ترجمة أبرار اللهيبي
هل تحتاج إلى تفسير “لماذا” يجب علينا اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ؟ سنسرد لكم ثلاثة أسباب لإقناع قطاع الأعمال وقادتهم بالاستجابة.
أندرو وينستون
لقد انتهى الصراع بشأن أهمية إقناع الشركات بأخذ موضوع الاستدامة بجدية، فحتى مع وجود حركات مناهضة للبيئة والمجتمع والحوكمة، وهي عادةً ظاهرة أمريكية، ما زال هناك قلة من الشركات الكبرى حول العالم تتساءل عن أهمية طرح قضايا بيئية واجتماعية. حتى شركة إكسون موبيل التي قضت عقودًا من الزمن في التشكيك بشأن علوم التغير المناخي، أصدرت مؤخرًا تقريرًا كُتب فيه: “قضايا الفقر والتغير المناخي ستحتل المراتب الأولى في قائمة أعظم التحديات التي واجهتها البشرية”.
ولا يزال التساؤل عن أهمية أخذ الإجراءات اللازمة قائمًا.
قضيت عقدين من الزمان أناقش مدى أهمية الاستدامة للشركات، كما أود التوقف عن طرح قضية قطاع الأعمال بصورة مثالية؛ لأن الاستدامة مثلها مثل أي حركات سابقة متعلقة بالسلامة والجودة في القطاع، لم نعد بحاجة إلى تبرير وجودها، إلا أننا بحاجة دائمة إلى توضيح السبب وراءها. لذلك من المُجدي العودة بشكل دوري للوراء وتذكير نفسي بالسبب وراء كل هذا، وتقديم سرد مُبسط لكل من هم حديثو العهد بهذا الموضوع.
أرى أن هناك ثلاث نقاط أساسية ومنطقية للتحرك في سبيل التحديات البيئية والاجتماعية، ولا سيما التغير المناخي. على قطاع الأعمال وقادتهم اتخاذ إجراءات وفقًا لتفسير مبسط قد تتداخل مكوناته؛ لأننا في حاجة وضرورة ورغبة لذلك.
الحاجة
نادرًا ما أتحدث عن التغير المناخي من الناحية العلمية، وأفضل التركيز على الجانب المتعلق بقطاع الأعمال، لكن دعونا الآن نطّلع على حقيقة المناخ المُرة، والتي غالبًا ما نتجاهلها بوصفها “تشاؤمًا وسلبية”. التغير المناخي كما لخصته وكالة حماية البيئة، موجات حر طويلة وشديدة، وجفاف، وفيضانات، وارتفاع في منسوب مياه البحر، وتغيرات في أنماط سقوط الأمطار، وتدهور جودة المياه والهواء.
تؤثر هذه القائمة الفظيعة في البشر؛ فتشمل تهديد الأمن الغذائي، ومخاطر على الصحة وانتشار الأوبئة، وفقدان التنوع الحيوي (وهو حبل النجاة الذي نعتمد عليه)، وانهيار البنية التحتية، وما يطلق عليه الجيش الأمريكي اسم “التهديد المتفاقم” الذي يؤثر في الأمن القومي. هذه هي الاحتياجات الأساسية في قاعدة هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية: الطعام والشراب، والهواء، والأمن الفسيولوجي والمالي. الحاجة تعني ضرورة الحفاظ على المصادر التي لا يمكننا العيش دونها.
من المرجح أن يؤثر الأمر تأثيرًا قاسيًا في المجتمع؛ إذ ستصبح مساحات شاسعة من العالم غير صالحة للعيش، وسيستحيل العيش في كثير من المدن والمناطق إما لكونها مغمورة بالفيضانات وإما بسبب الطقس شديد الحرارة، ما سيؤدي إلى هجرة ضخمة مزعزعة للاستقرار تفوق المليار شخص. خذ بعين الاعتبار ما تواجهه الأنظمة الاجتماعية والدول من ضغوط للتعامل مع التضخم الأخير مع ملايين “فقط” من السوريين والأوكرانيين.
غالبًا ما تُعد هذه البيانات والتقديرات مثيرة للذعر. نعم، الأمر بالفعل مثير للذعر. أجد صعوبة في العثور على تشبيهات مناسبة لتوضيح الأمر، لكن لنفكر فيه من منظور طبي. تلقى العالم تشخيصًا خطيرًا؛ سرطانًا في المرحلة الثالثة، مع اقتراب بعض المناطق لحالات غير قابلة للعلاج (المرحلة الرابعة). إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية إضافية (2.7 درجة فهرنهايت)، وهو ما نقترب منه بالفعل، فستختفي كثير من الدول الجزرية والمناطق المنخفضة، وعند ارتفاعها بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)، ستموت جميع الشعاب المرجانية، ما سيؤدي إلى تغييرات لا يمكن تصورها في النظم البيئية الساحلية. كل نصف درجة إضافية من زيادة درجة الحرارة ستكون أسوأ من سابقها، وهذا ليس نموًّا خطيًّا، بل أُسيّ.
