ترجمة: جود الدهيشي
يُؤدي تحسين تدريب وحماية مُدقّقي سلسلة التوريد إلى تقارير أكثر صدقًا وشمولًا وفاعلية.
كورِي سيرسي، وغرانت مايكلسون، وبافل كاستكا، وشياولي تشاو
تواجه الشركات ضغوطًا متزايدة لتعزيز شفافية سلاسل التوريد، خاصة فيما يتعلق بظروف العمل في المصانع البعيدة. فالتشريعات الحكومية، وأفضل الممارسات التي يتبعها المنافسون، واهتمام الأطراف الخارجية، كلها عوامل تجعل من الضروري على القادة ضمان أن يعمل الشركاء المنتجون للسلع في بيئات عادلة وآمنة ومنصفة.
تتمثل إحدى أهم الخطوات نحو تعزيز شفافية سلاسل التوريد في إجراء مراجعات ميدانية مباشرة للمصانع وأماكن العمل. وتُعرف هذه المراجعات بتدقيق الامتثال الاجتماعي، وهي جزء من صناعة عالمية ضخمة تقدر قيمتها بنحو 80 مليار دولار، حيث تُنفَّذ من قبل شركات تدقيق دولية وشركات محلية صغرى، إضافة إلى منظمات غير حكومية. لكن رغم أهميتها، فإن عمليات التدقيق ليست مثالية، وغالبًا ما تفشل في كشف الانتهاكات الواضحة مثل عمالة الأطفال. ويرجع ذلك إلى تحديات عدة، من بينها محاولات أصحاب العمل التلاعب بالنتائج. ومع ذلك، كشفت أبحاثنا عن طريقة غير متوقعة لتعزيز فاعلية عمليات التدقيق: تحسين ظروف عمل المدققين أنفسهم؛ فإلى جانب الفوائد المباشرة للمدققين، يسهم ذلك في إنتاج تقارير أكثر دقة وشفافية، ما يجعل عمليات التدقيق أكثر شمولًا وفاعلية.
تدقيق سلسلة التوريد في الأعمال التجارية
يتطلب برنامج التدقيق الشامل فحص سلاسل توريد تمتد لعدة مستويات، في شبكة معقدة قد تضم مئات الموردين والمقاولين الفرعيين حول العالم. على سبيل المثال، ذكرت تسلا في تقرير التأثير الخاص بها لعام 2023م أنها راجعت 13,018 موردًا، وأجرت مقابلات مع 3,645 عاملًا في تلك الشركات خلال عام واحد فقط؛ إذ يمكن أن تكون فوائد فك تعقيدات شبكة الموردين هائلة. فالمستهلكون والجهات الناشطة يطالبون بمزيد من الوضوح حول كيفية تصنيع المنتجات، كما أن شفافية سلاسل التوريد تعد خطوة أساسية نحو تعزيز ثقة المستهلكين وتقليل المخاطر التي قد تؤثر في سمعة الشركات.
الحفاظ على رؤية واضحة داخل سلاسل التوريد المعقدة يتطلب يقظة دائمة، حيث يمكن أن يتغير الموردون والمقاولون الفرعيون أحيانًا دون سابق إنذار أو تصريح، ما يجعل ظروف العمل المتدنية مشكلة متنامية ومتغيرة باستمرار. في ظل ذلك، تبرز الحلول التقنية الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي أو استخدام الحمض النووي كـ”رمز شريطي دقيق”[1]، كوسيلة لتحديد مصدر المنتجات والتأكد من قدومها من جهات معتمدة. ومع ذلك، تبقى التكنولوجيا مكملةً لدور المدققين الميدانيين، لا بديلة عنهم.
شهدت عمليات التدقيق في الامتثال الاجتماعي نموًّا هائلًا، ما أدى إلى زيادة الطلب على المدققين، الذين يواجهون -كما سنوضح- تحديات جسيمة في تقديم عمليات تفتيش عالية الجودة. واللافت أن كثيرًا من هذه التحديات ينبع من ظروف العمل السيئة التي يعانونها، والتي قد تؤثر في نزاهة تقاريرهم.
