ألم كبير وشعور بالحرمان، على الأقل على المدى القصير، وهذا أيضًا يمثل تحديًا بالنسبة لهم. فحتى أولئك الذين ولدوا بموهبة موسيقية -على سبيل المثال- سيظلون بحاجة إلى تكريس آلاف الساعات من الممارسة لإتقان مهنتهم واحترافها، وستتطلب ساعات الممارسة هذه الانضباط وقضاء كثير من الوقت بعيدًا عن العائلة والأصدقاء وبعيدًا عن الاضطلاع بأنشطة ممتعة. إن الطريق إلى التميز قائم على التضحية بالملذات اللحظية.
يضع هذا الشخص الموهوب مثابرته وعزمه على المحك، وفي النهاية، تؤدي جهوده إلى التعبير الكامل عن القدرات الفطرية للموسيقي وخلق موسيقا سامية، والذي بدوره يؤدي إلى الشعور بالسعادة العميقة.
يفضي الجهد المستمر الموجه نحو تحقيق هدف ذي مغزى (والذي يشمل عادة تأجيل المتع اللحظية) إلى سعادة أعمق وأطول أمدًا من السلوك الموجه نحو المتعة الذي يركز على الإشباع اللحظي.
كيفية الاستفادة من هذه الأفكار لنحظى بحياة مليئة بالسعادة
يتطلب السفر نحو وجهة محددة فهم المسار الذي يجب عليك اتباعه، ولا تختلف الرحلة إلى الحياة المليئة بالسعادة عن ذلك. سأناقش أدناه خطوتين بسيطتين ستساعدانك على البدء.
الخطوة الأولى: أن تكون واضحًا بشأن ما هو مهم بالنسبة لك فعلًا، ليس ما يجعلك سعيدًا في اللحظة، بل ما يجلب لك الرضا أو السعادة على المدى الطويل.
من الواضح أن هذه الذكريات ستكون مختلفة من شخص لآخر؛ فبالنسبة للبعض، قد تكون رحلات التخييم التي علموا فيها الأطفال كيفية صيد السمك أو نصب الخيمة، وبالنسبة للبعض الآخر، قد تكون أيام الدراسة التي التقوا فيها بزملائهم الطلبة وناقشوا بحماس أفكارًا جديدة، أو قد تكون رحلة إرسالية ترعاها الكنيسة لبناء منازل في إحدى بلدان العالم الثالث، أو صيفًا قضاه بعض الأشخاص في رحلة تسلق في أوروبا أو فصل دراسي للفنون، إذ استكشف الأشخاص إبداعاتهم بصورة أكمل أكثر من أي وقت مضى.
أيًّا كانت الذكرى، فمن الراجح أن تعكس جانبًا مهمًّا ما يجعلك تشعر بسعادة غامرة (السعادة اليودايمونية)، ولهذا السبب ما يزال من الممكن إثارة هذه المشاعر حتى بعد مضي السنوات.
ومن ثم، اسأل نفسك إذا كانت لديك ذكريات أخرى من النوع نفسه، إذا كانت الإجابة “نعم”، فمن المحتمل جدًّا أنك وجدت طريقًا نحو الشعور بسعادة غامرة وأكثر عمقًا.
الخطوة الثانية: التفكير في كيفية إدخال أنشطة مماثلة بانتظام في حياتك الحالية.
قد يشارك الشخص الذي لديه ذكريات عن بناء المنازل في بلدان العالم الثالث في رحلة أخرى، ولو كانت ذكرياتهم ذات المغزى نابعة أساسًا من مساعدته للآخرين (بدلًا من المشاركة في بناء شيء ما) فقد يقرر أيضًا التطوع والمساعدة في المطبخ المحلي.
في حين قد يبذل الشخص الذي كانت ذكرياته تركز على تعليم الأطفال كيفية صيد السمك ونصب الخيمة جهدًا مماثلًا في تعليم أحفاده هذه المهارات، ومن ليس لديه أحفاد بعد يستطيع تقديم دروس مجانية تخص المتنزهات المحلية.
إن النهج الذي نتبعه واحد، بصرف النظر عن الذكريات التي قد نكتشف أنها مرتبطة بالسعادة المدفوعة بالأهداف. كيف يمكنك أن توظف العناصر التي تجعل تلك الذكرى ذات معنى (مثل: الإيثار وتعليم الجيل القادم ومشاركة موهبتك الإبداعية وما إلى ذلك) في حياتك الآن؟
الختام
رغبة في عيش حياة تغمرها السعادة يجب أن تركز جهودك على أن تعيشها بهدف ومعنى، وغالبًا ما يكون ذلك صعبًا لأنه يتطلب جهدًا وتضحيات مستمرة، ولكن كلما حاولت جاهدًا لهذه الغاية أصبحتْ جزءًا من نسيج حياتك يصاحبها شعور عميق بالرفاهية.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سيكولوجي توداي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




