• من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • تواصل معنا
  • دخول / تسجيل
  • اللغة
    • English
    • Chinese

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

منصة معنى الثقافية
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
هدهدة
No Result
عرض جميع النتائج
الثلاثاء, أغسطس 18, 2026
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
No Result
عرض جميع النتائج
منصة معنى الثقافية
هدهدة

تكريمًا لتورين | فرنسوا دوبو – ميشيل ويفكروكا

بواسطة معنى
22 ديسمبر، 2025
من مقالات فرنسية
A A
تكريمًا لتورين | فرنسوا دوبو – ميشيل ويفكروكا

فرنسوا دوبوFrançois Dubet  وميشيل ويفكروكاMichel Wieviorka

ترجمة: روابي العمري.

مراجعة: محمد بن علي الزهراني.

يدافع عالم اجتماع العمل آلان تورين  Alain Touraine(1925م -2023م)، عن قدرة الأشخاص على استعادة السيطرة على حياتهم. إنه مفكر مجتمع ما بعد الصناعة، وشريك في اليسار الثاني. إن تورين نموذج لحَصِيف ذو توجهٍ ديمقراطي اجتماعي.

لا يمكن اختزال العلوم الاجتماعية في نموذج واحد أو «طريقة مثالية» بعينها تتيح بناءً مستدامًا للعمل الفكري على المدى الطويل. فهناك من يتبنّى نظرية مركزية جرى تطبيقها في وقت مبكر على موضوعات متعدّدة، ولم يطرأ عليها سوى قدر محدود من التحوّل عبر السنين؛ ويمكن الاستشهاد بإميل دوركهايم مثالًا على ذلك.

وفي المقابل، ثمّة باحثون يتّخذ عملهم مسارًا متحوّلًا، يتبدّل فيه جوهر البناء النظري والموضوعات المدروسة على امتداد الحياة الفكرية، من دون أن يعني ذلك غياب التماسك أو انقطاع خيط الاستمرارية. وقد كان آلان تورين، الذي توفّي في 9 يونيو 2023م، منتمياً بوضوح إلى هذه الفئة، وهو ما كان يعرّف به نفسه.

من العمل إلى الحركات الاجتماعية

يروي كتاب «رغبة في التاريخ» (Un désir d’histoire، 1977م) كيف تحوّل طالب في المدرسة العليا، كان يُنتظر له أن يسلك مسار التفوّق الأكاديمي التقليدي، إلى عالم اجتماع في أعقاب تحرير فرنسا من الاحتلال.

كان تورين يرفض روح التعليم النخبوي السائدة في الأقسام التحضيرية، كما كان ينفر من مناخ المدرسة العليا الذي بدا له منفصلًا عن الواقع الاجتماعي. لذلك اختار مغادرة هذا الفضاء المغلق، وسافر إلى المجر لدراسة الإصلاحات الزراعية هناك، قبل أن تعود البلاد مجددًا إلى دائرة النفوذ السوفييتي. ثم عمل لاحقًا في مناجم الفحم بمدينة فالنسيين، بغية الاقتراب من حياة العمّال وظروفهم اليومية، قبل أن يواصل دراسته في التاريخ إلى أن نال تأهيله الجامعي العالي، بالتعاون مع صديقه المؤرخ المعروف جاك لوغوف، الذي كان زميله في السكن خلال فترة دراستهما في المدرسة العليا.

قرأ تورين بشغف كتاب جورج فريدمان “المشاكل الإنسانية للمكينة الصناعية Les Problèmes humains du machinisme industriel ” ١٩٤٧م، وكان ذلك في الشمال، حيث اختبر العمل في المناجم. عندها اكتشف مهنته بصفته عالم اجتماع، وشغفه بـ “الحياة الحقيقية” وعَمل الطبقة العاملة. لا تتوافق هذه “الرغبة في التاريخ” مع مشروع دراسة التاريخ الذي أُنجز بالفعل؛ إنها مسألة تتعلق بفهم كيف يحدث ذلك في الصراعات الاجتماعية وفي خيال الممثلين، في الحياة العادية. في مجتمع الخمسينيات، يصبح التاريخ محركًا في العمل الذي يغير العالم ويطلق الإبداع البشري، ويتشكل الفاعلون الاجتماعيون، أولئك الذين يصنعون التاريخ، في ساحات الصراع العمالي.