ظروف عمل مُرهقة لمدققي سلاسل التوريد
أجرينا أكثر من 30 مقابلة مع خبراء من مختلف أنحاء العالم لاستكشاف تأثير ظروف عمل المدققين في قدرتهم على الكشف عن العمل القسري داخل سلاسل التوريد. تُعرّف منظمة العمل الدولية العمل القسري بأنه: “العمل الذي يُؤدَّى بشكل غير طوعي وتحت تهديد عقوبة ما”. شملت مقابلاتنا خبراء من منظمات غير حكومية، وشركات، وهيئات تدقيق، وكان معظمهم يمتلك خبرة مباشرة في التدقيق، سواء في أدوارهم الحالية أو السابقة. لذا، اكتشفنا أن ظروف عمل المدققين أنفسهم غالبًا ما تكون عاملًا مُهمَلًا لكنه مؤثر في جودة عمليات التدقيق. وقد برزت ثلاث قضايا رئيسة على وجه الخصوص:
- غالبًا ما يعمل المدققون بمفردهم، حيث يسافرون إلى مناطق خطرة دون وسائل تواصل كافية مع جهات عملهم. أخبرنا الخبراء أن مجرد الوصول إلى مواقع التدقيق قد يكون تجربة مرعبة؛ إذ يتطلب الأمر السفر إلى مناطق نائية ذات طرق وعرة، وخدمة إنترنت ضعيفة، وتغطية هاتفية متقطعة. وعند وصولهم، نادرًا ما يجدون أي دعم عملي يُذكر.
- التعامل مع المشقة والمضايقات. بمجرد وصولهم إلى مواقع العمل، يُجبر المدققون على التعامل مع ظروف قاسية في المصانع، أو المزارع، أو حتى على متن السفن. لا تقتصر التحديات على البيئة المرهقة فقط، بل تشمل أيضًا التعرض للتهديدات، والترهيب، وأحيانًا الاعتداء، سواء من قبل العمال، أو المديرين، أو أصحاب العمل، أو أفراد المجتمع المحلي، وحتى السلطات المحلية. وفي كثير من الحالات، عزلة هذه المواقع تجعل من الصعب الهروب عند الشعور بالخطر.
- مدققون في مواجهة فشلٍ محتوم. يواجه مدققو الامتثال الاجتماعي، الذين يحققون في قضايا العمل القسري ضمن سلاسل التوريد، تحديات مختلفة تمامًا عن تلك التي يواجِهُها مدققو الحسابات المالية في مدن مثل نيويورك أو سيدني. أحد أبرز هذه التحديات ضعف التعويضات المالية، حيث أشار كثير من الخبراء إلى تدني الرواتب الأساسية، والتوقعات بإنجاز ساعات عمل إضافية دون أجر، وعدم وجود تعويض مناسب عن الأنشطة التي تسبق أو تلي عملية التدقيق، وتبدو هذه المشكلات أكثر حدة بالنسبة للمدققين المستقلين؛ فقد كشفت مقابلاتنا أن هذه الظروف تجعل المدققين أكثر عرضة للرشاوى، التي قد تُعرض عليهم حتى في الحالات التي تكون فيها المخالفات طفيفة نسبيًّا. وعندما يرفع المدققون تقارير عن ظروف العمل السيئة، فإنهم غالبًا ما يواجهون مقاومة من العملاء الذين لا يرغبون في تلقي أخبار سلبية، أو يتعرضون لضغوط لتغيير نتائجهم. وبالنظر إلى أن العمل القسري نشاط غير قانوني لكنه مربح، فإن المدققين قد يتعرضون أيضًا للخداع المتعمد لطمس الحقيقة.
الآثار المترتبة على الشركات
من المفارقات أن المدققين الذين يُكلَّفون بالكشف عن ظروف العمل السيئة غالبًا ما يعانون بيئة عمل لا تقل قسوة عن تلك التي يحققون فيها؛ فالمخاطر الجسدية والنفسية، وساعات العمل المرهقة، وانعدام الدعم، تجعل من الصعب عليهم أداء مهامهم بفاعلية. ونتيجة لذلك، قد تؤدي المخاوف، أو الإرهاق، أو ضعف الكفاءة إلى تقليل الإبلاغ عن الانتهاكات، ما يسمح بمرور مشكلات خطيرة دون أن تُرصد. والأسوأ من ذلك أن الشركات قد تكتسب ثقة زائفة بأن سلاسل التوريد الخاصة بها خالية من العمل الجبري أو الانتهاكات الأخرى، في حين أن الحقيقة قد تكون أبعد ما يكون عن ذلك. لكن الشركات ليست مجرد متفرج في هذه المعادلة، بل يمكنها التأثير بشكل مباشر في تحسين هذه الظروف. ولضمان نزاهة عمليات التدقيق وحماية العاملين في الميدان، هناك ثلاث خطوات أساسية يمكن للشركات اتخاذها:
- بناء شراكات طويلة الأمد مع جهات تدقيق موثوقة. تمتلك الشركات حرية اختيار مدققي الامتثال الاجتماعي، واستخدام هذه الحرية بذكاء يمكن أن يكون قوة دافعة للتغيير الإيجابي. من بين الخطوات المهمة في هذا الاتجاه، التأكد من أن جميع المدققين العاملين لدى الموردين مدرَّبون وفقًا لتوصيات جمعية مدققي الامتثال الاجتماعي المحترفين، لا سيما في مجالات حل النزاعات والتعامل مع المواقف الخطرة. إضافةً إلى ذلك، يمكن فرض سياسات تحمي المدققين، مثل منع العمل الفردي، واستخدام التكنولوجيا لتعزيز سلامتهم (كالأجهزة القابلة للارتداء بتقنية الأقمار الصناعية)، وعدم الإفصاح عن النتائج الرئيسة حتى يغادر المدقق الموقع بأمان. ورغم أن هذه التغييرات قد تزيد من التكاليف المباشرة على المدى القصير، فإن الأدلة تشير إلى أنها تعزز جودة التدقيق على المدى الطويل وتحد من المخاطر التي قد تضر بسمعة الشركة.
