ترجمة: سمية القحطاني
في عام 2015م، توقع ريتشارد ودانيال سسكيند أن التقدم التقني سيؤدي إلى “انخفاض مستمر في الحاجة إلى المهنيين التقليديين من البشر”، في حين ذكرت شركة CB Insights في وقت لاحق أن “تغيرًا كبيرًا سيضرب مجال تقديم الاستشارات الإدارية”. وسبقهم كلايتون كريستنسن عندما حذر زملاءَه قائلًا: “رغم أننا لا نستطيع التنبؤ بحجم التغيير في مجال تقديم الاستشارات، يمكننا القول بثقة تامة إن بعض الشركات الحالية ستتفاجأ.
ولكن الأمور لم تسِر كما توقعت التنبؤات، ففي مجالي الاستشارات والقانون، لا تزال الشركات القائمة تتمتع بالتأثير والربحية نفسيهما كما كانت دائمًا. ظهر كثير من المحبطين في المجال، بعضهم فشل، وبعضهم الآخر حقق نجاحًا في مجالات محددة، ولكن لم يستطع أي منهم تحدي النظام القائم أو الإطاحة به، وقد استخدم القادة الحاليون مجموعة واسعة من الاستراتيجيات والتكتيكات للتكيف بسرعة مع هذه التهديدات.
كما هي الحال في كثيرٍ من الصناعات الراسخة، تهيمن مجموعةٌ صغيرةٌ ومحددة على أسواق الخدمات المهنية، بينما تعمل تحت ظلالها أعدادٌ كبيرة من الشركات الأقل مكانة. وتشمل عمالقةَ الاستشارات شركاتٍ مثل ماكينزي، وبوسطن كونسلتينج جروب، وبين، فضلًا عن الشركات التقنية مثل أكسنتشر وكابجيميني، وشركات المحاسبة الأربع الكبرى مثل إرنست ويونغ، وديلويت، وكيه بي إم جي، وبي دبليو سي. أمّا في مجال القانون، فتضم الفئةُ العليا خمسَ شركاتٍ مقرّها لندن تُعرَف بـ«ماجيك سيركل»، وهي: لينكليترز، وكليفورد تشانس، وفريشفيلدز، وألين آند أوفري، وسلوتر آند ماي؛ إلى جانب كيركلاند آند إيليس، ولايثام آند واتكينز، ودي إل إيه بايبر.
كيف كانت هذه الشركات مرنة جدًّا؟
تشير أبحاثنا، التي تضمنت مقابلات مع 25 مديرًا تنفيذيًّا ومراجعة لدراسات حالة عن عدد من المحبطين، إلى عديد من العوامل التي أسهمت في ذلك. لكن العامل الأكثر تميزًا هو قدرة الشركات الكبرى على تشخيص الأسباب المحتملة للاضطراب والاستجابة لها وفقًا لذلك.
نُعرّف الاضطراب الصناعي بأنه انقلاب في النظام القائم، حيث تخسر الشركات الحالية لصالح المنافسين الجدد. كما أوضح جوشوا غانس، يمكن أن يحدث الاضطراب عندما يكون لدى الشركات القائمة نقاط عمياء بشأن ما يريده العملاء (تأثير من جانب الطلب)، أو عندما تجعل التقنية الحديثة قدرات الشركات القائمة الحالية عفا عليها الزمن (تأثير من جانب العرض)، أو نتيجة مزيج من الاثنين معًا.
(أربعة أنواع من التهديدات المحتملة في الاستشارات والقانون)
أربعة أنواع من التهديدات المحتملة: في مجالي الاستشارات والقانون تواجه شركات الخدمات المهنية تهديدات من جانبي الطلب والعرض.
اضطراب جانب العرض يزداد عندما تنخفض قيمة القدرات التي تقدمها الشركات القائمة للعملاء.
اضطراب جانب الطلب ينمو مع زيادة التغيرات في سلوك العملاء.
نظرًا لأن كل سيناريو يتطلب استجابة مختلفة، فإن فهم ديناميكيات تأثيرات جانبي العرض والطلب يمكن أن يمكّن المديرين التنفيذيين في أي قطاع من تحديد المحبطين المحتملين بسهولة أكبر والحفاظ على وضعهم بعيدًا عن المخاطر.