انضم آلان تورين إلى المركز الوطني للبحث العلمي CNRS عام 1950م، حيث عهد إليه جورج فريدمان Georges Friedmann بدراسة تطور العمل اليدوي في مصانع رينو Renault. لقد أصبح هذا البحث كلاسيكيًّا، وفاقت المقالات والكتاب الذي يتناولها سقف الإبداع المتوقع اليوم.

يهتم تورين، في جوهر مقاربته، بتشكّل الوعي الطبقي، وهو وعي لا يختزل في مجرد الإحساس بالانتماء إلى جماعة، ولا في الشعور بالتعرّض للاستغلال، ولا حتى في الانتماء السياسي كما كان يؤكده الحزب الشيوعي وكثير من المثقفين في تلك المرحلة.

يوضح تورين أن الوعي الطبقي يتكوّن عند نقطة التقاء العامل المحترف بتنظيم العمل الذي يسلبه استقلاليته؛ فهو، في أساسه، فعلُ تأكيدٍ للذات، يدافع فيه الفرد عن قدرته على أن يكون ذاتًا مستقلة في مواجهة القوى التي تمارس عليه السيطرة.[1]

وبعد سنوات، سيتابع الباحث سيرج مالّيه هذا الاتجاه الفكري بدراسته حول “الطبقة العاملة الجديدة”.واليوم، في ظل النقاشات الواسعة التي أثارتها إصلاحات نظام التقاعد في فرنسا عام ٢٠٢٣م، عاد موضوع العمل ليصبح محورًا أساسيًا في قضايا الاستقلالية والاعتراف الاجتماعي

يرى آلان تورين، ومعه العمال الذين أجرى معهم مقابلات، أن الوعي الطبقي لا يقتصر على حدود الورش، بل يتجاوزها ليعبّر عن نقدٍ عميق لتنظيم العمل ذاته، باسم القيم العامة التي يقوم عليها المجتمع الصناعي. فبالنسبة لهم، لا يُختزل الوعي الطبقي في الانتماء المهني أو في الشعور بالاستغلال، بل يتجسد في موقف فكري واجتماعي يسعى إلى الدفاع عن كرامة العامل واستقلاله داخل منظومة الإنتاج الحديثة.

يكتسب الحراك الاجتماعي المرتبط بقضايا العمل، في منظور تورين، بُعدًا عالميًّا، لأنه لا يقتصر على تحسين شروط العمل، بل يطمح إلى بسط السيطرة على «التاريخية» الخاصة بالمجتمعات الصناعية. وتشمل هذه السيطرة التوجّهات الثقافية الكبرى التي تحرّك الاستثمار، وتوجّه تطبيق التقنيات، وتؤطر العلم والعقلانية، وسواها من العناصر المؤسسة لمسار الحداثة.

وبالنسبة إلى تورين، فإن الحركات الاجتماعية لا تواجه المهيمن لمجرد معارضته، بل من خلال ادّعائها أنها تحمل مشروعًا تاريخيًّا بديلًا، يشارك الجميع في تعريف معالمه. وهي، في هذا المعنى، تشبه المجتمعات الدينية إلى حدّ ما، حيث تُوجَّه الانتقادات إلى الكنائس باسم الإيمان «الحقيقي» الذي يُفترض أنها انحرفت عنه.

مجتمع ما بعد الصناعة

إذا عُدَّ تورين عالم اجتماع المجتمع الصناعي، لكنه أيضا من أوائل من تنبأوا بانحساره. ففي الوقت الذي كان فيه التيار اليساري الراديكالي (الغاوشي) يُقدِّم الصراع الطبقي باعتباره المواجهة الكبرى التي تستدعي عودة الطليعة الثورية لمواجهة نظام السيطرة الشاملة، لاحظ تورين في أحداث مايو ١٩٦٨ وفي غيرها من الحركات الاجتماعية التي تلتها، بداية تحوّلٍ عميق نحو مجتمع ما بعد صناعي

تجمع حركة مايو بين الأزمة الأكاديمية والتشكيك في قيم المجتمعات الصناعية ذاتها، وتنتشر إلى جانب الحركة العمالية، التي تنطلق من منطق آخر. أما اليسار المتطرف، الذي دخل معه آلان تورين في مواجهات فكرية عديدة، والذي كان بعيدًا عنه فكريًّا، فيدعو من جانبه إلى تلاقي النضالات تحت قيادة الحزب الشيوعي وبهدف تحقيق الثورة[2].