- الدفع نحو تغييرات تنظيمية فعّالة. تشهد كثير من الدول، مثل المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والاتحاد الأوروبي، تشريعات متزايدة تستهدف مكافحة العمل القسري وتحسين ظروف العمل في سلاسل التوريد العالمية. ورغم أن هذه القوانين خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن حماية المدققين أنفسهم لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام. يمكن للشركات لعب دور فاعل في هذا المجال من خلال دعم تطوير إرشادات وأنظمة تحمي المدققين، مثل وضع حدود لساعات العمل الإضافية، وضمان وضوح وهيكلة التعويضات المالية الخاصة بهم. وقد أثبتت التجارب أن هذا أمر بالغ الأهمية للحد من المخاطر التي تهدد سمعة القطاع بسبب ممارسات الجهات غير النزيهة.
- تعزيز الإشراف المستقل على عمليات التدقيق. بينما تؤدي الشركات، والمدققون، والحكومات دورًا رئيسًا في تحسين ظروف عمل المدققين، هناك جهات أخرى يمكنها الإسهام بفاعلية في هذه الجهود. على سبيل المثال، يمكن للشركات إنشاء قنوات اتصال مباشرة بين المدققين والموظفين في مواقع التدقيق، إضافةً إلى الجمعيات الصناعية والجهات التنظيمية. إحدى الوسائل الفعالة لتحقيق ذلك هي الاستفادة من الموارد التي طورتها “تحالف الأعمال المسؤولة”، والتي تتيح للمدققين الإبلاغ عن ظروف عملهم السيئة. ومع ذلك، يشير كثير من الخبراء إلى أن الخطوط الهاتفية الساخنة البسيطة قد تكون كافية. كما يمكن إنشاء قنوات تواصل مباشرة بين المدققين والمنظمات غير الحكومية، التي تؤدي دورًا حيويًّا في دعم المجتمعات المحلية، وتقديم المساعدة في أثناء عمليات التدقيق، وتعزيز تبادل الخبرات بين المدققين. إضافةً إلى ذلك، يمكن للشركات العمل مع جمعياتها الصناعية للتعاون مع جهات اعتماد المدققين، وتطوير معايير صناعية تضمن بيئة عمل أكثر إنصافًا للمدققين.
اليوم، تعلن مئات الشركات الكبرى حول العالم التزامها بالقضاء على العمل القسري وظروف العمل غير الإنسانية في سلاسل التوريد الخاصة بها، بل وتدرج ذلك صراحةً في مدونات سلوك الموردين. ولكن لتحقيق هذا الهدف، لا بد من تمكين المدققين المستقلين بالوقت، والإمكانات، والموارد اللازمة لاستخلاص نتائج دقيقة وموثوقة. إن تحسين ظروف عمل المدققين لن يحميهم فحسب، بل سيعزز أيضًا قدرتهم على الكشف عن الانتهاكات وتحقيق معايير أعلى في سلاسل التوريد العالمية.
نُبذة عن المؤلفين
كوري سيرسي، أستاذ الهندسة الصناعية ونائب الرئيس المساعد للشؤون الدولية في جامعة تورونتو متروبوليتان. غرانت مايكلسون، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة ماكواري بسيدني. بافيل كاستكا أستاذ إدارة العمليات والاستدامة، ونائب عميد الأبحاث في كلية إدارة الأعمال بجامعة كانتربري في نيوزيلندا. أيضًا، شياولي تشاو محاضر في إدارة الأعمال في جامعة لينكولن بنيوزيلندا.
[1] minuscule barcode = تستخدم بشكل شائع جدًّا في مجالات البيع والتجزئة.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




