مقالات

فتنة الرقّة والهجرة نحو الأشياء: قراءة في شعر حيدر العبدالله | سامي العجلان

لتحميل المقالة (PDF): فتنة الرقة والهجرة نحو الأشياء: قراءة في شعر حيدر العبدالله | سامي العجلان


طافَ الرُّماةُ بِصيدٍ راعهم فإذا           بعضُ الرُّماةِ بِنبْلِ الصيدِ مقتولُ!

كعب بن زهير

سنبدأ من أقصى النهايات، لنقول: إن حيدر العبدالله في ديوانيه المبكّرين: (رملة تغسل الماء)، و(ترجَّلْ يا حصان) الصادرَين عام ٢٠١٦م غير حيدر العبدالله في ديوانه الثالث الصادر حديثًا: (خشب المركب نادى خشب البيت، ٢٠٢٣م)، سبع سنوات كانت كافية لتتغير أشياء كثيرة لديه، ومنها: حدود الرؤية الإبداعية، ومجالات الاستقطاب الشعري، ونبرة التعبير. هذه دعوى أولية تحتاج إلى بعض البسط والاستدلال والتفصيل.

١- مرجعية التراث:

في انطلاقته الشعرية الأولى عبر ديوانيه المبكّرين تظهر الأنا عند حيدر العبدالله مغتربةً عن الناس ودُنياهم المعاصرة، متوحدةً مع اللغة الجزلة والصياغة المتأنّقة للشعر، وقد افتتح ديوانه (رملة تغسل الماء) بقصيدة تكشف بعنوانها ومضمونها عن هذا التوحُّد، وهي قصيدة: (زِفاف إلى اللغة)، ومن شواهد التوحُّد مع اللغة والشعر عنده أيضاً: هذا الامتزاج الأسلوبي المسافر نحو عصور الجزالة والصياغة المتأنّقة، سيتناص في قصيدته (ترجّلْ يا حصان) -وبصحبة محمود درويش- مع امرئ القيس ومعلّقته وحصانه وأطلاله وخيباته، وسيُفرد قصيدة (ستسأمك الدنيا) لشاعر جاهلي آخر، محاوِرًا فيها معلّقة زهير بن أبي سُلمى، ومفسحًا المجال لزوجة زهير (أمّ أوفى) كي تبثّ شكواها، وضجرها من انصراف (شيخ عبيد الشعر) عن الاهتمام بها مثلما يهتمّ بتنقيح شعره و(حوليّاته)، وسيترك زهيرًا وزوجته يختصمان مُيمِّمًا وجهه في قصيدة ثالثة شطر الأعشى، ليتقاسم معه دفء النار ومسامرة المحلّق الكلابي، وسيتناص للمرة الرابعة مع شاعر تراثي آخر، وهو أبوفِراس الحمداني؛ متلاعبًا بترتيب الألفاظ في شطر بيته الذائع: «أما لِلهوى أمرٌ عليكَ ولا نهْيُ».

وستصادف في الديوانين أيضًا ظواهر أسلوبية عتيقة هجرها الشعراء المعاصرون؛ كالترصيع، والجناس، وردّ العجُز على الصدر، وكذلك أسلوب (التعاقب الاستبدالي) بين العبارات، وهي تقنية تراثية بامتياز؛ كقوله مثلاً:

ودانيةٍ منّي بعيدٌ قريبُها                   ونائيةٍ عنّي قريبٌ بعيدها

وقولِه:

أسافرُ لكنْ لا وصولَ كأنّها                  طريدةُ بختي.. أو كأنّي طريدُها

كما يتلاعب بالألفاظ والأدوات فيذكّرك بألاعيب أبي تمام والمتنبي حين يقول رامزاً بتشتّت اللغة إلى تشتّت النفس:

نزهةً فيكَ..  عودةً منكَ..  شعراً             عنكَ.. عنّي.. منّي.. ذهاباً إليّا

هل؟ متى؟ كيف؟ أين؟ ماذا؟ لماذا؟            (لــســتُ أدري) أنــا  ولا إيـلـيّـا

٢- روح الحداثة:

غير أن هذه المرجعية التراثية للشاعر لم تمنعه -وهذا أحد أسرار تميُّزه- من تشرُّب الروح الحداثية السارية في الشعر المعاصر: موضوعًا، وأسلوبًا، لتتجلى في شعره نكهة الاغتراب الفردي في الشعر الحديث، وأسئلته الوجودية، وتشظّي الذات واكتئابها اللافح، فتتناثر في شعره تعبيرات مثل: «أفتّشُ عنّي»، و: «لم أجد إليَّ طريقا»، ويقول:

يفرُّ الصدى مِن فمِ البئرِ صوتًا          يُفتِّشُ عن ذاتِهِ في الهربْ

ألسنا اكتئابَ المغنّي؟  صدى البئرِ؟  رهْبنةَ الضوءِ؟  ظِلَّ الرهَبْ؟

ويقول:

هناك فقط عرفتُ مدى اغترابي         وصِحتُ بكلِّ لحمي: واشتاتاه!

وتتمدد الحداثة في شعره -أسلوبيًا- عبر الإغراب في التصوير، وتقنية: تعدُّد الأصوات، فمِن إغرابه في التصوير: اعتماده المتكرر على قلب العلاقات المألوفة بين الكائنات، لتتبادل فيما بينها مواقع الفعل والتأثير، فيختار لأربع من قصائده هذه العناوين المشاغبة للعلاقات الطبيعية: (مياه مبلّلة، رملة تغسل الماء، عكّا على أسوار بُونابرت، النجاة غرقًا)، وتمضي صياغته الشعرية على هذا النحو من الشغب بالعلاقات: «يُهروِل في رُكبتيَّ الرصيف…، متى سيفرح الماءُ بتجريبِ البللْ؟…، يغسلون الماءَ بالطين…، كأيّ رضيعٍ يشتهي جوعَه الثديُ…، كأنّ الزعفرانَ يشمُّ أنفَه…، منذُ أنْ عضّ آدمَ التفّاحُ».

وتستثمر عدد من قصائده تقنية تعدُّد الأصوات؛ لتكثيف الأبعاد الدرامية في بنائها، كما في قصائده: (أُنشودة الحمأ، هلعٌ ما يتمطّى، عكّا على أسوار بُونابرت، تقاسيم شرقية، هُبوب الماء)، وفي قصيدته اللافتة (ترجَّلْ يا حصان) يصل استثمار هذه التقنية إلى حدوده القصوى، فتتحاور في القصيدة ثلاثة أصوات: صوت الشاعر، وصوت امرئ القيس، وصوت محمود درويش، حول أيقونة (الحصان) الذي يمثّل زهوَ امرئ القيس وانبهاره: (مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقْبِلٍ مُدبِرٍ معًا)، وسؤال محمود درويش الأشهر: (لماذا تركتَ الحصان وحيدًا؟)، وجواب الشاعر -في زمن التخلي عن الأعباء الباهظة- على هذا السؤال: (ثقيلٌ كاهلي بِسِوايَ فانزلْ.. هُنا يا مُهْرُ يا وجعًا لدودا)!

والشيء بالشيء يُذكَر، فمِن دلائل آثار الحداثة الشعرية الغائرة في نفس الشاعر: أثر محمود درويش الكبير فيه، وفي تكوين رؤيته الشعرية، وهو أثر لا يدفعه حيدر، إذْ يقول مخاطبًا الشاعر محمد العلي: «هاكَ سُهدي وهاتِ فجرَك نخبِزْ.. مِنهما يا أبي شروقًا شهيّا.. مثلما تشتهيهِ: فيروزيّا.. أو كما أشتهيهِ: درويشيّا»، كما يخاطب (لاعب النرد): محمود درويش نفسه فيقول: «ويا محمودُ ما لَكَ لا تغنّي؟.. وقد أسرجتَ لي ولكَ النشيدا».