ومن هنا، يرى تورين أن النقد الثقافي هو المعنى الجوهري لحركة مايو ٦٨، وهو ما أكّد عليه أيضًا صديقه المقرب إدغار موران، الذي تحدث مع كلود لوفور وكورنيليوس كاستورياديس عن ما سموه «الشقّ الثقافي» أو «الثغرة الثقافية». كما لم يتردد المفكرون المحافظون في الإشارة إلى هذا البعد نفسه، لكنهم رأوا فيه بداية لانحلال القيم الأخلاقية وبزوغ عصر جديد من تدهور السلوك والعادات..

لا تقتصر الحركة الطلابية على تمرد الشباب ضد النظام القديم؛ بل امتدت لتكون حركة اجتماعية تعارض إخضاع المعرفة والعلوم لخدمة الأنظمة التكنوقراطية؛ لقد كان مؤشرًا مبكرًا للحركات الاجتماعية الجديدة.

نشر تورين “مجتمع ما بعد الصناعة La Société post-industrielle” بالتزامن مع نشر كتاب دانييل بيل Daniel Bell، الذي حمل العنوان ذاته[3]، وهو الذي يُنسب إليه صياغة هذا المصطلح، وهو أمر اعترف به تورين دائمًا. مع ذلك، يختلف منظور كل منهما عن طبيعة هذا المجتمع. يرى بيل أن “المجتمع ما بعد الصناعي” هو تطور طبيعي للمجتمع الصناعي، في حين يعده تورين نموذجًا مختلفًا تمامًا، يشكل قطيعة مع المجتمع الذي سبقه، وليس امتدادًا له. في هذا المجتمع الجديد، تبرز الثقافة من خلال الاستهلاك والتعبير عن الذات، في حين تصبح عملية الإنتاج أكثر تقنية وتجريدًا، وخالية من الروابط الشخصية.

يرى تورين أن نمط المجتمع الجديد، الذي يسميه أيضًا «المجتمع المبرمج»، يشهد حلول التكنوقراطية محلّ البرجوازية القديمة، مع ما يصاحب ذلك من توسّع نفوذها ليطال الحياة الشخصية للأفراد على نحو متزايد. ويولّد هذا الامتداد ردّ فعل معاكسًا، يتمثّل في بروز «حركات اجتماعية جديدة» تدافع عن الخبرة الفردية، والهويات المعلَنة، واستقلالية الأشخاص، سعيًا إلى استعادة السيطرة على شروط حياتهم.

ولا يعني هذا التحوّل اختفاء الحراك العمّالي، ولا زوال الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ولا تلاشي التطلّعات نحو الاشتراكية. غير أنّ مسرح التاريخ، وهو يُعاد تشكيله، يستقبل فاعلين جددًا: النساء، والأقليات الثقافية، والحركات البيئية، بل حتى الأفراد أنفسهم، الذين باتوا يطمحون إلى أن يكونوا سادة حياتهم الخاصة.

علم اجتماع العمل

في سبعينيات القرن الماضي، شكّل الفضاء الفكري لعلم الاجتماع المتضمّن عدة توجهات رئيسة، وشهدت تلك الحقبة ذروة التيارات الفكرية البنيوية التي غالبًا ما كانت تتأثر بالماركسية، ولكن ليس على الدوام. كان أحد هذه التوجهات النسخة الألتوسيرية[4] التي ترى المجتمع بوصفه نظام هيمنة يعتمد على مؤسسات أيديولوجية وصفها آلان تورين بأنها “منفصلة عن الواقع”.

 على الرغم من ابتعاده عن الماركسية، فإن بيير بورديو يقدم نسخته من علم اجتماع الهيمنة والموافقة الذي يستند إليه الناشطون في حراكهم ويبنون عليه أفكارهم، وهذا ما يدعونا إلى التفكير فيما يتعلق بإعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يتحدث تورين عن “إنتاج المجتمع”. من جانبه، يدافع ميشيل فوكو عن أحد مفاهيم الفعل القريب من نظريات الهيمنة، وحتى موت الذات، وهو مفهوم ابتعد عنه تدريجيًّا في كتابه مشكلة الذات Le Souci de Soi.

على النقيض، بالنسبة إلى ريموند بودون وميشيل كروزير، فإن الحياة الاجتماعية حُللت من حيث الاختيار العقلاني والتأثيرات التركيبية لهذه الاختيارات، ويستخدم ريموند آرون، في مقارباته للحرب والحياة الدولية، نماذج استراتيجية متعلقة بالحرب من ذات النهج. قُدّمت هذه المساحة هنا بطريقة مقتضبة جدًّا، وبالاستناد حصرًا إلى علماء الاجتماع الفرنسيين، وهذا ما يمكن أن يحجب النطاق الدولي الحقيقي للحياة الفكرية التي تطور تورين فيها. لكن هذا يكفي لإدراك حجم المكانة الفريدة التي يحتلها تورين[5].