تهديدات جانبي الطلب والعرض
بناءً على أبحاثنا، حُدِّدت تقنيات الذكاء الاصطناعي كأكبر خطر من جانب العرض، حيث تهدد بالاستيلاء على الأعمال التي كان المهنيون يرونها تقليديًّا ضمن اختصاصهم. أما من جانب الطلب، فيأتي التهديد من العملاء الذين يسعون إلى الحصول على سيطرة أكبر على كيفية شراء واستخدام الخدمات المهنية. من جهة أخرى، هناك بعض المحبطين المحتملين الذين يتحدون الشركات القائمة من جانبي العرض والطلب معًا. وفي الوقت نفسه، ظهرت شركات متخصصة وصغيرة جديدة لتلبية احتياجات معينة للعملاء في قطاعات أعمال مربحة، لكنها نادرًا ما كانت مدمرة بشكل فعلي، سنلقي نظرة تفصيلية على كل تهديد محتمل في ما يلي:
يُضعف الذكاء الاصطناعي نموذج العمل التقليدي؛ فمنذ إطلاق الذكاء الاصطناعي التوليدي في نوفمبر 2022م، تسارعت وتيرة تحول كثير من جوانب عمل الخدمات المهنية، ما أتاح دقة أكبر وتوفيرًا ملحوظًا في التكاليف.
في مكاتب المحاماة، تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي بمسح المستندات القانونية ومراجعة العقود. تُقدِم شركات الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل Kira Systems وClio وReveal-Brainspace وiManage وThomson Reuters، على المساعدة في مجالات الاكتشاف، والعناية الواجبة، وإدارة العقود، ومراجعتها. تُستخدم خدمات Thomson Reuters من قبل 97% من أكبر مكاتب المحاماة.
هذه الشركات لا تضع نفسها كمنافسة لمكاتب المحاماة، ولكن مع توسعها واكتساب التقنية لمزيد من القدرات، يمكن أن تبدأ في تقويض نماذج أعمال تلك المكاتب. على سبيل المثال، يمكن لبرنامج Clio القانوني إجراء الاكتشاف الإلكتروني لدعوى تحليل التقاضي وحتى الانخراط فيه، من خلال مسح القضايا السابقة التي تشكل سوابق قانونية، ما قد يقلل من عدد الساعات القابلة للفوترة التي يمكن للمكتب أن يفرضها على العملاء.
في مجال الاستشارات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد شركات الخدمات المهنية على تقديم قيمة إضافية من خلال الكشف عن علاقات جديدة، وتحديد أنماط سلوك العملاء، وإبراز فرص لتوفير التكاليف.
قال أحد الشركاء في إحدى شركات الاستشارات الأربع الكبرى:
“لم يعد كافيًا أن تظهر بفريق يعرف أكثر عن هذه الصناعة من أي شخص آخر، بل تحتاج أيضًا إلى مجموعة بيانات أو خوارزمية توفر مصادر إضافية للقيمة”.
ولكن يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يكون قوة معطلة قوية. بدأت شركة Palantir Technologies باستخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن الاحتيال، ومنذ ذلك الحين توسعت لتطبيق تقنيات التعلم الآلي المتقدمة لحل المشكلات لصالح مجموعة متنوعة من العملاء الحكوميين والخاصين.
على الرغم من أن عملها في دعم المراقبة الحكومية أثار الجدل، فإن تحليلاتها التنبؤية ساعدت أحد الموردين الكبار في صناعة السيارات على تحقيق مكاسب كبيرة في الكفاءة ضمن وظائف الهندسة والتصنيع. تمثل هذه النتائج تقدمًا كبيرًا في دقة وجودة الأفكار التي يمكن أن تقدمها شركات الاستشارات.
لقد واجهت الشركات العريقة هذا التهديد من خلال تعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي عبر الاستحواذ والتطوير الداخلي.
استحوذت شركة ماكينزي على 12 شركة صغيرة متخصصة في الذكاء الاصطناعي منذ عام 2013م، بما في ذلك شركة QuantumBlack، التي تتخذ من المملكة المتحدة مقرًّا لها وتستخدم تحليلات البيانات المتقدمة لتحسين الأداء التنظيمي.
في مجال القانون، طورت شركة DLA Piper، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرًّا لها، منتج ذكاء اصطناعي يسمى Aiscension، يهدف إلى مراقبة مخاطر الامتثال. أما شركة المحاماة المتخصصة في التأمين Kennedys، فقد أطلقت فرعها Kennedys IQ، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييم الأدلة الطبية وتوصية مبالغ التعويضات.
تُقدم هذه الاستحواذات والشراكات أكثر من مجرد قدرات جديدة؛ فهي توسع نطاق القضايا التي يمكن للشركات التعامل معها لصالح عملائها.