وهذا ليس افتراضًا، فاللاجئون بسبب المناخ، وموجات الحرارة الشديدة والممتدة، وحرائق الغابات القياسية، والفيضانات اليومية في الأماكن الجافة (مثل ميامي)، والعواصف غير المسبوقة التي كانت تحدث مرة كل جيل ونواجهها الآن سنويًّا، هذه كلها أمور تحدث الآن، وبغض النظر عن مدى اهتمام المرء بحقيقة “إنقاذ الكوكب”، والذي يجب أن ندرك أنه لا يحتاج إلينا فعليًّا، فإن الحاجة الملحّة واضحة: علينا أخذ إجراءات حاسمة من أجل البقاء والازدهار.
الضرورة
تواجه الشركات موجة من المتطلبات القانونية والسوقية الجديدة المتعلقة بالانبعاثات غير المالية الناتجة عن العمليات أو سلسلة الإمداد وتقارير انبعاثات الكربون. تؤثر معايير إعداد تقارير الاستدامة الأوروبية وتوجيه إعداد تقارير الاستدامة للشركات وحدها في ما يُقارب 50,000 شركة. كما أن كثيرًا من الدول لديها قوانينها الخاصة التي تُلزم بالإفصاح عن انبعاثات الكربون في العمليات وسلاسل الإمداد، بما في ذلك القانون الألماني المعروف باسمه الطويل والمُعقّد: “قانون العناية الواجبة في سلاسل الإمداد” (Lieferkettensorgfaltspflichtengesetz). وقد سنَّت ولاية كاليفورنيا، وهي من الولايات التي تتمتع بأضخم اقتصاد في العالم، باستثناء أربع دول، قوانين صارمة تتعلق بالشفافية في مجال الكربون.
مع صعوبة هذه المتطلبات، فإن “القوة الناعمة” قد تكون بالأهمية نفسها. يطالب أعضاء مجموعة سلسلة التوريد التابعة لمنظمة مشروع الكشف عن الكربون التي تضم مئات الشركات متعددة الجنسيات، بقيادة أسترازينيكا، ولوريال، ومايكروسوفت، وولمارت، وغيرها، بقياس الانبعاثات الصادرة من الموردين، أو تحديد هدف واضح لوجود الكربون يستند إلى تفسير علمي. كما أن العمال الجدد من فئة الشباب، الذين تسعى الشركات إلى جذبهم والاحتفاظ بهم، يطمحون للعمل والشراء من شركات تتشارك معهم في القيم، وتُعدّ قضية تغير المناخ واحدة من أهمها. كما تتوقع المجتمعات المحلية رؤية تأثير إيجابي من الشركات قبل الترحيب بهم لبناء أو توسيع شبكتها، ويزداد اهتمام المستثمرين بتحليل كيفية إدارة الشركات للمخاطر البيئية والاجتماعية.
كلما زاد ارتباط الحاجة إلى اتخاذ الإجراءات بالبقاء على قيد الحياة حرفيًّا، زادت التوقعات من أصحاب المصلحة، بما في ذلك الجهات التنظيمية ذات السلطة القانونية، وهذا يترك الشركات أمام خيار واحد فقط؛ إنها قوة “الضرورة“.
الرغبة
إليكم هنا الجانب “الممتع”؛ جانب قصة “تصور كمية ما قد تجنيه من المال!”. لا يمكن لأي نهج تحقيق الربح للجميع، لكن السعي لتحقيق الاستدامة يقدم قيمة صافية؛ فالاستراتيجيات الذكية في مسألة تغير المناخ تخفض التكاليف، وتقلل المخاطر، وتعزز الإيرادات، وتبني قيمة غير ملموسة وقيمة للعلامة التجارية. على سبيل المثال، يمكن لمبادرات كفاءة الطاقة أو استخدام الطاقة المتجددة خفض تكلفة التشغيل بسرعة، كما يمكننا تصور حجم فرص الإيرادات الناتجة عن تطوير حلول مبتكرة لإزالة الكربون من المباني ووسائل النقل، والغذاء، والزراعة، وغيرها. يعد تطوير المنتجات والخدمات المستدامة محركًا للنمو؛ إذ توجد أسواق تُقدَّر بتريليونات الدولارات.