٣- نوافذ الحسّ:

هكذا كان حيدر العبدالله يغزل قصيدته في ديوانيه المبكّرين من هذين الرافدين: الجزالة التراثية في الصياغة، وأسئلة الحداثة الشعرية المعاصرة، ولكن كان له أيضًا خِطّته الخاصة للوصول إلى نبرته الشعرية الخاصة، وقد تمثّلتْ هذه النبرة الخاصة في: الإصغاء المرهف لإيقاع الحواسّ ولغة الجسد، واستكناه المعنى الأعمق للذات من خلال نوافذ الحسّ؛ ولهذا يقول:

إنما الجِسم قَصعةُ الروح فيهِ       سُكِب الحبُّ.. والمحِبُّ أُريقا

داخلَ اللمْسِ نمتُ يا سادِنَ  الأحلامِ  أرجوكَ أقفِلِ الصندوقا !

وكثيرًا ما تشعر بأن طبيعة تعبير الشاعر عن إيقاع الحواس هي طبيعة ذات بُعدٍ طفولي، وكأنها تستقبل المؤثرات الحسية لأول مرة، فيُصيبها الدوار من بكارة الأشياء واندلاق الغريزة ونهَم اللذة الأُولى؛ ولهذا يشيع التحسُّس واللمس والتشمُّم في قصائده، كقوله: «تحسَّستُ المكانَ بِجِلدِ روحي.. لثمتُ جدارَه وشممتُ سقْفَه»، وقوله: «أمصُّ بَنانَ إبهامي ولا حلْوى!»، وقوله: «تعودُ مِن الحقلِ مشْيًا إليكَ.. وأنتَ تشمُّ عميقًا يديكَ.. فينشبُ في الرئتينِ غُبار اللقاح، ويسبِقك الخِصبُ للبيتِ حال اشتمامهما… تشمُّهما فإذا بالإصابعِ خُوصٌ طَريٌّ يُحاك بِه الظِلُّ .. يسعى على شَعرِ ساقيك حبلٌ مِن الليف… وأنتَ على بُعدِ حقلٍ تشمُّ غبارَ اللقاحِ بأنفِ الحياة».

ولم يكن غريبًا على هذا المتشمِّم الولوع أن يُحاكي رائعة زوسكيند -وربما دون قصد- فيُفرِد قصيدة مستقلة بعنوان (العطر)، ليتغنّى طويلًا به وبمفاتنه، وكأنه العطّار (غرينوي) وهو يتتبّع شذ (لورا ريشي) الأخّاذ من بلد إلى بلد: «العِطر يملؤه الصهيلُ.. وتعيش داخلَه الخيولُ… هو حُجرةٌ للحبِّ نافذةٌ له.. وهو الذهولُ.. وهو اشتهاءٌ عاشرٌ.. جسدٌ يُمسِّده الفُضولُ.. لتكادُ رائحةُ الحياةِ تَسيلُ مِنه ولا تَسيلُ… للعطرِ ما للطفلِ: أخْيلةٌ وذاكرةٌ بَتولُ».

بالضبط: «للعطرِ ما للطفلِ: أخْيلةٌ وذاكرةٌ بَتولُ»، وبهذه الذاكرة الطفولية البَتول سجّل الشاعر، وبرهافة بالغة تجاربه الحسّية الغامرة، مُستعيدًا -عبر جسد اللغة- ملمسها الطريّ، ومذاقها الشهيّ، وشذاها الفاغم.

٤- شذا الأنوثة:

بهذه الحساسية الطفولية المنبهِرة بالنعومة والمنجذبة لفتنة الرقّة يقترب الشاعر من الأنثى، اقترابَ التلطُّف، وليس الاقتحام، وبأُلفة المجاورة، لا باستحقاق التملُّك: «أخافُ أن تُحرِجني جوارحي إذا التصقنَ كالـ(كُوالا) فوق ساعِدَيكْ».

وستمنح الأنثى هذا (الكُوالا) الوديع ما يشاء من احتواء ورعاية وحنوّ، وسيغادرها -مؤقّتًا-وقد أبقتْ في روحه من روحها ما لا يزول، حتى إذا سلك (وادي عبقر) راح ينتقي من طيوف الشعر ما يُعيد له أُنس الاحتواء ورقّة النجوى ولطف التحنُّن، وربما من أجل هذا تستعرض لغتُه الشعرية قدْراً لا بأس به من مفاتنها الأنثوية بدءاً من رشاقة الألفاظ، وانتهاءً بالصوَر بالغةِ الرقة إلى حدّ الهباء؛ كقوله المتبختِر:

رفعتُ ثيابي مثلَ بلقيسَ ماشيًا          على لبنِ الأحجارِ وعيٌ ولا وعيُ

وقولِه كذلك وهو يتحدث عن شعره:

أيُغمَـى عـليـهِ حين يـدري بأنـه           على رغمِ أولادِ الكــلامِ وحيـدُهـا؟

وقوله أيضًا وهو يخاطب المتطرّف الذي يفجّر المساجد بخطابٍ أرقّ من النسيم: «أيّها الفاشلُ في العزف»، والفشل في العزف هو آخر ما تهتمّ له عقلية متطرّفة لا تتذوق أصلاً جماليات النغم!

هكذا بدا لنا حيدر العبدالله في ديوانيه المبكّرين: شاعراً متوحّداً باللغة المتأنِّقة، ومتشرِّبًا لروح الحداثة، ومنغمراً بالحِس ومفاتن الجسد الغضّ؛ ومتشمِّمًا طفوليًّا لعطر الأنوثة، ومنبهِرًا بنبرات الرقّة، فكيف يبدو لنا الآن حيدر في ديوانه الثالث الصادر حديثًا: (خشبُ المركب نادى خشبَ البيت)؟

5- هاجس المواكبة.. والهجرة نحو الأشياء:

حضور (الأشياء) في هذا الديوان الأخير لحيدر لا تُخطئه العين؛ بدءًا من عنوان الديوان، مرورًا بعناوين أقسامه الخمسة، ومضامين معظم قصائده، حتى فهرس الديوان الذي حمل بدوره عنوانًا لافتًا: (الأثاث)، وهكذا تغمرك (الأشياء) أينما وقع بصرك في الأرجاء، فها هنا قصيدة عن (المنجرة)، وأخرى عن (مطبخ أمّي)، وثالثة عن (المفاتيح)، ورابعة عن بناء البيت (أبطأ نبتة تنمو)، وخامسة (في محلّ الخياطة)، وسادسة عن السيارة (حيوان المعدن)، وسابعة عن (الكيس والهاتف).

وهاجس (الحضور والمواكبة) لفعاليات الحياة العامة يتمدد بقوة في هذا الديوان، وقد يكون هذا نتيجة لانخراط الشاعر المتأخر في وسائل التواصل الاجتماعي، إذْ لم يفوّت حيدر مناسبة البطولة الأخيرة لكأس العالم، فنظم قصيدة عن اللاعب الأرجنتيني ميسي (حفلة اعتزال مبكرة)، ومع أن القصيدة لم تُفلت من الجَمْجمة المنبهِرة باللاعب، و«قاستْ وصفَ ما قُوسي»؛ لكن تحقق لها ما كان يصبو إليه الشاعر من ذيوع عريض.

ويستهلُّ حيدر ديوانه هذا بأرجوزة (أُمضمِض عيني) التي تبدو لتبسُّطها البالغ وكأنها أنشودة من أناشيد الأطفال: «أمّي الوضوءُ إنما ليس أبي تيمُّما.. ليس أبي نافلةَ الفجرِ إذا الصبحُ نما.. الماءُ أمّي وأبي مَن كأبي؟ أبي الظما.. أبي التلظّي عائدًا للبيتِ أمّي كأسُ ما… مِن ضحكتيهما سألتُ الله ألّا أُفطمَا.. يسيلُ قلبي كلّما مضمضتُ عيني بِهِما».

هل صاحب هذه الأرجوزة المتقافزة هو نفسه صاحب (ترجَّلْ يا حصان)؟ ولكن ألسنا نُعيد هنا السؤال العتيق الذي وُجّه مرةً لبشار بن بُرد عن شعره الهجين المتفاوت ما بين فخامة (الغضبة الـمُضَريّة)، ورخاوة (ربابةُ ربَّةُ البيتِ)؟ لقد أجاب بشّار حينها على الاعتراض بقوله: «لكلٍّ وجهٌ وموضع»، وبأنّ جاريته ربابة ستفضّل هذا النظْم القريب المتراقص على معلّقة امرئ القيس، ولكن هل أفرد بشار ديوانًا خاصًا بقصائده المتبسّطة مع ربابة ومع غيرها من الجواري؟

