ترجمة: شهد الراجحي
يعرف معظم الناس ما لا يُقال في شركاتهم، لكن على القادة تطبيق تقنيات لتغيير هذه الرقابة الذاتية عند الموظفين وتعزيز تواصلهم.
سأذكر لك أمثلة يستحيل أن تقولها في العمل، بصرف النظر عن مدى قناعتك بها ومدى تأثيرها على دافعك الشخصي أو انخراطك أو قدرتك على اتخاذ قرارات استراتيجية جيدة:
- “أنا لست متحمسًا لمضاعفة عملي أو الابتكار عندما يُنسب كل الفضل لك ولمديرك وتحصلون على كل الأموال”.
- “مشاركة الموظفين بالعمل ضعيفة لأنهم لا يثقون بقادتهم، ولا أحد يعالج هذه المشكلة”.
- “لا أستطيع اتخاذ قرارات فاعلة في ظل غياب الشفافية حول الأوضاع المالية أو الاستراتيجية”.
- “الشركة في نمو مستمر، ونحن نحقق ما يكفي من المال الآن”.
- إذا كنت قائدًا كبيرًا ستواجه صعوبة في الرد على أيٍّ من هذه الأمور، لأنك ستفاجأ للغاية من أن أحدًا قال لك ذلك.
قوة القواعد العميقة في العمل
لماذا نناقش ذلك؟ لأن هذه الأنواع من التعليقات تنتهك ما أسميه “القواعد العميقة” التي تطبقها الشركات. فالقواعد العميقة هي تلك القواعد غير المنطوقة التي تتحكم في التفاعل داخل الشركة، وتُؤثر على قدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم بحرية. وهذه القواعد لا تضر فقط بالموظفين الذين تُقمع آراؤهم، بل قد تضر القادة أيضًا.
بحثت في مجال تحسين التواصل داخل الشركات لمدة ٢٥ عامًا، وهدفي الرئيس هو تمكين الموظفين من التحدث بحرية وبشجاعة عن أفكارهم ومشاعرهم دون الخوف من العواقب. وخلال تحضيري لمرحلة الدكتوراه في جامعة هارفارد، تأثرت بأفكار البروفيسور وارن بينيس وأردت تحقيق أحد توقعاته. كان البروفيسور بينيس والبروفيسور فيليب سلاتر يجادلان بأن “الديمقراطية في الصناعة ليست مجرد مفهوم مثالي، بل ضرورة عملية وملحة”. “إن الديمقراطية نظام من القيم والمعتقدات تتحكم بالسلوك، بما في ذلك التواصل الفاعل والحُر، بصرف النظر عن الرتبة أو السلطة”. “التغييرات المتعلقة بتعزيز الديمقراطية في صناعة الأعمال تشهد انتشارًا واسعًا في الصناعات الأمريكية”.
كل ما ذُكر ليس إلا إعادة لما كتبه البروفيسوران سلاتر وبينيس قبل ستين عامًا.
لا يزال القادة يواجهون صعوبة في التعامل مع القضايا المتعلقة بالتواصل داخل منظماتهم، وصعوبة بجعل المنظمات أكثر ديمقراطية، بمعنى التواصل الحُر بصرف النظر عن السلطة والرتبة. أما بالحديث عن تفاعل الموظفين، فإن استطلاع غالوب السنوي (Gallup) حول هذا الموضوع يظهر تحسنًا طفيفًا على مدار العشرين عامًا الماضية، حيث أفاد أن ما بين خمس إلى ثلث الموظفين فقط عبروا عن أنهم متحمسون ومندمجون في عملهم في عام ٢٠٢٣م.
لماذا تستمر هذه المشكلات؟ لا أعتقد أن القادة يسعون لفرض السلطة لمصلحتهم الشخصية فقط، فالكثير من القادة يسعون إلى تحسين العالم، وقد رأيت العديد منهم يبذلون جهدًا لتحسين السلامة النفسية والرفاهية لجميع من في الشركة.
كيف تجسد هذه القواعد العميقة في الواقع؟
الواقع أننا لم نصرح بهذه القواعد العميقة أو نعترف بها، وهذا يعني أن معظم ما يُقال لا يتحدى ذوي النفوذ والسلطة في الشركة، وبرأيي أن هذا يُعد سببًا رئيسًا في أن ثقة الموظفين والتزامهم والأمور المالية لا تحقق تحسنًا ملحوظًا في الأداء التنظيمي.
