إذا كنت ترغب في قيادة عملية التحول التكنولوجي في مؤسستك، فإن الخطوة الأولى هي فهم حقائق التحول الرقمي، بدلًا من الانسياق وراء الضجة الإعلامية.
ترجمة: أحمد حسين
يطمح العديد من مجالس الإدارة وفِرَق الإدارة العليا إلى تحقيق الكفاءة والابتكار والقدرة التنافسية التي قد يوفرها التحول الرقمي. لكن من خلال خبرتي، فإن طريق التحول -مثل معظم المبادرات الكبرى في الشركات- محفوف بالمخاطر.
لقد قضيت جزءًا كبيرًا من مسيرتي المهنية في الإشراف والمشاركة في عمليات التحول الرقمي في كل من القطاعين الحكومي والخاص، فقد عملت تحديدًا مديرًا لمكتب تكنولوجيا السايبرنيتيك في وكالة مشاريع البحوث المتقدمة الدفاعية الأمريكية (DARPA)، ومديرًا تقنيًّا، ونائبًا أولَ لرئيس شركة Safeguard Scientifics Inc؛ ومديرًا تقنيًّا ونائبًا أولَ لرئيس استراتيجية التكنولوجيا في شركة Cigna Corp. وقد لاحظت أنه في الغالبية العظمى من الحالات، ترتكب المؤسسات أخطاء كبيرة، إلا إذا كان التحول الرقمي مخططًا له جيدًا، ومنفذًا بإتقان، ومدعومًا بحماس من الإدارة العليا.
تجمع جامعة فيلانوفا -حيث أُدرّس الآن وأدير أبحاثًا حول التحول الرقمي والتقنيات الناشئة- بيانات عن تبني التكنولوجيا واتجاهات التحول الرقمي. أسمع باستمرار عن المشاريع “المذهلة” و”الرائعة” و”الاستثنائية” التي يجري العمل عليها، التي لديها القدرة على “إحداث ثورة” في الشركات، و”تعطيل” صناعات بأكملها. ولكن عندما أستفسر من المشاركين في الاستطلاعات عن التفاصيل الرئيسية لمبادراتهم، أجد غالبًا أن هناك ارتباكًا لا يزال يحيط بالعملية. ولإحلال بعض الوضوح محل هذا الارتباك، قمت بتلخيص ملاحظاتي وخبراتي في خمس خرافات حول التحول الرقمي، ولكل منها حقيقة مقابلة. إذا فهمتَ هذه الخرافات، ستكون أقل عرضة للوقوع ضحية للضجة حول التحول الرقمي، وأكثر وعيًا بمدى صعوبة العملية في الواقع.
الخرافة الأولى: يجب على كل شركة أن تتحول رقميًّا.
الواقع: ليس كل شركة أو عملية أو نموذج عمل يحتاج إلى التحول الرقمي.
التحول الرقمي ليس مجرد ترقية برمجية أو مشروع لتحسين سلسلة التوريد. إنه صدمة رقمية مخطط لها لما قد يكون نظامًا يعمل بشكل معقول. على سبيل المثال، لإطلاق عملية تحول رقمي للعمليات التجارية، من الضروري أن يتم نمذجة تلك العمليات عمدًا، باستخدام أدوات تتيح محاكاة إبداعية وتجريبية. فكر، على سبيل المثال، في برامج الحاسوب التي تتيح نمذجة العمليات التجارية والمحاكاة التجارية.
لذا، كخطوة أولى نحو تحويل عملياتك رقميًّا، عليك أن تقيّم بصدق ما إذا كانت شركتك قادرة على إنشاء نماذج رقمية تحاكي التفاصيل الدقيقة الكامنة في إجراءاتها. ببساطة، السؤال هو: هل يمكن لشركتي أن تنمذج عملياتها الحالية؟ العديد من الشركات لا تستطيع ذلك. وهذا ليس جريمة. لكنّه يعني، على الأرجح، أنك لا تستطيع بسهولة تحويل جميع تلك العمليات رقميًّا.
تذكّر أيضًا أن تأثير أي مبادرة يُحدد في النهاية حصةَ السوق والإيرادات والأرباح، وهذا يعني أن بعض الشركات -حتى لو كانت تستطيع نمذجة عملياتها الدقيقة- قد لا تكون قادرة على تقديم مبرر تجاري مقنع لتحويلها رقميًّا. (بمعنى آخر، مجرد أن الأمر ممكن، لا يعني أنه سيكون مربحًا). علاوة على ذلك، يجب أن تضع في حُسبانك أن قواعد العمل والعمليات والنماذج والأنظمة الحالية قد تكون تعمل بشكل جيد، لذا قد لا يكون من المنطقي محاولة تحويلها رقميًّا بالنظر إلى التكاليف والوقت المطلوبين لهذا الجهد.