نقول هذا ونحن نعي اختلاف الزمن، ونستحضر مجموعة واسعة من المحاولات المتعاقبة لتقريب الشعر من فعاليات الحياة العامة، كما فعل مثلًا أحمد شوقي في (خصوصياته)، و(محجوبياته)، ونتذكر (عابر سبيل) لعباس لعقاد، و(الديوان الضاحك) لسليمان العيسى، وكيف رتَقَ صلاح عبدالصبور نعلَه، ولعِب «بالنرد الموزّعِ بين كفّي والصديقْ»، ولقصيدة اليوميات والمساجلات المتبسِّطة حضورها أيضًا في الشعر السعودي، مثل مساجلات غازي القصيبي مع مُجايليه، وكذلك ما صنعه حسن السبع في ديوانه (ركلات ترجيح)؛ ولكنّ معظم هذه المحاولات إنما لفتتْ الأنظار إليها بسبب طرافتها وارتيادها لمجالات غير مألوفة شعريًّا، وليس بسبب تميُّز المعالجة الشعرية فيها، فهل كانت محاولة حيدر العبدالله في هذا الديوان استثناءً؟

لا أملك جوابًا لهذا السؤال يمكن أن يتبرّأ من الذائقة الخاصة بالناقد، وللوصول إليه نحتاج في البدء إلى بعض الفرز والتفصيل، فمِن الوفاء لدقّة الرصد أن نقول: إن الديوان لا يشتمل فقط على القصائد المخصصة للأشياء؛ مثل: (المنجرة، والمطبخ، والبيت، والمفاتيح، والسيارة، والعِرزال، ومحل الخياطة، والكيس والهاتف)، فهناك أيضًا مجموعة متنوعة من (قصائد العائلة) التي تصور علاقة الشاعر بأمه وأبيه، وزوجته، وبنتيه، وبفكرة الأبوّة وموقع الأطفال منها، كما في قصائده: (أُمضمِضُ عيني، مع الشوق وضدّه، أُنوثة الأرياف، الزبادي المثلَّج، أن تكون أبًا، قوارب ورقية)، والفرز بين هذين اللونين من القصائد ليس قاطعًا، فقد يمزج الشاعر في القصيدة الواحدة بين شعرية الأشياء وحميمية الأسرة، كما هو واضح في قصائد: (المنجرة، مطبخ أمي، حوض السمك).

ثم هناك بعد هذين اللونين الأساسيين في الديوان قصائد متفرقة عن: المدينة، وتاريخ الإنسان، وعن بعض أجزاء الوجه، كالفم والعينين، وعن اللاعب الأرجنتيني: ميسي، وأخيرًا هناك قصيدتان كان الشاعر قد نشرهما في ديوانيه السابقين، وهما: (روح النبات، بريد من أمّ أوفى)، ويبدو أنه أعاد نشرهما في هذا الديوان لاتصالهما بفكرة (البيت)، التي رأى الشاعر أنها محور الديوان، ولهذا جعل أقسامه الخمسة تتمحور حول البيت: (عنه، ومنه، وإليه، وفيه، وليس فيه).

بعد هذا الفرز والتفصيل أستطيع الآن القول: إن معظم قصائد هذا الديوان من حيث الصياغة والمعالجة الشعرية أقلّ بكثير من المستوى الإبداعي المتوقّع من الشاعر حيدر العبدالله، وبلغة الحساب والأرقام يمكن أن نصطفي ثلث قصائد الديوان (7 قصائد من 22 قصيدة)، بوصفها: تنويعات إبداعية تنتمي فعلًا لأجواء حيدر الشعرية، أمّا بقية القصائد فهي -بالإجمال- من النظم الميسور الذي يستطيع الكثير من (الشعراء) كتابته، ولا تقدم إضافة نوعية للشاعر.

من بين هذه القصائد السبع تبدو قصيدة (حول مواقد الهومو إريكتوس) أكثرها فرادةً وبُعدًا عن أجواء الديوان، ثم تتسلسل القصائد المتميزة التي تمثّل اتجاه الديوان المتمحوِر حول حميمية الأسرة وشعرية الأشياء، وهي: (مفاتيح، في محل الخياطة، الزبادي المثلّج، قوارب ورقية)، وتبقى قصيدتان: إحداهما عن القيظ والولَه في مدينة الدمام (خشبُ المركب نادى خشبَ البيت)، والأخرى: تأمّلات شعرية بديعة حول الفم (لا أتخيّلك بدون فم).