كما تعمل الشركات القائمة على تعزيز دورها كمستشارة موثوقة ومقربة من العملاء، وهو ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكرره. لقد وسعت كثير من شركات الاستشارات الكبرى نطاق خدماتها من خلال الاستثمار في مراكز الخبرة، وهي بيئات مادية وافتراضية يستخدم فيها العملاء والمستشارون تقنيات التفكير التصميمي وأساليب إبداعية أخرى لتصور المستقبل المحتمل.
على مدار السنوات الخمس الماضية، قامت شركات مثل IBM، وDeloitte، وAccenture، وغيرها بشراء أكثر من 200 وكالة إبداعية للمساعدة في تطوير هذه المراكز.
سيطرة العملاء: فك حزم الخدمات
أحد أكبر التهديدات من جانب الطلب هو فك حزم الخدمات، حيث يبحث العملاء الأكثر وعيًا عن طرائق لتخفيض التكاليف وزيادة تأثيرهم في علاقاتهم مع شركات الخدمات. يمكن أن يعني ذلك استعادة الأنشطة التي كانت تُدار سابقًا من قبل الشركات الخارجية، أو اللجوء إلى المتخصصين بدلًا من الاعتماد على العرض الشامل الذي تقدمه الشركات المهنية الكبيرة. يمكن أن تساعد كلتا الحالتين العملاء على بناء قدراتهم الداخلية وزيادة مسؤوليتهم عن نتائج الأعمال، ولكن فك الحزم يهدد نموذج النفوذ الذي تعتمده الشركات القائمة عن طريق سحب العمل الذي عادة ما يُسند إلى عدد كبير من الموظفين الصغار الأقل أجرًا.
في مجال القانون، يُظهر ظهور مزودي الخدمات القانونية البديلة (ALSPs) هذا التهديد من جانب الطلب. هذه الشركات ليست مكاتب محاماة بحد ذاتها، لكنها تقدم مجموعة واسعة من الخدمات القانونية، مثل مراجعة المستندات أو إدارة العقود، بتكلفة أقل.
في عام 2017م، استعانت شركة DXC Technology – وهي شركة خدمات تقنية مقرّها فرجينيا – بمصادر خارجية لتولّي وظيفتها القانونية بأكملها تقريبًا لدى UnitedLex، وهي شركة ALSP مقرّها أوفرلاند بارك بولاية كانساس. وقد نقلت DXC ما يقرب من 150 محاميًا داخليًّا إلى UnitedLex، مع الإبقاء على عددٍ قليلٍ من المهنيين الكبار. ومع أنّ الاستعانة بمصادر خارجية للأقسام القانونية لم تكن أمرًا غير مألوف، فإن مكاتب المحاماة رأت في هذه الخطوة تهديدًا كبيرًا؛ إذ كانت أكبر صفقةٍ من هذا النوع في ذلك الوقت، فضلًا عن أنها شملت شركة ALSP قادرةً على تقديم هيكل تكلفةٍ أقلّ بكثير.
في مجال الاستشارات، يواجه القطاع تحديًا مشابهًا بسبب صعود شبكات الاستشارات مثل Eden McCallumالتي تتخذ من لندن مقرًّا لها، ومنصات الإنترنت مثل Gerson Lehrman Group التي تتخذ من نيويورك مقرًّا لها. تعمل هذه الشركات على مطابقة العملاء مع الاستشاريين بناءً على كل مشروع على حدة، متجاوزة الشركات الكبيرة.
تعمل مجموعة Kubrick Group التي تتخذ من لندن مقرًّا لها، على التعاقد مع الشركات لتزويدها بفرق من علماء البيانات والتقنيين، والذين يمكن أن يُوَظَّفوا لاحقًا من قبل العميل.
مثل هذه الترتيبات تضع العبء على العميل لتحديد مشكلاته ودمج فرق العمل وهو أمر كان يُدار تقليديًّا من قبل شركات الاستشارات الكبيرة.
لكنها تلغي الحاجة إلى توظيف شركة كبيرة إلا في المشاريع الأكبر والأكثر تعقيدًا، ومن دون التكاليف العامة المرتفعة للشركات الراسخة، تكون الرسوم أقل بكثير.
يقوم العملاء أيضًا بتغيير الترتيبات التجارية، حيث يزداد الطلب على الصفقات القائمة على النتائج، والتي تتطلب من المستشارين إثبات أنهم كانوا مسؤولين مباشرة عن تحقيق النتائج المرجوة، مثل تخفيض التكاليف بنسبة 5%. وبما أن هذا قد يكون أكثر صعوبة مع المشاريع التي تتضمن عوامل خارج نطاق سيطرة المستشارين، مثل زيادة الإيرادات، فإن معظم الشركات توافق على الصفقات القائمة على النتائج فقط عندما تكون واثقة بقدرتها على الإسهام في تحقيق النتيجة المطلوبة.