ينتمي تورين إلى التقليد الكبير للتحليلات التاريخية للحداثة عبر مفهوم «التاريخية»، الذي يعرّفه بوصفه نتاج النموذج الثقافي ومنطق التراكم. فالحياة الاجتماعية، في نظره، ليست نظامًا مستقرًا، بل هي تقاطع دائم ومتنازع للفعل، بين منطق الاندماج عبر الثقافة، ومنطق الصراع الكامن في التراكم والسيطرة على النموذج الثقافي ذاته. ومن ثمّ، تخضع الحياة الاجتماعية بالضرورة للتوتر والصراع، لا لمنطق النظام ولا لمنطق السوق، وهو ما يفسّر معارضة تورين لكلٍّ من الوظيفية ونظريات الاختيار العقلاني.

وفي إطار ما يسميه «أنظمة الفعل التاريخي»، يدعو آلان تورين إلى التمييز بين أنماط مختلفة من معاني السلوكات الاجتماعية: بعضها يتولّد عن التنظيم الاجتماعي وأزماته، وبعضها ينبثق من مأسسة الممارسات، فيما ينشأ بعضها الآخر من الصراعات الطبقية والحركات الاجتماعية التي تسعى إلى بسط السيطرة على مفهوم التاريخية نفسه.

كما أنه يميز بين المستويات: من الأسفل إلى الأعلى، من الناحية الاجتماعية؛ مستوى السلوك المتضمن في التنظيم الاجتماعي والرقابة الاجتماعية العادية، ومستوى السلوك السياسي والعلاقات بين الدولة والمجتمع، والأعلى جدًّا مستوى الحركات الاجتماعية التي تتجاوز المستوى العادي، والسلوكات والإجراءات السياسية التي تهدف إلى تعزيز المصالح واستقرار الصراعات فيما هي بالنسبة إلينا اللعبة الديمقراطية.

أن تكون فاعلًا

لفهم الحياة الاجتماعية، لا بدّ من الانطلاق من دراسة الفعل نفسه، ومن وعي الفاعلين وتجاربهم اليومية. فالفاعلون هم من «ينتجون» ما نسمّيه المجتمع، غير أن في هذا الإنتاج بُعدًا مأساويًا؛ إذ لا يتحقق أبدًا تطابق كامل بين الفاعل والنظام، لا عبر الهيمنة، ولا عبر قوة التفاعلات الاجتماعية، ولا حتى من خلال افتراض انسجام المصالح. ومن ثمّ، فإن تاريخ المجتمعات ليس سوى تاريخ تعاقب أنظمة الفعل التاريخي، وما يصاحبها من انشقاقات ضرورية تشكّل بنيتها وتميّز مسارها.

يبين تورين في كتابه نقد الحداثة [6]Critique de la modernité، أنّ الحداثة، رغم انتصار العقل فيها، كانت دائمًا مهدَّدة — من الدول القومية، وقوى السوق، والهويات الجماعية، وكذلك من خلال الانقسامات الداخلية في الذات الإنسانية.هذه العوامل كلّها خلقت فجوة لا يمكن التوفيق بينها، أولًا بين «نحن» و«أنا»، ثم بين «أنا» و«ذاتي»، بل وبين الأخلاق العامة والقيم الفردية أو الأخلاق الشخصيةوبالمثل، لا تتمكن الأنظمة الديمقراطية أبدًا من مأسَسة الحركات الاجتماعية مأسسةً كاملةً، ولا يكون الفاعل أبدًا متوافقًا مع النظام.

لقد أنتجت الحداثة الذات المفردة، لكن تورين يشعر بالقلق، لأنه يبدو له اليوم مهددًا بحكم السوق، والنرجسية، ونمو الهويات، وتراجع العالمية الديمقراطية التي هي الشرط الضروري لتشكيل الذات الفردية والجماعية.

يدعونا تورين في أزمة الحداثة هذه إلى ممارسة علم الاجتماع من خلال التخلي عن فكرة المجتمع الذي يُنظر إليه بصفته تركيبة مكونة من ثقافة وطنية ودولة ذات سيادة واقتصاد الوطنية[7]. وهنا أيضًا، يظهر تورين إلى حد ما بعيدًا عن الثقافة السوسيولوجية السائدة في فرنسا، حيث يسود، كما يعبّر أولريش بيك، “القومية المنهجية” التي لا تعالج القضايا إلا في إطار الدولة/الأمة.