بلا شكّ، مع مرور الوقت، قد تتضاءل كفاءة قواعدك وعملياتك ونماذجك وأنظمتك، وعندما يحدث ذلك، قد تزداد حاجة شركتك إلى التحول الرقمي. لكن لا يتعين عليك تنفيذ التحول الرقمي لمجرد التحول ذاته؛ يجب أن تكون قادرًا على تقديم مبرر تجاري، ويجب أن تكون قادرًا على القول، بيقين: إن التحول سيُبسّط بعض العمليات الرئيسية بنجاح.
الخرافة الثانية: التحول الرقمي يعتمد على التقنيات الناشئة أو المزعزعة.
الحقيقة: معظم التأثير التحولي على المدى القصير يأتي من التقنيات التشغيلية والاستراتيجية “التقليدية” وليس من التقنيات الناشئة أو ما يسمى بـ”المزعزعة”.
تأتي معظم القوة التحولية من التقنيات التشغيلية المجربة والموثوقة (مثل الشبكات وقواعد البيانات) والتقنيات الاستراتيجية (مثل برامج تخطيط موارد المؤسسات أو إدارة علاقات العملاء). نادراً ما يأتي هذا التأثير، من خلال تجربتي، من التقنيات الناشئة (مثل الواقع المعزز) أو التقنيات المزعزعة (مثل التعلم الآلي).
ما سبب ذلك؟ العديد من العمليات التجارية والنماذج قديمة. على سبيل المثال، انظر إلى الطريقة التي استطاعت بها شركتا Uber Technologies Inc. وAirbnb Inc. أن تحلّا تدريجيًّا محل سيارات الأجرة والفنادق على التوالي. في حين أن التقنيات الناشئة ساعدت في صعود أوبر وإير بي إن بي، إلا أن أكبر مكاسبهما جاءت من الاستفادة من تقنيات الشبكات السائدة الموجودة بالفعل بين أيدي المستهلكين: الهواتف المحمولة، والتطبيقات، والمواقع الإلكترونية المصممة للمعاملات السريعة وتتبع الموقع. غالبًا ما يكون من الأسهل تحقيق التأثير باستخدام التقنيات المنتشرة بالفعل بدلًا من التقنيات الناشئة. على الرغم من أن هذه النقطة قد تبدو واضحة، إلا أن العديد من القادة يتجاهلونها، فهم يعتقدون أنه يجب أن يكونوا مستعدين للانقضاض على الموجة التالية من التكنولوجيا الناشئة، في حين أن تلك الموجة التالية غالبًا ما يصعب التنبؤ بها، وبحكم التعريف، لم تصبح بعد تقليدية بما يكفي لإحداث تأثير كبير.
الخرافة الثالثة: الشركات المربحة هي الأكثر احتمالًا لإطلاق مشاريع التحول الرقمي الناجحة.
الواقع: إذا كانت الأمور تسير بشكل جيد –أي إذا كان هناك خلق للثروة للموظفين والمساهمين– فإن فرص تحقيق تحول ذي معنى تكون منخفضة جدًّا.
الشركات الفاشلة تكون أكثر تحفيزًا لتحويل نفسها، ببساطة لأنها بحاجة لتغيير شيء ما -إن لم يكن كل شيء- بسرعة. أما الشركات الناجحة، لا سيما إذا كانت عامة، فهي تتوخى الحذر بشكل مفهوم تجاه التغيير. فكر في الأمر: كم عدد الشركات الناجحة -دون ضغط السوق- التي حولت نماذج أعمالها حقًّا؟ التغيير مكلف، ويستغرق وقتًا، وغير دقيق، ومؤلم. كما أنه يجعل القادة الذين يقترحونه أهدافًا سهلة للصراعات الداخلية، خاصة عندما تتحرك مبادرات التغيير ببطء أو تتعثر.
وعلى عكس ما يقوله مؤلفو الكتب الأكثر مبيعًا، والمحللون، والمتحدثون الذين يتقاضون أجورًا ضخمة، فإن الحقيقة هي أن معظم البشر يقاومون التغيير الرقمي عندما يحدث في المؤسسة التي أصبحوا مرتاحين فيها. وهذا يعني أن جهود التحول غالبًا ما تكون مقيدة. نعم، مقاومة التغيير قد تختفي بسرعة عندما تبدأ الشركة بالفشل. ولكن حتى يحين ذلك اليوم، من الصعب أن تطلب من الجميع إصلاح ما يُنظر إليه على أنه غير معطّل.