لا أقلل من أهمية التعليقات التي تهدف للتحسين، بل أعتقد أنها مفيدة، لكنها لا تعالج الأسباب العميقة لعدم انخراط الموظفين أو استمرار اتخاذ قرارات خاطئة.
ثانيًا، لا أقول إن هذه التعليقات ممنوعة رسميًّا، أو يُعاقب عليها، فالقواعد العميقة لا تمنع الأفكار أو التعليقات بعد حدوثها، بل تمنعها قبل أن تُطرح من الأساس.
فبمجرد أن تكون لديك قواعد عميقة تمنع الحديث عن هدف المنظمة، وهيكلها، والرواتب، وأخطاء القادة، فإن الموظفين يعرفون أن هذه الأنواع من التعليقات غير مقبولة ولا تُقال، فيركزون على أنفسهم ويصمتون.
لا يفكر الموظفون والمديرون في القوة الخفية التي تمارسها القواعد العميقة داخل المنظمة، حتى يحدث تجاوز لهذه القواعد، ثم غالبًا ما تقمع الإدارة هذا التجاوز بدلًا من البحث عن المشكلة أو قبول الحاجة إلى تغيير.
مثل جدال قضية العمل من المنزل التي بدأت خلال جائحة كورونا، ففي أماكن كثيرة عندما يقول الموظفون إنهم يرغبون في الاستمرار في العمل من المنزل لأن بيئة العمل سلبية، وتمتص حياتهم، فإنهم غالبًا ما يقابلون تهديدات بالفصل بدلًا من النقاش حول ما يتطلبه الأمر لجعل بيئة العمل صحية. كان لدى القادة فرصة للتفكير في سبب كثرة الاستقالات بعد الجائحة، لكن عوضًا عن ذلك، فقد هددوا الموظفين بأنهم قد يُفصلون إذا تحسنت الأوضاع الاقتصادية.
يؤثر كل من تاريخ الشركة وثقافتها على استقبال الأشخاص لتصريحاتها، ويحدث هذا في شركتي ومعظم الشركات الأخرى، وأخشى أن الوضع يتفاقم في وقتنا الحاضر بسبب استعمال اللغة كسلاح لإنهاء النقاش بعد احتدامه. يكفي في الولايات المتحدة أن تُنادي المتحدث بالاشتراكي أو الشيوعي لإنهاء نقاش حساس، مثل الحديث عن النظام الرأسمالي، وبذلك يتم الحفاظ على “القواعد العميقة” ويُختتم النقاش بسرعة.
لتحسين الشركة، استخدم هذه التقنيات الثلاث:
ماذا تفعل لتحسين وضع شركتك الحالي؟ بدايةً، يجب أن يتولى الأشخاص ذوو السلطة القيادة في التغيير. ليس من العدل ولا من الواقعية أن تتوقع من الأشخاص الذين في المراتب الدنيا أن يتخذوا خطوات جريئة في العمل. وبالرغم من أن الكثير غير راضٍ عن القواعد العميقة، إلا أنهم لا يشعرون بالأمان أو الشجاعة ليبدؤوا في تحدي هذه القواعد.
سأذكر لك أساليب وطرقًا تساعد في بناء محادثة مثمرة مع الموظفين، وقد أشاد بها العديد من القادة الذين نصحتهم بها، وذكروا أنها كانت فاعلة وفائدتها كانت غير متوقعة. واتفق الطرفان على نتائج مشابهة بشأن قضايا العمل.
أولًا، ناقش ما لا يجب مناقشته:
اجمع مجموعة من الأشخاص الذين تعرفهم داخل الشركة، وحفزهم على التفكير الإبداعي وغير التقليدي، ثم دعهم يجيبوا عن هذا السؤال:
كيف نناقش ما لا يجب مناقشته؟
قد يكون سؤالًا عامًّا، أو قد تربط السؤال بمشكلة تحدث بالشركة.
تعلمت طرح هذا السؤال من أستاذ إدارة الأعمال كريس أرجيريس من جامعة هارفارد، ولطالما لقي استحسانًا من الموظفين لأنه يضيف متعة إلى الحوار، ويسهل عليهم التحدث عن الأمور التي عادةً لا تُناقش في العمل.