مع عولمة الثقافات والتبادلات، لم يعد هذا التركيب قائمًا؛ فهو لا يعدو كونه حنينًا، محافظًا في أفضل الأحوال، وردًّة فعل في أسوئها. يدعو تورين قارئه للدفاع عن قدرة الفرد على أن يكون موضوعًا في عالمٍ حيث تصبح إمكانية العيش معًا اختبارًا وضرورة أكثر من أي وقت مضى.

التدخل الاجتماعي

كان تورين يحب “النظريات الكبرى” واللوحات الجدارية التاريخية، وقد يظن المرء أنه كان منظرًا أكثر من كونه رجلًا في هذا المجال. مع ذلك، كان دائمًا يجري التحقيقات ويختبر أفكاره مقابل الحقائق.

عندما انتهينا من أطروحة الدراسات العليا في عام ١٩٧٦م،  دعانا إلى التعاون معه في برنامج “التدخلات الاجتماعية” المخصص للحركات الاجتماعية الجديدة. كان الأمر يتعلق بمعرفة إلى أي حد كانت الصراعات الاجتماعية حركات اجتماعية تنطوي على نموذج للتاريخية والسيطرة الاجتماعية، وليس مجرد سلوك أزمة أو تعزيز المصالح المشتركة.

انطلاقًا من الافتراض القائل إن الممثلين أذكياء وقادرون على معرفة ما يفعلونه، بشرط أن يُوضَعوا في ظروف معينة يجب أن يوفرها لهم نظام البحث، طبق تورين لأول مرة أسلوبه الجديد في “التدخل الاجتماعي”، ومن أجل تحسين انعكاسية الجهات الفاعلة، وكذلك انعكاسية الباحثين، شكَّلنا مجموعات من النشطاء الذين واجهوا محاورين ذوي صلة -خصومًا، وحلفاء، وشهودًا- والذين تناقشوا أيضًا فيما بينهم.

كان لهذه اللقاءات الأولى وظيفة تفكيك الأيديولوجيات والتمثيلات، وتحويل اليقينيات إلى مشكلات، والكشف عن عدم تجانس النضالات. في نهاية نحو عشر جلسات، قدم الباحثون تحليلاتهم إلى أعضاء المجموعات الذين تناولوها، فقبلوها أو رفضوها، وأخيرًا، شاركوا في إنتاج تحليل لعملهم مع علماء الاجتماع.

إن هذا الأسلوب ليس مرهقًا ومتطلبًا فحسب، بل إنه يتعارض أيضًا مع أفضل العادات المهنية الراسخة، التي يسجل فيها علماء الاجتماع الآراء دون إخضاعها لاختبار الحقائق والآراء المخالفة، ليفسروها وينسبوا إليها نوعًا من احتكار المعنى. وكأن من البدهي أن الفاعلين الاجتماعيين لا يعرفون ماذا يفعلون، وأن «المجتمع» هو الذي يتكلم ويتصرف من خلالهم.

من أوكسيتانيا إلى بولندا

عملنا معًا، إلى جانب باحثين آخرين، على تنفيذ ما نسميه تدخلات سوسيولوجية، ليس حول الحركات الاجتماعية فحسب، بل بمشاركتها الفعلية — مع الحركة الطلابية، والحركة الأوكسيتانية، والحركة المناهضة للطاقة النووية، والحركة العمالية، وأخيرًا مع حركة «تضامن Solidarność» في بولندا عام ١٩٨١م، فكل منهج علمي محترم يجب أن يمنح نفسه فرصة ليتعرض للتكذيب، أي أن يكون قابلًا لاختبار صحة فرضياته.لكن بعض النقّاد اشتبهوا في أن ما يسمى بـ «التدخل السوسيولوجي» ليس سوى أسلوب للتلاعب، يُستخدم لتمكين الباحثين من تأكيد فرضياتهم سلفًا في الحركات الاجتماعية الجديدة.