تستجيب الشركات القائمة لهذه التحديات من جانب الطلب بعدة طرائق.
في مجال القانون، أنشأت مكاتب المحاماة مزودي خدمات قانونية بديلة (ALSPs) خاصة بها؛ على سبيل المثال، أنشأت شركة Allen & Overy التي تتخذ من لندن مقرًّا لها شركة Peerpoint في عام 2013م، وهي وحدة منفصلة تضم 350 محاميًا يعملون بشكل مستقل إلى حد كبير وتحقق إيرادات تبلغ 53 مليون جنيه إسترليني (64 مليون دولار).
في مجال الاستشارات، أنشأت Deloitte وحدة تسمى Pixel، تعمل على تقسيم مشكلات العملاء إلى مكوناتها الأساسية ثم تستخدم منصة تعتمد على الحشود للعثور على الخبراء المناسبين للعمل على كل جزء.
كما تعمل الشركات الكبرى على تعزيز نقاط قوتها التقليدية: التعامل مع أكبر وأصعب مشكلات العملاء.
تتمثل قيمتها في قدرتها على تقديم المشورة والامتثال في المواقف ذات التأثير الكبير، وواسعة النطاق، وعالية المخاطر، ما يسمح لها بتقاضي رسوم أعلى على خدماتها.
قال أحد المحامين الكبار:
“نحن نجري عمليات جراحة القلب المفتوح بدلًا من تقديم خدمات الأطباء العامين”.
تجد الشركات المتخصصة والبوتيكات قوتها في التركيز على السوق.
يظهر منافسون جدد باستمرار في مجال الخدمات المهنية، حيث يقوم شركاء كبار سابقون بإنشاء شركاتهم الخاصة أو يدعم المستثمرون الناشئون شركات ناشئة جديدة. تنجح الشركات الناجحة في الاستحواذ على حصة سوقية في قطاعات معينة، لكنها نادرًا ما تثير قلقًا كبيرًا لدى الشركات الكبرى؛ فهي تحدث اضطرابات محدودة على جانبي الطلب أو العرض، وتُعدّ مجرد انعكاس لتعددية وتعقيد السوق.
في مجال الاستشارات، نمت شركة Baringa، التي تتخذ من لندن مقرًّا لها، بسرعة من خلال التركيز على صناعة الطاقة، حيث حددت مواضيع ساخنة مثل الطاقة المتجددة وقامت بتوظيف متخصصين يستخدمون نماذج سيناريوهات لتوقع أسعار الطاقة المستقبلية.
أما شركة AlixPartners، التي تتخذ من نيويورك مقرًّا لها، فتركز على عمليات التحول، ودعم القضايا القانونية، والتحولات التنظيمية. كلتا الشركتين لديها أكثر من 1,000 موظف.
شهدت صناعة القانون نموًّا سريعًا لشركات متخصصة مثل Caldwell Intellectual Property Law في الولايات المتحدة، وMishcon de Reya، المتخصصة في النزاعات، في المملكة المتحدة وسنغافورة.
يُظهِر نجاحُ هذه الشركات كيف يمكن للخبرة العميقة أن تُنشئ مكانةً قويةً قابلةً للدفاع عنها في مواجهة المنافسين ذوي النطاق الواسع. ولا ترى الشركاتُ الكبرى هذه الشركاتَ الصغيرة تهديدًا مباشرًا، وغالبًا ما تتجاهلها تمامًا. وقد قال شريكٌ في إحدى شركات المحاماة الكبرى في لندن: «إنهم ليسوا على رادارنا بالنسبة للأعمال التي نقوم بها مع الإدارة العليا». ومع ذلك، يمكن لهذه الشركات أن تُسهم في إبقاء الشركات الكبرى في حالة يقظة؛ إذ إنها تتيح، على سبيل المثال، نافذةً على سوقٍ يتغيّر باستمرار، بما يدفع الشركات الكبرى أحيانًا إلى دخول مجالات عمل كانت قد أهملتها. وعلى سبيل المثال: أطلقت شركة Deloitte أعمالها الرقمية استجابةً لظهور الشركات المتخصصة، كما أنشأت شركة Bain وأطلقت شركة The Bridgespan Group للتركيز على المنظمات غير الربحية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