أين توجد أقل مقاومة لجهود التحول الرقمي؟ في الشركات التي تنزف عملاء وأموالًا، وفي الشركات الناشئة التي لديها أموال مستثمرين لتُنفقها؛ ذلك لأن التحولات الرقمية تعمل بشكل جيد عندما يكون لديك مال للإنفاق وقدرة عالية -ودافع منطقي- لتحمل المخاطر. في المقابل، الشركات الراسخة هي “راسخة” لسبب ما: لقد وصلت إلى مستويات ثابتة من تحقيق الإيرادات المربحة، مدفوعة بعمليات مفهومة جيدًا تشكل نموذجَ أعمالٍ مستمرًّا؛ ولذلك فهي عادة غير مستعدة لقلب تلك العمليات طالما أنها لا تزال تحقق النجاح في السوق.
الخرافة الرابعة: يجب أن نقوم بإحداث تغيير جذري في صناعتنا قبل أن يفعل ذلك أحد غيرنا.
الحقيقة: نادرًا ما يبدأ التحول الجذري مع قادة السوق الذين حددت نماذج أعمالهم فئات صناعتهم لسنوات طويلة.
بينما بطلق قادة السوق دعاوى كبرى حول دورهم كمبتكرين ومحدثين للتغيير، إلا أنهم غالبًا ما يكونون أقل المتحمسين للتغيير — حتى تبدأ أرباحهم في الانخفاض ويطالب المساهمون بإحداث تحول. تاريخيًّا، غالبًا ما كان المخربون في الصناعة شركات ناشئة تراهن رهانات جريئة على صناعات قديمة. من الأمثلة على ذلك: Airbnb (الضيافة)، وUber وLyft (النقل)، وAmazon (الكتب، التجزئة)، وNetflix (الترفيه).
هل يعني هذا أنه لا توجد إمكانية لقادة الصناعة لتعطيل أنفسهم؟ لا. لكن دع التاريخ يكون تذكرة مفيدة: نادرًا ما يأتي التغيير الحاسم المزعزع من شركات راسخة لديها تدفقات إيرادات مربحة ومتسقة.
الخرافة الخامسة: المدراء التنفيذيون متعطشون للتحول الرقمي.
الواقع: عدد المدراء التنفيذيين الذين يريدون حقًّا تحويل شركاتهم صغير نسبيًّا، خاصة في الشركات العامة.
يتطلب التحول الرقمي دعمًا قويًّا من الإدارة العليا. وبينما يمكن بيع مفهوم التحول الرقمي إلى الإدارة العليا، إلا أن بيع المفهوم وحده ليس كافيًا، فالتحولات تتطلب دعمًا علنيًّا، مستمرًّا، دائمًا، وثابتًا من فريق الإدارة العليا لكي تنجح.
وهذا النوع من الدعم -العلني، والمستمر، والدائم، والثابت- أصعب في الحصول عليه مما قد يتصور البعض. كثير من المدراء التنفيذيين يشكون في جهود التغيير المحفوفة بالمخاطر التي قد تؤثر على مكانتهم في الشركة، كما أن العديد من المدراء التنفيذيين يواجهون تحديات بسبب التعقيد الشديد لمشاريع التحول الرقمي، خاصة عندما يكتشفون الوقت الطويل الذي تستغرقه. علاوة على ذلك، كما ناقشنا بالفعل، فإن المدراء التنفيذيين مترددون في تعديل نماذج الأعمال الحالية التي تخلق الثروة لهم وللمساهمين بشكل مستمر.
باختصار، هناك فجوة واسعة بين ما يقوله المدراء التنفيذيون عن التحول الرقمي وما يفعلونه فعليًّا. سيكون من الجميل أن نعتقد أن الدافع الأساسي للتنفيذيين هو، ما هو أفضل لصحة الشركة على المدى الطويل، لكن دوافعهم غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا.
عن المؤلف
ستيفن ج. أندريول: هو أستاذ توماس جي. لابريك لتقنية الأعمال في جامعة فيلانوفا في فيلانوفا، بنسلفانيا، ومؤلف كتاب Ready Technology: Fast-Tracking New Business Technologies (منشورات CRC، 2014).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