مع ذلك، لم يتم في معظم الأبحاث التحقق من فرضياتنا أو جزء منها فقط، وحتى أكثرها تفاؤلًا. لقد ظلت أزمة الجامعة وخطاب اليسار المتطرف مهيمنين على الحراك الطلابي. ظلت الحركة الأوكسيتانية تتأرجح بين الدفاع عن اللغة والنزعة القومية المثقلة بالقضايا الاجتماعية التي كان يحملها أساسًا صغار مزارعي النبيذ، والاختفاء بدلًا من الانزلاق إلى العنف، وفشلت الحركة المناهضة للطاقة النووية في أواخر السبعينيات في تحويل معارضتها للطاقة النووية المدنية إلى قوة سياسية ومقترحات لأنماط أخرى من التنمية؛ لقد كانت ممزقة بين النبوءة المثالية والنقد الفني للتكنولوجيا. أما بالنسبة إلى حركة التضامن، التي أثارتنا كثيرًا، فقد اكتشفنا عبرها بدايات الانفصال بين الحركة العمالية والنضال الديمقراطي والإغراءات الشعبوية؛ وهي دفعة قومية حدثت للأسف، بعد ثلاثين عامًا.

أظهرت طريقة التدخل السوسيولوجي فاعليتها، بما في ذلك لدراسة النضالات أو التجارب التي كانت تُعد في البداية بعيدة عن الحركات الاجتماعية الجديدة: العنصرية، ومعاداة السامية، والإرهاب، ومعاناة الشباب في الضواحي، والتجربة المدرسية، والسرطان، وغيرها. وإذا لم تنتشر بالطريقة التي كنا نأملها، فذلك بلا شك بسبب ثقلها الكبير. إنها تتطلب من المشاركين قبول تخصيص عدة عشرات من الساعات لها، بالإضافة إلى فرق من الباحثين الذين يجب أن يبقوا ملتزمين بها مدة طويلة، كما تتطلب تشكيل عدة مجموعات تدخل في مواقع متعددة، ولا يكفي وجود ميدان واحد وباحث واحد، والتنظيم الحالي للبحث لا يشجع على مثل هذه الالتزامات الطويلة والثقيلة.

مع ذلك، يمكن تكييفها لتناسب موارد أقل من تلك المتاحة في مختبر سوسيولوجي، كما فعل دانيال جاكوان في أطروحته عن نضال “ليب” (LIP).

الأبحاث في أمريكا اللاتينية

انطلق توران عام ١٩٥٦م لإنشاء مركز أبحاث في تشيلي. تزوج أدريانا هناك، ومنذ تلك اللحظة لم يعد إلى وطنه، وسرعان ما انضم إليه إدغار مورين وجان دانييل رينو. خصص كثيرًا من الكتب للمجتمعات التابعة والشعبوية والسياسة في أمريكا اللاتينية. لقد أصبح عالم اجتماع ذا تأثير بالغ في هذا الجزء من العالم، وأحيانًا كان يعدُّ “المايسترو” وفي أحيان أخرى أيقونة[8].

رأى تورين أن مجتمعات أمريكا اللاتينية تعاني التبعية والتفكك، بفعل الفجوة القائمة بين السوق الوطنية والسوق الدولية، وبسبب الهوّة الثقافية والاجتماعية الواسعة بين النخب والشعب، وبين الخيال الوطني والثقافات الأصلية، فضلًا عن التوتر بين المركزية وهشاشة أوضاع الطبقات الوسطى. وقد فُسّر هذا التفكك، في نظره، بثقل الشعبوية، والاستقلالية المفرطة للأيديولوجيات، والدور الطاغي للسياسة، وعنف الصراعات، وضعف الحركات الاجتماعية.

وقد تابع تورين على مدى طويل تجربة «الوحدة الشعبية» في أمريكا اللاتينية، ثم سقوط سلفادور الليندي، والمسار التدريجي للخروج من دكتاتورية بينوشيه. ولم تكن أمريكا اللاتينية، بالنسبة إليه، أرضًا غريبة، بل شكّلت فضاءً أثّر فيه بعمق. ففي باريس، كان يمكن أن يبدو رجلًا متحفّظًا إلى حدّ ما، بل بعيد المنال أحيانًا، أمّا في أمريكا اللاتينية فقد أصبح «لاتينيًّا» بالمعنى العميق للكلمة: مألوفًا، قريبًا من الناس ومن زملائه، ومتفاعلًا مع المآسي التي عاشها هناك على نحو شخصي بالغ العمق.

رفيق اليسار الثاني

اتّبع تورين التقليد الفرنسي، الذي غالبًا ما يصبح الباحث فيه متداخلًا في النقاش العام، ولم ينحرف تورين عن هذا النموذج. بالقرب من ميشيل روكار وإدموند ماير، رأى العامل في “اليسار الثاني” المحرك السياسي للحركات الاجتماعية الجديدة والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي أراد دراستها.

دافع تورين عن الحرية والمساواة بصفته ديمقراطيًّا اشتراكيًّا، ووقف إلى جانب طلاب نانتير ودانيال كوهن بنديت الذي كان صديقًا له دائمًا، حيث دافع عن الحركات النسوية، والنضالات المناهضة للعنصرية، وحركة التضامن البولندية، والزاباتيستا. كما تمسك دائمًا بمواقف فريدة وغير مريحة، وأحيانًا غير مفهومة.

ورغم انتمائه إلى اليسار ومعرفته العميقة بالعالم العمالي والنقابي، كان تورين حذرًا جدًا من الخطابات الجاهزة لليسار السياسي حول الرأسمالية، والطبقات الاجتماعية، والدولة، والديمقراطية. فعلى الرغم من أنه صوّت لفرانسوا ميتران دون تردد في عام ١٩٨٢، إلا أنه كان متحفظًا تجاه الخلط بين الخطابات الراديكالية والممارسات المتناقضة التي ميّزت اليسار آنذاك. وبالطريقة نفسها، دعم مواقف الاتحاد الفرنسي الديمقراطي للعمل (CFDT) خلال إضرابات عام ١٩٩٥، رغم أن ذلك لم يكن الموقف الأكثر شعبية

عندما نتفحص مواقفه، يبدو أنه كان ملتزمًا وبعيدًا في الوقت نفسه؛ فقد كان ملتزمًا بقضية في الفضاء العام، وبعيدًا لأنه واجه أكبر صعوبة في الالتزام بأيديولوجية هذه القضية: كان مؤيدًا للنضالات الطلابية، بعيدًا عن اليسار، مؤيدًا للنضالات العمالية، ولكنه لا ينخدع بالنزعة النقابية، مؤيدًا للحق في أن يكون المرء على طبيعته، ولكنه واعٍ بشأن أخطار الانتهاكات المجتمعية.

علاوة على ذلك، كان يدرك تمامًا أن الأخلاقيات القائمة على القناعات الشخصية والغضب الذي يرافقها لا يمكن أن تشكّل سياسة بمفردها، وأن العالم لن يتغير لمجرد أنه غير عادل أو لأننا نشعر بالغضب.

شكر وتقدير لتورين

على الرغم من أن تورين كان يؤمن دائمًا بأن الأمل واجب أخلاقي، وبأن لا شيء أسوأ من الانجراف نحو الحنين إلى الماضي، فإن من الواضح أن «اليسار الثاني» لم يعد في أفضل أحواله، وأن الغضب ومشاعر الازدراء باتا يغذّيان الشعبوية أكثر مما تفعل البرامج السياسية البديلة. ومن هذا المنظور، يرحل تورين في لحظة تبدو فيها الفئات السياسية القديمة وكأنها تتخلّى عنّا. وسنفتقد، بلا شك، إيمانه العميق بأننا نصنع التاريخ بقدر ما نخضع له.

مثل كثير من العلماء والمثقفين البارزين، كان تورين أشبه بـ”المعلم الكبير” في عصر كانت فيه المختبرات والفرق متماسكة حول “الرئيس”. كان النجاح الفكري يعتمد على قوة الأفكار والإنتاج، من ناحية، ولكن أيضًا، من ناحية أخرى، يعتمد على استراتيجيات القوة من أجل إنشاء مدرسة، والحصول على تلاميذ، والسيطرة على المجلات والمجموعات، وبناء شبكات نفوذ.

لا شك في أن تورين كان يتمتع بسلطة “القائد”، إلا أنه لم يرغب قط في الانخراط في حروب استنزاف للحفاظ على سلطته من خلال تعبئة الموارد وبناء الشبكات، ربما كان يظن أنها مضيعة للوقت أو أمر غير مشرف.

لذلك كان من دواعي سرورنا أن نكون تلاميذه وأصدقاءه دون أن يطلب منا أن نكون تلاميذه. للأفضل، وربما للأسوأ، لقد ترك لنا الحرية لنصبح ما أردنا أن نكون. فكيف لا نشكره؟


[1] مجتمع ما بعد الصناعة La société post-industrielle، دار النشر دونويل Denoël، ١٩٦٩م.

[2]علم اجتماع العمل Sociologie de l’action ، دار النشر سوِ Seuil ، ١٩٦٥م ; إنتاج المجتمع La Production de la société ، دار النشر سوِ Seuil ، ١٩٧٣م، عودة الفاعل Le Retour de l’acteur، دار نشر فايارد Fayard ، ١٩٨٤.

[3] نقد الحداثة  Critique de la modernité، دار نشر فيارد Fayard ، ١٩٩٢م.

[4] نسبة إلى نظرية الثوسيريان التي قدمها لويس بيير ألثوسير العالم والفيلسوف الجزائري. المترجمة.

[5] النموذج الجديد Un nouveau paradigm، فيارد Fayard، ٢٠٠٥م.

[6] نقد الحداثة Critique de la modernite، دار نشر فيارد Fayard، ١٩٩٢م.

[7] النموذج الجديد Un nouveau paradigm، فيارد Fayard، ٢٠٠٥م.

[8] الكلمة والدم La parole et le sang، باريس، دار نشر أوديلجاكوب Odile Jacob، ١٩٨٨م.

——————-

تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.

ShareTweetSendShareSend
المقال السابق

غودار وموت المؤلف | جيروم باكوريه

المقال التالي

ما لا يُقال في العمل | من «MIT SMR»

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

لو كان رجلًا!| بدر مصطفى

7 أغسطس، 2026

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»— مقولة مأثورة لو كان الفقر رجلًا لكنا واجهناه، وربما قضينا عليه، بوصفه العدو الأكبر. لكن...

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

مقاربة سيميائية تأويلية لإعادة بناء الأهل والمكان والقيمة في لامية العرب |حاكمة السعدي

1 أغسطس، 2026

ليس الشعر كله وصفًا للموجودات؛ فمنه ما يسبغ عليها صورًا كما يراها، ومنه ما ينقض حدودها ويعيد رسمها، وإن «لامية...

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

ما الذي يجعل المواطن يبدو مواطنًا؟ كرة القدم وإسبانيا وسياسة النسب | إحساين إلحيان ترجمة: نيهاد القزوي

27 يوليو، 2026

تروي كل أمة سرديتها الخاصة عن الانتماء؛ فمنها من يرويها عبر الدساتير، ومنها من يصوغها باللغة، بينما تستمد أمم أخرى...

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

جماليات اللاتطابق..لماذا يجب أن نرتاب في الأشياء التي تبدو كاملة؟ | بدر مصطفى

24 يوليو، 2026

ثمة أشياء تجذبنا لأنها لم تُحكم إغلاقها على صورة واحدة. نعود إليها أكثر من مرة. لا تستنفد نفسها في النظرة...

عن منصة معنى

«معنى»، مؤسسة ثقافية تقدّمية ودار نشر تهتم بالفلسفة والمعرفة والفنون، عبر مجموعة متنوعة من المواد المقروءة والمسموعة والمرئية. انطلقت في 20 مارس 2019، بهدف إثراء المحتوى العربي، ورفع ذائقة ووعي المتلقّي المحلي والدولي، عبر الإنتاج الأصيل للمنصة والترجمة ونقل المعارف.

روابط سريعة

  • أرشيف معنى
  • مكتبة معنى
  • تطبيق معنى
  • الأفلام

التصنيفات

Articles & Essays MIT SMR SJPS أوراق ودراسات إعلانات معنى إيون الحياة الطيبة الفلسفة الآن الفيلسوف الجديد المتن الفلسفي المتن الفلسفي بودكاست ذا أتلانتيك سايكي سيكولوجي توداي غير مصنف مراجعات مقابلات وحوارات مقالات مقالات فرنسية مقالات من الصين نيويورك تايمز
  • الرئيسية
  • من نحن؟
  • الكتّاب
  • شروط النشر
  • نشرة معنى
  • السلة
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • English
  • Chinese

© 2026 منصة معنى الثقافية

مرحبا بك!

قم بتسجيل الدخول إلى حسابك

هل نسيت كلمة المرور؟ تسجيل

قم بإنشاء حساب جديد!

املأ النموذج أدناه للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة. تسجيل الدخول

طلب إعادة تعيين كلمة المرور

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
لست عضو الآن ؟ سجل الآن
استخدام Google
استخدام Apple
Or Use Social
إعادة تعيين كلمة المرور
استخدام عنوان البريد الإلكتروني
تسجيل
هل أنت مستخدم مسجل بالفعل؟ تسجيل الدخول الآن
No Result
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • مقابلات وحوارات
  • مقالات
  • مراجعات
  • أوراق ودراسات
  • المجلة السعودية
  • الفيلسوف الجديد
  • صوت معنى
  • دخول / تسجيل

© 2026 منصة معنى الثقافية

-
00:00
00:00

قائمة التشغيل

Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00