ترجمة: جود الدهيشي
كشفت دراسة حديثة أن أداء الأفراد يُصبح أكثر دقةً في القياس عندما يعملون جنبًا إلى جنب مع الروبوتات.
نُشر من قبل بريان هونغ، ولين وو
نحن نعيش الآن في قلب ثورة الإنسان الآلي؛ إذ شهد العقد الماضي توسعًا كبيرًا في استخدام الإنسان الآلي عبر مجموعة متزايدة من الصناعات، ولا يبدو أن هذا التوجه سيتباطأ قريبًا. وفقًا لاستطلاع أجرته شركة “ماكينزي” مؤخرًا، أكدت 88% من الشركات العالمية نيتها الاستثمار في عالم صناعة الإنسان الآلي لتعزيز أعمالها. لكن الأهم من ذلك، أظهرت أبحاثنا تحولًا بارزًا قد يكون أكثر تأثيرًا: يسهم الإنسان الآلي إسهامًا كبيرًا في تحسين قدرة الشركات على التعرف إلى الأداء المتميز للموظفين ومكافأته بفاعلية؛ فداخل كل مؤسسة، يواجه القادة سؤالًا أساسيًّا: كيف يمكننا تحقيق أفضل أداء من موظفينا؟ من أكثر الطرائق شيوعًا تقديم المكافآت المالية -وغالبًا ما تكون مكافآت دورية- ترتبط بالأداء. تستند هذه الممارسة إلى فكرة أن الأداء الأفضل يستحق مكافأة أكبر. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا النهج على أرض الواقع نادرًا ما يكون بسيطًا؛ لأنه يتطلب قياس الأداء بدقة كافية لتقييمه بفاعلية. ويُعد تحقيق ذلك تحديًا لمعظم الأدوار، بل وأكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بتقييم أداء الأفراد؛ نظرًا لأن جزءًا كبيرًا من العمل يتم في إطار فرق عمل، ولأن المديرين لا يستطيعون مراقبة النشاط المحدد لكل موظف أو قياس أداء الفرد بدقة، فإن كثيرًا من المؤسسات تختار منح المكافآت بناءً على أداء الفريق أو الشركة ككل بدلًا من الأداء الفردي.
قياس الأداء البشري في عصرٍ يتشارك فيه الإنسان البشري والإنسان الآلي في العمل
ما علاقة كل هذا بالإنسان الآلي؟ في أبحاثنا، وجدنا أن الشركات التي تتبنّى الإنسان الآلي تتمكن من تحسين قدرتها على قياس أداء الأفراد. للتوضيح بشكل أكبر، افترض أنك تعمل ضمن فريق من شخصين، يستطيع مديرك تقييم الإنتاجية الإجمالية للفريق ككُل، لكنه لا يستطيع متابعة ما يفعله كل منكما بشكل فردي في جميع الأوقات. ومن الناحية النظرية أيضًا، من المفترض أن يسهم كل منكما بالتساوي، لكن في الواقع، قد تكون أنت المسؤول عن معظم العمل، وهو ما لا يظهر لمديرك المشغول.
لنتصوّر لو استُبدِل بزميلك في الفريق إنسان آلي. كآلة، يتمتّع الإنسان الآلي بدقة وثبات استثنائيين في أداء مهمّاته العملية، حتى إنه يقدم بيانات حول أدائه في أثناء عمله. الثبات والشفافية يُتيحان له رصد أي تغيرات أو تقلبات في الإنتاجية بوضوح، ما يحدد بدقة إذا كانت المشكلة صادرة منه أو منك. وإذا كان هناك آخرون في مؤسستك يعملون كعمل الإنسان الآلي أو بطريقة مشابهة، فسيكون من الأسهل مقارنة تباين إنتاجيتهم الفردية مع إنتاجيتك. بمعنى آخر، وبفضل الاتساق والشفافية التي يتمتع بها الإنسان الآلي مقارنة بالبشر، يصبح من السهل مراقبة النشاط البشري عند انضمام الإنسان الآلي إلى الفريق. وكلما زاد عدد الآلات مقارنة بالبشر، أصبح تمييز الأداء الفردي للبشر، وقياسه، أكثر وضوحًا ودقة. ففي مثال واقعي، شهد مركز إصلاح تابع لشركة إلكترونيات كبرى مقرها الولايات المتحدة تحسنًا كبيرًا في قدرته على مراقبة إنتاجية الموظفين بعد إدخال عددٍ من الآليين لدعم العاملين في عملية الإصلاح. فعلى عكس البشر، لا يشعر الإنسان الآلي بالتعب الجسدي في أثناء أداء المهمّات المتكررة، ما سمح له بالأداء بشكل أكثر اتساقًا. أدى ذلك إلى تقليل التباين في عملية الإنتاج، ما أتاح للمديرين أيضًا مراقبة سلوكات الموظفين الفردية بوضوح أكبر. وأظهرت الملاحظات أن كثيرًا من الموظفين يتبعون نمطًا منتظمًا يتمثل في كونهم أكثر إنتاجية في الصباح مقارنة بفترة بعد الظهر، حيث لوحظ وجود تباين كبير في إنتاجيتهم بعد الظهر. ونتيجة لذلك، كان كثير من الموظفين ينتهون مع تراكم مزيد من الإصلاحات التي يجب إنجازها في وقت متأخر من اليوم، حيث يندفعون لتحقيق أهدافهم اليومية. وكان هذا “الاندفاع” في العمل يمثل مشكلة كبيرة، لأنه غالبًا ما يؤدي إلى زيادة الأخطاء نتيجة التسرع.