ثانيًا، صحح كل ما هو غير منطقي:
اسأل الموظفين عن التناقضات التي تحدث في الشركة، مثل الفجوة بين ما تقوله الشركة وما تفعله، وكل ما عليك فعله هو ذكر أمثلة وسينطلق الموظفون في الحديث. مثلًا اذكر عندما تعبر الشركة عن رغبتها في تعزيز التعاون بين المجموعات، لكنها في الواقع تُكافئ الإنجازات الفردية فقط، أو عندما تعبر الشركة عن قيم مثل النزاهة، لكن في الوقت نفسه تكافئ الأشخاص الذين يتخذون طرقًا مختصرة أو يتعالون على الآخرين.
ما ذكرته هو شرح لفكرة “ستيفن كير” عندما قال “تتحدث عن عمل شيء ما وتنفذ نقيضه”. يعرف كل الموظفين هذه التناقضات التي تحدث في الشركة، لكن لا أحد يتحدث خوفًا من خرق القواعد العميقة بذكر إخفاقات أحد القادة.
ثالثًا: حقق العدالة الحقيقية في العمل:
طُوِّر هذا الأسلوب الأخير استنادًا إلى نظرية العدالة التي قدمها الفيلسوف جون رولز. اقترح الفيلسوف رولز أداة تُسمى “حجاب الجهل”، وهي أداة تستخدم لتحديد ما إذا كان شيء ما عادلًا أم لا. يقوم المبدأ على أنه لا يمكن للإدارة معرفة الحالة الاجتماعية أو الاقتصادية للأشخاص، فمثلًا، إذا كنت تتساءل عن عدالة نظام الرواتب والمزايا في شركتك، فإن اختبار “حجاب الجهل” يفرض عليك التقييم حياديًّا، بحيث تؤكد على العدل بصرف النظر عن الوظيفة التي ستحصل عليها.
نظريًّا، يمكن للقادة إجراء هذا التمرين الفكري بأنفسهم، لكن عمليًّا، نفتقر بشدة إلى المنظور اللازم للوصول إلى إجابة دقيقة. لذا، من الضروري أن يستشير القادة مجموعة متنوعة من الموظفين ويسألوهم هذا السؤال: ما هي الأمور التي يراها بعض الموظفين غير عادلة في العمل، مع مراعاة اختلاف مناصبهم؟ صياغة السؤال بهذه الطريقة تُعد آمنة، لأنهم سيسقطون أفكارهم على الآخرين، ما يقلل من حدة النقاش حول القواعد العميقة. قد تتعلم من هذه الأساليب كثيرًا إذا كان موظفوك يثقون بك، ما يدفعهم للتجرؤ والشعور بالحرية في مناقشة المواضيع الصعبة.
إذا لم تكن متأكدًا من ثقة الموظفين بك، يمكنك تجربة طرق آمنة، مثل أن تطلب من الموظفين مشاركة رأيهم باستبيان ويتحدثون عن الأخطاء من دون أن يُعرفوا، أو أن تأخذ بفكرة المؤسس لشركة ترو بوينت، وهي أن تُعين فريق عمل متعدد المستويات من الموظفين الخبراء لإجراء مقابلات مع زملائهم، فيستعملون الأساليب التي ذكرتها سابقًا.
قد تكشف هذه الأساليب أنواعًا من المدخلات أو الآراء التي ربما لا تواجهها عادة بصفتك قائدًا، لكن ليس كافيًا فقط أن تستمع إلى هذه الآراء أو تعترف بها، بل يجب أن تتخذ خطوات حقيقية بناءً على ما تسمعه، وإلا ستؤكد للموظفين أن التحدث عن هذه القضايا الحقيقية غير مجدٍ. وفي المرة القادمة التي تطلب فيها آراءهم أو أسئلتهم، سيشعرون أنه من الأفضل الصمت، وقد يشعرون أيضًا بغضب وإحباط إذا لاحظوا أن القيادة لم تفعل شيئًا رغم أنها طلبت منهم التحدث.
إن الهدف من مناقشة القواعد العميقة ليس لخلق عالم مثالي حيث للجميع حق التعليق على كل القرارات، أو أن لدى الجميع التأثير نفسه أو المساهمات نفسها.
على القادة أن يطمحوا لخلق بيئات عمل تتمتع بتواصل فعال وحرية رأي، وقرارات عادلة وواضحة، ولن نصل إلى ذلك دون شجاعة القادة لكشف واستكشاف القواعد العميقة التي تمنع هذا التقدم.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