في إدارة المخاطر، توجد قيمة في تجنب الانقطاعات المكلفة الناتجة عن الظروف المناخية القاسية. على المستوى العام، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 28 تطرفًا مناخيًّا عام 2023م، كلف كل منها أكثر من مليار دولار. أثرت هذه الأحداث المكلفة في كثير من عمليات وسلاسل إمداد الشركات. تدير شركات التأمين، على وجه الخصوص، مخاطرها بتجنب توفير تأمين للمناطق المعرضة للحرائق والفيضانات.
تشكل التكلفة، والمخاطر، والإيرادات، والعلامة التجارية؛ الأسس الرئيسة لأي شركة. لكن لنفكر أيضًا في سبب آخر يدفعنا لمواجهة تغير المناخ: إنه القرار الصحيح الذي يجب علينا اتخاذه، ليس فقط من أجل البشرية، بل من أجل جميع الكائنات الحية. من السهل نسبيًّا رؤية أن العملاء والموظفين يكافئون الشركات التي تبادر بالأعمال الحسنة، ما يخلق قيمة ويدفع الأرباح، ولكن ماذا عن القيام بما هو أخلاقي فقط؟ بصفتنا بشرًا، وجميع العاملين في مجتمعات الأعمال والاستثمار، كما أفترض، بشر أيضًا، فإننا نحقق الرضا في فعل ما هو صحيح للآخرين ولأنفسنا، وهذا هو جوهر المصلحة الذاتية.
لقد لخصت أسباب اتخاذ إجراءات حول التغير المناخي في ثلاث نقاط: الحاجة (“جميعنا سنموت”)، والضرورة (“يطالب أصحاب المصلحة والقانون بذلك”)، والرغبة (“ستصبح أكثر ثراءً وسعادة”). ونظرًا لتزايد وضوح أزمة التغير المناخي، أشعر عادةً بالإحباط تجاه أن منطق “الحاجة” وحده لا يكفي. يوجد بالتأكيد جهود مستميتة تمتد لعقود من أصحاب المصالح للتقليل من شأن المخاطر البيئية القادمة. وحقيقة أن الحاجة إلى أخذ إجراءات حاسمة بشأن مسألة التغير المناخي تعتمد على المسؤولية المشتركة، بينما يمكن للشركات بمفردها الاستفادة من منطقي “الضرورة” و”الرغبة“. ومع ذلك، أصبح من غير الواقعي أن يُطلب منا تبرير الاستثمار في العمل المناخي من أجل بقائنا.
في نهاية المطاف، ما مدى أهمية إذا كانت الضرورة الحيوية هي دافع قادة الأعمال؟ ربما لا، لكن لو اعتمدنا على سردية “فائدتها لقطاع الأعمال” قد نجازف بخطر التباطؤ بسبب التغير الدائم في اهتمامات السوق وهيمنة مجالات استثمارية جديدة وبراقة، مثل الذكاء الاصطناعي. كما يعني هذا تحركًا محدودًا وفق وتيرة يسيطر عليها اقتصاد محدود. إذا انتظرنا، على سبيل المثال، إلى أن تصبح الخيارات منخفضة الكربون أرخص بشكل فوري وواضح، فقد لا نتمكن من أخذ الإجراءات بالسرعة التي يتطلبها العلم. تنظر الشركات والقطاعات التي تسعى حقًّا لإزالة الكربون إلى ما هو أبعد من التكاليف قصيرة المدى؛ فهم يدمجون المنفعة النظامية طويلة المدى وصعبة القياس مع قرارات الاستثمار، ويستخدمون هذه الرؤية الأشمل للقيمة لمواءمة وتيرتها مع ما يتطلبه الكوكب. (من الناحية العملية، يعني ذلك الالتزام بأهداف تستند إلى العلم، حتى مع عدم وجود مسار محدد).
وللتوضيح، فإن التركيز على منطق “الحاجة” لا يعني إهمال جانب الربح، بل الاعتقاد بحتمية مسألة إزالة الكربون، والعمل بعد ذلك على تحقيقه بأقل تكلفة وأسرع وقت ممكن من خلال التعاون والتنافس. عندما يتساءل أحدهم عن سبب تباطؤ مجال الأعمال في إحداث التغيير إذا كانت الاستدامة مفيدة للأعمال، فالإجابة هي أن التغيير عملية صعبة (كما نرى في آلاف الكتب التي تناقش كيفية تغيير حياتك أو عملك). تكمن القوة في الجمود والعادات، لكن تذكير أنفسنا بالحاجة، والضرورة، والرغبة في التغيير سيحفزنا على التحرك بالسرعة المطلوبة.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