هناك طبعًا التماعات شعرية متفرقة في بقية قصائد الديوان، ولكنها مجرد التماعات خاطفة لا تلبث أن تنطفئ وسط الصياغة الرتيبة المشابهة للأحاديث المعتادة، يقول مثلًا في قصيدة (الكيس والهاتف): «في الجوّالِ أفتّشُ عن شيءٍ ما لا أعرفهُ، عن أغنيةٍ في قائمةِ الأرقامِ وعن رائحةِ بخورٍ في (اليوتيوبِ) وعن معنى مفردةٍ في ألبوم الصورِ، الشيء أنقّبُ عنه في غيرِ مظِنّتهِ، ألجأُ لخرائطِ (جوجلَ) أطبعُ في حقلِ البحثِ مسافاتٍ فارغةً وفواصلَ، عينايَ بِلا عينينِ ولا أجدُ الشيءَ ولا أتذكّرهُ، يبدو أني رجل خرِفٌ فعلًا، ألتقِطُ العالمَ مِن إطلالةِ نافذتي، ما للعالمِ في صورتهِ الشخصيةِ أشعثَ أغبر؟ أغسلُ عينيّ بقطرةِ ترطيبٍ، والنظّارةَ أجلوها بشماغي، لكنّ عبوسًا في اللقطةِ لم يتغيّرْ، أنزعُ واقي الشاشة، وأنظّفُ أحداقَ الكامِرا من بصماتي، والصورة ماءٌ لم يبرح يتكدّرْ، أخلعُ درفةَ نافذتي وأُعيد التصويرَ ولا جدوى، يبدو أن العالم متّسِخٌ جدًا».

هذان مقطعان من ثلاثة مقاطع للقصيدة، وفي نهاية كل مقطع تأتي عبارة (يبدو أنّ…) كلحظة تنوير تُعيد تأويل كل الكلام (العادي) الذي سبقها، وتمنحه طاقته الشعرية المختبِئة خلف الصياغة المألوفة، ولكن هل هذا وحده يكفي لتكون القصيدة؟

ما الذي يمكن أن نستخلصه من كلّ هذا؟ إن التجريب المغامِر والتطلُّع المتواصل نحو آفاق إبداعية جديدة؛ مثل (شعرية الأشياء) من العلامات الفارقة على حيوية الشاعر وتحرُّره من القوالب الجاهزة، لكن بشرط مهم: ألّا يتحول التجريب إلى توجُّه كامل ضمن مدة زمنية محددة تستنزف طاقة الشاعر في معالجات شعرية مكررة، لأن نتيجة هذا الاستنزاف الضاغط هي: مزيج غير متناغم من نجاح محدد، وإخفاق متعدد.

سنحتاج في النهاية إلى أن نمدّ مدى الرؤية، لنتأمل هذا الديوان (الأشيائي) في المنظور الأوسع لتجربة حيدر الشعرية، وقد نعدّه نوعًا من الإحماء المسبَق لمغامرات شعرية أحكمَ بناءً وأشدّ تركيبًا، فقبل أقلّ من سنة نشر حيدر كتابه (مُهاكاة ذي الرمّة) الذي اختطّ فيه مسارًا بحثيًا وشعريًا جديدًا ومختلفًا أيضًا عن المألوف، وكأنما هو موسم التجريب و(هجرة الجواميس الأفريقية صوبَ الينابيع البعيدة) بحسب تعبير صالح زمانان في نص: (أوطان القصائد والجواميس) الذي يعبّر فيه عن أزمة الشاعر المزمنة وهو يتلمس طريقه نحو المغامرة الإبداعية والتجريب المختلف.