أدى دمج الإنسان الآلي في عملية الإصلاح إلى تسهيل تتبع إنتاجية الموظفين بطرائق عدة. أولًا، ارتكب الإنسان الآلي أنواعًا مختلفة من الأخطاء مقارنة بالبشر، وكانت أخطاؤه متسقة، ما جعل من السهل تمييز أخطاء البشر. ثانيًا، أتاح الإنسان الآلي بيانات دقيقة حول أدائه، ما سهّل عزل نتائج الأداء، الإيجابية منها والسلبية، الناتجة عن السلوك البشري. وأسهمت هذه القدرة على توليد البيانات في تمكين المديرين من متابعة الإنتاجية بصورة أدق، واكتشاف نقاط الضعف في عملية الإنتاج بشكل أسهل. فعلى سبيل المثال، لم يكن المديرون في مركز الإصلاح على دراية بحجم مشكلة “الاندفاع بعد الظهر” إلا بعد دمج الإنسان الآلي في عملية الإنتاج. وبمجرد تحديد المشكلة بوضوح، تمكنوا من إعادة تنظيم سير العمل لتقليل الأخطاء، ومنذ ذلك الحين تحسنت معدلات الأخطاء في المركز تحسنًا ملحوظًا. يمكن أن تُحدث التحسينات في قياس الأداء تأثيرات ملحوظة على الإنتاجية، خاصة عند دمجها مع الحوافز المرتبطة بالأداء، فعندما يصبح من السهل مراقبة وقياس أداء الموظفين الأفراد، يصبح التعرف إلى المتميزين منهم -الذين ربما كانوا يعانون من نقص التقدير أو المكافآت بسبب صعوبة القياس- أكثر وضوحًا، ما يتيح مكافأتهم بإنصاف وشفافية. وهذا ما أثبتته أبحاثنا: الشركات التي تعتمد على الإنسان الآلي تميل بشكل أكبر إلى تطبيق حوافز إضافية تعتمد اعتمادًا مباشرًا على الأداء الفردي، بدلًا من الاكتفاء بتقييم أداء الفريق أو المؤسسة ككُل. ومع تحسين أدوات القياس، ترتفع مكافآت الموظفين المتميزين، ما يخلق بيئة عمل أكثر كفاءة وإنتاجية. وفي النهاية، فإن زيادة الاعتماد على الإنسان الآلي تجعل بيئة العمل أكثر عدالة وإنصافًا للجميع داخل المؤسسة.
إن الإنسان الآلي يعيد تشكيل طبيعة العمل بطرائق غير مسبوقة؛ فإلى جانب إلغائه لبعض الوظائف وابتكاره لوظائف جديدة، يسهم أيضًا في تعزيز قدرة المنظمات على تحقيق أقصى استفادة من موظفيها، ويغير الطريقة التي نختبر بها بيئة العمل ذاتها؛ إذ يمنح الإنسان الآلي الشركات فرصة فريدة لإعادة تصميم أدوار ومسؤوليات موظفيها، ما يتيح لها ميزة تنافسية، ليس بفضل التكنولوجيا المتقدمة فقط، بل عبر تحسين العمليات والآليات. ثورة الإنسان الآلي لن تُلغي دور البشر، لكنها ستطرح تحديات وفرصًا جديدة لاكتشاف المواهب البشرية ومكافأتها وإدارتها بشكل أكثر كفاءة.
نبذة عن المؤلفين
برايان هونغ أستاذ مشارك في ريادة الأعمال والإدارة في كلية بلوخ للإدارة في جامعة ميسوري-كانساس سيتي. أيضًا، لين وو أستاذة مشاركة في العمليات والمعلومات واتخاذ القرارات في كلية وارتون في جامعة بنسلفانيا.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