6- المعادل الموضوعي: ضفادع ذي الرمّة في بِركة (باشو):

لعله هاجس واحد هو ما دفع حيدر إلى نظم كل هذه القصائد (الأشيائية) في ديوانه الأخير، بينما كان بيني في الوقت نفسه مشروعًا بحثيًا وشعريًا متكاملًا حول تعريب فن (الهايكو) الياباني، استنادًا إلى الشاعر الأموي ذي الرمّة: خِرّيت الصحراء ووصّاف الرمل والهواجر، كأنما أراد أن يقول: إن هذا الشاعر الرقيق -الذي استبعده خلفاء بني أمية والنقاد القدامى من امتياز (الشعراء الفحول) بسبب ضعفه في المديح والهجاء- هو أقدر الشعراء على امتلاك عاطفته وتحجيم حضور الذات في شعره حين يرسم لوحاته (الموضوعية) المتقنة عن الصحراء العربية، أليس هذا هو جوهر فنّ الهايكو: الوصف المحايد للطبيعة وكائناتها؛ باعتبارها (أشياء) تحدث مستقلة بنفسها، وليست مرايا عاكسة لذات الشاعر وموقفه من الوجود؟

ماذا يفعل إذن هذا الشاعر المعاصر -الذي تعثّر شيئًا ما في قصيدة المديح- إلّا أن يتساءل بمعيّة المتعثّر القديم: ذي الرمّة عن المعنى الأعمق للفحولة الشعرية؟ وهل تكون سوى هذه القدرة اللا متناهية على ارتياد آفاق شعرية غير متداولة، واجتراح مغامرات تجريبية جديدة مع كل منعطف من منعطفات الحياة؟ لتكنْ إذن هذه المغامرة التجريبية الجديدة باتجاه (الأشياء): من حيث هي، لا من حيث نحن؛ بكلّ تعثّرنا وانكسارنا وأوهامنا، وأوهام مَن حولنا أيضًا.

وهكذا كان، فقد راح حيدر بكل حماسة يعقد مختلف الصِّلات بين بِركة الهاكي الياباني الأقدم: (باشو)، وضفادع المصوّر العظيم للصحراء العربية: (ذي الرمّة)، بين فلسفة الزِنّ، والتصوّف الإسلامي، بين (كيغو) الفصول الأربعة عند هُكاة اليابان، وعلم (الأنواء) العربي، وأخيرًا بين المقاطع العتيقة (للهاكي) العربي القديم: ذي الرمّة، والمقاطع الجديدة (للمُهاكي) العربي الحديث: حيدر العبدالله.

ووسط هذا كله كانت ملامح (المعادل الموضوعي) تتكشّف لك باستمرار، وبخاصة حين تقرأ منافحة حيدر عن ذي الرمّة، وعن مذهبه الشعري، وعن مكانته الإبداعية في مواجهة نقّاد العصر القديم: «لم يكن ذو الرمّة يعرف -وقد فشل غير مرّة في اختبار الفحولة العربية- وأعجزه الانخراط في منظومة الحماسة الشعرية، وأعياه الهجاء والمديح والفخر، وأكل حظَّه شعراء النقائض، لم يكن أبدًا يعرف أنه قد أُريدَ لشعره أن يكون خالصًا من نوازع الأنا البشرية، متساميًا على دنيوية الذات ونزواتها العابرة، كالهايكو الذي سيُبدعه لاحقًا شعراء اليابان العِظام».

أليست هذه الكلمات مرافعة غير مباشرة عن الذات، وعن مذهب الرقّة، وعن الانعطاف الجديد عند حيدر نحو شعرية الأشياء؟

ربما هذا ما يفسر تجاوز حيدر لبعض الإشكالات والمفارقات الناتجة عن اعتبار ذي الرمة مرجعًا عربيًا لفنّ الهايكو، فذو الرمّة هو شاعر التشبيه المتأنّق بامتياز، وقد افتخر هو نفسه بإجادته له، وامتدح براعتَه فيه عدد من النقاد القدامى، وهذا التأنُّق التشبيهي الأقرب إلى الصنعة لا يتوافق مع سِمة البساطة التصويرية المباشرة، وموضوعية الوصف المحايد، و(هكذائية) الموقف والتعبير في شعر الهايكو الياباني، وقد اقتبس حيدر في (دفتر الـمُهاكاة) أبياتًا لذي الرمّة غير متصلة بالطبيعة، وأخرى معتمدة على صنعة التشبيه، أو أن الذاتية فيها بارزة، وهذه كلها تتعارض مع الضوابط النظرية التي أقرّها للهايكو، فالشاعر بحاجة إلى تجرُّد موضوعي من أناه (الإبداعية) المتضخّمة حتى يستطيع الإمساك بالمفتاح الذهبي للهايكو: لا تجعل الطبيعة مِرآة لك، بل لتكن أنت مِرآةً صافيةً لها، فتنعكس على كلماتك (أشياؤها) وصُوَرها؛ دون أيّ تزويق بلاغي، أو عاطفي، أو فكري.

على أن ما يهمّنا أكثر من الكتاب هو: شعر حيدر نفسه، أو (مُهاكاته) التي ضمّها الباب الثالث (دفتر الـمُهاكاة)، وأول ما نلحظه هو التفاوت الكبير في (أطروحة الهايكو العربي) بين طموح التنظير وضوابطه العالية التي تصل لحدّ المعيارية الصارمة، وتواضع التطبيق الشعري، وعدم قدرته على الالتزام بالمعايير النظرية، ستجد مثلًا بعض مقاطع المهاكاة التي لم تلتزم بشرط: (الاقتصار على وصف الطبيعة)؛ كقول حيدر مثلًا: «ليس حِنّاء الأنامل، بل لعقة مِن شوكولا»، وقوله: «يمسُّ بنانُها الـمِرآةَ والحِنّاءُ لم ينشفْ»، وقوله: «دمعته في أغوار لحيته غائرةٌ».

كما أخلّت بعض المقاطع بضابط: (تجنُّب التشبيه والاستعارة)؛ كقوله مثلًا: «الوتد البالي بُرجُ استطلاعٍ تصعده النملةْ»، وقوله: «البيداءُ صافيةٌ، والأخفافُ تشربها»، وقوله: «صِغار الجبال تُوضّئ أقدامها في السراب».

ومن المفارقات التي اضطُرّ إليها الشاعر: تقديم شرح نثري قبل كل بيت هايكو وبعده، فلم يكتفِ بإيحاءات بيت الهايكو الذي كتبه، بل شعر بالحاجة إلى أن يضع القارئ في أجوائه، ويشرح له معانيه، وما الذي يبقى من سمة التكثيف في فنّ (الهايكو) إذا احتاج إلى كل هذه المقدمات والشروح؟

هذا بالإضافة إلى أن فن الهايكو قائم في الأصل على الاستلهام المباشر من الطبيعة، أمّا أبيات الشاعر في (دفتر المهاكاة)، فقد كانت استلهامًا من صور الطبيعة في شعر ذي الرمّة، فذو الرمّة هو (الهاكي)، وحيدر هو (الـمُهاكي)، أي أنه أبعد عن الطبيعة بدرجتين.

نعم، بالطبع، كانت هذه أعراضًا جانبية متوقّعة لهذا التجريب الجريء الذي حاول أن يتغلب -بصبر لافت- على مشقة التطبيق، وصعوبة التلقيح بين أدبين متباعدين في خصائصهما الأسلوبية، وفي روحهما الحضارية، كالأدبين: العربي، والياباني.

ومع هذا فقد نجتْ كثير من أبيات المهاكاة التي كتبها حيدر من الاستسهال العابث و(الكلام الساكت) الذي يسِم معظم كتابات الهايكو العربية، ومن النادر أن تعثر في تلك الكتابات على بيت هايكو يستدعي التأمّل، مثل قول حيدر: « عبّادَ شمسٍ ربما الحِرباءُ ظنّ نفسَهُ»، أو قوله: «يودُّ الظبْيُ لو تنشقُّ أرطأةٌ وتُخفيهِ».

وبعد، فلدى ظبْي الشعر دائمًا أرطأته الرملية التي يلوذ بها، وسِردابه الخفيّ الذي يُفضي به إلى نفسه، بعيدًا عن  ظواهر القراءة واقتناصات النقاد، وكما يقول حيدر في ديوانه الأخير: «سلّمتُه جسدًا مِن الأمواجِ: مُنسرِبًا، ومضطرِبًا، ومغترِبًا، فكيف يلفّني بِشريطِهِ وأنا العُبابْ؟».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى